← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! كيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة، والشام وبيت المقدس، ولهم بيوت معلومة على الطريق، فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها سكان؟ فرخص الله في ذلك، فأنزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩] بغير إذن (١). ٨١ - ومنها: التحرج عن الأكل مع الضيف بخلًا ، ومع الخدام والفقراء ونحوهم استكبارًا في أنفسهم، واستحقارًا لمؤاكلتهم - وقد كان ذلك من فعل ملوك الجاهلية من العرب والروم والعجم - وعن أكل الإنسان وحده رياءً وسمعةً وافتخارًا بخلاف ما لو كان من باب المواساة وطلب البركة بالأكل مع الجماعة. روى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة رحمه الله تعالى قال: كان هذا الحي من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاته أن يأكل وحده في الجاهلية حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو خارج حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] (٢). وروى المفسرون، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنهم كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره،

стр. 4692

فرخَّص الله لهم فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] (١). عرَّفَنَا الله تعالى أن الأكل مباح في حالتي الاجتماع والانفراد ما لم يكن مقرونًا بقصد ممنوع منه كالافتخار والرياء، والاستكبار، والبخل. وفي تقديم قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ إشارة إلى تفضيل الأكل مع الجماعة على الأكل مع الانفراد؛ لأن الجماعة رحمة، وفيها البركة كما في الحديث: "اجْتَمِعُوا عَلى طَعامِكُمْ يُبارَكْ لَكُمْ فِيهِ". ٨٢ - ومنها: الفخر بالآباء والأنساب والأحساب . روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والبيهقي بسند حسن واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَها بِالآباءِ، النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرابٍ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَكافِرٌ شَقِيٌّ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوامٌ يَفْتَخِرُونَ بِرِجالٍ إِنَّما هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلى اللهِ مِنَ الْجُعْلانِ الَّتِي [تدفع] (٢) النَّتَن بِأَنْفِها" (٣).

стр. 4693

والعبية - بضم المهملة، وكسرها، وكسر الموحدة المشددة، وبعدها مثناة تحت مشددة -: هي الفخر والنَّخْوة. وروى مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجاهِلِيَّةِ، لا يَتْرُكُونهنَّ؛ الْفَخْرُ بِالأَحْسابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسابِ، وَالاسْتِسْقاءُ بِالنُّجُومِ، ثُمَّ النِّياحَةُ" (١). وروى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في "المختارة" عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم - أي: موسم الحج - يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] (٢). وروى نحوه عن عبد الله بن الزبير، وأنس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء (٣). وروى مسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن عِياض بن حمار رحمه الله تعالى: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَواضَعُوا

стр. 4694

حَتَّى لا يَفْخَر أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ، وَلا يَبْغِي أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ" (١). ٨٣ - ومنها: الطعن في الأنساب . وهو من لوازم الفخر بالنسب؛ لأن الإنسان مهما افتخر على غيره برفعة نسبه عليه فقد وضع من نسب من فخر عليه، بل قد تذهب نفس المفتخر بنفسه إلى أنه لا يرضى أن يكون فوقه أشرف منه ليتم له الفخر بنسبه، ولذلك قرن النبي ﷺ بين الخصلتين في الحديث المتقدم. وروى البخاري في "تاريخه"، والطبراني في "الكبير" عن جُنادة ابن مالك ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "ثَلاثٌ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجاهِلِيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ أَهْلُ الإِسْلامِ؛ اسْتِسْقاءٌ بِالْكَواكِبِ، وَطَعْنٌ فِي النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ" (٢). ٨٤ - ومنها: التنابز بالألقاب المشعرة بالذم . روى الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب"، وأصحاب السنن الأربعة، والمفسرون، وأبو يعلى، والطبراني، وآخرون، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن أبي جبيرة بن الضحاك رضي الله تعالى عنه قال: فينا نزلت في بني سلمة: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]؛ قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة،

стр. 4695

وكان إذا دعي أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله! إنه يكره هذا الاسم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] (١). وروي نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). ٨٥ - ومنها: التمادح لا على وجه التقرب إلى الله تعالى بالإنصاف، وإنزال الناس منازلهم، بل على وجه المداهنة والمراءاة، والتقرب إلى قلوب الناس تحصيلًا للأغراض الفاسدة . وعليه كان تمادح أهل الجاهلية، وإياه عنى رسول الله ﷺ بقوله: "إِيَّاكُمْ وَالتَّمادُحَ؛ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ". رواه ابن ماجه من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه (٣). وروى ابن أبي الدنيا عن مطرِّف بن عبيد، عن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله ﷺ في رهط من بني عامر فقالوا: أنت

