← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

قال: سماها ثقلين لعظم قدرهما، يقال لكل نفيس خطير: ثقيل (١). الثامن: أن يكون معناه مصونا عن التبديل والتحريف، فقد حكى في "القاموس" أن الثقيل كل نفيس مصون، وحمل عليه الحديث (٢). * تنبِيهٌ: لا يقرأ المنافق القرآن ولا يثقل عليه لمحل نظر الناس إليه، وهذا لا يناقض ما رويناه عن أبي الجوزاء؛ لأن ثقله عليه حيث فقد المعنى المذكور هو أغلب أحواله، ومتى قرأ على وجه العبادة خاليًا عن نظر الناس ثقل عليه واشتد، وكذلك حاله في سائر أعمال البر من الصلاة، والإيمان، والإقامة، والصيام، والحج، والعمرة، والصدقة، وغيرها؛ فإنها تخف على المنافق وترتاح نفسه إليها حين يكون بمَرْأى من الناس ومسمَع، وتثقل حيث يفقد هذا المعنى، ومن هنا فضل عمل السر على العلانية، وقال رسول الله ﷺ : "يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلاةَ قَومٌ وَما هُمْ بِمُؤْمِنينَ". رواه الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (٣). ٢٤ - ومن أخلاق المنافقين: الإقلال من ذكر الله تعالى . قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].

стр. 4762

قال الحسن رحمه الله تعالى في الآية: إنما قل لأنه كان لغير الله. رواه ابن أبي شيبة (١). ورواه ابن سعد في "طبقاته"، ولفظه: يكثر التقنع (٢). مع أخبار أخرى استوفاها السيوطي في جزء ألفه في الطيلسان. والحق أنه لا تعارض بينهما وبين ما سبق؛ فإن الاستغشاء والتقنع والاستخفاء تارة يكون لغرض صحيح كالحياء من الله تعالى، أو من الناس، وحفظ البصر عن فضول النظر، والاستخفاء من عدو يقصده، أو عدو يبصره وهو مصر، أو للتدري من ريح أو برد، وغير ذلك؛ فهذا مباح، بل سنة. وعليه: يحمل ما جاء في "الإرشاد": أن التقنع تارة يكون لغرض فاسد كالاستخفاء في ريبة، أو لختل معصوم، أو من غريمه وهو موسر، وعليه حمل الحديث عن لقمان، ومنه كان استغشاء المنافقين كما حمل الآية عليه عبد الله بن شداد بن الهاد. ومن الأول: استغشاء المؤمنين من الصحابة وغيرهم كما روى ابن أبي شيبة، والبيهقي في "الشعب" عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه خطب فقال: يا معشر المسلمين! استحيوا من الله؛ فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعاً

стр. 4763

بثوبي استحياءً من الله تعالى. ولفظ ابن أبي شيبة: مغطياً رأسي (١). وروى ابن عدي في "الكامل" عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ . "تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِالنَّهارِ فِقْهٌ، وَبِاللَّيْلِ رِيْبةٌ" (٢). وروى ابن سعد عن حارثة بن مصعب قال: كان طاوس يتقنع، فإذا كان الليل حَسَر (٣)؛ أي: كشف القناع. ٢٥ - ومن أعمال المنافقين، وأخلاقهم: البَذَاء والفحش، والبيان كل البيان، وتشقيق الكلام. روى الإِمام أحمد، والترمذي، والحاكم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الْحَياءُ وَالْعَيُّ شُعْبتانِ مِنَ الإِيْمانِ، وَالبَذاءُ وَالبَيانُ شعْبَتانِ مِنَ النِّفاقِ" (٤). ٢٦ - ومنها: كثرة الخصومات والمحاربات ، والوكالة في

стр. 4764

الخصومة لغير غرض صحيح، ومشارَّة الناس خصوصاً إذا كان ذلك ممن له علم. روى اللالكائي في "السنة" عن الأحنف بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: لكثرة الخصومات تورث النفاق في القلب (١). وعن جعفر بن محمَّد رحمهما الله تعالى قال: إياكم والخصومات في الدين؛ فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق (٢). وروى ابن عدي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الكَذِبَ مِنْ أَبْوابِ النِّفاقِ، وإنَّ آيَةَ النِّفاقِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ جَدِلاً خَصِيماً" (٣). وروى الإِمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححاه، عنه: أن النبي ﷺ قال: "ما ضَلَّ قَوْم بَعْدَ هُدًى إِلاَّ أُوْتُوا الْجَدَلَ"، ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] (٤). وروى ابن أبي الدنيا في "المداراة" عن ابن عباس رضي الله تعالى

стр. 4765

عنهما: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَمشارَّةَ النَّاسِ؛ فَإِنَّها تَدْفِنُ الْمَبَرَّةَ، وَتُظْهِرُ العَوْرَةَ" (١). وقال الماوردي في كتاب "أدب الدين والدنيا": قال بعض الأدباء: ارْثُ لِروضَةٍ تَوَسَّطَها خنزير، وابْكِ لعلمٍ حواه شرير، انتهى (٢). وقلت في عقده: [من الرجز] ارْثُ لِرَوْضَةٍ أَواها خِنْزِيرْ ... وَابْكِ لِعِلْمٍ قَدْ حَواهُ شِرِّيرْ وَاحْذَرْ مِنَ الشَّرِّ وَأَنْتَ عالِمٌ ... وَانْظُرْ فَما أَقْبَحَ هَذا التَّنْفِيرْ روى البخاري في "التاريخ" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "شِرارُ النَّاسِ شِرارُ الْعُلَماءِ في النَّاسِ" (٣). وفي حديث الأحوص بن حكيم، عن أبيه مرسلاً: أنه ﷺ سئل عن شرار الخلق فقال: "اللهُمَّ غُفْراً" حتى كرر عليه فقال: "الْعُلَماءُ إِذا فَسَدُوا".

