← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

جَزت عن قتله، وسمي خراج الأرض جزية كأنه لازم لصاحب الأرض كما تلزم الجزية الذمي؛ كذا في "النهاية" (١). وعليه: فمعنى الحديث: أنه لا يُضرب على المسلم ضريبة تؤخذ منه في كل عام، فيُلزم بها كما يُلزم الذمي بجزيته، وتؤخذ منه طَوعاً أو كَرهاً. وهذه أفعال أكثر الأمراء في نواحي الشام وغيرها، يأخذون من الرجال في كل عام مالاً معيناً على كل واحد منهم كأنه حق يلزم رقابَهم، ويكتب بذلك دفاتر لهم، ويُنتظر صبيهم حتى يبلغ فيفرض عليه كما تُفرض الجزية على رجال أهل الذمة، بل تعدَّى بعضهم ففرض على غير آلات بلاده في بعض الأعوام قدراً من الغزل لأجل البندقيات؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٦٨ - ومنها: المغالقة على الخيل . وهي من جنس القمار، إلا أني نبهت عليها لمزيد الفائدة والإيضاح. روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن أبي عمرو الشيباني، عن رجل من الأنصار رضي الله تعالى عنهم، عن النبي ﷺ قال: "الْخَيْلُ ثَلاثةٌ؛ فَرَسٌ يَرْبِطُهُ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَثَمَنُهُ أَجْرٌ، وَعارِيَّتُهُ أَجْرٌ، وَعَلُفُه أَجْرٌ، وَفَرَسٌ يُغالِقُ فِيهْ الرَّجُلُ ويُراهِنُ؛ فَثَمَنُهُ وِزْرٌ، وَعَلَفُهُ وِزْرٌ، وَرُكُوبُهُ وِزْرٌ، وَفَرَسٌ لِلْبِطْنَةِ؛ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ سَداداً مِنَ الْفَقْرِ

стр. 4657

إِنْ شاءَ الله" (١). وفسر صاحب "النهاية" المغالقة بالمراهنة، وقال في الحديث: كأنه كره الرهان في الخيل إذا كان على رسم الجاهلية (٢)، كان يشرط في السباق من الجانبين؛ كأن يشترط المتسابقان أن من سبق منهما فله على الآخر كذا؛ فإن هذا غير صحيح، ويحرم لتردد كل منهما بين الغُنم والغُرم، وهو سورة القمار المحرم إلا بمحلل فرسه كفؤ لفرسيهما إن سبق أخذ مالها، كان سبق لم يغرم شيئاً، فإن سبقهما أخذ المالين، وإن سبقاه وجاءا معاً أو مرتباً وهو مع الثاني فلا شيء لأحد، وإن جاء مع أحدهما، أو تأخر الآخر، فمال هذا السابق لنفسه، ومال المتأخر للمحلل، وللذي معه لأنهما سبقاه، وإن جاء أحدهما ثم المحلل، ثم الآخر، فمال الآخر للأول؛ سمي محللاً لأن العوض به صار حلالاً (٣). روى أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَدْخَلَ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ

стр. 4658

فَرساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمارٌ" (١). وروى ابن حبان، وابن أبي عاصم في "الجهاد" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ سابق بين الخيل، وجعل بينهما سباقاً، وجعل بينهما محللاً (٢). وروى ابن أبي عاصم بإسناد فيه مجهول، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا جَلَبَ وَلا جَنَبَ إِذا لَمْ يَدْخُلِ الْمُتَراهِنانِ سَبقاً يَسْتَبِقانِ عَلَى السَّبْقِ بِهِ فَهُوَ حَرامٌ" (٣). ٦٩ - ومنها: غلق الرهن . يقال: غلِق الرهن - بكسر اللام الذي هي عين الكلمة - يغلَق - بفتحها - إذا استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يستفكه. وكان هذا من فعل الجاهلية كما ذكره صاحب "النهاية"، وغيره: أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن،

стр. 4659

فأبطله الإسلام (١). وأنشدوا لزهير: [من البسيط] وَفارَقْتُكَ برهْن لا فِكاكَ لَه ... يَوْمَ الْوَداعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا (٢) روى عبد الرزاق، والإمام الشافعي، وابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَغْلقُ مِنْ صاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَليَهْ غُرْمُهُ" (٣). قال الشافعي: غنمه: زيادته، وغرمه: هلاكه (٤). ورواه الدارقطني، وابن حبان، والحاكم وصححاه، ولفظه: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ راهِنِهِ؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٥).

стр. 4660

قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وقوله: له غنمه وعليه غرمه، من كلام سعيد بن المسيب؛ يعني: إنه مندرج في الحديث. نقله عن الزهري (١). وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهريّ، عن المسيب أن النبي ﷺ قال: "لا يَغْلَقِ الرَّهْنُ". قلت للزهري: أرأيت قول النبي ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" أهو الرجل يقول: إن لم آتك بمالك فالرهن لك؟ قال: نعم. قال معمر: ثم بلغني عنه أنه قال: إن أهلك لم يذهب حق هذا، إنما هلك من رب الرهن؛ له غنمه، وعليه غرمه (٢). لكن أخرجه ابن حزم - وقال: سنده حسن - عن شبابة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، الرَّهْنُ لِمَنْ رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٣). وصحح هذه الرواية عبد الحق، وهي تدل على أن لا إدراج فيه (٤).

