ولا يكاد المفسرون يختلفون في الآية نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين.
والآية تحتمل أن تكون في النهي عن التشبه بهم في هذا القول، ويحتمل أن تكون في النهي عن التشبه مطلقًا في كل أمر من أمورهم، وهو الأقرب إلى التحقيق.
١ - فمن أخلاق المنافقين -وهو أقبحها -: الكفر بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، أو بقضائه وقدره، وإنكار أن تكون الأشياء بمشيئته، وإنكار ما أخبر به على لسان رسله من المعاد والبعث والنشور، وما يكون في اليوم الآخر من الأمور.
وكفر المنافقين أشد الكفر، ولذلك كانوا في الدَّرْك الأسفل من النار.
وروى ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء عبد الله بن أبي وفي يده عظم حائل إلى النبي ﷺ ، فكسره بيده، ثم قال: يا محمَّد! كيف يبعثه الله وهو رميم؟ فقال رسول الله ﷺ : "يَبْعَثُ اللهُ هَذا، وُيمِيتُكَ، وَيُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ".
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] (١).
стр. 4727
٢ - ومنها: الاستهزاء بالدين وأهله .
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥].
روى الثعلبي، وغيره بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبَي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر ﵁ فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم، وشيخ الإِسلام، وثاني رسول الله ﷺ في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن كعب، الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله ﷺ ، ثم أخذ بيد علي رضي الله تعالى عنه وقال: مرحبا بابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسولَ الله، ثم افترقوا، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ لأصحابه قبحهم الله: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليهم خيراً، ورجع أصحاب رسول الله ﷺ وأخبروه بذلك، فأنزلت هذه الآية (١).
стр. 4728
وروى البيهقي في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس في قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ٤ - ١٥] قال: في الآخرة يفتح لهم باب في جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك، وهي السُّرر في الحِجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فيضحك المؤمنون منهم، فذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب، فذلك قوله: (﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] (١).
وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي بإسناد حسن، عن الحسن رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالنَّاسِ يُفْتَحُ لأَحَدِهِمْ بابٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ، فَيَأْتِيهِ بِكَرْبِهِ وَغَمِّهِ، فَإِذا أَتاهُ أُغْلِقَ دُونهُ، فَما يَزالُ كَذَلِكَ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفْتَحُ لَهُ البابُ، فَيُقالُ: هَلُمَّ هَلُمَّ، فَلا يَأْتِيهِ" (٢).
стр. 4729
وروى الإِمام أحمد، وغيره عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنا، وَيرْحَمْ صَغِيرَنا، وَيعْرِفْ لِعالِمِنا حَقَّهُ" (١).
وروى الطبراني بإسناد حسن، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "ثَلاثة لا يَسْتَخِفُّ بِهِمْ إِلاَّ مُنافِق؛ ذُو الشَّيْبَةِ في الإِسْلامِ، وَذُو الْعِلْمِ، وإمام مُقْسِطٌ" (٢).
٣ - ومنها: إظهار الإيمان, والصلاح، والزهد والورع مع إبطان أضدادها .
وهو حقيقة النفاق كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن السدي قال في الآية: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف لبني زهرة، أقبل إلى النبي ﷺ وقال: جئت أريد الإِسلام، ويعلم الله إني لصادق،
стр. 4730
فأعجب النبي ﷺ وذلك منه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، ثم خرج من عند النبي ﷺ فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع، وعَقَر الحمر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] الآية (١).
وروى عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] الآيات؛ قال: هذا نعت المنافق، نعت عبدًا خائن السريرة، كثير خنع الأخلاق، يَعْرِف بلسانه ويُنكِر بقلبه، ويصدق بلسانه ويخالف بعمله، ويصبح على حال ويمسي على غيره، ويتكفأ تكفؤ السفينة، كما هبت الريح هب فيها (٢).
وعن محمَّد بن سيرين رحمه الله تعالى: كانوا يتخوفون من هذه الآية (٣).
وروى ابن المنذر عنه أنه قال: لم يكن عندهم أخوف من هذه الآية (٤).
٤ - ومنها: الإفساد في الأرض .
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 4731
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤، ٢٠٥].
والفساد شامل لإهلاك الحرث والنسل كما فعل الأخنس ابن شريق، ولغيره، فهو من عطف الخاص على العام، وهو ضد الصلاح كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
وإن فسرنا الفساد بأخذ المال ظلمًا كما ذكره في "القاموس" (١) فالعطف في الآية للمغايرة، فيكون وصفه بوصفين؛ أخذ المال لنفسه من صاحبه، وإتلافه على صاحبه، وهما من أعمال المنافقين.
٥ - ومنها: الظلم في الولاية، أو مطلقًا، ولا سيما في الولاية والعدوان .
سئل مجاهد رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قال: يلي في الأرض فيعمل فيها بالعدوان، فيحبس الله تعالى بذلك المطر، فيهلك الحرث والنسل، ثم قرأ مجاهد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١].
رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
وحيث استدل مجاهد بالآية فبيانه أن الناس إذا تظالموا ولَّى الله
стр. 4732
تعالى عليهم ظالماً ينتقم به منهم كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩].