стр. 4766

وفي رواية "عُلَماءُ السُّوءِ" (١). وروى ابن عدي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَخْوَفُ ما أَخافُ عَلى أُمَّتِي كُلُّ مُنافِقٍ عَلِيمِ اللِّسانِ" (٢). ٢٧ - ومنها: التلاعن والتساب ، والغلول والانتهاب، واللغط في المساجد، والصخب في الأسواق، والاستكبار، وإتيان الصلاة آخر الناس، بل والتكاسل عن كل خير -أي: وقته- إيثاراً للدَّعة، واعتزاراً بالصحة والقوة والغنى. روى الإِمام أحمد، ومحمد بن نصر المروزي في "الصلاة"، والبيهقي في "الشعب"، والأصبهاني في "الترغيب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ لِلْمُنافِقِينَ عَلاماتٍ يُعْرَفُونَ بِها؛ تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ، وَطَعامُهُمْ نُهْبَةٌ، وَغَنِيمَتُهُمْ غُلُولٌ، لا يَقْرَبُونَ الْمَساجِدَ إِلاَّ هُجْراً، وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ دبراً مُتكبِّرِينَ، لا يَأْلَفُونَ وَلا يُؤْلَفُونَ، خُشُبٌ بِاللَّيْلِ، صُخُبٌ بِالنَّهارِ" (٣).

стр. 4767

قوله: وإلا يَقْرَبُونَ الْمَساجِدَ إِلاَّ هُجْراً"- بضم الهاء، وإسكان الجيم- كما ضبطه ابن قتيبة، وقال: هو الخنا، والقبيح من القول (١). وعليه فقوله: "هجراً" مصدر في موضع الحال؛ أي: هاجرين مُفْحشي القول. وبعضهم يرويه: هجراً -بالفتح- أي: تركا، فالاستثناء منقطع؛ أي: لا يأتونها, لكنهم يتركونها. والوجهان ذكرهما صاحب "النهاية" في حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: وَلا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ إِلاَّ هَجْرًا (٢). وقد رواه الإِمام أحمد في "الزهد"، وغيره عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: مالي أرى علماءكم يذهبون وأرى جهالكم لا يتعلمون؟ تعلموا العلم قبل أن يرفع؛ فإن رفع العلم ذهاب العلماء. مالي أراكم تحرصون على ما قد تكفل لكم به، وتضيعون ما وُكلتم به؟ لأنا أعلم بشراركم من البيطار بالخيل؛ هم الذين لا يأتون الصلاة إلا دبراً، ولا يسمعون القرآن إلا هجرًا (٣).

стр. 4768

وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن سعيد بن مسروق قال: قدمت الدهاقين الكوفة على عهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فجعلوا يتعجبون من صحتهم وحسن ألوانهم، فقال ابن مسعود ﵁: ما تعجبون؟ تلقون المؤمن أصح شيء قلبًا، وأمرض شيء جسمًا، وتلقون الفاجر أو المنافق أصح شيء جسمًا، وأمرضه قلبًا؟ والله لو صحت أجسامكم ومرضت قلوبكم لكنتم أهون على الله من الجعلان (١). وروى ابنه في "زوائده" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لا تلقى المؤمن إلا شاحباً، ولا تلقى المنافق إلا وابصاً (٢). الشاحب -بالحاء المهملة-: المتغير اللون، والشحب لعارض كما لمرض، والخوف، والحزن، والسفر (٣). والوابص -بالموحدة والمهملة-: من الوبيص، وهو البريق (٤). ٢٨ - ومنها: التربص بالمؤمنين ولو بواحد منهم ، وانتظار وقوع النوائب بهم، والشماتة بهم -وهو من الاغترار بالله- والأمن من مكر الله، والحسد، والحقد، وغير ذلك من قبائح القلوب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)

стр. 4769

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٠ - ١٤١]. قال مجاهد: هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين. رواه ابن جرير، وابن المنذر (١). ٢٩ - ومنها: التمرد -وهو الأقدام- والعتو، والأَشَر، والبغي ، والسعي في ضرر المسلمين، وقصدهم بالأذى، والتشرر عليهم، وتكرر ذلك من المرء حتى يتقى ويحذر، ويترك، أو يدارى اتقاء شره. قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: مهروا فيه، واستمروا عليه مقدمين. روى أبو نعيم عن صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه: قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأقبل رجل، فلما نظر إليه رسول الله ﷺ قال: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ الرَّجُلُ". ثم أدنيت مجلسه، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّهُ مُنافِقٌ أُدارِيهِ عَنْ نِفاقِهِ، فَأَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ عَلى غَيْرِهِ" (٢). وروى الإِمام مالك في "الموطأ" عن عائشة ﵂ قالت: دخل على النبي ﷺ رجل فقال: "بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ"، ثم أمر بوسادة فألقيت له، فقام، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها لما خرج: يا رسول الله! قلت: "بِئْسَ أَخُو العَشِيرَة"، ثم أمرت من يلقى إليه الوسادة؟