стр. 4661

٧٠ - ومنها: التعزي بعزاء الجاهلية . والعزاء - بالفتح، والمد - مشترك بين النسب كما هنا والصبر. والتعزي الانتساب كالاعتزاز. والعزي اسم لدعوى المستغيث، وهو أن [يقول] (١): يا لفلان (٢). وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والدارقطني عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ : "مَنْ تَعَزَّى بِعَزاءِ الْجاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ، وَلا تَكْنُوا" (٣)؛ بفتح أوله، وإسكان ثانيه، وتخفيف ثالثه من الكناية ضد الصراحة. أي قولوا له: اعضض بأير أبيك، ولا تكنوا عن الأير بالهن تنكيلاً له وتأديباً (٤). وروى الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن ابن مسعود، وابن باكويه الشيرازي في "الألقاب" عن أبي هريرة قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ

стр. 4662

لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ أنْ جُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوى الْجاهِلِيَّةِ" (١). وهي كما في "النهاية" قوله: يا لفلان (٢)؛ كانوا يدعو بعضهم بعضاً بذلك عند الأمر الحادث الشديد. والدعوى - بالفتح -، والدِّعوة - بالكسر - في النسب. والدعوة - بالفتح - في الطعام. قال في "الصحاح": هذا أكثر كلام العرب إلا عَدِيِّ الرَّبابَ؛ فإنهم يفتتحون الدال في النسب، ويكسرونها في الطعام (٣). وروى ابن إسحاق، والمفسرون عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: شاس بن قيس - وكان شيخاً قد عتا في الجاهلية عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب النبي ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها

стр. 4663

من قرار، فأمر فتى شاباً معه من يهود، فقال: اعمَد إليهم فاجلس معهم، ثم ذَكِّرْهم يوم بعاث، وما كان قبلهم، وأنشِدْهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج. ففعل، وتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلين من الحيين على الركب؛ أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددنا الآن جدعة، وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا: قد فعلنا؛ السلاحَ السلاحَ، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - فخرجوا إليها، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: "يا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! ! اللهَ اللهَ! أَبِدَعْوى الْجاهِلِيَّةِ وَأَنا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ بَعْدَ أَنْ هَداكُمُ اللهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَكْرَمَكُمْ بهِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أمرَ الْجاهِلِيَّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَألَّفَ بِهِ بَيْنَكُمْ، تَرْجِعُونَ إِلَى ما كُنتمْ عَلَيْهِ كُفَّاراً؟ ". فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدهم من عدوهم لهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدوهم شاس بن قيس، وأنزل الله تعالى في شأن شاس بن قيس

стр. 4664

وما صنع: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨ - ٩٩]. وأنزل في أوس بن قيظي، وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠٥] (١). ٧١ - ومن أعمال أهل الجاهلية: الاستقسام بالأزلام . قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٣]. وقد تقدم بيانه في التشبه بالشيطان. وروى الطبراني - بإسنادين أحدهما حسن - عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ يَنالَ الدَّرَجاتِ الْعُلا مَنْ تَكَهَّنَ، أَوِ اسْتَقْسَمَ، أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَرة تَطَيُّراً" (٢).

стр. 4665

٧٢ - ومنها: تعليق التمائم والحروز، وتقليد الدابة الوَثَر والجرس، ونحو ذلك . روى الإمام مالك، والشيخان، وأبو داود عن أبي بشير الأنصاري ﵁: أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت (١). قال مالك: أرى ذلك من العين (٢). قال البغوي: كانوا يشدون بتلك الأوتار والقلائد التمائم، ويعلقون عليها العود يظنون أنها تعصم من الآفات، فنهاهم رسول الله ﷺ ، وأعلمهم أنها لا تَرُدُّ من أمر الله. وقال غيره (٣): إنما أمرهم بقطعها لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس (٤). وروى الإمام أحمد، والترمذي، وآخرون، وصححه ابن جرير، والحاكم عن عبد الله بن عكيم رضي الله تعالى عنه، وابن حزم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ" (٥).

стр. 4666

وأخرجه الطبراني في "الكبير" عن أبي معبد الجهني رضي الله تعالى عنه - مرفوعًا بلفظ: "مَنْ عَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ" (١). وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أن النبي قال: "مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ" (٢). وعنه: أنه ﷺ قال: "مَنْ عَلَّقَ وَدَعَةً فَلا وَدعَ اللهُ لَهُ، وَمَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا تَمَّمَ اللهُ لَهُ". وأخرجه الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" (٣). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمائِمَ، وَالتُّوَلَةَ شِرْكٌ" (٤). والمراد بالرقى - جمع رقية -: ما كان بغير ذكر الله تعالى. والتمائم - جمع تميمة -: خرزات كانت العرب تعلقها في الجاهلية

