وذكر في "النهاية" حديث: "الْمَذالُ مِنَ النِّفاقِ".
قال في "القاموس": والمذال: المذاء، وأن يقلق الرجل بفراشه الذي يضاجع فيه حليلته، ويتحول عنه حتى يفترشها غيره (١).
وعلى هذا اقتصر في "النهاية"، لكن وقع في عبارة السيوطي في "مختصر النهاية": فيفترشه غيره (٢) - بعود الضمير إلى الفراش -وهو أعم من عوده إلى المرأة؛ إذ هو شامل لمطلق الإعراض عن مضاجعة الزوجة كراهية للعمل بالسنة من استحباب المضاجعة؛ إذ فيه هجر المرأة، وهو إيذاء لها وتعريض لفراشها أن يفترشه غيره، والغير شامل للذكر والأنثى، فربما دعا هجر المرأة أن تستبدل غير الرجل رجلًا بالمعاهرة، أو امرأة بالمساحقة.
وقد روى ابن حبان في "صحيحه" عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس، والطبراني في "الكبير" عن معاوية ﵃: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي" (٣).
وأخرجه ابن عساكر من حديث علي رضي الله تعالى عنه، وزاد: "ما أَكْرَمَ النِّساءَ إِلاَّ كَرِيْمٌ، وَلا أَهانهنَّ إِلاَّ لَئِيْمٌ" (٤).
стр. 4797
وقد سبق أن اللؤم من صفة المنافقين.
والمراد إكرام النساء وإهانتهن من حيث إنهن ضعاف لا يحتملن الانتقام، والعاقل لا يرى التشفي بالانتقام ممن هو أضعف منه.
وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِلنِّساءِ" (١).
٤٨ - ومنها: التبتل .
وهو ترك النكاح رغبة عن السنة، بخلاف تركه لمن لا حاجة له إليه، وهو لا يجد طَولاً.
روى عبد الرزاق، والإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: دخل على رسول الله ﷺ عكاف بن بشر التميمي، فقال له النبي ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ؟ "
قال: لا.
قال: "ولا جارِية؟ "
قال: لا.
قال: "وَأَنْتَ مُوْسِرٌ بِخَيْرٍ؟ "
قال: وأنا موسر بخير.
قال: "أَنْتَ إِذاً مِنْ إِخْوانِ الشَّياطِينِ، لَوْ كُنْتَ مِنَ النَّصارَى كُنْتَ مِنْ
стр. 4798
رُهْبانِهِمْ، إِنَّ مِنْ سُنَّتِنا النكّاحَ، شِرارُكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَأَراذِلُ مَوْتاكُمْ عُزَّابُكُمْ، بِالشَّيْطانِ تتَمَرَّسُونَ، ما لِلشَّيْطانِ مِنْ سِلاحٍ أَبْلَغَ في الصَّالِحِينَ مِنَ النِّساءِ، إِلاَّ الْمُتَزَوِّجِينَ، أُولَئِكَ الْمُطَهَّرُونَ الْمُبَرَّؤُونَ مِنَ الْخَنا، ويحَكَ يا عكافُ! إِنهنَّ صواحِبُ أيُّوبَ، وَداودَ، ويُوسُفَ، وَكرسُفَ".
فقال له بشر بن عطية: ومن كرسف يا رسول الله؟
قال: "رَجُلٌ كانَ يَعْبُدُ الله بِساحِلِ الْبَحْرِ ثَلاثَمِئَةِ عامٍ، يَصُومُ النَّهارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، ثُمَّ إِنَّهُ كَفَرَ بِاللهِ الْعَظِيمِ في سَبَبِ امْرَأَةٍ عَشِقَها، وَتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِنْ عِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ اللهُ بِبَعْضِ ما كانَ مِنْهُ فَتابَ عَلَيْهِ.
وَيْحَكَ يا عكافُ! تَزَوَّجْ وَإِلاَّ فَأَنْتَ مِنَ الْمُذَبْذَبِينَ" (١).
والمذبذبون: هم المنافقون لأن الله تعالى قال في وصفهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣].
وأصل الذبذبة: تردد الشيء المعلق بالهواء.
٤٩ - ومنها: تبرج المرأة بالزينة .
يقال: تبرجت المرأة: إذا أظهرت زينتها للرجال.
وأصله من برج -كفرح-: إذا اتسع أمره في المأكل والمشرب.
أو من البرج -بالتحريك-: وهو أن يكون بياض العين محدقًا بالسواد كله.
стр. 4799
كأن المرأة تظهر للرجال حتى يحدقوا بها، وينظروا إليها.
روى أبو نعيم، والخطيب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْمُتَخَلعاتُ وَالْمُتَبَرِّجاتُ هُنَّ الْمُنافِقاتُ" (١).
وروى البيهقي عن ابن أبي أذينة الصدفي -مرسلاً- وعن سليمان ابن يسار -مرسلاً- قالا رحمهما الله تعالى: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِسائِكُمُ الوَلُودُ الوَدُودُ، وَالْمُواسيَةُ الْمُواتِيَةُ إِذا اتَّقَيْنَ الله، وَشَرُّ نِسائِكُمُ الْمُتَبَرجاتُ الْمُتَخَيِّلاتُ، وَهُنَّ الْمُنافِقاتُ، لا يدخلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ إلا مِثْلُ الْغُرابِ الأَعْصَمِ" (٢).
والأعصم: أبيض الجناحين.