وإذا عاث ذلك الظالم فيهم وجارَ قحطت الأرض، فحبس المطر عنها، فيفسد زرعها ونسلها، فإنْ نُسب الفساد إلى ظلم الظالم كان صحيحًا، وإن نسب إلى كسب الناس كان صحيحًا لتسببه عنهما.
والآية الأولى من الأول، والثانية من الثاني.
واعلم أنا لم نرَ أحدًا من طالبي الولايات كان في طلبه يعد من نفسه العدل والعفة والإصلاح، ثم تولى إلا رأيناه تولى عما كان يزعمه من نفسه، بل ربما ظهرت منه أنواع من الظلم والفساد، ولو تولى ما تولاه من كان يوعد من نفسه بمثل ذلك لقصر عنه، وسبب ذلك أن طالب الولاية قد كتم في نفسه خلاف ما يدعيه لها، فإذا أمكنه عَرْضه ظهرَ مرضه.
ولقد قلت في ذلك: [من السريع]
لِلَّهِ كَمْ مِنْ رَجُلٍ مُعْجَبٍ ... لِلنَّاسِ ما قَدْ قالَهُ وَادَّعى
قَدْ وَعَدَ الإِصْلاحَ في قَوْلهِ ... وَفِعْلِهِ إِنْ في الرَّعايا رَعَى
تَحْسِبُهُ مِمَّا تَرى صالِحًا ... لَكِنَّهُ إِذا تَوَلَّى سَعَى
٦ - ومنها: أن المنافق يدعي أن إفساده إصلاح، وأن ظلمه عدل ، وأن إساءته إحسان، وأن فجوره بِرُّ؛ ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤].
стр. 4733
قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢].
قال مجاهد في الآية: إذا ركبوا معصية فقيل لهم: لا تفعلوا، قالوا: إنما نحن على الهدى. رواه ابن جرير (١).
* تنبِيهٌ:
أكثر المفسرين أن الآية نزلت في عبد الله بن أُبَيٍّ وأصحابه المنافقين، وهي شاملة لمن جاء بمثل ما جاؤوا به.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]: أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.
رواه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
لكنهما رويا عن عباد بن عبد الله الأسدي قال: قرأ سلمان ﵁: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، فقال: لم يجئ أهل هذه الآية بعد (٣).
стр. 4734
أشار سلمان رضي الله تعالى عنه: إلى أن الآية إنما هي فيمن بيدهم الإصلاح والإفساد، وهم الولاة؛ فإن المنافقين الذين كانوا في ذلك العهد ما كان لهم ولاية، وإنما كان إفسادهم على سبيل الدس والاختلاس، والآية معناها واضح في ولاة السوء؛ فإنهم يفسدون في الأرض وهم يدَّعون الإصلاح، ولهم من الجلساء والمترددين إليهم من يحسن لهم ما هم فيه، ويمالؤنهم على ما هم عليه، وإذا دخل على ذلك الوالي من ينبهه على حاله إن أمكن تنبيهه، أو التلويح له عارضه أولئك الغاشُّون لأنفسهم ولرفيقهم، وزيفوا أمره، وتأولوا أمره ونهيه كيف أمكنتهم المعارضة، مشافهة له في حضرته، أو في غيبته بعد خروجه، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون!
٧ - ومنها: أن المنافق يُسفِّه المؤمن، ويرى أنه على ضلال وباطل .
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣].
قال ابن مسعود، والربيع، وابن زيد في قوله: ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: يعنون أصحاب النبي ﷺ . أخرجه ابن جرير (١).
وأخرج هو وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
стр. 4735
مثله، وزاد في قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، يقول: الجهال، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول: لا يعقلون (١).
فالمنافق من خلقه أنه يطعن على المؤمنين، ويجهِّل العلماء، ويسفه الفقهاء.
والشافعي رضي الله تعالى عنه: [من الوافر]
وَمَنْزِلَةُ الْفَقِيهِ مِنَ السَّفِيهِ ... كَمَنْزِلَةِ السَّفِيهِ مِنَ الْفَقِيهِ
فَهَذا زاهِدٌ في عِلْمِ هَذا ... وَهَذا مِنْهُ أَزْهَدُ مِنْهُ فِيهِ
٨ - ومنها: التلدُّد في الخصومة، وكثرة الخصومات -فإن كانت في غير الحق كانت أقبح - والجدال في القرآن، والمِراء والجدل، وهو القدرة على الخصومة، وإنما يباح من ذلك ما كان بقدر الحاجة فبم إظهار الحق، والتوصل إليه.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]؛ أي: [شديد] الخصومة، كما رواه ابن جرير عن ابن عباس (٢).
وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "أَبْغَضُ الرِّجالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الْخَصِيمُ" (٣).
стр. 4736
وروى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْجِدالُ في الْقُرآنِ كُفْر" (١).
وروى الفريابي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: يهدم الإِسلامَ ثلاثٌ: زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمة مضلون (٢).
وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "كَفَى بِكَ إِثْماً أَنْ لا تَزالَ مُمارِياً، وَكَفَى بِكَ ظُلْماً أَنْ لا تَزالَ مُخاصِماً، وَكَفَى بِكَ كَذِباً أَنْ لا تَزالَ مُحَدِّثاً إِلاَّ حَدِيثاً في ذاتِ اللهِ تَعالَى" (٣).
وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: من كَثُرت خصومتُه لم يَسْلَم دينهُ. رواه الإِمام أحمد (٤).