стр. 4667

على الصبيان يتقون بها العين بزعمهم. قال في "الصحاح": والتميمة: عُوذة - أي: بالضم - تُعلَّق على الإنسان (١). وفي "القاموس": التميم: جمع تميمة كالتمائم: الخرزة رقطاء تنصب (٢) في السير، ثم تعقد في العنق، وتمم المولود: علقها عليه (٣). والتولة - بضم المثناة فوق وبفتح الواو - كما ضبطه في "النهاية" (٤). قال صاحب "الصحاح": قال الخليل: التِّولة والتُّولة - بكسر التاء وضمها -: شبيه بالسحر. قال الأصمعي: التولة ما تحبب به المرأة إلى زوجها (٥). وذلك كله كان من عوائد الجاهلية، وأكثر الناس الآن يتحاشون من ذلك. ٧٣ - ومنها: السحر والكهانة - وهما معروفان من فعل الجاهلية - والخط، والتنجيم . ووى مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه

стр. 4668

قال: قلت: يا رسول الله! أمور كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان؟ قال: "فَلا تَأْتُوا الْكُهَّانَ". قال: قلت: كنا نتطير؟ قال: "ذاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلا يَصُدَّنَّكُمْ". قال: قلت: ومنا رجال يخطون؟ قال: "كانَ نبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ يَخُطُّ؛ فَمَنْ وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ" (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ وَلا مَنْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَه" (٢). وكان من أخبث من استعمل السحر والشعبذة والنيرجات مسيلمةُ الكذاب لعنه الله تعالى، فقد حكي أنه كان يطوف قبل التنبؤ في الأسواق التي كانت العرب تلتقي فيها للتسوق والبَيَاعات كسوق الأُبُلَّة، والأنبار، والحيرة، وكان يلتمس تعلم الحيل، والنيرجات، واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم، والخط والكهانة.

стр. 4669

فمما عمل أنه صب على بيضة خَلًا حاذقًا كلما لانت وامتدت كالعلك أدخلها في قارورة ضيقة الرأس، وتركها حتى جفت ويبست، وعادت إلى حالها الأولى، فأخرجها إلى أصحابه وأهل بيته، وهم أعراب، وادعى أنها آية، فآمن به في ذلك المجلس جماعة. ووصل جناح طائر مقصوص من حيث لا يرون، فطار من ساعته. وقال لهم في ليلة منكرة الرياح مظلمة: إن الملك ينزل إلي الليلة، والملائكة تطير، وهي ذوات أجنحة، ولمجيء الملك زجل وخشخشة، فمن كان منكم طاهرًا فليدخل منزله، فإن من تأمله اختطف بصره. وقد اصطنع راية من رايات الصبيان التي ترسل يوم الريح بالخيوط، فلما كان في جوف الليل أرسلها، وقد علق فيها الجلاجل وجعل لها الأذناب والأجنحة، فلما سمعوا ذلك وراءه تصارخوا، وصاح بهم: من صرف بصره ودخل منزله فهو آمن، فأصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدَّفعِ عنه، لعنه الله. ٧٤ - ومن أخلاقهم: الطيرة . وهي في الأصل زجر الطير، ثم قيل لكل من تشاءم: تطير. وكانت العرب في الجاهلية تتيمن بالطائر السانح، وهو الذي يأتي من ناحية اليمين؛ أي: الذي يدل الشخص ميامنه، ويتشاءمون بالبارح، وهو الذي من ناحية الشمال؛ أي: الذي يوليه مياسره.

стр. 4670

وكذلك الظباء إذا سنحت سانحة أو بارحة (١). وكانوا يقولون: إذا برحت من لي بالسانح بعد البارح (٢). وكانوا إذا أراد أحدهم حاجة أتى الطائر في وَكْره فنفره، فإن أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السانح عندهم، وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم. وقد أبطل النبي ﷺ ذلك بقوله: "أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلى مَكُناتِها" (٣). وكانوا يتطيرون بصوت الغراب ويتأولونه البين، وبصوت البوم ويتأولونه الخراب، وكانوا يستدلون بمجادبات الطيور بعضها بعضًا على أمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك (٤). وقد جاء الشرع بالنهي عن التطير، وقال رسول الله ﷺ : "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ" - ثلاثًا -. رواه أبو داود، وغيره، وصححه الترمذي، وابن حبان من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٥). وأما قوله ﷺ : "ثَلاثٌ لازِماتٌ لأُمَّتِي؛ سُوءُ الظَّنِّ، وَالْحَسَدُ، وَالطِّيَرَةُ". رواه أبو الشيخ في كتاب "التوبيخ"، والطبراني في "الكبير"

стр. 4671

عن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه (١)؛ فهو إخبار عما جُبِل عليه طباع البشر الذين منهم أمته، لا أنه أقرهم على ذلك؛ بدليل تتمة هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "فَإِذا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ، وإِذا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ، وإِذا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ". فأشار ﷺ إلى أن ما يجري على المرء من هذه الثلاث بمقتضى طباع البشرية، فلا يضره إلا إذا ذهب مع الظن حتى أنزله منزلة اليقين، واسترسل في الحسد حتى صار إلى البغي فيه، واعتقد أن له حقًا واستحقاقًا لتلك النعمة المحسود عليها، وأطاع الطيرة فوقف عندها، وامتنع من إمضاء ما تطير منه، فهذا هو الذي زجر عنه الشرع، ومنع منه الدين لأنه هو الذي يدخل تحت الاختيار. وفي "صحيح مسلم" عن معاوية بن الحكم الأسلمي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله! منا رجال يتطيرون؟ قال: "ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلا يَضُرُّهُمْ" (٢). أي: ما لم يقفوا مع الطيرة، أما لو وقف أحد مع الطيرة حتى ترك ما هو فيه من الأمر أو رجع من سفره مثلًا فإن الطيرة تضره، وهي الشرك بعينه.