وقيل: أبيض الرِّجْل.
وقال في "القاموس": الأحمر الرجلين والمنقار، أو في جناحيه ريشة بيضاء (٣).
واقتصر في "الصحاح" على الأخير (٤).
стр. 4800
٥٠ - ومنها: اختلاع المرأة نفسها من زوجها لغير ضرورة، وسؤالها إياه الطلاق من غير بأس .
وروى النسائي عن أبي هريرة، والطبراني في "الكبير" عن عقبة بن عامر قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "الْمُتَخَلِّعاتُ هُنَّ الْمُنافِقاتُ".
وفي لفظ للطبراني: "إِنَّ الْمُتَخَلِّعاتِ وَالْمُتَبِّجاتِ هُنَّ الْمُنافِقاتُ" (١).
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن ثوبان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أيُّما امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ بَأسٍ فَحَرام عَلَيْها رائِحَةُ الْجَنَّةِ" (٢).
٥١ - ومنها: النثار، وانتهاب النثر في الولائم .
والنِّثار -بكسر النون- والنَّثر -بفتحها وإسكان المثلثة في الأصل-: رمي الشيء مفرقاً.
стр. 4801
والنَّثَر -بفتحتين-: ما تناثر.
والنثار في الولائم، وانتهاب ما ينتثر مكروه على المذهب.
واستدل له الأذرعي بما في "مسند الإِمام أحمد" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلْمُنافِقِينَ عَلاماتٍ يُعْرَفُونَ بِها؛ تَحِيَّتُهُمْ لَعْنةٌ، وَطَعامُهُمْ نُهْبَةٌ" (١).
وتقدم الحديث بزيادة.
٥٢ - ومنها: سوء الخلق، والمل من الزوج، أو الصاحب، أو الثوب، أو غير ذلك مما يلائم أشرًا وبطراً، وهو داخل في سوء الخلق .
والفرق بين سوء الخلق والحدة التي تعتري خيار الأمة كما تقدم: أن الحدة لا تخرج صاحبها إلى باطل، وفيئتها قريبة، وسوء الخلق يخرج صاحبه عن الحق، وينقلب فيصير عداوة وحقداً.
ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ شَيْءٍ إلا لَهُ تَوْبَةٌ، إِلاَّ صاحِبَ سُوءِ الْخُلُقِ؛ فَإِنَّهُ لا يتوبُ مِنْ ذَنْبٍ إِلاَّ عادَ في شَرٍّ مِنْهُ".
رواه الطبراني، وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وإسناده ضعيف (٢).
стр. 4802
وكان رسول الله ﷺ يدعو: "اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ وَسُوءِ الأَخْلاقِ".
رواه أبو داود، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١).
لا يقال: هذا الحديث يدل على أن سوء الأخلاق ليس من النفاق لأن العطف يقتضي المغايرة، بل هو من عطف الخاص على العام لمزيد الاعتناء به.
وروى محمَّد بن نصر المروزي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيْماناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وإِنَّ الْمَرْءَ لَيَكُونُ مُؤْمِناً وإنَّ في خُلُقُهِ شَيْئاً، فَيْنَقُصُ ذَلِكَ مِنْ إِيْمانِهِ" (٢).
ومفهوم الحديث: أن أكمل المنافقين نفاقاً أسوؤهم أخلاقاً.
وقد يقال: إن سوء الخلق وحده لا يكون نفاقاً حتى ينضم إليه البخل لما رواه البخاري في "الأدب المفرد"، والترمذي عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خَصْلَتانِ لا يَجْتَمِعانِ في مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ" (٣).
وفي حديث رافع بن مُكيث -بالتصغير- وكان ممن شهد الحديبية ﵁: أن النبي ﷺ قال: "حُسْنُ الْخُلُقِ نَماءٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ
стр. 4803
شُؤْمٌ".
أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود (١) وروى الخطيب عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "سُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ، وَشِرارُكُمْ أَسْوَؤُكُمْ أَخْلاقاً" (٢).
وروى الطبراني في "الكبير"، والخرائطي في "مكارم الأخلاق"، وأبو الشيخ في "طبقات الأصبهانيين" بإسناد جيد، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجاتِ الآخِرَةِ وَشَرَفَ الْمَنازِلِ، وإنَّهُ لَيَضْعُفُ عَنِ الْعِبادةِ، وإنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ أَسْفَلَ دَرْكِ جَهَنَّمَ" (٣).
ولا شك أن هذا منزل المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
стр. 4804
وروى ابن أبي الدنيا في "المداراة" عن عبد العزيز بن حصين قال: بلغني أن عيسى ﵇ قال: من ساء خلقه عذب نفسه، ومن أكثر كذبه ذهب جماله، ومن لاحى الرجال سقطت مروءته، ومن كثر همه سقم بدنه (١).
وروى ابن السني، وأبو نعيم؛ كلاهما في "الطب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ساءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ، وَمَنْ كَثُرَ هَمُّهُ سَقُمَ بَدَنُهُ، وَمَنْ لاحى الرِّجالَ ذَهَبَتْ كَرامَتُهُ وَسَقَطَتْ مُرُوءَتُهُ" (٢).
وروى ابن مردويه، والأصبهاني عن عمرو بن العاص ﵁ قال: لا أمل ثوبي ما وسعني، ولا أمل زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أمل دابتي ما حملت رحلي؛ إن الملالة من سيِّئِ الأخلاق (٣).