وقال ابن شُبْرُمَة رحمه الله تعالى: من بالغ في الخصومة أثم, ومن قصر فيها خصم، ولا يطيق الحق من يبالي على من به دار الأمر،
стр. 4737
وفضل الصبر التصبر، ومن لزم العفاف هانت عليه الملوك والسُّوقة. رواه البيهقي في "الشعب" (١).
ولنا في عَقْدِه مع زيادة عليه: [من المنسرح]
مَنْ عَفَّ في كَسْبِهِ وَمَطْعَمِه ... هانَ عَلَيْهِ الْمُلُوكُ وَالسُّوَقُ
وَالْحَقُّ ما اسْطاعَهُ سِوى رَجُلٍ ... لَمْ يثنِهِ الْخَوْفُ لا وَلا الْمَلَقُ
وإنْ تَصَبَّرْتَ كانَ لَك الصَّبْـ ... ـر قَرِينًا وَحَبَّذا الْخُلُقُ
وَحَيْثُ بالَغْتَ في الْخُصُومَةِ لَمْ ... تَسْلَمْ مِنَ الإِثْمِ هَكَذَا الْحَمَقُ
وَإِنْ تَقْصُرْ خُصِمْتَ فَالْهَ إِذَنْ ... عَنِ الْخُصُوماتِ حَتَّى يَذْهَبَ
وَلا يَغُرَّنَّكَ الْمَدِيحُ إِذا ... أثنَى عَلَيْكَ الْوَرَى وإنْ صَدَقُوا
أَبْدَوْا لَكَ الْمَدْحَ ثُمَّتَ انْقَلَبُوا ... فَقَبَّحُوا في الثَّنا وَما رَفَقُوا
فَالْجَأْ إِلَى اللهِ إِنَّهُ الصَّمَدُ ... وَاهْرُبْ مِنَ النَّاسِ إِنهمْ فُرُقُ
كُلُّ الأَذَى مِنْهُمْ إِذا اعْتُبِروا ... والْغَيْظُ مَهْما نَظَرْتَ وَالأَرَقُ
٩ - ومنها: الفجور في الخصومة أو مطلقًا .
ولا شك أن المنافقين فجار، والمؤمنين أبرار.
روى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقاً خالِصاً، وَمَنْ
стр. 4738
كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَها؛ إِذا ائتمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ" (١).
١٠ - ومنها: التكبر عن امتثال الأمر بالتقوى، والأنفة من قبول الحق إذا دعي إليه .
بل مطلق الاستكبار من أخلاق المنافقين والفجار.
قال الله تعالى في الآية التي نزلت في الأخنس، وأمثاله من المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦].
روى البيهقي في "الشعب" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، فيقول: عليك نفسَك، أنت تأمرني (٢)؟
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن: أن رجلًا قال لعمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اتق الله، فذهب رجل ليزجره، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ما فينا خير إن لم نكن من التواضع، والقرب من الناس بحيث إنه يمكنهم أن يشافهونا بالنصيحة والتذكير،
стр. 4739
والأمر بالتقوى، وما فيهم خير إن لم يكونوا من الصلابة في الدين، وقوة الإيمان, وعدم المداهنة في الحق بحيث يواجهوننا بالأمر بالتقوى (١).
وأراد عمر بقوله: (فينا) نفسَه، ومن كان مثله في الولاية من ولاة الأمور، وبقوله: (فيهم) جلساء الولاة والمترددين إليهم، وحال الولاة وأصحابهم على خلاف ذلك.
وروى ابن المنذر، والبيهقي عن سفيان قال: قال رجل لمالك ابن المِغْوَل رحمه الله تعالى: اتق الله، فسقط، فوضع خده على الأرض (٢)؛ تواضعاً لله تعالى.
* تنبِيهٌ:
فَهِمَ عمر، وعلي، وابن عباس ﵄ -وناهيك بهم رؤوس العلم- من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، أي: يبيع نفسه بعد قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أن الناس ما دام فيهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مخلصاً لله تعالى يختلفون، ويقتتلون على الحق، وهو كذلك.
стр. 4740
فروى عبد بن حميد عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا تلا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤] إلى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧] قال: اقتتل الرجلان (١).
وروى هو والبخاري في "تاريخه"، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه قرأ هذه الآية فقال: اقتتلا وربِّ الكعبة (٢).
وروى عبد [بن حميد]، وابن جرير عن صالح أبي الخليل قال: سمع عمر رضي الله تعالى عنه إنسانا يقرأ هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٦] إلى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، فاسترجع، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ قام الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقتل (٣).
وروى ابن جرير عن ابن زيد رحمه الله تعالى: أن ابن عباس قرأ هذه الآية عن عمر رضي الله تعالى عنهم فقال: اقتتل الرجال، فقال له عمر: ماذا؟
فقال: يا أمير المؤمنين! أرى ها هنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته
стр. 4741
العزة بالإثم، وأرى من يَشْري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي، فقاتله.
فقال له عمر: لله درُّك يا ابن عباس (١)!
وصحح الحاكم عن ابن عباس قال: كنت قاعدًا عند عمر إذ جاءه كتاب: أن أهل الكوفة قرأ منهم القرآن كذا وكذا، فكبر، فقلت: اختلفوا، قال: من أي شيء عرفت؟
قلت: قرأت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، فإذا فعلوا ذلك لم يصبر صاحب القرآن.