стр. 4696

والدنا، وأنت سيدنا، وأنت أفضلنا علينا فضلًا، وأنت أطولنا علينا طولًا، وأنت الجفنة الغَّراء، وأنت وأنت، فقال: "قُولُوا قَوْلَكُمْ، وَلا يَسْتَهْوِيَنَّكمُ الشَّيْطانُ" (١). وأخرجه أبو داود، والنسائي في "اليوم والليلة" بلفظ آخر (٢). وفيه إشارة إلى أن اللسان إذا أطلق في الثناء - ولو بالصدق - فيخشى أن يستهوي الشيطان إلى الزيادة المستغنى عنها؛ قاله في "الإحياء" (٣). واعلم أن المدح قد يشتمل على كذب، أو رياء، أو شهادة بظن أو توهم، أو تفريح ظالم أو فاسق، وتجرئتهما على الظلم والفسق، وقد يُحدث في الممدوح كِبرًا أو إعجابًا، وهما مهلكان، أو فتورًا عن الخير، أو رضى عن النفس، ومن هنا كان المدح ذبحًا. وروى [ابن] زنجويه في كتاب "الأدب": أن رجلًا مدح رجلًا بحضور عمر رضي الله تعالى عنه [فقال]: عقرت الرجل عقرك الله (٤). وعلى ما ذكرناه كانت أمداح أهل الجاهلية بعضهم ببعض، وربما

стр. 4697

كان الحامل لهم على المدح التوصل إلى الدنيا، وهو شرك صِرف، وجاهلية مَحْضة، وعليه قوله ﷺ : "اُحْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرابَ". رواه مسلم من حديث المقدام رضي الله تعالى عنه (١). وحمله بعضهم على ظاهره، وجعله إشارة إلى تعزيرهم بذلك. والأكثرون حملوه على المجاز، وأن المراد به مقابلتهم بالخيبة والحرمان، وهو خلاف ما قصدوه، وهو أبلغ من التعزير (٢). ٨٦ - ومنها: التمدح وتزكية النفس . وأمر أهل الجاهلية في ذلك مشهور، وأشعارهم مشحونة بذلك. قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. ٨٧ - ومنها: المشي في القميص من غير رداء، ونحوه مما يتم به التستر؛ لأن ذلك يؤدي إلى كشف العورة أو بدوها، وروح هذه الخصلة يرجع إلى قلة الحياء والتستر، وهما من الإيمان، وضدهما من الجهل . روى ابن ماجه عن عمران بن حصين، وأبي برزة رضي الله تعالى عنهم قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى قومًا قد طرحوا

стр. 4698

أرديتهم يمشون في قمص، فقال رسول الله ﷺ : "أَبِفِعْلِ الْجاهِلِيَّةِ تَأْخُذُونَ؟ أَوَ بِصُنع الْجاهِلِيَّةِ تشَبَّهُونَ؟ فَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دَعْوَةً تَرْجِعُونَ فِي غَيْرِ صُوَرِكُمْ"، فأخذوا أرديتهم ولم يعودوا لذلك (١). ٨٨ - ومنها: تبرج النساء . قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وروى عبد بن حميد عن معاوية بن قرة ﵁ قال: كان نساء الجاهلية يلبسن الخلاخل الصُّم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] (٢). فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو يكون على حليها جلاجل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. رواه المفسرون (٣). قلت: حدث هذا في الأزمنة المتأخرة في أكثر النساء أنهن يضعن في ضفائرهن الجلاجل، وربما مشين به في الأسواق، وربما سَمَّينه:

стр. 4699

منبه سيده، وظهورهن بذلك في الرجال، وإن تسترن وأكثر تسترهن بما لا يعد ساترًا حرام بالنص لأنه من التبرج بلا شك. وروى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] قال: التبختر (١). وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية قال: التبرج أن تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيوراي قلادتها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، قال: ثم عمت - يعني: الآية - نساء المؤمنين في التبرج؛ يعني: إنهن كلهن يشاركن نساء النبي ﷺ في النهي عن ذلك (٢). وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة رحمه الله تعالى: أن التبرج مِشْية فيها تكسُّر وتغنُّج؛ نهاهن الله عن ذلك (٣). ٨٩ - ومنها: اعتزال الحائض في المسكن والمؤاكلة، وتقدم أن اليهود كذلك . وإتيان الحائض، وتقدم أن النصارى كذلك. والأول كان هو الأول فيهم، وكان الثاني إنما يفعله رعاعهم.

стр. 4700

وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قال: كان الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فأنزل الله تعالى الآية في ذلك، فحرم الله تعالى فرجها ما دامت حائضًا، وأحل ما سوى ذلك (١). ٩٠ - ومنها: اعتقاد العدوى . روى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجاهِلِيَّةِ لَنْ يَدَعَهُنَّ النَّاسُ؛ الطَّعْنُ فِي الأَنْسابِ، وَالنِّياحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالأَنْواءُ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وَكَذا، وَالإِعْداءُ: جَرِبَ بَعِيرٌ فَأَجْرَبَ مِئَةً؛ فَمَنْ أَجْرَبَ الْبَعِيرَ الأَوَلَ؟ " (٢). قال أبو عبيد القاسم بن سلام في ﷺ "أمثاله": ومن أمثالهم في أخذ البريء بذنب صاحب الجناية قولُ النابعة الذبياني: [من الطويل] حَمَلْتَ عَليَّ ذَنْبَهُ وَتَرَكْتَهُ ... كَذِي الْعُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وَهْوَ راتِعُ ثم قال: تزعم العرب أن الإبل إذا أصابها العر، فكووا الصحيح زال العر عن السقيم (٣).