وفيه ذم الملالة والسآمة مما يلائم الإنسان من أهل، أو دابة، أوثوب، أو طعام؛ فإن الاجتزاء بما يسوء من عوز من خلق المؤمن.
وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْها خُلُقاً رَضِيَ مِنْها غَيْرَهُ" (٤).
والفِرك -بالكسر-: البغض من الزوجين.
стр. 4805
وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "تَزَوَّجُوا وَلا تُطَلّقُوا؛ فَإِنَّ الله لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلا الذَّوَاقاتِ" (١).
وروى الشيخان عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "أَحَبُّ الأَعْمالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُها وَإِنْ قَلَّ" (٢).
وروى مسلم، وأبو داود عنها أن النبي ﷺ كان إذا عمل عملًا أثبته (٣)؛ أي: جعله ثابتًا لا يفارقه، ولا يتركه في وقته؛ أي: داوم عليه.
٥٣ - ومنها: العبادة على جهل، و [ ... ] (٤) والتشاؤم بالعبادة والتطير بها.
وذلك من آثار سوء الخلق، ومن أقبح الْمَلَل.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾؛ أي: على جهلْ. ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].
قال ابن عباس في الآية: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا وأنتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته
стр. 4806
ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء. رواه البخاري (١).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠، ١١].
قال قتادة: هذا الآيات نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة؛ أي: وقد خرجوا مهاجرين.
قال: وهذه الآيات العشر -أي: من أول سورة العنكبوت إلى ختام هذه الآية- مدنية. أخرجه ابن جرير (٢).
وروى ابن أبي شيبة، والمفسرون عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] قال: أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاءً من الناس أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة (٣).
٥٤ - ومنها: الفرح بالدنيا، والترح بإدبارها، والغضب لها، والغرام بها .
وإذا كان حب الدنيا رأس كل خطيئة فهي منبع النفاق.
стр. 4807
ألا ترى أن عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول حين أراد أهل المدينة أن يتوجوه ويملكوه عليهم، فأدركه الإِسلام وحال بينهم وبين ذلك، ثم هاجر إليهم النبي ﷺ فأقبلوا عليه، وأعرضوا عما همُّوا به من تتويج ابن أُبَيٍّ، كان ذلك داعياً لابن أُبَيٍّ إلى النفاق، وإضمار العداوة للنبي ﷺ وأصحابه، وكان قد أظهر الإِسلام لئلا يخرج عن قومه، ومنه أخذ المنافقون واقتدى به الأرذلون؟ قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨].
وفي تغيير الخطاب إشارة إلى أن السخط خلقهم اللازم لهم، والرضا طارئ عليهم بسبب ما يعرض عليهم من العطاء، فإذا انقطع العطاء عنهم عادوا إلى مكرهم.
والآية نزلت في أبي الجواظ، وفي حرقوص بن زهير الملقب بذي الخويصرة، وهو رأس الخوارج، وكلاهما من المنافقين، قال كل منهما في قسمة قسمها رسول الله ﷺ : إنه لم يعدل فيها، فبين الله سبحانه أن ذلك من القائل إنما نشأ لشدة انكلابه على الدنيا، وطمعه فيها، ورضاه لها، وسخطه لمنعها، فأدى ذلك به إلى وقوعه في حق النبي ﷺ بما هو كفر صريح، ولو أنه رضي بالله تعالى ورسوله، واكتفى بما قسمه الله له لأغناه الله تعالى كما قال : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]؛ أي: لكان ذلك خيراً لهم، وأعود عليهم.
стр. 4808
وهذه صفة المؤمنين إذا ابتلاهم الله تعالى بالفقر والبلاء صبروا، وإذا أعطاهم العافية والدنيا لم يركنوا إليها, ولم يغتروا بها كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣].
ومن العجائب أن المنافق في عمره كله بين غرة بمالة، وفرح بإقباله، وحزن لما فاته، واغتمام بإدباره عنه حتى يدركه الموت على ذلك، فإن أدركه على غمه فغم الموت انضم إلى غم الفوت، وإن أدركه على غرته فأَعْظِم بحسرته!
وما أحسن موعظةَ عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذ كتب إلى يزيد بن عبد الملك: إياك إن تدركك المصرعة عند الغرة، فلا تقال العثرة، ولا تمكن من الرجعة، ولا يحمدك من خلفت بما تركت، ولا يعذرك من تقدم عليه بما اشتغلت به، والسلام. رواه الإِمام أحمد في "الزهد" (١).
وروى فيه عن يزيد بن ميسرة قال: كان رجل ممن مضى جمع مالاً وولداً فأوعى، ثم أقبل على نفسه وهو في أهله قد جمع، فقال: أنعمي سنين! فأتاه ملك الموت ﵇ فقرع الباب، فخرجوا إليه
стр. 4809
وهو متمثل بمسكين، فقال لهم: ادعوا لي صاحب الدار، فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك؟ فودعوه، ثم مكث قليلاً، ثم عاد فقرع باب الدار، وصنع مثل ذلك، فقال: أخبروه أني ملك الموت، فلما سمع سيدهم قعد فزعاً، وقال: لينوا له بالكلام.
فقالوا: ما تريد غير سيدنا بارك الله فيك؟
قال: لا.
فدخل عليه فقال له: قم فأوص ما كنت موصياً؛ فإني قابضٌ نفسك قبل أن أخرج.