стр. 4770

فقال: "مِنْ أَشْرارِ النَّاسِ مَنْ يُكْرِمُونهمُ اتِّقاءَ شَرِّهِمْ" (١). وتقدم بنحوه، وهو في "الصحيحين". ومن ألفاظه: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله يَومَ القِيامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقاءَ فُحْشِهِ". أخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذي (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "الغيبة" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ يُخافُ لِسانه، أَوْ يُخافُ شَرُّه" (٣). وأخرجه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيامَةِ مَنْ يَخافُ النَّاسُ شَرَّه" (٤). ٣٠ - ومنها: إرادة الفتنة بالمسلمين، وتخذيلهم، وولاية أعدائهم عليهم . قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: أسرعوا ركائبهم تخذيلًا وإظهاراً للهزيمة،

стр. 4771

أو أسرعوا بينكم بالإفساد كما تقدم. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٧، ٤٨]. نزلت في عبد الله بن أُبَي، وأصحابه المنافقين، انصرفوا عن النبي ﷺ يوم أحد، وتخلفوا عنه في غزوة تبوك خذلانًا له، وطلباً للفتنة (١). وروى أبو القاسم الرافعي في "تاريخ قزوين" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْفِتْنة نائِمَةٌ، لَعَنَ اللهُ مَنْ أَيْقَظَها" (٢). وروي نعيم بن حماد في "الفتن" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ : "الْفِتْنَةُ راتِعَةٌ في بِلادِ اللهِ، نَطَأُ في خِطامِها، لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُوْقِظَها، وَيْلٌ لِمَنْ أَخَذَ بِخِطامِها" (٣). ٣١ - ومنها: أن المنافق يرى أنه في فتنته على الحق، وأن خصمه المحق هو المفتتن . ومن هنا استعاذ النبي ﷺ من الفتنة، وقال: "إِنَّ السَّعِيْدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ" (٤).

стр. 4772

وذلك لأن الفتنة تبدو مشبهة، ثم ينحل أمرها. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]. نزلت في الحر بن قيس حين قال النبي ﷺ : "يا حُرُّ بْنَ قَيْسٍ! ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأَصْفَرِ؟ ". فقال: يا رسول الله! إني امرؤٌ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن. أخرجه الطبراني عن ابن عباس (١). وأخرج عنه أيضًا أن النبي ﷺ قال: "اغْزُوا تَغْنَمُوا بَناتِ بَنِي الأَصْفَرِ"؛ يعني: الروم. فقال ناس من المنافقين: إنه ليفتنكم بالنساء، فنزلت (٢). وروى سعيد بن منصور عن أبي عمرو الشيباني رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نالَ قَوْم بِفِتْنَةٍ إِلاَّ أُوْتُوا بِها جَدَلاً، وَما نالَ قَوْمٌ في فِتْنَةٍ إِلاَّ كَانُوا لَها حزراً، إِنْ كانَتِ الْفِتْنَةُ إِثْماً قاطِعةً حاصِدَةً، وَهُمْ مَحْصُودُونَ بِها" (٣).

стр. 4773

وهو معنى ما اشتهر على الألسنة: لا تكرهوا الفتن؛ فإن بها حصاد المنافقين. وقد أنكر هذا اللفظ الأئمة. نعم، روى ابن أبي شيبة، وأبو نعيم، والديلمي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَكْرَهُوا الْفِتْنَةَ في آخِرِ الزَّمانِ؛ فَإِنَّها تبيرُ الْمُنافِقِينَ" (١)؛ أي: تهلكهم. قال السخاوي: وهو ضعيف، انتهى (٢). قلت: والحكمة في ذلك أن تبير الفتنة إنما يتبر بها ليتبر مال غيره أو نفسه، فعادت عليه الإبارة والإهلاك عقوبة له، وهذا قد يشاهد في الفتن كثيرًا. ٣٢ - ومنها: الخديعة، والمكر، واللؤم . وهما من الكبائر. قال الله تعالى في المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]. وروى البيهقي في "الشعب" عن قيس بن سعد رضي الله تعالى

стр. 4774

عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ في النَّارِ" (١). وأجاد أبو العتاهية في قوله: [من الخفيف] لَيْسَ دنياً إِلاَّ بِدِيْنٍ وَلَيْسَ الدِّ ... ينُ إِلاَّ مَكارِمَ الأَخْلاقِ إِنَّما الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ في النَّا ... رِ هُما مِنْ خِصالِ أَهْلِ النِّفاقِ (٢) وروى أبو داود، والترمذي، والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيْمٌ، وَالْمُنافِقُ خَبٌّ لَئِيمٌ" (٣). والخب -بالفتح، وقد تكسر-: الْخَدَّاع الذي يسعى بين الناس بالفساد. واللئيم من اللؤم، وهو ضد الكرم، وهو وإن كان خلقاً فقد يحصل بالتكلف والتقصد، وقد يكون طبيعة فيجتهد الإنسان في التبري منها، وتكلف الكرم، وهذا من خلق المؤمن كما أن ضده من خلق المنافق. ٣٣ - ومنها- ويدخل في ابتغاء الفتنة-: تتبع زلات العلماء . وهو على قسمين:

стр. 4775

- تتبع رخص العلماء وزلاتهم ليحتج بها على معصية الله تعالى، وهو حرام. - وتتبع سقطات العلماء، وإظهارها، وإشاعتها لتنفير الناس عنهم وعن الاقتداء بهم. وكلاهما من أخلاق المنافقين. وقد روى الإِمام أحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يَجْلِسُ لِيَسْمَعَ الْحِكْمَةَ وَلا يُحَدِّثُ عَنْ صاحِبِهِ إِلاَّ بِشَرِّ ما يَسْمَعُ كَمَثَلِ رَجُل أتى راعِياً فَقالَ: يا راعِي! اجْزُرْ لِي شَاة مِنْ غَنَمِكَ، قالَ: اذْهَبْ فَخُذْ بِأُذُنِ خَيْرِها شَاة، فَذَهَبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الْغَنَمِ" (١). وقال الشعبي رحمه الله تعالى: لو أصبت تسعًا وتسعين، وأخطأت واحدة، لأخذوا الواحدة وتركوا التسع والتسعين (٢). ٣٤ - ومنها: الخيانة والكذب -ولا سيما مع اليمين والحلف- وعصيان أولي الأمر، والخروج عليهم . قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢].