стр. 4672

روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ". قيل: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: "أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لا طَيْرَ إِلاَّ طَيْرُكَ، وَلا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثُمَّ يَمْضِي لِحاجَتِهِ" (١). وروى الأصبهاني في "ترغيبه" من طريق عبد الرزاق، عن زياد ابن أبي مريم قال: حدِّثنا أن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه كان غازيًا، فبينما هو يسير إذ أقبل في وجوههم ظباء يَسْعَين، فلما اقتربن منا وَلَّيْنَ مدبراتٍ، فقال له رجل: انزل أصلحك الله. - فقال له سعد: مماذا؟ تطيرت من قرونها حين أقبلت، أم من أذنابها حين أدبرت؟ إن هذه الطيرة لَبابٌ من الشرك. فلم ينزل سعد، ومضى (٢). ومن طريقه قال: أنا معمر عن قتادة قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن مضيت فمُتَوكَلٌ، وإن نكصت فمُتَطَيِّرٌ (٣). * تَنْبِيهٌ: لما كانت الطيرة مما غلب على طباع أكثر البشر - كما تقدم -

стр. 4673

علَّمنا رسول الله ﷺ ما يخلصنا من شر الطيرة فعلًا في حديث حارثة ابن النعمان، وقولًا في حديث عبد الله بن عمرو، وقد ذكرتُهما آنفًا. وروى ابن السني عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما قال: سئل رسول الله ﷺ عن الطيرة، فقال: "أَصْدَقُها الفَأْلُ، وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا، وَإِذا رَأَيْتُمْ مِنَ الطِّيَرَةِ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ لا يَأْتِي بِالْحَسَناتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئاتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ" (١). فإن قلت: فما تصنع بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ"؟ رواه الإمام أحمد عنه (٢). ورواه الشيخان، وغيرهما من حديث سهل بن سعد، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم بلفظ: "إِنْ كانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ" (٣). وكذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل منا إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نزلنا دارًا فكثر فيها عددنا، ودَّرت

стр. 4674

فيها أموالنا، ثم تحولنا عنها إلى أخرى فقَلَّتْ فيها أموالنا، وقلَّ فيها عددنا. فقال رسول الله ﷺ : "ذَرُوها، وَهِيَ ذَمِيْمَةٌ". رواه ابن قتيبة في "مختلف الحديث" (١). قلت: أما الحديث الأول فهو مما استدركته عائشة على أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقالا: إن أبا هريرة رضي تعالى عنه يحدث أن نبي الله ﷺ كان يقول: "إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ". فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ﷺ ما هكذا كان يقول، ولكن كان النبي ﷺ يقول: "كانَ أَهْلُ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ". ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] (٢). وروى الطيالسي عن مكحول رحمه الله تعالى قال: قيل لعائشة ﵂: إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله ﷺ : "الشُّؤْمُ فِي ثَلاثَةٍ؛ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ".

стр. 4675

فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه دخل ورسول الله ﷺ وهو يقول: "قاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ يَقُولُونَ: الشُّؤْمُ فِي ثَلاثَةٍ؛ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ"، فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله (١) (٢). وقد تقدم أن الطيرة من أخلاق اليهود والنصارى (٣). وأما حديث أنس ﵁: فأجاب عنه ابن قتيبة: بأن النبي ﷺ إنما أمرهم بالتحول من الدار لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال ظلها

стр. 4676

واستيحاشٍ بما نابهم فيها، وإن كان لا سبب لهم في ذلك (١). وجواب آخر: أنه أمرهم بالتحول منها خشية أن يعاد لهم الامتحان فيعودوا إلى التطير، ومن هذا القبيل قوله ﷺ : "لا يُوْرَدَنَّ مُمْرِضٌ عَلى مُصِحٍّ" (٢). وقوله ﷺ : "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرارَكَ مِنَ الأَسَدِ" (٣). إنما نهى عن الإيراد، وأمر بالفرار خشيةً من الوقوع في الطيرة لا أمرًا بها (٤). وقد تقدم الكلام على ذلك في: النهي عن التشبه بنمرود وقومه؛ فافهم! * تَنْبِيهٌ: ما ذكرناه عن الجاهلية من التطير كان هو الغالب عليهم، وربما كان فيهم من لا يتطير، وكانوا ربما مدحوا على ترك الطيرة كما قال قائلهم - وهو الأعشى - يمدح رجلًا: [من الطويل] وَلَيْسَ بِمُرْتابٍ إِذا شَدَّ رَحْلَهُ ... يَقُولُ عَدانِي الْيَوْمَ واقٍ وَحاتِمُ