فصاح أهله وبكوا، ثم قال: افتحوا له الصناديق والتوابيت، وافتحوا أوعية المال، وافتحوا أوعية الذهب والفضة.
ففتحوا جميعًا، فأقبل إلى المال يلعنه ويسبه، ويقول: لعنت من مال، أنت الذي أنسيتني ربي ﵎، وأغفلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي.
فتكلم المال فقال: لا تسبني! ألم تكن وضيعاً في أعين الناس فرفعتك؟ ألم ير عليك من أثري؟ وكنت تحضر سدد الملوك فتدخل، ويحضر عباد الله الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتنكح، ويخطب عباد الله الصالحون فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفق في سبيل الخبيث فلا أتعاص ولو أنفقتني في سبيل الله لم أتعاص عليك؟ وأنت اليوم تلومني؟ إنما خلقت أنا وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلق ببِرِّ ومنطلق بإثم.
стр. 4810
ثم قال يزيد بن ميسرة: فهكذا يقول المال؛ فاحذروا (١)!
قلت: ولما كشفت هذه الحقيقة للعارفين بالله آثروا الحياة الباقية على الحياة الدنيا الفانية، فلم يطلبوا عزها, ولم يجزعوا لذلها، بل أمكنتهم فتركوها وتبرؤوا منها، وخطبتهم فَقَلُوها وأعرضوا عنها، فكانوا هم السابقين إلى نعيم الجنة، الظافرين بعظيم المنة.
وقد روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن العباس بن سالم اللخمي قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي سالم الخشني، فحمل إليه على البريد ليسأله عن الحوض، فقدم به عليه، فسأله فقال: سمعت ثوبان رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ حَوْضِيَ مِنْ عَدَنٍ إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقاءِ، ماؤُهُ أَشَدُّ بَياضاً مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأكاويبُهُ عَدَدَ النُّجُومِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَها أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُوداً عَلَيْهِ فُقَراءُ الْمُهاجِرينَ".
فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: من هم يا رسول الله؟
قال: "هُمُ الشُّعْثُ رُؤُوساً، الدُّنْسُ ثِياباً، الَّذِينَ لا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعّماتِ، وَلا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوابُ السُّدَدِ".
فقال عمر بن عبد العزيز: لقد نكحت المتنعمات؛ فاطمة بنت عبد الملك، وقد فتحت لي السدد إلا أن يرحمني الله ، لا جرم لا أدهن
стр. 4811
رأسي حتى يشعث، ولا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ (١).
وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن، وذاك أنه عمل فيها قليلاً، فأخذ زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع لياليه، وكان منها زاده إلى النار (٢).
وعن مالك بن دينار قال: سألنا الحسن عن عقوبة العالم.
قال: موت القلب.
قيل: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بالآخرة (٣).
وموت القلب هنا كناية عن خلوه عن الخير كما عبر بالمرض عن النفاق، والموت أشد الأمراض.
٥٥ - ومن أخلاق المنافقين: طلب الدنيا بعمل الآخرة وذكرِ الله، والقلبُ مصر على المعصية، وذكرُه تعالى وهو يريد بذكره غرضاً فاسدًا .
والمؤمن مطمئن القلب بذكر الله تعالى، لا يريد به غيره،
стр. 4812
ولا يعمل لغير وجهه.
روى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: في زبور داود ﵇ يقول: المنافق يسمي الله تعالى، وليس الله في كل همومه.
وقال بعض العارفين: المؤمن همه البر، والمنافق همه دنياه.
روى الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم عن الجارود بن المعلى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ طَلَبَ الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ طُمِسَ وَجْهُهُ وَمُحِقَ ذِكْرُهُ، وَأُثْبِتَ اسْمُهُ في أَهْلِ النَّارِ" (١).
وقوله: "طُمِسَ وَجْهُهُ"؛ أي: في الآخرة، أو: طمس قلبه أراد بالوجه القلب، وبطمسه: الطبع عليه، كما يراد بالوجه القلب في دعاء الافتتاح.
وقوله: "وَمُحِقَ ذِكْرُهُ" يعني: في الدنيا بأن يطلق الله على ألسنة الناس بالثناء السيئ إظهاراً لسريرته.
وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4813
"مَنْ طَلَبَ الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ نَصِيْبٍ" (١).
وقال بعض السلف: طلب الدنيا بالدف والمزمار أهون من طلبها بعمل الآخرة (٢).
وروى الإِمام أحمد عن شميط بن عجلان رحمه الله تعالى قال: إن الدينار والدرهم أَزِمَّةُ المنافقين بها يقادون إلى السوءات (٣).
وعن سفيان، عن رجل من أهل البصرة قال: رأيت في النوم عجوزاً عليها من كل الثياب، قلت: من أنت؟
قالت: أنا الدنيا.
قلت: أعوذ بالله منك.
قالت: لا يعيذك الله مني حتى تبغض الدينار والدرهم (٤).
وروى ابنه في "زوائده" عن شميط قال: كان يقال: علامة المنافق قلة ذكر الله (٥).
وكان يقول: الذهب والفضة أَزِمَّةُ المنافقين بها يقادون إلى السوءات (٦).
стр. 4814
وعنه قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: ألا ترى إلى المنافق كيف يخادعني وأنا أخدعه، يسبِّحني بطرف لسانه وقلبه بعيد مني (١)؟
* تَنْبِيهٌ:
قَلَّ في هذه الأزمنة المتأخرة في سائر الآفاق من يسلم من هذا الخلق وغيره من أخلاق أهل النفاق.