стр. 4701

قال الأصمعي: العر - بضم العين -: قروح تخرج متفرقة في مشافر الإبل وقوائمها، يسيل منها مثل الماء الأصفر، وكان أهل الجاهلية بجهلهم إذا أصاب أحدهم هذا الداء كووا أذن بعير يرتعي معها في مشفره؛ يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب القروح. قال: وأما العر - وهو الجرب - فلا يكوى منه (١). وفي "القاموس": إن العر - بالضم -: عروق في أعناق الفصلان، وداء يتمعط منه وبر الإبل (٢). ٩١ - ومنها: النياحة على الميت، والنعي، ولطم الخدود، وخمش الوجوه، وحلق الشعور ونشرها، وشق الجيوب في المصائب، والإسعاد في ذلك . قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية - أي: الإناث - يمزقن الثياب، ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعر، ويدعون بالويل والثبور. رواه ابن جرير (٣). وروى عبد الرزاق، والإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه

стр. 4702

قال: أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله! إن نساء أسعدننا في الجاهلية، فنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : "لا إِسْعادَ فِي الإِسْلامَ، وَلا شِغَارَ، وَلا عَقْرَ، وَلا جَلَبَ وَلا جَنَبَ، وَمَنِ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا" (١). وروى مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ؛ الْفَخْرُ فِي الأَحْسابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسابِ، وَالاسْتِسْقاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّياحَةُ". وقال: "النَّائِحَةُ إِذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَعَلَيْها سِرْبالٌ مِنْ قَطِرانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جربٍ" (٢). وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيوبَ، وَدَعا بِدَعْوى الْجاهِلِيَّةِ" (٣)؛ أي: قولهم في المصيبة: يا ثبوراه، يا ويلاه. وروى الترمذي من حديثه - مرفوعًا، وصححه موقوفًا - قال: "إِيَّاكُمْ وَالْنَّعْيَ؛ فَإِنَّ الْنَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجاهِلِيَّةِ" (٤).

стр. 4703

وروى مسلم، والترمذي عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة (١). الصالقة: التي ترفع صوتها بالنوح والندب. والحالقة: التي تحلق رأسها عند المصيبة. والشاقة: التي تشق أثوابها لذلك. والأحاديث في الباب كثيرة. فإن قلت: صح أن النبي ﷺ نعى للناس النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه (٢)، وأنه نعى للناس زيدًا، وجعفرًا، وعبد الله ابن رواحة ﵃ (٣)، وصح في قصة الرجل الذي مات ليلًا فقال النبي ﷺ : "أفلا كُنتمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ" (٤) الحديث، وذلك يدل على جواز النعي؟ فالجواب كما قال النووي، وغيره: إن النعي المنهي عنه إنما هو نعي الجاهلية، وكانت عادتهم إذا مات منهم شريف بعثوا راكبًا يسير في الناس يقول: نعاء فلان، ويذكر مآثره، وربما اعتاد بعض العرب كون الذي ينعي الميت من النساء، ويكون مع النعي ضجيج وبكاء كما يفعله كثير من النسوة الآن إذا مات الميت خرجن في الأزقة، ومن بيت إلى بيت ينعينه ويندبنه.

стр. 4704

فأما إعلام أهل الميت وأقربائه وأصدقائه مجردًا عن النوح والندب فقد استحسنه المحققون والأكثرون من أصحابنا، وغيرهم. وذكر صاحب "الحاوي" لأصحابنا وجهين في الاستحباب: - الإيذان بالميت. - وإشاعة موته بالنداء والإعلام. فاستحب ذلك بعضهم للغريب والقريب لما فيه من كثرة المصلين عليه والداعين له، وقال بعضهم: يستحب ذلك للقريب، ولا يستحب لغيره. قال النووي: والمختار استحبابه مطلقًا إذا كان مجرد إعلام (١). ٩٢ - ومن أعمال أهل الجاهلية: الوصية بالنوح، والتعديد، واللطم، وما ذكر معه . روى الخطابي، وغيره أن أهل الجاهلية كانوا يوصون أهليهم بالبكاء عليهم، والنوح عليهم. وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وهو موجود في أشعارهم كقول الشاعر: [من الطويل] إِذا مِتُّ فَانْعِيْنِي بِما أَنا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يا أُمَّ مَعْبَدِ (٢)