стр. 4677

وَلَكِنَّهُ يَمْضِي عَلى ذاكَ مُقْدِمًا ... إِذا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الْهناةِ الْجَارِمُ (١) الواقي؛ كالقاضي: الصُّرد، وهو طائر فوق العصفور أبقع، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم الرأس، ضخم المنقار، أصابعه عظيمة، لا يرى إلا في سعفة أو شجرة، ولا يقدر عليه أحد، وكنيته: أبو كبير، وله صفير مختلف يصفر لكل طائر يريد أن يصيده بلغته (٢). قال في "الصحاح": ويقال: هو الواق - بكسر القاف بلا ياء - لأنه سمي بذلك لحكاية صوته، وأنشد بيته الآخر (٣). والجثارم - بضم الجيم، وبالمثلثة - قال ابن قتيبة: هو الذي لا يتطير (٤). والحاتم كما في "الصحاح": الغراب الأسود. قال في "القاموس": وغراب البين، وهو أحمر المنقار والرجلين (٥).

стр. 4678

وسمي حاتمًا؛ قال في "الصحاح": لأنه يحتِم عندهم بالفراق؛ يعني: إنه مأخوذ من الحتم، وهو القضاء، والحاتم: القاضي (١). وقال المرقِّش: [من مجزوء الكامل المرفّل] وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لا ... أَغْدُو عَلى واقٍ وَحاتِمْ فَإِذا الأَشائِمُ كَالأَيا ... مِنِ وَالأَيامِنُ كَالأَشائِمْ وَكَذاكَ لا خَيْرَ وَلا ... شَرَّ عَلَى أَحَدِ بِدائِمْ (٢) وهذا كما كان في الجاهلية من كان يؤمن بالقدر كما قال قائلهم: [من الرجز] يا أَيُّها الْمُضْمِرُ هَمًّا لا تَهَمْ ... إِنَّكَ إِنْ تُقْدَرْ لَكَ الْحِمَى تحمْ وَلَوْ عَلَوْتَ شاهِقًا مِنَ الْعَلَمْ ... كَيْفَ يُوْقِيْكَ وَقَدْ جَفَّ الْقَلَمْ (٣) وأنشد اللالكائي في "شرح السنة" لذي الإصبع العُدواني: [من الهزج] لَيْسَ الْمَرْءُ فِي شَيْءٍ ... مِنَ الإِبْرامِ وَالنَّقْضِ إِذا [أبرمَ] (٤) أمرًا إخا ... لُهُ يَقْضِي وَلا يَقْضِي (٥)

стр. 4679

وأنشد الأصبهاني للبيد - وهو مما قاله قبل الإسلام - مشيرًا إلى المعنيين: الإيمان بالقدر، وإنكار الطيرة والتنجيم: [من الطويل] لَعَمْرُكَ ما تَدْرِي الطَّوارِقُ بِالْحَصا ... وَلا زاجِراتُ الطَّيْرِ ما اللهُ صانِعُ (١) قال في الصحاح: والطرق: الضرب بالحصا، وهو ضرب من التكهن، والطَّرَّاق: المتكهن، والطوارق: المتكهِّنات، وأنشد بيت لبيد (٢). ٧٥ - ومن أخلاق أهل الجاهلية: اعتقاد أن غير الله يضر أو ينفع حقيقة، والاستعانة بغير الله تعالى . قال الله تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان العرب في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فلا يكونون بشيء أشد وَلَعًا منهم بهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. رواه ابن مردويه (٣).

стр. 4680

وقال الربيع بن أنس رحمه الله تعالى: كانوا يقولون: رب هذا الوادي من الجن، وكان أحدهم إذا دخل ذلك الوادي يعوذ برب الوادي من دون الله تعالى، فيزيده بذلك رهقًا؛ أي: خوفًا. رواه عبد ابن حميد (١). وروى أبو نصر السجزي في "الإبانة" عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رجلًا من تميم كان جريًّا على الليل والرمال، وأنه سار ليلة في أرض مجنة فاستوحش، فعقل راحلته ثم توسد ذراعها، وقال: أعوذ بأعز أهل هذا الوادي من شر أهله، فأجاره شيخ منهم، وكان منهم شاب وكان سيدًا في الجن، فغضب الشاب لما أجاره الشيخ، فأخذ حربة له قد سقاها السم لينحر بها ناقة الرجل، فتلقاه الشيخ دون الناقة، فقال: [من الكامل] يا مالكُ بْنَ مُهَلْهَلٍ مَهْلًا ... فَذَلِكَ مَحْجِرِي وَإِزارِي عَنْ ناقَةِ الإِنْسانِ لا تَعْرِضْ لَهَا ... وَاخْتَرْ إِذا وَرَدَ الْمِياهُ أَبْوارِي إِنِّي ضَمِنْتُ لَهُ سَلامَةَ رَحْلِهِ ... فَاكْفُفْ يَمِينَكَ راشِدًا عَنْ جارِي وَلَقَدْ أتيْتَ إِلَيَّ ما لَمْ أَحْتَسِبْ ... أَلا رَعَيْتَ قَرابَتِي وَجِوارِي تَسْعَى إِلَيْهِ بِحَرْبَةٍ مَسْمُومَةٍ ... إِنِّي لِقُرْبِكَ يا أَبا الْيَقْطارِ فقال الفتى: [من الكامل] أَأَرَدْتَ أَنْ تَعْلُو وَتَخْفِضَ ذِكْرَنا ... فِي غَيْرِ مُزْريةٍ أَبا الْعَيْزارِ