ثم قرأت: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٦] إلى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧] الآية، فقال: صدقت صدقت، والذي نفسي بيده (٢).
١١ - ومن أخلاق المنافقين: اتباع الهوى .
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤].
روى القاضي أبو بكر جعفر بن محمَّد الفريابي في كتاب "صفة
стр. 4742
المنافق" عن الحسن: أنه قال في هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، قال: هو المنافق، لا يرى شيئًا إلا ركبه (١).
وروى عبد بن حميد عن الحسن أنه قيل له: "في أهل القبلة شرك؟
قال: نعم، المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق عَبَدَ هواه، ثم تلا هذه الآية (٢).
وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تَحْتَ ظِلِّ السَّماءِ مِنْ إِلَهٍ فَيُعْبَدَ مِنْ دُونِ الله أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ هَوىً مُتَّبَعٍ" (٣).
وروى أبو نعيم عن أبي قلابة رحمه الله تعالى قال: مثل أصحاب الأهواء مثل المنافقين؛ فإن الله تعالى ذكر المنافقين بقول مختلف وعمل مختلف، وجماع ذلك الضلال، وإن أهل الأهواء اختلفوا في الأهواء، واجتمعوا على السيف (٤).
وأنشد ذو النون، وحماد: [من الخفيف]
стр. 4743
قَدْ بَقِينا مُذَبْذَبِينَ حَيارَى ... نطلُبُ الصّدْقَ ما إِلَيْهِ سَبِيلُ
فَدَواعِي الْهَوى تخِفُّ عَلَينا ... وَخِلافُ الْهَوى عَلَينا ثَقِيلُ (١)
وروى الطبراني في "الأوسط" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ نَفْسٍ تُحْشَرُ عَلى هَواها؛ فَمَنْ هَوِيَ الْكُفْرَ فَهُوَ مَعَ الْكُفَّارِ، وَلا يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ شَيْئا" (٢).
* تنبِيهٌ:
إن قلنا يقول الحسن: إن قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] إلى آخره في المنافقين، فقد شُبِّهوا في الآية بالأنعام، ثم جعلوا أضل، ووجه جعلهم كالأنعام أنهم لا ينتفعون بالآيات التي دعوا بها إلى الله، وأن المنافق لا يهوى شيئًا إلا ركبه كما أن الأنعام كذلك.
ووجه كونهم أضل: أن الأنعام تنقاد لمتعهدها، وتُميز من أحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتتجنب ما يضرها، والمنافقون لا ينقادون لربهم، ولا يشكرون إحسانه، ويعصونه، ويطيعون عدوه وعدوهم إلى غير ذلك.
لا جرمَ شبَّههم في موضع آخر بالجمادات، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا
стр. 4744
رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
قال ابن عباس في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾: نخل قيام. رواه ابن أبي حاتم (١).
وذلك أن الآية نزلت في عبد الله بن أُبَيٍّ وأصحابه، وكان جميل الصورة، حسن السيرة، وكان له ولأصحابه حلاوة لسان، فشبهوا بالنخل الطوال الحسان، إلا أنهن لا يعقلون شيئًا، ومآلهم إلى النار، فحسن الصورة والبزة والتزين في الهيئة لا تكون مكرمة في الإنسان وهو بهيمة في الأخلاق، جماد عند الاحتياج إليه.
وما أحسن قول بعض المتقدمين: [من الكامل]
أَأُخَيَّ إِنَّ مِنَ الرِّجالِ بَهِيمَةٌ ... في صُورَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ الْمُبْصِرِ
فَطِنٌ بِكُلِّ مُصِيبَةٍ في مالِهِ ... فَإِذا يُصابُ بِدِينهِ لَمْ يَشْعُرِ (٢)
١٢ - ومن أخلاق المنافقين: الابتداع في الدين، ومجالسة المبتدعين.
روى الأصبهاني عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إن لله ملائكة يطلبون حِلَقَ الذكر، فانظر مع من يكون مجلسك، لا يكون
стр. 4745
مع صاحب بدعة؛ فإن الله لا ينظر إليهم.
قال: وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة (١).
١٣ - ومنها: الخوض في الباطل واللعب .
قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥].
نزلت في رجل قال في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا، لا أرغب بطونًا, ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فلما سئل عن ذلك أجابوا بما حكى الله عنهم. كما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٢).
وقال قتادة: نزلت في ناس قالوا في غزوة تبوك: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات! فقال النبي ﷺ : "قُلْتُمْ كَذا؟ قُلْتُمْ كَذا؟ " فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب.
رواه ابن أبي حاتم، وغيره (٣).
١٤ - ومنها: الوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن .
وهي من الكبائر، وإن كانت غيبة غيرهم من الصغائر على أصح
стр. 4746
القولين لما في حديث ابن عمر، وما حكاه عن المنافقين.
وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩].
قال الحسن: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسمُّوا منافقين. رواه عبد الرزاق، وغيره.
وقوله: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾؛ أي: فرأوا أن نصرتهم يوم بدر مع قتلهم وكثرة العدو، فاغتروا بسبب دينهم، وهذا ليس من الغرور، بل من الإيمان, فسماه المنافقون غروراً، وعدُّوه عيبًا على المؤمنين.
١٥ - ومنها: السرور بمصيبة المؤمن، والشماتة له، والحزن والمَساءة بنعمته وحسنته .
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥٠، ٥١].
قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة -يعني: عن تبوك -يخبرون عن النبي ﷺ أخبار السوء، يقولون: إن محمدًا وأصحابه قد جهدوا في سفرتهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم، وعافية النبي ﷺ وأصحابه، فبينما هم كذلك
стр. 4747
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠]. رواه ابن أبي حاتم (١).
ولما كان اعتقاد المنافقين [كالقدرّية] (٢)، لا يعتقدون أن النفع والضرر من الله تعالى، بل يشكون في ذلك.
قال الله تعالى لنبيه آمراً له بإظهار اعتقاده: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١].
قال مسلم بن يسار رحمه الله تعالى: الكلام في القدر واديان عريضان يهلك الناس فيهما لا يدرك غَورهما، فاعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل علم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له. رواه ابن أبي حاتم (٣).
وروى الإِمام أحمد، والبزار عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَة، وَما بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيْمانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ما أَصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَما أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ" (٤).
* تَنْبِيهٌ:
المؤمن بعكس المنافق؛ يفرح بنعمهَ المؤمن، ويسر بسروره،
стр. 4748
ويساء بمساءته، ويحزن لمصيبته، ويهتم بهمه، ويعنى بأمره.
روى الطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ لا يَهْتَمُّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ غَيْرُ اللهِ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ" (١).
رواه الحاكم بنحوه من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٢).
١٦ - ومنها: التكذيب بالخارق الذي يظهر على يد الصادق كمعجزة النبي، وكرامة الولي .
والإيمان بذلك من أصول السنة.
قال أبو تراب النخشبي رحمه الله تعالى: من لم يؤمن بكرامة الولي فقد كفر (٣).
وهو على التغليظ، أو يريد كفران النعمة، أو من حيث إن كرامة الولي معجزة لنبيه، والتكذيب بالمعجزة كفرٌ حقيقة.
قال الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤].
قال بعض العلماء: كانوا يظهرون الحذر من الفضيحة بالأمر
стр. 4749
الخارق، ونزول السورة بهتك أستارهم استهزاء فلا يؤمنون بذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾.
ومثل هذا يتفق كثيرًا في هذه الأزمنة من كثير من الفسقة إذا آذوا ولياً أو عالمًا، أو من يستحق الإكرام والاحترام، إذا قيل له في ذلك يقول: دعه يعطبني، أو يقتلني بحاله.
وهذا من باب الاستهزاء بالمؤمنين، وهو من أخلاق المنافقين، وهو حرام، ومن باب إنكار كرامة الولي، وهي بدعة محرمة.
وكثيرًا ما ينتهي أحدُ مَنْ هذا وصفُه إلى الهلاك والدمار، وخراب الدمار، مع ما لعله يلقاه في دار القرار.
١٧ - ومنها: التهاون بالصلوات الخمس، أو بواحدة منها، والتشاغل عند القيام إليها، وتأخيرها إلى وقت لا يسعها، وترك الطمأنينة فيها .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
قال قتادة رحمه الله تعالى: والله لولا الناس ما صلى المنافق، وما يصلي إلا رياء وسمعة. رواه ابن جرير وغيره (١).
وروى مسلم، وأبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تِلْكَ صَلاةُ الْمُنافِقِ؛ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذا
стр. 4750
كانَتْ بَيْنَ قَرْنيِ الشَّيطانِ قامَ فَنَقَرَ أَرْبعاً لا يَذْكُرُ الله فِيها إِلاَّ قَلِيلًا" (١).
ورواه الأصبهاني، ولفظه: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِصَلاةِ الْمُنافِقِ؟ يَدَعُ الْعَصْرَ حَتَّى إِذا كانَتِ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْني شَيْطانٍ أَوْ عَلى قَرْني شَيْطانٍ قامَ فَنَقَرَ كَنَقْراتِ الدِّيكِ لا يَذْكُرُ الله فِيهِنَّ إِلاَّ قَلِيلاً" (٢).
وروى الدارقطني، والحاكم وصححه، عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِصَلاةِ الْمُنافِقِ؟ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعَصْرَ حَتَّى إِذا كانَتِ الشَّمْسُ كثِرْبِ الْبَقَرِ صَلاَّها" (٣).
وروى ابن أبي الدنيا في "الهواتف" عن عبد الملك بن عبد العزيز، وغيره قالوا: أخرَّ الوليد بن عبد الملك صلاة العصر بمِنى حتى صارت الشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال، فسمع صائحًا من الجبل: صلِّ لا صلى الله عليك، صلِّ لا صلى الله عليك (٤).
* تنبيهٌ:
روى أبو الشيخ في "الثواب" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ في السِّرِّ رُفعَ عَنْهُ اسْمُ النِّفاقِ".
стр. 4751
والمعنى أن الصلاة في السر أقرب إلى الإخلاص في العبودية، فإذا صلى العبد في السر كانت طاعة خالصة محضة، بها يحصل حقيقة الشكر المستوجب للزيادة، والزيادة من الإخلاص، فخلص من النفاق.