стр. 4705

وأما حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في "الصحيحين"، وغيرهما: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أَهْلِهِ" (١). وحديث أبيه رضي الله تعالى عنهما: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِما نِيحَ عَلَيْهِ" (٢) فهو محمول على ما إذا أوصى بذلك، وعليه جرى المزني، وبقية الأصحاب، وجمهور العلماء (٣). ٩٣ - ومنها: الإحداد على الميت أكثر من ثلاث لغير الزوجة، وإحداد الزوجة أكثر من أربعة أشهر وعشر، أو من مدة الحمل . روى الشيخان، وأبو داود، والنسائي عن أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: قال النبي ﷺ : "لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا؛ فإنها لا تكتحل، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا"، الحديث (٤). وروى الإمام مالك، وهؤلاء، والترمذي عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها رضي الله تعالى عنها قالت: جاءت امرأة

стр. 4706

إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا"؛ مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يقول: "لا". ثم قال النبي ﷺ : "إِنَّما هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كانَتْ إِحْداكُنَّ فِي الْجاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعرةِ عَلى رَأْسِ الْحَوْلِ". قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفْشًا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر، فتفتضُّ به، فقلما تفتضُّ بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. وسئل مالك ﵁: ما تفتضُّ؟ قال: تمسح به جلدها (١). ٩٤ - ومنها - وهو من جنس الإحداد -: أن يغير هيئته لموت أبيه، أو ابنه، أو قريبه، ويخرج بهيئة مزرية خلاف عادته إظهارًا للحزن . وأشد منه تحميم الوجه، أو صبغ الثوب بالزُّرقة أو السواد، وذلك كله من الجهل والجزع المخالف لما أمره الله به من الصبر

стр. 4707

والرجوع إلى الله تعالى. روى ابن ماجه عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، وأبي برزة رضي الله تعالى عنه قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى قومًا قد طرحوا أرديتهم يمشون في قميص، فقال رسول الله ﷺ : "أَبِفِعْلِ الْجاهِلِيَّةِ تَأْخُذُونَ؟ أَوْ بِصُنع الْجاهِلِيَّةِ تتَشَبَّهُونَ؟ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دَعْوةً تَرْجِعُونَ فِي غَيْرِ صُوَرِكُمْ". قال: فأخذوا أرديتهم ولم يعودوا لذلك (١). ٩٥ - ومنها: أن يدفن مع الميت شيء من مال صامت، أو حيوان، أو يجعل عند قبره ليستأنس به، أو ليقيه من الأرض، أو لغير ذلك من الاعتقادات الفاسدة . فإن دفن ما سوى الكفن والحنوط مع الميت إضاعة مال، وقد نهى عن إضاعة المال، وقد انقطع الميت عن الدنيا فلا يحس بشيء من الدنيا استئناسًا أو استيحاشًا. نعم، أنسه ووحشته بأعماله؛ أي: بما ترتب عليها من ثواب أو عقاب. نعم، يستأنس بالذكر والقرآن والدعاء، وينتفع بذلك، وبالصدقات. ذكر الشهرستاني في "الملل والنحل": أن بعض العرب كان إذا حضره الموت قال لوليه: ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر عليها (٢).

стр. 4708

وكانوا يربطون الناقة معكوسة إلى مؤخرها مما يلي ظهرها أو بطنها، ويتركونها حتى تموت عنده، ويسمونها: بلية. وقال جريبة بن الأشيم الأسدي حين حضره الموت يوصي ابنه سعدًا: [من الكامل] يا سَعْدُ إِمَّا أَهْلِكَنَّ فَإِنَّنِي ... أُوْصِيكَ إِنَّ أَخا الوُصاةِ الأَقْرَبُ لا تَتْرُكَنْ أَخاكَ يُحْشَرُ راجِلًا ... فِي الْحَشْرِ يُصْرعُ لِلْيَدَيْنِ وَيُنْكَبُ وَلَعَلَّ فِيما قَدْ تَرَكْتُ مَطِيَّةً ... فِي الْحَشْرِ أَرْكَبُها إِذا قِيلَ ارْكَبُوا وقال الجوهري في "صحاحه": البلية: الناقة التي كانت تُعقل في الجاهلية عند قبر صاحبها، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت؛ أو يحفر لها حفرة، وتترك فيها إلى أن تموت؛ لأنهم كانوا يزعمون أن الناس يحشرون ركبانًا على البلايا، أو مشاة إذا لم تُعكس مطاياهم على قبورهم، تقول منه: أَبْلَيتُ، وَبلَّيتُ؛ يعني: بالتشديد. قال الطرمَّاح: [من الوافر] مَنازِلُ لا تُرى الأَنْصابُ فِيها ... وَلا حُفَرُ الْمُبَلِّي لِلْمَنُونِ أي: إنها منازل أهل الإسلام دون الجاهلية. وقامت مبلِّيات فلان يَنُحْنَ عليه، وذلك أن يقُمن حول راحلته إذا مات (١). وقال في مادة: (ول ي): الوليَّة: البَرْذعة، ويقال: بل التي

стр. 4709

تكون تحت البرذعة، والجمع الولايا، وقولهم: كالبلايا رؤوسها في الولايا يعني: الناقة التي كان تعكس على قبر صاحبها، ثم تطرح الولية على رأسها إلى أن تموت، انتهى (١). والعكس كما في "القاموس"، وغيره: أن يشد حبلًا في خطم البعير إلى يديه ليذل، وذلك الحبل عكاس - بالكسر - (٢)، وهو أحد الوجهين اللذين ذكرهما الشهرستاني (٣). ولقد صادف الحق من اعتقد من العرب أن الناس منهم على مطايا، ولكنهم أخطؤوا فيما اعتقدوه من أن البلية تكون مطية إذا دفنت مع الميت أو عكست عنده حتى تموت صبرًا، وهلا أوصوا بالصدقة بها، أو بلحمها، وأطعموه الفقراء؛ فإن فيه رجاء لذلك. وفي الحديث: "اسْتَفْرِهُوا ضَحاياكُمْ؛ فَإِنَّها عَلى الصِّراطِ مَطاياكُمْ". رواه الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٤). ويحتمل أن يكون التقدير: فإن ثوابها مطاياكم على الصراط.

стр. 4710

٩٦ - ومن أخلاق أهل الجاهلية: معاداة أولياء الله تعالى، وإيذاؤهم، وإخراجهم من أوطانهم . وقد فعلوا ذلك بالنبي ﷺ وبأصحابه حتى هاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. وروى أبو يعلى بسند حسن، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة قال: "أَما وَاللهِ إِنِّي لأَخْرُجُ مِنْكِ وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُها عَلَيَّ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي ما خَرَجْتُ" (١). وروى البزار بسند صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ وقف على الحزورة فقال: "لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّكِ أَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ أَخْرَجُونِيَ مِنْكِ لَما خَرَجْتُ" (٢). ٩٧ - ومنها: الغل، والحقد، والحسد، والعداوة، والبغضاء، والحمية . ما لم تكن العداوة لنصرة الله وأمره، ومن ثم امتنَّ الله تعالى على أوليائه بقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧].

стр. 4711

ومن ثم أيضًا أُمر النبي ﷺ أن يقول في تعوذه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]. وروى ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: أن هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه. قيل: وأي غل؟ قال: غل الجاهلية؛ إن بني تميم، وبني عدي، وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية غل، فلما أسلم هؤلاء تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخِّن يده، فيكمِّد بها خاصرة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فنزلت هذه الآية (١). وروى ابن إسحاق، وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: مر شاس بن قيس - وكان يهوديًا - على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون، فغاظه ما رأى من تألُّفهم بعد العداوة، فأمر شابًا معه من يهود أن يجلس بينهم، فيذكرهم يوم بعاث، ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان؛ أوس بن قيظي من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان، وتواثبوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فجاء حتى وعظهم، وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا، فأنزل الله تعالى في أوس وجبار: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 4712

الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠٣] الآية (١). وقال أهل الأخبار: كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بين القبيلتين عداوة بسبب قتيل، فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم عشرين ومئة سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألَّف بينهم برسوله ﷺ ، فذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٢). قال [ ... ] (٣): والآية شاملة للأنصار وغيرهم ممن كانوا متعادين في الجاهلية متدابرين حتى امتن الله عليهم بالإسلام، فتحابوا وتواصلوا في ذات الله، وتعاونوا على البر والتقوى. وروى الإمام مالك، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقاطَعُوا،

стр. 4713

وَلا تَدابَرُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَحاسَدُوا، وَكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْوانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ" (١). ومن لطائف أبي نواس الحسن بن هانئ كما أورده عنه ابن كثير: [من السريع] يا سَيِّدِي عِنْدَكَ لِي مَظْلَمَة ... فَاسْتَفْتِ فِيها ابْنَ أَبِي خَيْثَمَة فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ جَدِّهِ ... قالَ رَوى الضَّحَّاكُ عَنْ عِكْرِمَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُصْطَفى ... مُحَمَّدِ الْمَبْعُوثِ بِالْمَرْحَمَة إِنَّ انْقِطاعَ الْخِلِّ عَنْ خِلِّهِ ... فَوْقَ ثَلاثٍ رَبُّنا حَرَّمَه وَأَنْتَ مُذْ شَهْرٍ لَنا هاجِرٌ ... أَما تَخافُ اللهَ فِينا أَمَّه (٢) ٩٨ - ومنها: الأمن من مكر الله تعالى، واليأس من رحمته، وكفران نعمه وشدة الفرح بالنعمة مع نسيان المنعم بها، والفخر بما لا يملك، والبطر والاغترار بالله تعالى، والجزع من الضراء والمصاب . وكل ذلك أخلاق جاهلية منشؤها الجهل بالله وبالنفس وبالمال. ومن هنا قال موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧].