روى أبو عبد الرحمن السلمي، والديلمي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمانٌ هَمُّهُمْ بَطْنُهُمْ، وَشَرَفُهُمْ مَتاعُهُمْ، وَقِبْلَتُهُمْ نِساؤُهُمْ، وَدِيْنُهُمْ دَراهِمُهُمْ وَدَنانِيْرُهُمْ؛ أُوْلَئِكَ شَرُّ الْخَلْقِ، لا خَلاقَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ تَعالَى" (٢).
وروى الإسماعيلي في "معجمه"، والديلمي -وأنكره الذهبي- عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "يَأَتِي عَلى النَّاسِ زَمانٌ يَكُونُ عامَّتُهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَجْتَهِدُونَ فِي الْعِبادَةِ، يَسْتَعْمِلُونَ أَهْلَ الْبِدَع -أي: يتخذونهم عمالاً وولاة- يُشْرِكُونَ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، يَأْخُذونَ عَلى قِراءَتِهِمْ وَعِلْمِهِمُ الْوَرِقَ -أي: الفضة- يَأْكُلُونَ الدُّنْيا بِالدِّينِ، هُمْ أتباعُ الدَّجَّالِ الأَعْورِ" (٣)؛ أي: مثلهم، أو
стр. 4815
هم أتباعه لو خرج فيهم.
ويؤخذ منه: أن أتباع أعور الدجال من أماراتهم اتصافهم بذلك.
وروى ابن السني، والديلمي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمانٌ يَسْتَخْفِي الْمُؤْمِنُ فِيهِمْ كَما يَسْتَخْفِي الْمُنافِقُ فِيكُمْ" (١).
ووجهه: كثرة المنافقين ورواج النفاق في الناس، وقلة المؤمنين مع مباينتهم لهم في زيهم وسمتهم ومطلوباتهم.
٥٦ - ومن أعمال المنافقين: ركوب الأمور التي يعتذر منها، وارتكاب ما يستحى به، وعدم تذكر العواقب، والغش .
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار قال: سألني ناس من التمَّارين، عن تمر واحد يأخذون منه الراق المتكسر يجعلونه فوقه وهو تمر واحد، فقلت لهم: لا أدري حتى أسأل الحسن، فأتيت الحسن فسألته، فقال الحسن رحمه الله تعالى: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالنِّفاقِ؟ ".
فغطى رأسه ووجهه، وأخرج عيناً له واحدة، ثم قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالإِيْمانِ؟ ".
فألقى عنه ثوبه.
стр. 4816
وروى الحاكم عن سعد بن أبي وقاص، والطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر، وابن عساكر عن أبي أيوب قالوا ﵃: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكَ وَما يُعْتَذَرُ مِنْهُ" (١).
ورواه الضياء المقدسي في "المختارة" عن أنس رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "إِيَّاكَ وَكُلَّ ما يُعْتَذَرُ مِنْهُ" (٢).
وليس كل اعتذار صحيحًا ولا مقبولاً.
ومن ثم لم يعذر المنافقون في تخلفهم عن النبي ﷺ ، واستهزائهم به وبأصحابه كما قال الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٦].
وقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٦] أراد بالطائفة مخشي بن حمير؛ كان يضحك ولا يخوض، وكان ليمشي مجانباً للمنافقين، وربما أنكر ما وقع، فلما نزلت الآية تاب عن نفاقه، وأخلص،
стр. 4817
وسأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم مقتله، فقتل يوم اليمامة لا يعلم مقتله ولا من قتله، ولا يرى له عين ولا أثر كما أخرجه ابن أبي حاتم عن كعب ابن مالك رضي الله تعالى عنه (١).
والطائفة: رجل فصاعدًا (٢).
وفي لفظ: الرجل والنفر (٣).
أخرجه بالأول عبد بن حميد، وبالثاني ابن أبي حاتم [عن ابن عباس ﵄].
وروى ابن المنذر عن الكلبي: أن المستهزئين المذكورين في الآية كانوا ثلاثة رهط؛ كان رجل منهم لم يمالهم في الحديث يسير مجانباً لهم، يقال له: يزيد بن وديعة، فنزلت: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٦] فسمي طائفةً وهو واحد كأنه يشير إلى أنه قام مقام جماعة (٤).
ونظيره الأمة: يقال للواحد والجماعة.
قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: رأيت عبد الله بن أُبَيٍّ وهو يشتد قُدَّام النبي ﷺ والأحجار تنكسه، وهو يقول: يا محمد! إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ
стр. 4818
تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ [التوبة: ٦٥]؟ ".
أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وغيره (١).
* تَنْبِيهٌ:
في هذا أن المنافق والكاذب في اعتذاره قد لا يوفق إلى اعتذار مقبول، بل يكون عذره أقبح من فعله، ألا ترى إلى اعتذار عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول رأس المنافقين؟ يقول: إنما كنا نخوض ونلعب؛ فإن الخوض واللعب [بالله] (٢) وآياته ورسوله كفر، فكان عذره أقبح من فعله.
٥٧ - ومن قبائح المنافقين: سوء الاعتقاد، والشك في موعود الله تعالى، والاستخفاف بأمره .
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢].