ثم نظير ذلك في امتحان نفسك في الإخلاص أن تنظر إلى ما بين حالك في الملأ، وحالك في الخلاء من اختلاف صلاتك وسائر عباداتك؛ إن أديتها في السر أحسن منها في العلانية، أو مثلها فأنت مخلص، وإلا فمُراءٍ ومستهزئ كما روى أبو يعلى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَسَّنَ الصَّلاةَ حَيْثُ يَراهُ النَّاسُ وَأَساءَها مِنْ حَيْثُ يَخْلُو، فَتِلْكَ اسْتِهانة اسْتَهانَ بِها رَبهِ" (١).
وليس وراء الاستهانة بأمر الله تعالى نفاقٌ، كما ليس مثل تعظيم الله تعالى وتعظيم أمره إيمانٌ.
* تنبِيهٌ ثانٍ:
على ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] روى أبو الشيخ، وابن عساكر عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ في خَلاءٍ لا يَراهُ إِلاَّ اللهُ وَالْمَلائِكَةُ كانَتْ لَهُ بَراءَة مِنَ النَّارِ" (٢).
стр. 4752
وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت"، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنه كان يكره أن يقول الرجل: إني كسلان، ويتأول هذه الآية (١).
ومعناه أنه كان يكره ذلك تباعداً بالعبد عن إطلاق لفظٍ وَصَفَ الله تعالى به المنافقين على نفسه تبرِّياً من النفاق.
١٨ - ومن أخلاق المنافقين: القعود عن الجماعة، وعن شهود الجماعة في المسجد .
روى مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهن؛ فإن الله تعالى شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته تركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمَدُ إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحُطُّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا ولا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف الأول، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم
стр. 4753
تركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم (١).
وروى الإِمام أحمد، والطبراني عن معاذ بن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْجَفا كُلُّ الْجَفا، وَالْكُفْرُ وَالنِّفاقُ مَنْ سَمعَ مُنادِيَ اللهِ يُنادي إِلَى الصَّلاةِ فَلا يُجِيبهُ" (٢).
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أثقَلُ الصَّلاةِ عَلى الْمُنافِقِينَ صَلاةُ الْعِشاءِ وَصَلاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لأَتَوْهُما وَلَوْ حَبْواً، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فتقامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِيَ رِجالٌ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبِ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ" (٣).
روى الشافعي عن عبد الرحمن بن حرملة مرسلاً: أن النبي ﷺ قال: "بَيْنَنا وَبَيْنَ الْمُنافِقِينَ شُهُودُ الْعِشاءِ وَالصُّبْحِ، لا يَسْتَطِيعُونهما"، أو نحو هذا (٤).
стр. 4754
وروى البزار، والطبراني، وابن خزيمة في "صحيحه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا الظن فيه (١).
وروى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في التوراة: شرَّابين للقهوات، تبَّاعين للشهوات، لعَّابين بالكعبات، رقَّادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، ترَّاكين للصلوات، ترَّاكين للجماعات، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] (٢).
قوله: شرَّابين للقهوات، جمع قهوة، وهي من أسماء الخمر، فأشار إلى أن من أخلاق المنافقين إدمان شربها.
وأما إطلاق القهوة على المتخذة من البُن أو من قشره فإنه عرف حادث حدث بعد التسعمئة من الهجرة.
ويجوز أن يكون مراداً بما ذكره كعب عن كتاب الله تعالى التوراة، ويكون ذلك من باب إخبار الله تعالى بما يصير بعد، ولا يرد ذلك بأن قهوة البن مباحة بإجماع العلماء إلا قليلاً منهم أنكرها في أول خروجها، ثم تبين لأكثرهم إباحتها؛ إذ قد يكون من أخلاق المنافقين وأعمالهم
стр. 4755
ما ليس بحرام، فهو من قبيل اتباع الشهوات المعطوف عليها؛ إذ ليس كل شهوة حرام.
وقوله: رقَّادين عن العتمات، جمع عتمة، وهي صلاة العشاء.
وقوله: مفرطين في الغدوات، جمع غدوة، والمراد صلاة الغداة، وهي الصبح، وقد تقدم في حديثه ﷺ أنها أثقل الصلوات على المنافقين.
* تنبِيهٌ:
المحافظة على الجماعة من أخلاق المؤمنين كما علمت مما ذكرته آنفًا، وأوغل ما يكون المؤمن في الإيمان ما حافظ على التكبيرة الأولى مع الإِمام.
وبعض السلف فاتته التكبيرة مع الإِمام مرة فأعتق رقبة، فإن لم يتيسر له إدراك التكبيرة الأولى فالركعة الأولى لأنه -وإن أدرك الجماعة بإدراك بعض الصلاة مع الإِمام- فإن إدراكها في الكل أتم.
روى عبد الرزاق عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَمْ تَفُتْهُ الرَّكْعَةُ الأُوْلَى أَرْبَعِينَ صَباحا كُتِبَ لَهُ بَراءَتانِ؛ بَراءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَراءَةٌ مِنَ النِّفاقِ" (١).
ورواه ابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "مَنْ صَلَّى في مَسْجِدٍ جَماعَة أربَعِينَ لَيْلةً لا تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الْعِشاءِ
стр. 4756
كتَبَ اللهُ لَهُ بِها عِتْقًا مِنَ النَّارِ" (١).
١٩ - ومن أخلاق المنافقين: خروج من أدركه الأذان وهو في المسجد من المسجد قبل الصلاة إلا لعذر.