стр. 4714

وكان رسول الله ﷺ إذا خرج من بيته قال: "بِسْمِ اللهِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَزِلَّ، أَوْ أَضِلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ". أخرجه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها (١). وهو عند أبي داود بلفظ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ" (٢). قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١]. قال ابن جريج رحمه الله تعالى في الآية: يا ابن آدم! إذا كان لك نعمة من الله من السَّعة والأمن، والعافية فكُفورٌ لما بك منها، وإذا

стр. 4715

نزعت منك يبتغي لك فراغك فيَؤُوس من رَوح الله، قَنُوط من رحمته، كذلك أمر الكافر (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ [هود: ١٠] قال: غرة بالله، وجرأة عليه، إنه لفرح والله لا يحب الفرحين، فخور بما أعطى لا يشكر الله تعالى. رواه ابن جرير، وأبو الشيخ (٢). ٩٩ - ومنها: الإصرار والتمادي في الضلال، وعدم الاتعاظ بالآيات، وعدم الاستكانة والتضرع عند نزول البليات تجلُّداً على الله تعالى، ومكابرة في المعاندة لأمر الله تعالى . قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾، يعني: قريشًا، وسائر العرب، وسائر الناس ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٣ - ٧٧]. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦]؛ يعني: السَّنَة والجوع. أخرجه ابن المنذر (٣).

стр. 4716

وروى العسكري في "المواعظ" عن علي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧٦] قال: لم يتواضعوا إلى الدعاء، ولم يخضعوا, ولو خضعوا لاستجاب لهم (١). وروى ابن جرير عن الحسن رحمه الله تعالى في الآية قال: إذا أصاب الناس من قبل السلطان بلاءٌ فلا يستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله تعالى (٢). واعلم أن هذا الخلق الجاهلي قد يتفق لبعض الشُّطَّار إذا نزل بهم البلاء من القتل، أو الجلد، أو غيرهما من العذاب؛ تجلدوا، وأظهروا الصبر والشجاعة على ذلك مفتخرين بالتجلد، عائبين على من يجزع منهم في مثل هذه الحالة. وبالجملة: فإن كل معصية فإنها تنشأ عن الجهل بالله تعالى، وأهل الجاهلية أشد جهالة بالله تعالى فهم أحق بأن تنسب كل معصية إليهم، ولكنا نبهنا في هذا الكتاب على هذه النبذة من أمهات أخلاقهم ليحذرها أهل المعرفة والديانة. ولما كان أبو جهل بن هشام مسارعًا في عداوة النبي ﷺ متجرأً عليه سمي أبا جهل، كأن كل جهل فهو أصله، وهو منسوب إليه، وإنما كانت كنيته أبا الحكم. ومن لطائف الشيخ أحمد بن علوان أحد أولياء اليمن وساداته:

стр. 4717

أنه قال: ثلاث خصال منكن فيه فهو يكنى أبا الجهل وإن كان عالمًا؛ الكبر، والحرص، والشح. وثلاث خصال من كن فيه فهو يكنى أبا العلم وإن كان أمياً؛ التواضع، والزهد، والسخاء. * تَتِمَّةٌ: روى ابن أبي شيبة عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: كنا نأتي النبي ﷺ فيجلس أحدنا حيث ينتهي، وكانوا يتذاكرون الشعر وحديث الجاهلية عند رسول الله ﷺ فلا ينهاهم، وربما تبسم (١). وعن عتبة بن عبد الرحمن، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: كنت أجالس أصحاب رسول الله ﷺ مع أبي في المسجد، فيتناشدون الأشعار، ويذكرون حديث الجاهلية (٢). وعن أبي سلمة -يعني: ابن عبد الرحمن- قال: لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ متحزِّقين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون (٣). فعلم من ذلك أن ذكر حديث الجاهلية ليظهر فضل العلم والمعرفة والدين، ولتحذر أخلاقهم المناقضة للعلم من جملة ما كان

стр. 4718

عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم. وإنما المذموم من ذكر حديث الجاهلية ما كان على سبيل الاهتمام به، والاستحسان له والترغيب فيه، وهو مما يغلب على شرار الناس في آخر الزمان عند قيام الساعة، وقد بدت أوائله الآن، وصنعت منه يد الحدثان. روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: أكثروا الطواف بالبيت قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه، وأكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع. قيل: وكيف يرفع ما في صدور الرجال؟ قال: يسرى عليه ليلاً فيصبحون منه قَواء ينسون قول: لا إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، فذلك حين يقع القول عليهم؛ أي: المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] (١). وروى الطبراني عنه قال: يسرى على القرآن ليلاً، فيذهب به من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء (٢). وروى هو وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والمفسرون، وصححه الحاكم، عنه قال: إن هذا القرآن سيرفع.

стр. 4719

قيل: كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في المصاحف؟ قال: يسرى عليه في ليلة واحدة فلا يترك منه آية في قلب ولا مصحف إلا رفعت، فتصبحون وليس فيكم منه شيء، ثم قرأ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] (١). وروى البيهقي في "الشعب" عنه قال: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع؛ فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع. قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في الصدور؟ قال: يعدى عليه ليلاً فيرفع من صدورهم، فيصبحون يقولون: لكأنما كنا نعلم شيئًا، ثم يقعون في الشعر (٢). وروى الحاكم وصححه، والبيهقي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَدْرُسُ الإِسْلامُ كَما يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لا يُدْرَى ما صِيامٌ وَلا صَدَقةٌ وَلا نُسُكٌ، وَيُسْرَى عَلى كِتابِ اللهِ تَعالَى في لَيْلَةٍ فَلا يَبْقَى مِنْهُ في الأَرْضِ آيَة، وَيَبْقَى الشَّيْخُ الْكَبِيْرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنا آباَءَنا عَلى هَذهِ الْكَلَمِة: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَنَحْنُ نَقُولُها" (٣).