стр. 4681

مُتَنَحِّلًا أَمْرًا لِغَيْرِكَ فَضْلُهُ ... فَارْحَلْ فَإِنَّ الْفَضْلَ لِلْبَزَّارِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ سَيِّدًا فِيما مَضَى ... إِنَّ الْخِيارَ هُمْ بَنُو الأَخْيارِ فَاقْصِدْ لِقَصْدِكَ يا مُنَكَّرُ إِنَّما ... كانَ الْمُجِيرُ مُهَلْهِلَ بْنَ دِثارِ فقال الشيخ: صدقت، كان أبوك سيدنا وأفضلنا، دع هذا الرجل لا أنازعك بعده أحدًا، فتركه، فأتى الرجل النبي ﷺ ، فقص عليه القصة، فقال رسول الله ﷺ : "إِذا أَصابَ أَحَدًا مِنْكُمْ وَحْشةٌ، أَوْ نزَلَ بِأَرْضٍ مِجنةٍ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلا فاجِرٌ مِنْ شَرِّ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها، وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ، وَمِنْ طَوارِقِ النَّهارِ إِلاَّ طارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ". وأنزل في ذلك: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] (١). ٧٦ - ومن أخلاق أهل الجاهلية: الاستمطار بالأنواء، واعتقاد أنها ممطرة حقيقة، وقولهم: مُطرنا بنَوء كذا . قال الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾؛ أي: شُكْرَ رزقِكم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].

стр. 4682

وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] قال: "شُكْرَكُمْ؛ يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، وَبِنجْمِ كَذا" (١). وقال عبد الرحمن السُّلمي: قرأ علي رضي الله تعالى عنه الواقعة في الفجر فقال: وتجعلون شكركم أنكم تكذبون، فلما انصرف قال: إني قد عرفت أنه سيقول قائل: لم قرأها هكذا؟ إني سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها كذلك؛ كانوا إذا مطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: وتجعلون شكركم أنكم إذا مطرتم تكذبون. رواه ابن مردويه (٢). قال عوف: بلغني أن مشركي العرب كانوا إذا مطروا في الجاهلية قالوا: مطرنا بنوء كذا. رواه عبد بن حميد (٣). وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شاكِرٌ وَمِنْهُمْ كافِرٌ؛ قالُوا: هَذهِ رَحْمَةٌ وَضَعَها اللهُ تَعالَى، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا"، فنزلت هذه الآيات: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾

стр. 4683

حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢] (١). قال شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: إن قال مسلم: مطرنا بنوء كذا مريدًا أن النَّوء هو الموجد والفاعل المحدث الممطر، صار مرتدًا بلا شك، وإن قال مريدًا أنه علامة لنزول المطر، فنزل المطر عند هذه العلامة، ونزوله بفعل الله تعالى وخلقه، لم يكفر. واختلفوا في كراهته، والمختار أنه مكروه لأنه من ألفاظ الكفار، وهذا ظاهر الحديث، ونص عليه الشافعي في "الأم" (٢)، وغيره؛ والله تعالى أعلم (٣). وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : "لَوْ أَمْسَكَ اللهُ الْمَطَرَ عَنِ النَّاسِ سَبع سِنِينَ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ لأَصْبَحَتْ طائِفَةٌ كافِرِينَ يَقُولُونَ: هَذا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ"؛ يعني: الدبران (٤). وهكذا في الحديث وقع تفسير المجدح بالدبران من الراوي، وهو - بالتحريك -: منزل من منازل القمر. وفي "القاموس": إنه الدبران، أو نجم صغير تحته، والثريا، وهو كمنبر، وبضم الميم منه (٥).

стр. 4684

والحديث يحتمل وجهين: الأول: أنه على سبيل الفرض إشارة إلى أن هذا الاعتقاد لا يخلو الناس أن يكون فيهم من يعتقده ويقوله. والثاني: أن يكون فيه معجزة من حيث إنه إشارة أو إخبار بأنه أمر يأتي آخر الزمان بحبس المطر سبعًا، ثم يرسل فيقول قائل ذلك. قال جابر السُّوائي رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَخافُ عَلى أُمَّتِي ثَلاثًا؛ اسْتِسْقاءَكُمْ بِالأَنْواءِ، وَحَيْفَ السُّلْطانِ، وَتَكْذِيبًا بِالْقَدَرِ". رواه ابن جرير (١). وأخرجه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "ثَلاثٌ أَخافُ عَلى أُمَّتِي؛ الاسْتِسْقاءُ بِالأَنْواءِ، وَحَيْفُ السُّلْطانِ، وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ" (٢). وروى البخاري في "تاريخه" - وقال: في إسناده نظر - والطبراني في "الكبير"، وآخرون عن مصعب بن عبيد الله بن جنادة بن مالك