روى ابن ماجه عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَهُ الأَذانُ في الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَتِهِ، وَهُوَ لا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنافِقٌ" (٢).
وروى أبو داود في "مراسيله" عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّداءِ إِلاَّ مُنافِقٌ؛ إِلاَّ لِعُذْرٍ، أَخْرَجَتْهُ حاجَةٌ" (٣).
стр. 4757
٢٠ - ومنها: ترك الصف الأول رغبة عنه إلا لعذر .
قال القاضي عياض في حديث مسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أَوَّلُها، وَشَرُّها آخِرُهَا" (١): قد يكون سماه شراً لمخالفة أمره فيها ﵊، وتحذيرًا من فعل المنافقين لتأخرهم عنه وعن سماع ما يأتي به، انتهى.
قلت: والذي يظهر أن الذي كان من أفعال المنافقين إنما هو اتخاذ التأخر عن الصف الأول عادة رغبة عنه، وعن القرب من الإِمام بدليل حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزالُ قَوْمٌ يتأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخرَهُمُ اللهُ إِلَى النَّارِ". رواه ابن ماجه (٢).
وفي "صحيح مسلم" عن أبي سعيد ﵁ نحوه (٣).
٢١ - ومنها: أن يعتاد أن لا يهتم بتكبيرة الإحرام .
وقد علمت أن الاهتمام بها من أخلاق المؤمنين، ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَراءَتانِ؛ بَراءَة مِنَ النَّارِ، وَبَراءَة مِنَ النِّفاقِ". رواه الترمذي ووقفه
стр. 4758
عن أنس، وأخرجه البيهقي في "الشعب" مرفوعًا (١).
ووجهه أنه إذا لازم على تحصيل تكبيرة الإحرام [ ... ] (٢)، صار عادة له، فيبرأ من النفاق؛ لأن ترك الاهتمام بها يؤدي إلى ترك الاهتمام بأصل الصلاة، وهو من خلق المنافقين.
ومن ثم قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك منه (٣).
٢٢ - ومنها: ترك صلاة الجمعة ثلاثًا وَلاَء لغير عذر، وإن صلاها ظهراً .
روى ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما" عن أبي الجعد - وكانت له صحبة -رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَرَكَ صَلاةَ الْجُمُعَةِ ثَلاثاً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ مُنافِقٌ" (٤).
وروى الطبراني في "الكبير" عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمُعاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كُتِبَ مِنَ الْمُنافِقِينَ" (٥).
وروى أبو يعلى، والمروزي في كتاب "الجمعة" عن محمَّد بن
стр. 4759
عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عمه رضي الله تعالى عنه قال: من ترك الجمعة ثلاثا طُبع على قلبه، وجعل قلبه قلب منافق (١).
وروى الشافعي، والبيهقي في "المعرفة" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرِ كُتِبَ مُنافِقاً" (٢).
لم يقل في هذه الرواية: ثلاثًا.
٢٣ - ومنها: ثقل قراءة القرآن أو سماعه على القلب، والثاني أقبح .
روى ابن أبي شيبة، وأبو نعيم عن أبي الجوزاء رحمه الله تعالى قال: نقل الحجارة أيسر على المنافق من قراءة القرآن (٣).
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] ففيه أوجه: أحدها: أن العمل به ثقيل، كما أخرجه ابن المنذر، ومحمد بن نصر عن الحسن (٤).
стр. 4760
والثاني: أنه ثقيل في الميزان يوم القيامة، أخرجه ابن المنذر أيضًا، وابن جرير عن الحسن أيضًا (١).
والثالث: أن المراد بثقله: ما كان يأخذ النبي ﷺ عند وحيه إليه؛ فإنه ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها (٢)، فما تستطيع أن تتحرك حتى يُسَرَّى عنه.
وتلت عائشة ﵂ -وهي التي روت هذا الحديث-: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] رواه الإِمام أحمد، وغيره، وصححه الحاكم (٣).
الرابع: أنه ثقيل على المنافق وإن كان المؤمنون يستسهلونه، ونظيره: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وهذا يوافق ما نقلناه عن أبي الجوزاء.
الخامس: أن قوله: ﴿ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] يعني: تاماً كاملًا من قولهم: دينار ثاقل؛ أي: كامل الوزن.
السادس: أنه بمعنى عظيمًا كما يقال: فلان ملك ثقيل؛ أي: عظيم.
السابع: أنه نفيس، جليل المقدار، عظيم الخطر كما فسر به صاحب "النهاية" الحديث: "إِنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ؛ كِتابَ اللهِ، وَعِتْرتي" (٤).
стр. 4761
قال: سماها ثقلين لعظم قدرهما، يقال لكل نفيس خطير: ثقيل (١).
الثامن: أن يكون معناه مصونا عن التبديل والتحريف، فقد حكى في "القاموس" أن الثقيل كل نفيس مصون، وحمل عليه الحديث (٢).
* تنبِيهٌ:
لا يقرأ المنافق القرآن ولا يثقل عليه لمحل نظر الناس إليه، وهذا لا يناقض ما رويناه عن أبي الجوزاء؛ لأن ثقله عليه حيث فقد المعنى المذكور هو أغلب أحواله، ومتى قرأ على وجه العبادة خاليًا عن نظر الناس ثقل عليه واشتد، وكذلك حاله في سائر أعمال البر من الصلاة، والإيمان، والإقامة، والصيام، والحج، والعمرة، والصدقة، وغيرها؛ فإنها تخف على المنافق وترتاح نفسه إليها حين يكون بمَرْأى من الناس ومسمَع، وتثقل حيث يفقد هذا المعنى، ومن هنا فضل عمل السر على العلانية، وقال رسول الله ﷺ : "يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلاةَ قَومٌ وَما هُمْ بِمُؤْمِنينَ".
رواه الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (٣).
٢٤ - ومن أخلاق المنافقين: الإقلال من ذكر الله تعالى .
قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
стр. 4762
قال الحسن رحمه الله تعالى في الآية: إنما قل لأنه كان لغير الله. رواه ابن أبي شيبة (١).
ورواه ابن سعد في "طبقاته"، ولفظه: يكثر التقنع (٢).
مع أخبار أخرى استوفاها السيوطي في جزء ألفه في الطيلسان.
والحق أنه لا تعارض بينهما وبين ما سبق؛ فإن الاستغشاء والتقنع والاستخفاء تارة يكون لغرض صحيح كالحياء من الله تعالى، أو من الناس، وحفظ البصر عن فضول النظر، والاستخفاء من عدو يقصده، أو عدو يبصره وهو مصر، أو للتدري من ريح أو برد، وغير ذلك؛ فهذا مباح، بل سنة.
وعليه: يحمل ما جاء في "الإرشاد": أن التقنع تارة يكون لغرض فاسد كالاستخفاء في ريبة، أو لختل معصوم، أو من غريمه وهو موسر، وعليه حمل الحديث عن لقمان، ومنه كان استغشاء المنافقين كما حمل الآية عليه عبد الله بن شداد بن الهاد.
ومن الأول: استغشاء المؤمنين من الصحابة وغيرهم كما روى ابن أبي شيبة، والبيهقي في "الشعب" عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه خطب فقال: يا معشر المسلمين! استحيوا من الله؛ فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعاً
стр. 4763
بثوبي استحياءً من الله تعالى.
ولفظ ابن أبي شيبة: مغطياً رأسي (١).
وروى ابن عدي في "الكامل" عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ . "تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِالنَّهارِ فِقْهٌ، وَبِاللَّيْلِ رِيْبةٌ" (٢).
وروى ابن سعد عن حارثة بن مصعب قال: كان طاوس يتقنع، فإذا كان الليل حَسَر (٣)؛ أي: كشف القناع.
٢٥ - ومن أعمال المنافقين، وأخلاقهم: البَذَاء والفحش، والبيان كل البيان، وتشقيق الكلام.
روى الإِمام أحمد، والترمذي، والحاكم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الْحَياءُ وَالْعَيُّ شُعْبتانِ مِنَ الإِيْمانِ، وَالبَذاءُ وَالبَيانُ شعْبَتانِ مِنَ النِّفاقِ" (٤).
٢٦ - ومنها: كثرة الخصومات والمحاربات ، والوكالة في
стр. 4764
الخصومة لغير غرض صحيح، ومشارَّة الناس خصوصاً إذا كان ذلك ممن له علم.
روى اللالكائي في "السنة" عن الأحنف بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: لكثرة الخصومات تورث النفاق في القلب (١).
وعن جعفر بن محمَّد رحمهما الله تعالى قال: إياكم والخصومات في الدين؛ فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق (٢).
وروى ابن عدي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الكَذِبَ مِنْ أَبْوابِ النِّفاقِ، وإنَّ آيَةَ النِّفاقِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ جَدِلاً خَصِيماً" (٣).
وروى الإِمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححاه، عنه: أن النبي ﷺ قال: "ما ضَلَّ قَوْم بَعْدَ هُدًى إِلاَّ أُوْتُوا الْجَدَلَ"، ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] (٤).
وروى ابن أبي الدنيا في "المداراة" عن ابن عباس رضي الله تعالى
стр. 4765
عنهما: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَمشارَّةَ النَّاسِ؛ فَإِنَّها تَدْفِنُ الْمَبَرَّةَ، وَتُظْهِرُ العَوْرَةَ" (١).
وقال الماوردي في كتاب "أدب الدين والدنيا": قال بعض الأدباء: ارْثُ لِروضَةٍ تَوَسَّطَها خنزير، وابْكِ لعلمٍ حواه شرير، انتهى (٢).
وقلت في عقده: [من الرجز]
ارْثُ لِرَوْضَةٍ أَواها خِنْزِيرْ ... وَابْكِ لِعِلْمٍ قَدْ حَواهُ شِرِّيرْ
وَاحْذَرْ مِنَ الشَّرِّ وَأَنْتَ عالِمٌ ... وَانْظُرْ فَما أَقْبَحَ هَذا التَّنْفِيرْ
روى البخاري في "التاريخ" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "شِرارُ النَّاسِ شِرارُ الْعُلَماءِ في النَّاسِ" (٣).
وفي حديث الأحوص بن حكيم، عن أبيه مرسلاً: أنه ﷺ سئل عن شرار الخلق فقال: "اللهُمَّ غُفْراً" حتى كرر عليه فقال: "الْعُلَماءُ إِذا فَسَدُوا".