стр. 4720

يقال: درس الرسم دروسًا: عفا وانمحى، ودرسَتْه الريح، يكون لازمًا ومتعديًا. وحقيقة الدروس الذهاب قليلاً قليلاً، وشيئًا بعد شي. والمعنى: إن الإِسلام تنقص أموره وتذهب واحدًا بعد واحد حتى يؤول الأمر إلى الجاهلية، وأول الإمارات غرابة الإِسلام كما في الحديث: "بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيُعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأَ" (١). ثم ذهابه -والعياذ بالله تعالى- بالكلية حتى لا يبقى من يقول: لا إله إلا الله، وهي آخر ما يبقى منه، فعليهم تقوم الساعة. وروى محمَّد بن نصر عن الليث بن سعد رضي الله تعالى عنه: إنما يرفع القرآن حين يقبل الناس على الكتب -أي: المخالفة له، أو المكتوبة برأيهم، وبما يستحسنونه -ويكُبُّون عليها، ويتركون القرآن (٢). • • •

стр. 4721

(١٤) باب النهي عن التشبه بالمنافقين

стр. 4722

(١٤) باب النهي عن التشبه بالمنافقين اعلم أن النفاق على قسمين: - اعتقادي: وهو إبطان الكفر وإظهار الإِسلام، وهو أشد أنواع الكفر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وهذا يخلد صاحبه في النار. - وعملي: بأن يعتقد اعتقاد المسلمين، ويعمل أعمال المنافقين، وهو من أشد المعاصي وأكبر الذنوب. وسمي النفاق نفاقاً لأن المنافق يستر كفره أو فجوره، فأشبه الداخل في النفق، وهو السِّرب يستتر فيه، أو أشبه المنافق باليربوع، له جُحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء، وكذلك المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل منه فيه (١). وأول من عرف بالنفاق من بني آدم كنعان بن نوح كما تقدم.

стр. 4723

وأول من عرف بالنفاق من هذه الأمة: عبدُ الله بن أبي ابنُ سلول. ولم يكن قبل الهجرة نفاق ولا بعدها حتى كانت وقعة بدر العظمى، وأعلى الله كلمته، وأظهر الإِسلام وأعز أهله، قام عبد الله بن أبي، وكان رأساً في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين الخزرج والأوس في الجاهلية، وكانوا قد عزموا أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخبر، فأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإِسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه، فأظهر الدخول في الإِسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته، وآخرون من اليهود، ومن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، ولذلك لم تذكر صفات المنافقين إلا في السور المدنية، وكل آية نزلت في المنافقين فهي بعد غزاة بدر. واعلم أن من تشبه بالمنافقين في الاعتقاد كأن شك في شيء مما جاء به محمَّد ﷺ ، أو أنكر شيئًا منه، وتلبس بأقوال الإِسلام وأعماله ظاهراً تقية، وخوفاً على دمه أو ماله، فهذا منافق حقيقة، وهو كافر مخلد في الدرك الأسفل من النار إذا مات؛ والعياذ بالله على ذلك. وقد سئل حذيفة ﵁: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإِسلام ولا يعمل به. رواه ابن أبي شيبة (١).

стр. 4724

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: ما صدَّقَ أحدٌ بالنار إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها حتى يتجهم عليها (١). وأما من تشبه بالمنافقين في الأخلاق، أو الأعمال، أو الأحوال مع صحة الاعتقاد والتصديق، فهذا لا نحكم عليه بالكفر، ولا يستوجب الخلود في النار، لكنه عرض نفسه لأن يحشر معهم، ويكون في زمرتهم، وربما كان هذا مستجراً لهم إلى اعتقادهم. روى ابن أبي شيبة عن علي رضي الله تعالى عنه قال: الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت بياضاً حتى يبيض القلب كله. والنفاق يبدأ نقطة سوداء في القلب، كما ازداد النفاق ازدادت سواداً حتى يسود القلب كله. والذي نفسي بيده لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود (٢). وروى الإِمام أحمد، والطبراني عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْقُلُوبُ أَرْبَعةٌ، قَلْبٌ أجردٌ وَفِيهِ سِراجٌ يُزْهِرُ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ، وَقَلْبٌ أَسْودُ مَنْكُوسٌ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْكافِرِ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبوطٌ عَلى غِلافِهِ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنافِقِ، وَقَلْبٌ