стр. 4776

وقال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ١ - ٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٧، ١٠٨]. نزلت في طعمة بن أبيرق، كان من الأنصار، ثم من بني ظفر، سرق درعاً لعمه كانت وديعة عندهم، ثم ألقاها في بيت يهودي، فهم النبي ﷺ بعذره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١٠٧ - ١١٢]. فلما بيَّن الله تعالى شأن طعمة نافق ولحق بالمشركين. أخرجه ابن المنذر، وابن جرير عن قتادة (١). وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله

стр. 4777

تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "آيَةُ الْمُنافِقِ ثَلاثة: إِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا ائتُمِنَ خانَ" (١). وروى القاضي أبو بكر جعفر بن محمَّد الفريابي في كتاب "صفة المنافق" عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق؛ منها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الآية (٢). ورواه مرفوعًا، وهو في "الصحيحين" بزيادة (٣). وروي بألفاظ من طرق عن ابن مسعود، وأنس، وغيرهما (٤). وروى الخرائطي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْكَذِبَ بابٌ مِنْ أَبْوابِ النِّفاقِ" (٥). وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن

стр. 4778

النبي ﷺ قال: "يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلى كُلِّ خُلُقٍ لَيْسَ الْخِيانة وَالْكَذِبَ" (١). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: الكذب يجانب الإيمان (٢). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن قال: الكذب جماع النفاق (٣). وروى أبو الحسن بن قانع في "معجم الصحابة" عن ثعلبة الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَيُّ امْرِئٍ اقْتَطَعَ مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كاذِبَةٍ كانَتْ نكتَةً سَوْداءَ أَوْ نِفاقاً في قَلْبِهِ، لا يُغَيِّرُها شَيْء إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ" (٤). وروى الفريابي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا غنم غَلَّ، وإذا أمر عصى، وإذا لقي جبن؛ فمن كن فيه ففيه النفاق كله،

стр. 4779

ومن كان فيه بعضهن ففيه بعض النفاق (١). * تنبِيهاتٌ: الأَوَّلُ: الكذب لا يختص باللسان. قال الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]. وروى أبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أفلِّي رأس أخي عبد الرحمن، وأنا أُفقِّع أظفاري على غير شيء؛ قال: "مَهْلًا يا عائِشَةُ، أَما عَلِمْتِ أَنَّ هَذا مِنْ كَذِبِ الأَنامِلِ؟ " (٢). التَّنْبِيهُ الثَّانِي: هذه الأحاديث مما عدَّه بعض العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المصدق الذي ليس له شك، وقد أجمعوا أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال لا يكون كافرًا، ولا هو منافق يخلد في النار، وقد اجتمع في إخوة يوسف ﵈ أكثر هذه الخصال. والذي قال المحققون والأكثرون -قال النووي وهو الصحيح-: إن المعنى: أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافق فيها، متخلق بأخلاق المنافقين؛ فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وإضمار ما يظهر خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون

стр. 4780

نفاقه في حق من حدَّثه، أو وعده، أو ائتمنه، أو خاصمه، أو عصاه، أو غل منه (١). وروى أبو يعلى عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أنه قال: "لَيْسَ الْخُلْفُ أَنْ يَعِدَ الرَّجُلَ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ، وَلَكِنَّ الْخُلْفَ أَنْ يَعِدَ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ لا يَفِيَ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: دخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "مِنْ خِلالِ الْمُنافِقِ: إِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وِإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا ائتمِنَ خانَ". فخرجا من عند رسول الله ﷺ وهما ثقيلان، فلقيتهما فقلت: ما لي أراكما ثقيلين؟ فقالا: حديثاً سمعناه من رسول الله ﷺ ، قال: "مِنْ خِلالِ الْمُنافِقِ: إِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذا ائتمِنَ خانَ". قلت: أولًا سألتماه؟ قالا: هِبنا رسول الله ﷺ . قلت: لكني سائله. قال: فدخلت على رسول الله ﷺ قلت: لقيني أبو بكر وعمر وهما ثقيلان، وذكرت مما قالا.

стр. 4781

فقال: "حَدَّثتهُما، وَلَمْ أَضَعْهُ عَلى الْمَوْضعِ الَّذِي يَضَعانِهِ، وَلَكِنَّ الْمُنافِقَ إِذا حَدَّثَ بِحَدِيث حَدَّثَ بِهِ، وَهُوَ يُحَدِّثَ نفسَهُ أَنَّهُ يَكْذِبُ، وإذا وَعَدَ وَعَدَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنه يُخْلِفُ، وَإِذا ائتمِنَ ائتمِنَ وَهُوَ يُحَدِّثُ، نفسَهُ أَنَّهُ يَخُونُ" (١). ثم رأيت في الحديث تأويلاً آخر: أنه محمول على من صار الكذب والخلف والخيانة عادة متكررةً منه، وخلفاً مستمرًا من أخلاقه. روى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن الشعبي رحمه الله تعالى قال: لا أدري ما تقولون: من كان كذابًا فهو منافق (٢)! وأنت خبير بما في صفة فَعَّال من المبالغة والتكثير. وفي الحديث: "وَلا يَزالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتُبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا" (٣). التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ: روى الإِمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم عن سعيد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إن أعظم الذنوب أن يقول الرجل: الله يعلم أني صادق، والله