стр. 4685

الأزدي، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ثَلاثٌ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجاهِلِيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ أَهْلُ الإِسْلامِ؛ اسْتِسْقاءٌ بِالْكَواكِبِ، وَطَعْنٌ فِي النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ عَلى الْمَيِّتِ" (١)، وله شواهد. ٧٧ - ومن أعمال الجاهلية: الاستسقاء بالنيران، أو بنار شجر مخصوص، أو بغير ذلك ما سوى الدعاء والطلب من الله تعالى، والتوبة، والأعمال الصالحة، وكان التسليع في الجاهلية كما ذكره صاحب "الصحاح ". قال في "القاموس": كانوا إذا أسنتوا علقوا السلع مع العشر بثيران الوحش، وحدروها من الجبال، وأشلوا في ذلك السلع - والعشراء؛ النار - يستمطرون بذلك. وفي "الصحاح": إنهم كانوا يعلقونها بذنابي البقر (٢). وغلطه في "القاموس"، وقال: الصواب بأذناب البقر (٣). يعني: إن الذنابا مفرد، وأوهم كلام "الصحاح" أنه جمع. ويشبه التسليع ما كان أهل مصر يصنعونه في جاهليتهم من إلقاء بكر في النيل بعد زفها وتزيينها ليوفى، وقصة مراجعة عمرو العاص

стр. 4686

لعمر بن الخطاب ﵄ في ذلك، وإبطال عمر لهذه السنة الجاهلية مشهورة. وقد روى اللالكائي، والسِّلفي، وغيرهما عن قيس بن حجاج عمن حدثه: أن مصر لما فتحت أتى أهلها إلى عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه حين دخل بونة من أشهر [العجم] (١) وقالوا له: أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها. فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا تحتها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا ما لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بونة وأبيب ومسرى لا يجري قليلًا ولا كثيرًا، حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب بذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فكتب: إنك أصبت بما فعلت، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل. فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو رضي الله تعالى عنهما أخذ البطاقة، ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل

стр. 4687

مصر: أما بعد! فإنك إن كنت إنما تجري من قِبَلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل، فلما ألقوا البطاقة أصبحوا يوم السبت وقد أجراه الله ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السُّنَّة عن أهل مصر إلى اليوم (١). ٧٨ - ومن أعمال أهل الجاهلية: سب الدهر، والتشكي منه، ونسبة التقلبات إليه . قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. روى ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢). وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم بزيادة، ولفظه: فقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].

стр. 4688

قال: وقال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار (١). وروى الشيخان عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ اللهُ تَعالَى: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنا الدَّهْرُ بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهارُ" (٢). وروى أبو داود عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ اللهُ تَعالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، فَيَقُولُ: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنِّي أَنا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنهَارَهُ" (٣). قال الحافظ عبد العظيم: ومعنى الحديث: أن العرب كانت إذا نزل بأحدهم نازلة أو أصابته مصيبة أو مكروه سبَّ الدهر اعتقادًا منهم أن الذي أصابه فعل الدهر كما كانت العرب تستمطر بالأنواء؛ تقول: مطرنا بنوء كذا اعتقادًا أن ذلك فعل الأنواء، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك (٤). ٧٩ - ومن أخلاقهم: أنهم كانوا يعتقدون أن الشمس والقمر لا تكسفان إلا لموت عظيم . وكذلك الحوادث العلوية كانقضاء النجم يعتقدون أنه لميلاد أو ممات.

стр. 4689

روى النسائي عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَهْلَ الْجاهِلِيَّةِ كانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْخَسِفانِ إِلاَّ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَماءِ الأَرْضِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْخَسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، وَلَكِنَّهُما خَلِيقَتانِ مِنْ خَلْقِهِ، يُحْدِثُ اللهُ فِي خَلْقِهِ ما يَشاءُ، فَأَيُّهُما انْخَسَفَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ، أَوْ يُحْدِثَ اللهُ أَمْرًا" (١). وروى مسلم [عن ابن عباس ﵄]، عن رجل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما كُنتمْ تَقُولُونَ فِي الْجاهِلِيَّةِ إِذا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم؛ كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم. فقال رسول الله ﷺ : "فَإِنَّها لا يُرْمَى بِها لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، وَلَكِنْ ربُّنا تَبارَكَ اسْمُهُ إِذا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّماءِ الَّذِيْنَ يَلُونهمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذهِ السَّماءِ الدُّنْيا، ثمَّ قالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ بِماذا قالَ، فَيُخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّماواتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذ السَّماءَ الدُّنْيا، فَيْخَطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيائِهِمْ، وَيَرْمُونَ بِهِ