стр. 4725

مُصفحٌ فِيهِ إِيْمان وَنفاقٌ، فَمَثَلُ الإِيْمانِ فِيْهِ مَثَلُ الْبَقْلَةِ يَمُدُّها الْماءُ الطَّيِّبُ، وَمَثَلُ النِّفاقِ فِيهِ مَثَلُ الْقَرْحَةِ فِيهِ يَمُدُّها الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ، فَأَيُّ الْمادَّتَينِ غَلَبَتْ عَلَيهِ ذَهَبَتْ بهِ" (١). وهذا الحديث يدل على أن من النفاق ما لا يخرج من الإيمان, وهو ما لا يكون في الاعتقاد والتصديق، ولكن مهما لم يكن واعظ القلب مساعداً للإيمان، فربما غلبه النفاق فذهب بالقلب. فمن ثم كان التشبه بالمنافقين شديد القبح، عظيم الخطر. وقد قال الله تعالى في النهي عن التشبه بالمنافقين خاصة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]. قال مجاهد: هذا قول عبد الله بن أبي، والمنافقين (٢). وقال في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]: يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئًا. رواهما ابن جرير، وابن أبي حاتم (٣).

стр. 4726

ولا يكاد المفسرون يختلفون في الآية نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين. والآية تحتمل أن تكون في النهي عن التشبه بهم في هذا القول، ويحتمل أن تكون في النهي عن التشبه مطلقًا في كل أمر من أمورهم، وهو الأقرب إلى التحقيق. ١ - فمن أخلاق المنافقين -وهو أقبحها -: الكفر بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، أو بقضائه وقدره، وإنكار أن تكون الأشياء بمشيئته، وإنكار ما أخبر به على لسان رسله من المعاد والبعث والنشور، وما يكون في اليوم الآخر من الأمور. وكفر المنافقين أشد الكفر، ولذلك كانوا في الدَّرْك الأسفل من النار. وروى ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء عبد الله بن أبي وفي يده عظم حائل إلى النبي ﷺ ، فكسره بيده، ثم قال: يا محمَّد! كيف يبعثه الله وهو رميم؟ فقال رسول الله ﷺ : "يَبْعَثُ اللهُ هَذا، وُيمِيتُكَ، وَيُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ". قال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] (١).

стр. 4727

٢ - ومنها: الاستهزاء بالدين وأهله . قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥]. روى الثعلبي، وغيره بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبَي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإِسلام، وثاني رسول الله ﷺ في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ، ثم أخذ بيد علي رضي الله تعالى عنه وقال: مرحبا بابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسولَ الله، ثم افترقوا، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ لأصحابه قبحهم الله: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليهم خيراً، ورجع أصحاب رسول الله ﷺ وأخبروه بذلك، فأنزلت هذه الآية (١).

стр. 4728

وروى البيهقي في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس في قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ٤ - ١٥] قال: في الآخرة يفتح لهم باب في جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك، وهي السُّرر في الحِجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فيضحك المؤمنون منهم، فذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب، فذلك قوله: (﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] (١). وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي بإسناد حسن، عن الحسن رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالنَّاسِ يُفْتَحُ لأَحَدِهِمْ بابٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ، فَيَأْتِيهِ بِكَرْبِهِ وَغَمِّهِ، فَإِذا أَتاهُ أُغْلِقَ دُونهُ، فَما يَزالُ كَذَلِكَ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفْتَحُ لَهُ البابُ، فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ، فَلا يَأْتِيهِ" (٢).

стр. 4729

وروى الإِمام أحمد، وغيره عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنا، وَيرْحَمْ صَغِيرَنا، وَيعْرِفْ لِعالِمِنا حَقَّهُ" (١). وروى الطبراني بإسناد حسن، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "ثَلاثة لا يَسْتَخِفُّ بِهِمْ إِلاَّ مُنافِق؛ ذُو الشَّيْبَةِ في الإِسْلامِ، وَذُو الْعِلْمِ، وإمام مُقْسِطٌ" (٢). ٣ - ومنها: إظهار الإيمان, والصلاح، والزهد والورع مع إبطان أضدادها . وهو حقيقة النفاق كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]. روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن السدي قال في الآية: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف لبني زهرة، أقبل إلى النبي ﷺ وقال: جئت أريد الإِسلام، ويعلم الله إني لصادق،

стр. 4730

فأعجب النبي ﷺ وذلك منه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، ثم خرج من عند النبي ﷺ فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع، وعَقَر الحمر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] الآية (١). وروى عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] الآيات؛ قال: هذا نعت المنافق، نعت عبدًا خائن السريرة، كثير خنع الأخلاق، يَعْرِف بلسانه ويُنكِر بقلبه، ويصدق بلسانه ويخالف بعمله، ويصبح على حال ويمسي على غيره، ويتكفأ تكفؤ السفينة، كما هبت الريح هب فيها (٢). وعن محمَّد بن سيرين رحمه الله تعالى: كانوا يتخوفون من هذه الآية (٣). وروى ابن المنذر عنه أنه قال: لم يكن عندهم أخوف من هذه الآية (٤). ٤ - ومنها: الإفساد في الأرض . قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
следующие страницы →