стр. 4782

يعلم أنه كاذب (١). قلت: هذا يقع كثيرًا في كلام بعض الناس إذا أراد تأكيد الحديث، وقد علمت ما فيه. وتقدم أن الأخنس بن شريق قال للنبي ﷺ : جئت أريد الإِسلام، ويعلم الله أني لصادق، فأعجب النبي ﷺ ذلك منه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]. ومن هنا كان من الألفاظ المذمومة ما يعتاده كثيرون؛ يريد أن يحلف على شيء فيتورع عن قوله: (والله) كراهية الحنث، أو إجلالاً لله تعالى وصوناً عن الحلف، ثم يقول: الله أعلم ما كان كذا، أو لو كان كذا، ونحوه. وفي هذه العبارة خطر؛ فإن قالها صاحبها وهو على يقين مما أكد بها فلا بأس، وإلا تعرض للكذب على الله تعالى، بل فيه التعرض للكذب على الله تعالى، بل فيه التعرض لوصفه تعالى بأنه يعلم الأمر بخلاف ما هو، ولو اعتقد ذلك كفر، كما نص عليه النووي في "الأذكار" (٢). * تَتِمَّةٌ: روى الطبراني في "الأوسط"، وغيره عن ابن مسعود ﵁: أنه

стр. 4783

قال: لا يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْعِدَةُ دينٌ" (١). وروى الخرائطي في "المكارم" عن الحسن مرسلاً: أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئًا فلم تجده عنده، فقالت: عدني، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْعِدَةَ عَطِيَّةٌ" (٢). وفي ذلك إشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يعد وعداً إلا وهو جازم بالوفاء له، ولو للصبي الصغير لأجل شغله عن البكاء ونحوه، بل ينبغي للمؤمن إذا وعد أن يكون فعله أبلغ من قوله، ووفاؤه أحسن من وعده وأكمل، ولا يكون كما قال الشاعر: [من الطويل] لِسانُكَ أَحْلَى مِنْ جَنَى النَّحْلِ مَوْعِدًا ... وَكَفُّكَ بِالْمَعْرُوفِ أَضْيقُ مِنْ قُفْلِ تَمَنَّى الَّذِي يَأْتِيكَ حَتَّى إِذا انتُهَى ... إِلَى أَمَدٍ ناَوَلْتَهُ طَرَفَ الْحَبْلِ (٣)

стр. 4784

وروى الخرائطي عن عبد الرحمن بن أبزى رحمه الله تعالى قال: كان داود ﵇ يقول: لا تعدن أخاك شيئاً لا تنجزه له؛ فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة (١). ٣٥ - ومن أعمال المنافقين، وأخلاقهم: دعوى الدين ومقاماته لغير غرض صحيح، وخصوصاً التقصير في العمل الموافق للدعوى . روى الفريابي عن الأوزاعي قال: إن المؤمن يقل الكلام ويكثر العمل، وإن المنافق يكثر الكلام ويقل العمل (٢). ٣٦ - ومنها: ترك العمل بالعلم، والإرشاد إلى البر مع رفض التلبس به . روى ابن أبي شيبة، والفريابي من طريقه عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أنه سئل عن المنافق فقال: الذي يَصِفُ الإِسلام ولا يعمل به (٣). وروى الإِمام أحمد، والفريابي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلى أُمَّتِي مُنافِق عَلِيمُ اللِّسانِ" (٤).

стр. 4785

وروى الفريابي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سئل: كيف يكون المنافق العلم؟ قال: عالم اللسان، جاهل القلب والعمل (١). وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي لا أَخافُ عَلى أُمَّتِي مُؤْمِنًا وَلا كافِراً؛ أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَحْجُزُهُ إِيْمانهُ، وَأَمَّا الكافِرُ فَيَقْمَعُهُ كُفْرُهُ, وَلَكِنْ أَخافُ عَلَيْهِمْ مُنافِقاً عَلِيمَ اللِّسانِ، يَقُولُ ما يَعْلَمُونَ، وَيَفْعَلُ ما يُنْكِرُونَ" (٢). ٣٧ - ومنها: المبادرة إلى التكلم بالشيء قبل تدبر عواقبه . روى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: كانوا يقولون: إن لسان المؤمن وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه، ثم أمضاه بلسانه، وإن لسان المنافق أمام قلبه، فإذا همَّ بالشيء أمضاه بلسانه، ولم يتدبره بقلبه (٣). وروى الإِمام أحمد، وابن أبي الدنيا عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَسْتَقِيمُ إِيْمانُ عبد حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ،

стр. 4786

وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسانُهُ" (١). ٣٨ - ومنها: الحرص على طلب الدنيا، والانهماك فيها، والاهتمام بتحصيلها ، وركوب كل صعب وذَلول في ذلك بحيث لا يبالي بجمعها من حلال أو حرام. روى البخاري في "تاريخه" عن كعب بن عاصم رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ كَيِّس فَطِنٌ، حَذِرٌ، وَقَّافٌ، مُتَثَبِّتٌ لا يَعْجَلُ، عالِمٌ وَرِعٌ، وَالْمُنافِقُ هُمَزَةٌ، لُمَزَةٌ، حُطَمَةٌ، لا يَقِفُ عِنْدَ شُبْهَةٍ وَلا عِنْدَ مُحَرَّمٍ". ورواه الديلمي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وزاد فيه: "كَحاطِبِ اللَّيْلِ؛ لا يُبالِي مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ وَفِيما أَنْفَقَ" (٢). ٣٩ - ومنها: طلب رضي الناس بما يسخط الله تعالى، والحلف الكاذب لذلك . قال الله تعالى في المنافقين: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].