стр. 4690

فَما جاؤوا بِهِ عَلى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْذِفُونَ فِيْهِ وَيَزِيدُونَ" (١). ٨٠ - ومنها: دخول الإنسان على غيره، أو منزله بغير سلام ولا استئذان، واستبدال غيره به كقولهم: أنعم صباحًا، وأنعم مساء، وحييتم صباحًا، ومثل قول الناس الآن بعضهم لبعض: صباح الخير، مساء الخير من غير سلام، وكل ذلك مخالف للسنة . روى القضاعي، والديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "السَّلامُ تَحِيَّةٌ لِمِلَّتِنا، وَبَيانٌ لِذِمَّتِنا" (٢). وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه، يقول: حييت صباحًا، وحييت مساء، وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم، ويقول: قد دخلت، فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في [ستر وعفة] (٣) فقال: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] الآية (٤). قال: فلما نزلت آية التسليم والاستئذان في البيوت قال أبو بكر

стр. 4691

رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! كيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة، والشام وبيت المقدس، ولهم بيوت معلومة على الطريق، فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها سكان؟ فرخص الله في ذلك، فأنزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩] بغير إذن (١). ٨١ - ومنها: التحرج عن الأكل مع الضيف بخلًا ، ومع الخدام والفقراء ونحوهم استكبارًا في أنفسهم، واستحقارًا لمؤاكلتهم - وقد كان ذلك من فعل ملوك الجاهلية من العرب والروم والعجم - وعن أكل الإنسان وحده رياءً وسمعةً وافتخارًا بخلاف ما لو كان من باب المواساة وطلب البركة بالأكل مع الجماعة. روى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة رحمه الله تعالى قال: كان هذا الحي من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاته أن يأكل وحده في الجاهلية حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو خارج حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] (٢). وروى المفسرون، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنهم كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره،

стр. 4692

فرخَّص الله لهم فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] (١). عرَّفَنَا الله تعالى أن الأكل مباح في حالتي الاجتماع والانفراد ما لم يكن مقرونًا بقصد ممنوع منه كالافتخار والرياء، والاستكبار، والبخل. وفي تقديم قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ إشارة إلى تفضيل الأكل مع الجماعة على الأكل مع الانفراد؛ لأن الجماعة رحمة، وفيها البركة كما في الحديث: "اجْتَمِعُوا عَلى طَعامِكُمْ يُبارَكْ لَكُمْ فِيهِ". ٨٢ - ومنها: الفخر بالآباء والأنساب والأحساب . روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والبيهقي بسند حسن واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَها بِالآباءِ، النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرابٍ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَكافِرٌ شَقِيٌّ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوامٌ يَفْتَخِرُونَ بِرِجالٍ إِنَّما هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلى اللهِ مِنَ الْجُعْلانِ الَّتِي [تدفع] (٢) النَّتَن بِأَنْفِها" (٣).

стр. 4693

والعبية - بضم المهملة، وكسرها، وكسر الموحدة المشددة، وبعدها مثناة تحت مشددة -: هي الفخر والنَّخْوة. وروى مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجاهِلِيَّةِ، لا يَتْرُكُونهنَّ؛ الْفَخْرُ بِالأَحْسابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسابِ، وَالاسْتِسْقاءُ بِالنُّجُومِ، ثُمَّ النِّياحَةُ" (١). وروى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في "المختارة" عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم - أي: موسم الحج - يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] (٢). وروى نحوه عن عبد الله بن الزبير، وأنس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء (٣). وروى مسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن عِياض بن حمار رحمه الله تعالى: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَواضَعُوا

стр. 4694

حَتَّى لا يَفْخَر أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ، وَلا يَبْغِي أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ" (١). ٨٣ - ومنها: الطعن في الأنساب . وهو من لوازم الفخر بالنسب؛ لأن الإنسان مهما افتخر على غيره برفعة نسبه عليه فقد وضع من نسب من فخر عليه، بل قد تذهب نفس المفتخر بنفسه إلى أنه لا يرضى أن يكون فوقه أشرف منه ليتم له الفخر بنسبه، ولذلك قرن النبي ﷺ بين الخصلتين في الحديث المتقدم. وروى البخاري في "تاريخه"، والطبراني في "الكبير" عن جُنادة ابن مالك ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "ثَلاثٌ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجاهِلِيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ أَهْلُ الإِسْلامِ؛ اسْتِسْقاءٌ بِالْكَواكِبِ، وَطَعْنٌ فِي النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ" (٢). ٨٤ - ومنها: التنابز بالألقاب المشعرة بالذم . روى الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب"، وأصحاب السنن الأربعة، والمفسرون، وأبو يعلى، والطبراني، وآخرون، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن أبي جبيرة بن الضحاك رضي الله تعالى عنه قال: فينا نزلت في بني سلمة: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]؛ قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة،

стр. 4695

وكان إذا دعي أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله! إنه يكره هذا الاسم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] (١). وروي نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). ٨٥ - ومنها: التمادح لا على وجه التقرب إلى الله تعالى بالإنصاف، وإنزال الناس منازلهم، بل على وجه المداهنة والمراءاة، والتقرب إلى قلوب الناس تحصيلًا للأغراض الفاسدة . وعليه كان تمادح أهل الجاهلية، وإياه عنى رسول الله ﷺ بقوله: "إِيَّاكُمْ وَالتَّمادُحَ؛ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ". رواه ابن ماجه من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه (٣). وروى ابن أبي الدنيا عن مطرِّف بن عبيد، عن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ في رهط من بني عامر فقالوا: أنت
следующие страницы →