نزلت في قول معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه في غزوة الأحزاب: كان محمد يرى أن يأكل من كنوز كسرى، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط! ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً؛ كما ذكره المفسرون (٣).
стр. 4819
٥٨ - ومنها: الفرار من الزحف، والتولي، ونقض المعاهدة على الثبات، بل وغيره من الأمور كما تقدم .
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٥ - ١٧].
والفرار من الزحف من الكبائر.
وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
٥٩ - ومنها: التعويق عن الخير، والتثبيط عنه؛ جهادًا وغيره .
قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨ - ١٩].
نزلت في ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لانتهبهم أبو سفيان وأصحابه،
стр. 4820
دعوا هذا الرجل فإنه هالك. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة (١).
ورويا عنه في قوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ (١٩)﴾ [الأحزاب: ١٩] قال: أما عند الغنيمة فأشح قوم، وأسوأ مقاسمة، أعطونا، أعطونا؛ إنا قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق (٢).
ودلت الآية على أن من أخلاق المنافقين الطمع والشح، وهو أعم من البخل، وقد تقدم أنه من أخلاقهم.
وقد روى الطبراني في "الأوسط" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِيَّاكُمْ وَالطَّمَعَ؛ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حاضِرٌ" (٣).
وروى أبو داود وصححه الحاكم، وغيره، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ؛ فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ؛ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا" (٤).
وفي الأخبار استعاذة النبي ﷺ من البخل، ومن نفس لا تشبع،
стр. 4821
ومن طمع يجر إلى طبع.
٦٠ - ومنها: العجب، والتكبر، والتجبر، والفساد اعتماداً على ما أوتيه من قوة الجسد، ودوام الصحة، وكثرة الأموال والأولاد، والتكبر وسيلة الاستكبار، وتكلف الكبر، ودعواه للنفس .
والكبر -بالكسر والضم-: الشرف.
والكبرياء: أعظمه، ولا تصلح إلا لله تعالى.
وفي الحديث القدسي: "الْكِبْرِياءُ رِدائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزارِيْ؛ فَمَنْ نازَعَنِي فِيهِما قَصَمْتُهُ" (١).
والتجبر: التكبر، أو أبلغ منه.
والجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًا كما في "القاموس" (٢)، بل يرى لنفسه الحق على كل أحد.
أو الجبار: العيَّار، كما فسره به ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ [إبراهيم: ١٥] (٣).
والعيار: الكثير المجيء والذهاب كأنه لا يرضى بحالة واحدة إعجاباً بنفسه، فلا يكون في أمر معجب إلا طلب لنفسه غيره؛ من عار البعير يعير: إذا ترك الشوك وانطلق إلى غيره.
стр. 4822
وقد سبق أن المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين.
والاسم: العيارة، ويقال: هو عيير وحده؛ أي: معجب برأيه، أو العمل وحده.
والعناد: مخالفة الحق، ورده وهو عارف به.
والمعاندة: المفارقة، والمجانبة، والمعارضة بالخلاف.
وكل ذلك من أخلاق المنافقين.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٨]؛ أي: أنتم أيها المنافقون كالذين من قبلكم.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ (٦٩)﴾ [التوبة: ٦٩] أي: بنصيبهم من ملاذ الدنيا.
﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا (٦٩)﴾ [التوبة: ٦٩]: خضتم في الباطل واللهو في الدنيا معرضين عن الحق والآخرة؛ أي: كالخوض الذي خاضوه، مستعار من الجَوَلان في الماء، ولا يستعمل إلا في الباطل.
وفي الحديث: "رُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِي مالِ اللهِ، لَهُ النَّارُ يَومَ الْقِيامَةِ" (١).
стр. 4823
وقال الله تعالى في المنافقين ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (٦٥)﴾ [التوبة: ٦٥].
وقال تعالى -حكاية عن أهل سقر، وهي الدرك الأسفل من النار، وهو منزل المنافقين-: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾ [المدثر: ٤٥]؛ أي: كلما غوى غاوٍ غوينا معه، كما رواه ابن المنذر عن قتادة (١).
وروى الترمذي وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيامَةِ لَهُ عَينانِ يُبْصِرانِ، وَأُذُنانِ يَسْمَعانِ، وَلِسانٌ يَنْطِقُ، فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعا مَعَ اللهِ إِلَها آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ" (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ فِي جَهَنَّمَ وادٍ يُقالُ لَهُ هَبْهَب؛ حَقٌّ عَلى اللهِ أَنْ يُسْكِنَهُ كُلَّ جَبَّارٍ" (٣).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبد الله بن دينار: أن داود ﵇ كان يقول: كما أن أقرب الناس من الله تعالى يوم القيامة
стр. 4824
المتواضعون، كذلك أبعد الناس من الله الجبارون.
والتواضع صفة النبيين؛ ألا ترى قوله تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ (٤٥)﴾ [ق: ٤٥]؟
وفي عيسى ﵇: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم: ١٤]؟ وقال حكاية عن عيسى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٢]؟ والجبار الشقي: الذي يقتل على الغضب كما رواه ابن أبي حاتم عن سفيان.
وقال العوام بن حوشب رحمه الله تعالى: إنك لا تكاد تجد عاقًا إلا تجده جباراً، ثم قرأ الآية. رواه ابن أبي حاتم (١).
٦١ - ومنها: استصغار الذنب، والاستخفاف به، والأمن من عقوبته، وعدم مراقبة الله تعالى في كل الأحوال .