стр. 4787

بيَّن أنهم يطلبون رضى الناس دون رضى الله لأنهم يخافونهم دونه، والله أحق بالرضى والمخافة؛ فإن العبد إذا خاف الناس وأرضاهم بما يسخط الله لم يغنوا عنه شيئًا إذا ظهر فيه عقوبة تسخط الله تعالى. وقد روى الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَرْضى النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ، وَمَنْ أَسْخَطَ النَّاسَ بِرِضَا اللهِ كَفاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ" (١). وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" -وإسناده كما قال الحافظ ابن حجر على شرط الشيخين (٢) - ولفظه: "مَنْ أَرْضَى الله بِسَخَطِ النَّاسِ كَفاهُ اللهُ النَّاسَ، وَمَنْ أَرْضى النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ" (٣). وروى الحاكم وصححه، والديلمي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَرْضى سُلْطاناً بِما يُسْخِطُ الله خَرَجَ مِنْ دِينِ اللهِ" (٤). وروى الطبراني في "الصغير"، والديلمي عن أنس ﵁ قال: قال

стр. 4788

رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ مِنْ أَخْلاقِ الإِيْمانِ: مَنْ إِذا غَضِبَ لَمْ يُدْخِلْهُ غَضَبُهُ في باطِلٍ، وَمَنْ إِذا رَضِيَ لَمْ يُخْرِجْهُ رِضاهُ مِنْ حَقٍّ، وَمَنْ إِذا قَدِرَ لَمْ يَتَعاطَ ما لَيْسَ لَه" (١). ٤٠ - ومنها: أن يظهر للناس أنه على خوف من الله تعالى وخشية، أو تقوى فوق ما عنده . فإن أظهر ما ليس فيه بالكلية، بل هو على خلافه كان أبلغ. وروى الديلمي، وابن النجار عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَرى النَّاسَ فَوْقَ ما عِنْدَهُ مِنَ الْخَشْيةِ فَهُوَ مُنافِقٌ" (٢). وروى الحاكم في "تاريخه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَهَيَّأ لِلنَّاسِ بِقَوْلهِ وَلِباسِهِ، وَخالَفَ ذَلِكَ في أَعْمالِهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". ٤١ - ومنها: سوء الظن بالله تعالى، وسوء الاعتقاد . وروى الفريابي عن الحسن: أنه قال في هذه الآية: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩، ٢٠] قال: إن المؤمن

стр. 4789

أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل (١). ٤٢ - ومنها: إساءة الظن بالمسلمين فيما أحسنوا فيه، وحمل ذلك منهم على الرياء والغرض الفاسد . والمؤمن يحمل أعمال المسلمين الحسنة على الكمال والإخلاص. نعم من تظاهر بالريب والظلم فهو أولى بإساءة الظن به. روى البخاري في "تاريخه" (٢) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَساءَ بِأَخِيهِ الظَّنَّ فَقَدْ أَساءَ بِرَبِّهِ ؛ إِنَّ الله تعالَى يَقُولُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] ". والقرآن العظيم ناطق بأحوال المنافقين في إساءة الظن بالنبي ﷺ وأصحابه الكرام كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. كان لمزهم إياه في الصدقات مبني على إساءة ظنهم؛ فإن الآية نزلت فيمن قال عن قسمة قسمها رسول الله ﷺ : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله كما يثبت في "صحيح البخاري"، وغيره (٣).

стр. 4790

٤٣ - ومنها: الرضا عند حصول الدنيا، والسخط بتحولها . كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. وروى الطبراني في "الصغير" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ حَزِيناً عَلى الدُّنْيا أَصْبَحَ ساخِطاً عَلى رَبِّهِ " (١). وروى الترمذي عن أنس، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِناهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيا وَهِيَ راغِمَةٌ، وَمَنْ كانَتِ الدّنْيا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إِلاَّ ما قُدِّرَ لَه" (٢). وأخرجه ابن ماجه، والطبراني عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "مَنْ كانَتْ نِيَّتُهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللهُ لَهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ، وَأتتْهُ الدُّنْيا راغِمَةً، وَمَنْ كانَتْ نِيَّتُهُ الدّنْيا فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ,

стр. 4791

وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إِلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لَه" (١). وفي وضع الظاهر موضع المضمر في الروايتين دقيقة، وهي: أن ما يأتيه من الدنيا قد يكون بعض ما طلبه بعينه، ولا يتم له كله، وقد لا يكون عين مطلوبه ولا بعضه، بل هو نوع آخر منها غير ما طلب منها، والألف والسلام للجنس لا للعهد. والحاصل: أن اهتمام العبد بالدنيا لا يفيد شيئًا غير ما كتب له وقدر، بل يعاقب عليه بالحرمان بالكلية، أو بحرمان البعض، أو بالتنغيص والتكدير فيه، وبتفريق الأمر، وتشتيت الشمل، وانتصاب الفقر بين عينيه، وذلك يحزنه على ما فات، والحزن على ما فات من الدنيا تسخط لمقدور الله تعالى. وفي الحديث: "مَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ" (٢). ٤٤ - ومنها: شهود العطاء والمنع من غير الله تعالى . روى الفريابي عن أبي مليكة الذماري رحمه الله تعالى قال: إن الرجل ليدخل على الإِمام فما يخرج إلا مشركا أو منافقاً؛ إن أعطاه نسي الذي أعطاه وحمده، وإن منعه خرج يذمه ويعيبه، فإذا فعل هذا

стр. 4792

بالإمام فقد نافق وأشرك، وإنما يعطي ويمنع الله (١). وفي المعنى قلت: [من البسيط] لا تَغْضَبَنْ عَلى خَلْقٍ إِذا مَنَعُوا ... وَلا تَرى الْفَضْلَ مِنْهُمُ إِنْ هُمُ بَلِ اشْهَدِ الْمَنع مِنْ مَوْلاكَ وَارْضَ ... فَالْخَيْرُ فِي عَيْنِ مَنْعِ اللهِ يُلْتَمَحُ وَحَيْثُ أَعْطاكَ بَعْضُ النَّاسِ نافِلَةً ... فَاللهُ أَعْطَى وَمِنْهُ تُشْهَدُ الْمِنَحُ ٤٥ - ومنها: غلبة الفرح واللهو واللعب على العبد . روى الفريابي عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لا تلقى المؤمن إلا شاحباً، ولا تلقى المنافق إلا وباصاً (٢). وقال محمَّد بن علي رحمه الله تعالى: المؤمن بِشْره في وجهه، وحزنه في قلبه، والمنافق بشره في قلبه، وحزنه في وجهه (٣). وروى ابن أبي شيبة عن الحسن رحمه الله تعالى قال: إن المؤمنين عجلوا الخوف في الدنيا، فأمنهم الله يوم القيامة، وإن المنافقين أخَّروا الخوف في الدنيا، فأخافهم الله يوم القيامة (٤). ٤٦ - ومنها: الأمن من مكر الله تعالى، ومن سوء الخاتمة، والتحول من الإيمان إلى النفاق؛ والعياذ بالله .

стр. 4793

روى الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا قال له: إني أخاف أن أكون منافقاً. قال: لو كنت منافقاً ما خفت ذلك (١). وروى الفريابي عن جبير بن نفير رحمه الله تعالى: أنه سمع أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه وهو في آخر صلاته وقد خرج من التشهد يتعوَّذ بالله من النفاق، فأكثر التعوذ منه، قال: فقال جبير: ما لك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال: دعنا عنك؛ والله إن الرجل لينقلب عن دينه في الساعة فيخلع منه (٢). وقال أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى: ما على ظهرها من بشر لا يخاف على إيمانه أن يذهب إلا ذهب (٣). وقال أبو عثمان الجعد: قلت لأبي رجاء العطاردي رحمه الله تعالى: هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ يخشون النفاق؛ وكان قد أدرك عمر رضي الله تعالى عنه؟ قال: نعم، قد أدركت منهم صدراً حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا.

стр. 4794

وقال الحسن رحمه الله تعالى: إن القوم لما رأوا أن هذا النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هم غير النفاق (١). وسأل أبان الحسن: تخاف النفاق؟ وقال: وما يؤمنني وقد خاف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (٢). وقال المعلي بن زياد رحمه الله تعالى: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط وما بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وقال محمَّد بن سيرين رحمه الله تعالى: لم يكن شيء أخوفَ عَلَيَّ مِنْ قالٍ هذا القول من هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] (٣). روى هذه الآثار الفريابي في كتابه في "صفة المنافق". وروى عبد بن حميد عن محمَّد بن سيرين قال: كانوا يتخوفون من هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] (٤).

стр. 4795

وأخرجه ابن المنذر، ولفظه: لم يكن عندهم شيء أخوف من هذه الآية (١). وروى عبد بن حميد عن يحيى بن عتيق قال: كان محمَّد -يعني: ابن سيرين- يتلو هذه الآية عند ذكر الحجاج، ويقول: أنا لغير ذلك أخوف: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٨]. إلى آخرها (٢). ٤٧ - ومن أخلاق المنافقين: قلة المروءة، وعدم الغيرة، والقيادة، والدياثة . روى البزار، والبيهقي في "الشعب"، والديلمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الْغَيْرَةُ مِنَ الإِيْمانِ، وَالْمَذاءُ مِنَ النِّفاقِ" (٣) -بالمعجمة-: عدم غيرة الرجل على أهله. وقال في "القاموس": مذا، وأمذى: قاد على أهله، وأشار إلى أنه واوي. قال: والمذاء -كسماء-: جمع النساء والرجال، وتركهم يلاعب بعضهم بعضا، أو هو الدياثة. انتهى (٤).

стр. 4796

وذكر في "النهاية" حديث: "الْمَذالُ مِنَ النِّفاقِ". قال في "القاموس": والمذال: المذاء، وأن يقلق الرجل بفراشه الذي يضاجع فيه حليلته، ويتحول عنه حتى يفترشها غيره (١). وعلى هذا اقتصر في "النهاية"، لكن وقع في عبارة السيوطي في "مختصر النهاية": فيفترشه غيره (٢) - بعود الضمير إلى الفراش -وهو أعم من عوده إلى المرأة؛ إذ هو شامل لمطلق الإعراض عن مضاجعة الزوجة كراهية للعمل بالسنة من استحباب المضاجعة؛ إذ فيه هجر المرأة، وهو إيذاء لها وتعريض لفراشها أن يفترشه غيره، والغير شامل للذكر والأنثى، فربما دعا هجر المرأة أن تستبدل غير الرجل رجلًا بالمعاهرة، أو امرأة بالمساحقة. وقد روى ابن حبان في "صحيحه" عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس، والطبراني في "الكبير" عن معاوية ﵃: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي" (٣). وأخرجه ابن عساكر من حديث علي رضي الله تعالى عنه، وزاد: "ما أَكْرَمَ النِّساءَ إِلاَّ كَرِيْمٌ، وَلا أَهانهنَّ إِلاَّ لَئِيْمٌ" (٤).

стр. 4797

وقد سبق أن اللؤم من صفة المنافقين. والمراد إكرام النساء وإهانتهن من حيث إنهن ضعاف لا يحتملن الانتقام، والعاقل لا يرى التشفي بالانتقام ممن هو أضعف منه. وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِلنِّساءِ" (١). ٤٨ - ومنها: التبتل . وهو ترك النكاح رغبة عن السنة، بخلاف تركه لمن لا حاجة له إليه، وهو لا يجد طَولاً. روى عبد الرزاق، والإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: دخل على رسول الله ﷺ عكاف بن بشر التميمي، فقال له النبي ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ؟ " قال: لا. قال: "ولا جارِية؟ " قال: لا. قال: "وَأَنْتَ مُوْسِرٌ بِخَيْرٍ؟ " قال: وأنا موسر بخير. قال: "أَنْتَ إِذاً مِنْ إِخْوانِ الشَّياطِينِ، لَوْ كُنْتَ مِنَ النَّصارَى كُنْتَ مِنْ

стр. 4798

رُهْبانِهِمْ، إِنَّ مِنْ سُنَّتِنا النكّاحَ، شِرارُكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَأَراذِلُ مَوْتاكُمْ عُزَّابُكُمْ، بِالشَّيْطانِ تتَمَرَّسُونَ، ما لِلشَّيْطانِ مِنْ سِلاحٍ أَبْلَغَ في الصَّالِحِينَ مِنَ النِّساءِ، إِلاَّ الْمُتَزَوِّجِينَ، أُولَئِكَ الْمُطَهَّرُونَ الْمُبَرَّؤُونَ مِنَ الْخَنا، ويحَكَ يا عكافُ! إِنهنَّ صواحِبُ أيُّوبَ، وَداودَ، ويُوسُفَ، وَكرسُفَ". فقال له بشر بن عطية: ومن كرسف يا رسول الله؟ قال: "رَجُلٌ كانَ يَعْبُدُ الله بِساحِلِ الْبَحْرِ ثَلاثَمِئَةِ عامٍ، يَصُومُ النَّهارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، ثُمَّ إِنَّهُ كَفَرَ بِاللهِ الْعَظِيمِ في سَبَبِ امْرَأَةٍ عَشِقَها، وَتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِنْ عِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ اللهُ بِبَعْضِ ما كانَ مِنْهُ فَتابَ عَلَيْهِ. وَيْحَكَ يا عكافُ! تَزَوَّجْ وَإِلاَّ فَأَنْتَ مِنَ الْمُذَبْذَبِينَ" (١). والمذبذبون: هم المنافقون لأن الله تعالى قال في وصفهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣]. وأصل الذبذبة: تردد الشيء المعلق بالهواء. ٤٩ - ومنها: تبرج المرأة بالزينة . يقال: تبرجت المرأة: إذا أظهرت زينتها للرجال. وأصله من برج -كفرح-: إذا اتسع أمره في المأكل والمشرب. أو من البرج -بالتحريك-: وهو أن يكون بياض العين محدقًا بالسواد كله.

стр. 4799

كأن المرأة تظهر للرجال حتى يحدقوا بها، وينظروا إليها. روى أبو نعيم، والخطيب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْمُتَخَلعاتُ وَالْمُتَبَرِّجاتُ هُنَّ الْمُنافِقاتُ" (١). وروى البيهقي عن ابن أبي أذينة الصدفي -مرسلاً- وعن سليمان ابن يسار -مرسلاً- قالا رحمهما الله تعالى: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِسائِكُمُ الوَلُودُ الوَدُودُ، وَالْمُواسيَةُ الْمُواتِيَةُ إِذا اتَّقَيْنَ الله، وَشَرُّ نِسائِكُمُ الْمُتَبَرجاتُ الْمُتَخَيِّلاتُ، وَهُنَّ الْمُنافِقاتُ، لا يدخلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ إلا مِثْلُ الْغُرابِ الأَعْصَمِ" (٢). والأعصم: أبيض الجناحين. وقيل: أبيض الرِّجْل. وقال في "القاموس": الأحمر الرجلين والمنقار، أو في جناحيه ريشة بيضاء (٣). واقتصر في "الصحاح" على الأخير (٤).

стр. 4800

٥٠ - ومنها: اختلاع المرأة نفسها من زوجها لغير ضرورة، وسؤالها إياه الطلاق من غير بأس . وروى النسائي عن أبي هريرة، والطبراني في "الكبير" عن عقبة بن عامر قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "الْمُتَخَلِّعاتُ هُنَّ الْمُنافِقاتُ". وفي لفظ للطبراني: "إِنَّ الْمُتَخَلِّعاتِ وَالْمُتَبِّجاتِ هُنَّ الْمُنافِقاتُ" (١). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن ثوبان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أيُّما امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ بَأسٍ فَحَرام عَلَيْها رائِحَةُ الْجَنَّةِ" (٢). ٥١ - ومنها: النثار، وانتهاب النثر في الولائم . والنِّثار -بكسر النون- والنَّثر -بفتحها وإسكان المثلثة في الأصل-: رمي الشيء مفرقاً.
следующие страницы →