قال الله تعالى في أهل الإفك: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥].
وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه -وأبهم رفعه- والبيهقي موقوفًا على ابن مسعود، ومرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ يَرى ذَنْبَهُ كَالْجَبَلِ فَوْقَهُ يَخافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَالْمُنافِقُ يَرى ذَنْبَهُ
стр. 4825
كَذُبابٍ مَرَّ عَلى أَنْفِهِ فَأَطارَهُ" (١).
وروى ابن أبي الدنيا في "الإخلاص" عن أبي قلابة رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: "أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ رَجُلٌ لا يُراقِبُ اللهَ فِي السِّرَّ، وَرَجُلٌ يُجالِسُ الأُمَراءَ، كُلَّما قالَ شَيْئًا قالَ: صَدَقَ الأَمِيرُ".
٦٢ - ومنها: تمني المغفرة مع الإصرار على المعاصي .
روى الإمام أحمد في "الزهد"، وأبو الشيخ، وأبو نعيم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: المؤمن يعلم أن ما قال الله كما قال الله، والمؤمن أحسن الناس عملاً، وأشد الناس خوفًا، لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحًا وبرًا وعبادة إلا ازداد فرقًا، يقول: لا أنجو.
والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس علي، فينسى العمل، ويتمنى على الله تعالى (٢).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحذر" عن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إنما هو الأمن والخوف؛ فالمؤمن خائف وَجِلٌ كان كان محسنًا، والمنافق آمن متمنٍّ وإن كان مسيئًا.
стр. 4826
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن الحسن قال: إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً، وتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٥٨].
قال: وقال في المنافق: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] (١).
٦٣ - ومنها: الاعتذار عن المعاصي والظلم بما ليس بعذر .
كما يحتج كثير ممن يدخل المداخل المحرمة لتحصيل الدنيا بالعيال، وكما يحتج الظلمة عن الظلم بجريان العادة، أو بكثرة ما عليهم من المؤنة.
قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا (١١)﴾ [الفتح: ١١] الآية.
٦٤ - ومنها: التسويف بالتوبة حتى يدركه الموت .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].
قال أبو العالية رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾
стр. 4827
الآية [النساء: ١٧]: هذه للمؤمنين.
وفي قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ (١٨)﴾ [النساء: ١٨] قال: هذه لأهل النفاق.
وأنزل: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ (١٨)﴾ [النساء: ١٨] قال: هذه لأهل الشرك. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
والمعنى: أن المنافقين من شأنهم الإصرار على المعصية، والتسويف بالتوبة من حين إلى حين حتى يعاين أحدهم الموت، ويغرغر بروحه فيحال بينه وبين التوبة، وحينئذ يتوب فلا تنفعه التوبة؛ إذ "تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْعَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ" (٢) كما صح في الحديث.
٦٥ - ومنها: إظهار التوبة، وطلب الدعاء من الصالحين باللسان، والقلبُ على خلاف ذلك .
قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (١١)﴾ [الفتح: ١١].
وقالت رابعة العدوية رحمها الله تعالى: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين (٣).
والمنافقون أكذبهم.
стр. 4828
٦٦ - ومنها -وهي أقبح أعمال المنافقين وأجمعها للشر-: تشبههم بمن سلف قبلهم من اليهود والنصارى، والمشركين، والمنافقين، والفجار .
كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا (٦٩)﴾ [التوبة: ٦٩].
وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (١١)﴾ [الحشر: ١١] الآيات إلى قوله تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: ١٤ - ١٥].
قال مجاهد في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (١٥)﴾ [الحشر: ١٥]: هم كفار قريش (١).
وقال قتادة: هم بنو النضير (٢).
وقيل: هم بنو قينقاع (٣).
ورجحه الوالد في "تفسيره".
وقيل: بنو قريظة (٤).
стр. 4829
وكل هؤلاء يهود.
وقيل: هم كل الأمم السالفة من عهد نوح ﵇ إلى زمان النبي ﷺ .
وإنما قال: ﴿قَرِيبًا﴾ [الحشر: ١٥] لأن مسافة الدنيا كلها قريبة لانقضائها، وكما أن كل آتٍ قريب فكل ماض منها قريب لتتابعه.
أو قال: ﴿قَرِيبًا﴾ [الحشر: ١٥] من حيث إن القرآن قرب أحوالهم منهم مما جمعه من أخبارهم، وقصه من سننهم ووقائعهم.
واعلم أن قبائح المنافقين كثيرة لا تنحصر فيما ذكرناه.
وبالجملة لا يفعل المنافق طاعة إلا معلولة، ولا يبتعد عن معصية إلا تقية، أو في ظاهر الحال، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: المتلبسون بالفسق حقيقة لأنهم خارجون عن الأمر حقيقة بخلاف المؤمن؛ فإنه إذا وقعت منه معصية فعلى سبيل الزلة والخطأ، ولو التمس قلبه لوجده مصدقاً، ولذلك يخاف من ذنبه ويندم على فعله، ويكره ذلك من نفسه، فالفسق على ظاهره، والإيمان في قلبه، وإنما سمي إذا فعل كبيرة أو أصر على صغيرة فاسقاً احتياطاً للشهادة، وزجراً له عن المعصية، وتبكيتاً به ليرجع ويتوب، ومن ثم سمى أهل السنة الفاسق غير المنافق مؤمناً خلافاً للخوارج والمعتزلة؛ فإن الخوارج يسمونه كافرًا، والمعتزلة يقولون: هو بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.
стр. 4830
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" عن عمر رضي الله تعالى عنه، والإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، والطبراني عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنتُهُ وَساءَتْهُ سَيَّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١).
وأنشد الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى لنفسه عقب إملاء هذا الحديث كما أخبرنا شيخ الإسلام والدي عن مشايخه، عنه: [من الكامل]
الْمَرْءُ يَذْهَلُ حِينَ يَفْعَلُ سَيَّئًا ... وَيَعُودُ بِالإِيْمانِ وَالإِحْسانِ
فَإِذا نَدِمْتَ عَلى الْخَطَأ وَفَرِحْتَ بِالْـ ... ـحُسْنَى فَذَاكَ عَلامَةُ الإِيْمانِ
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن عمران العَمَّي قال: جاء رجل إلى حذيفة رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا عبد الله! إني أخشى أن أكون منافقاً.
стр. 4831
قال: تصلي إذا خلوت؟ وتستغفر إذا أذنبت؟
قال: نعم.
قال: اذهب، فما جعلك الله منافقًا (١).
وروى الإمام أحمد -وحسنه ابن حجر- عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالإِيمانِ مَثَلُ فَرَسٍ فِي آخِيَتِهِ (٢)، يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ؛ فَأَطْعِمُوا طَعامَكُمُ الأَتْقِياءَ، وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمْ" (٣).
وروى البزار، والطبراني بإسناد حسن، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: المؤمن واهٍ راقعٌ، وسعيدٌ من مات على رقعة (٤).
وقوله: واهٍ راقعٌ؛ أي: مذنب مستغفر، مِنْ وَهَى السِّقاء: إذا انفتق خرزه.
وروى عبد بن حميد، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى
стр. 4832
عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ذَنْباً يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْباً لا يَتْرُكُهُ حَتَّى يَمُوتَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ خَطَّاءً نَسَّاءً، فَإِذا ذُكِّرَ ذَكَرَ" (١).
والفينة -بفتح الفاء، وسكون الياء التحتانية، وبعدها نون-: الحالة، والساعة.
والحاصل: أن المؤمن -وإن جرى عليه الحكم بالفسق والذنب- فإنه يرجع إلى تصديق قلبي، وإيمان سري، فكأنه بصدد التوبة في كل وقت وحين.
على أن المنافق -وإن توغل في النفاق، وتمحض قلبه به- فباب التوبة له مفتوح أيضًا كسائر المشركين، فهو -وإن تمادى في أنواع النفاق وأخلاق المنافقين- فالتوبة غير محجوبة عنه.
حتى إن من الناس من تجري عليه أحوال المنافقين والمارقين سائر عمره، فيتداركه الله تعالى بإيمان مقبول، وتوبة صحيحة، ولو قبل الغرغرة بالموت.
وقد يتخلق بأخلاق المؤمنين ويعمل أعمال المسلمين سائر عمره، ثم يختم له بالنفاق؛ والعياذ بالله تعالى.
стр. 4833
ومصداق ذلك في الحديث الصحيح (١).
وتأمل أمر إخوة يوسف عليه وعليهم السلام كيف جرى منهم أخبارهم لقتل يوسف وتغريبه، ثم طرحهم إياه في الجب، ثم كذبهم لأبيه على الذئب أنه أكله، وتزويرهم على قميصه بالدم، ثم إغلاظهم عليه، ثم بيع أخيهم بالثمن البخس، و [ ... ] (٢) ثم قولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، ثم تلافاهم الله بالتوبة، وجعلهم أنبياء، وختم لهم بالحسنى، ولم يَجْرِ عليهم نفاقُ الكفرة وإنما جرى منهم مثل أفعال المنافقين.
وقصتهم أدل دليل على أنه ليس كل من جرى عليه مثل أعمال المنافقين يكون منافقًا خالصًا، بل هو متعرض له، وجائز عليه أن يتوب ويقلع، فيعود إلى آخية الإيمان وعقدة التصديق، ويستمر حتى يطهره الله تعالى من تلك الأدناس.
نعم، توبة المنافق ينبغي أن تكون أبلغ من توبة غيره.
ومن ثم اشترط الله تعالى على التائبين من المذنبين شرطين،
стр. 4834
واشترط على التائبين من المنافقين أربعة شروط.
فقال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦] لأنهم كانوا يعتصمون بالناس وبالأموال، وكانوا يراؤون الناس بالأعمال، ولذلك اشترط عليهم الاعتصام بالله والإخلاص لله، فينبغي أن تكون توبة كل عبد على قدر معاصيه، قليلاً بقليل، وكثيراً بكثير، ويكون التائب في الإصلاح والإحسان على قدر ما كان أفسد ليكون كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٣٠]، و ﴿أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠] كذلك. ذكره أبو طالب في كتاب "القوت" (١)، وهو حسن.
* تَتِمَّةٌ:
لا يخفى أن الإيمان والنفاق صفتان قلبيتان متقابلتان متضادتان، فأي خلق أو عمل اندرج في الإيمان كان علامة عليه، أو تتمة له، كان ضده مندرجاً في النفاق أو عَلَماً عليه، فينبغي أن نذكر هنا نبذة من الآيات والأحاديث الواردة في صفات المؤمن ليستدل بها على أضدادها فتجتنب.
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيتين.