← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

قال: تصلي إذا خلوت؟ وتستغفر إذا أذنبت؟ قال: نعم. قال: اذهب، فما جعلك الله منافقًا (١). وروى الإمام أحمد -وحسنه ابن حجر- عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالإِيمانِ مَثَلُ فَرَسٍ فِي آخِيَتِهِ (٢)، يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ؛ فَأَطْعِمُوا طَعامَكُمُ الأَتْقِياءَ، وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمْ" (٣). وروى البزار، والطبراني بإسناد حسن، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: المؤمن واهٍ راقعٌ، وسعيدٌ من مات على رقعة (٤). وقوله: واهٍ راقعٌ؛ أي: مذنب مستغفر، مِنْ وَهَى السِّقاء: إذا انفتق خرزه. وروى عبد بن حميد، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى

стр. 4832

عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ذَنْباً يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْباً لا يَتْرُكُهُ حَتَّى يَمُوتَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ خَطَّاءً نَسَّاءً، فَإِذا ذُكِّرَ ذَكَرَ" (١). والفينة -بفتح الفاء، وسكون الياء التحتانية، وبعدها نون-: الحالة، والساعة. والحاصل: أن المؤمن -وإن جرى عليه الحكم بالفسق والذنب- فإنه يرجع إلى تصديق قلبي، وإيمان سري، فكأنه بصدد التوبة في كل وقت وحين. على أن المنافق -وإن توغل في النفاق، وتمحض قلبه به- فباب التوبة له مفتوح أيضًا كسائر المشركين، فهو -وإن تمادى في أنواع النفاق وأخلاق المنافقين- فالتوبة غير محجوبة عنه. حتى إن من الناس من تجري عليه أحوال المنافقين والمارقين سائر عمره، فيتداركه الله تعالى بإيمان مقبول، وتوبة صحيحة، ولو قبل الغرغرة بالموت. وقد يتخلق بأخلاق المؤمنين ويعمل أعمال المسلمين سائر عمره، ثم يختم له بالنفاق؛ والعياذ بالله تعالى.

стр. 4833

ومصداق ذلك في الحديث الصحيح (١). وتأمل أمر إخوة يوسف عليه وعليهم السلام كيف جرى منهم أخبارهم لقتل يوسف وتغريبه، ثم طرحهم إياه في الجب، ثم كذبهم لأبيه على الذئب أنه أكله، وتزويرهم على قميصه بالدم، ثم إغلاظهم عليه، ثم بيع أخيهم بالثمن البخس، و [ ... ] (٢) ثم قولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، ثم تلافاهم الله بالتوبة، وجعلهم أنبياء، وختم لهم بالحسنى، ولم يَجْرِ عليهم نفاقُ الكفرة وإنما جرى منهم مثل أفعال المنافقين. وقصتهم أدل دليل على أنه ليس كل من جرى عليه مثل أعمال المنافقين يكون منافقًا خالصًا، بل هو متعرض له، وجائز عليه أن يتوب ويقلع، فيعود إلى آخية الإيمان وعقدة التصديق، ويستمر حتى يطهره الله تعالى من تلك الأدناس. نعم، توبة المنافق ينبغي أن تكون أبلغ من توبة غيره. ومن ثم اشترط الله تعالى على التائبين من المذنبين شرطين،

стр. 4834

واشترط على التائبين من المنافقين أربعة شروط. فقال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦] لأنهم كانوا يعتصمون بالناس وبالأموال، وكانوا يراؤون الناس بالأعمال، ولذلك اشترط عليهم الاعتصام بالله والإخلاص لله، فينبغي أن تكون توبة كل عبد على قدر معاصيه، قليلاً بقليل، وكثيراً بكثير، ويكون التائب في الإصلاح والإحسان على قدر ما كان أفسد ليكون كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٣٠]، و ﴿أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠] كذلك. ذكره أبو طالب في كتاب "القوت" (١)، وهو حسن. * تَتِمَّةٌ: لا يخفى أن الإيمان والنفاق صفتان قلبيتان متقابلتان متضادتان، فأي خلق أو عمل اندرج في الإيمان كان علامة عليه، أو تتمة له، كان ضده مندرجاً في النفاق أو عَلَماً عليه، فينبغي أن نذكر هنا نبذة من الآيات والأحاديث الواردة في صفات المؤمن ليستدل بها على أضدادها فتجتنب. قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيتين.

стр. 4835

روى أبو داود في "مراسيله" عن جبير بن نفير، والحاكم وصححه، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أَعْطانِيهِما مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فتعَلَّمُوهُنَّ، وَعَلِّمُوهُنَّ نِساءكُمْ وَأَبْناءكُمْ؛ فَإِنَّها صَلاةٌ وَقُرْآنٌ وَدُعاءٌ" (١). وقال الله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)

стр. 4836

وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. والصفات هاهنا كاشفة مبينة لصفات المؤمنين. وأما الأحاديث فنذكرها مسرودة من غير ذكر صحابتها، ولا مخرجها لأنها توجد في هذا الكتاب، أو أكثرها مخرجة، فآثرنا الاختصار هنا. قال رسول الله ﷺ : "الإِيْمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبةً: أَفْضَلُها قَوْلُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاها إِماطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَياءُ شُعْبةٌ مِنْ شُعَبِ الإِيْمانِ" (١). و"الإِيْمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ" (٢). "لا يَذُوقُ أَحَدٌ حَلاوَةَ الإِيْمانِ حَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُما" (٣).

стр. 4837

"خَمْسٌ مِنَ الإِيْمانِ، مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَلا إِيْمانَ لَهُ: التَّسْلِيمُ لأَمْرِ اللهِ، وَالرِّضَا بِقَضاءِ اللهِ، وَالتَّفْوِيضُ إِلَى اللهِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلى اللهِ، وَالصبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى" (١). "الصَّبْرُ نِصْفُ الإِيْمانِ، وَالْيَقِينُ الإِيْمانُ كُلُّهُ" (٢). "الإِيْمانُ الصَّبْرُ وَالسَّماحَةُ" (٣). "الإِيمانُ نِصْفانِ؛ فَنِصْفٌ فِي الصَّبْرِ، وَنصْفٌ فِي الشُّكْرِ" (٤). "أَفْضَلُ الإِيْمانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُما كُنْتَ" (٥).

стр. 4838

"لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيْقَةَ الإِيْمانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ما أَصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَما أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ" (١). و"لا يَسْتَقِيمُ إِيْمانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَخَلائِقُهُ" (٢). "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيْماناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً" (٣). "أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلٌ سَمْحُ الْبَيعِ، سَمْحُ الشِّراءَ، سَمْحُ الْقَضاءِ سَمْحُ الاقْتِضاءِ" (٤). "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (٥). "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هُواهُ تَبعاً لِما جِئْتُ بِهِ" (٦).

стр. 4839

"لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَى يَأْمَنَ جارُهُ بَوائِقَهُ" (١). "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" (٢). "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" (٣) "يا مُعاذُ! إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَيَّدَهُ الْقُرْآنُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ هَوى نَفْسِهِ" (٤) "الطُّهورُ شَطْرُ الإِيْمانِ" (٥). "لا يُحافِظُ عَلى الْوُضوءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ" (٦). "السَّواكُ نِصْفُ الإِيْمانِ، وَالْوُضوءُ نِصْفُ الإِيْمانِ". "الْبَذاذَةُ مِنَ الإِيْمانِ" (٧). "إِذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيْمانِ" (٨).

стр. 4840

"الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ مُؤْمِنٍ" (١). "الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لا يَدَعُ نَصِيحَتَهُ عَلَى كُلِّ حالٍ" (٢). "الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتاعَ عَلَى بَيع أَخِيهِ وَلا يَخْطِبَ عَلى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ" (٣). "الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ واحِدٍ، إِذا اشْتَكَى رَأْسَهُ تَداعَى لَهُ سائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ" (٤). "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسانِهِ" (٥). "إِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الإِيْمانِ" (٦). "الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وُيؤْلَفُ، وَلا خَيْرَ فِيْمَنْ لا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ" (٧). "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْعَطَّارِ؛ إِنْ جالَسْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ ماشَيْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ شارَكْتَهُ نَفَعَكَ" (٨).

стр. 4841

"الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلى أَمْوالِهِمْ وَأَنْفِسِهِمْ" (١). "لا إِيْمانَ لِمَنْ لا أَمانَةَ لَهُ" (٢). "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً" (٣). "الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيْمٌ" (٤). "الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ" (٥). "الْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيَّنٌ تَخالُهُ مِنَ اللِّينِ أَحْمَقَ" (٦). "الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنونَ لَيِّنونَ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ؛ إِنْ قِيدَ انْقادَ، وَإِنْ أُنِيخَ عَلى صَخْرَةٍ اسْتَناخَ" (٧). "الْمُؤْمِنُ يَسِرُ الْمُؤْنَةِ" (٨).

стр. 4842

"الْمُؤْمِنُ واهٍ راقعٌ؛ فَالسَّعِيدُ مَنْ ماتَ عَلى رُقْعَةٍ" (١). "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ السُّنْبُلَةِ؛ يَمِيلُ أَحْيانًا، وَيَقُومُ أَحْياناً" (٢). "مِنْ تَمامِ إِيْمانِ الْعَبْدِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِي كُلِّ حَدِيثِهِ" (٣). "ثَلاثَةٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيْمانِ: الإِنْفاقُ فِي الإِقْتارِ، وبَذْلُ السَّلامِ لِلْعالَمِ، وَإِنْصافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ" (٤). "ذاقَ طَعْمَ الإِيْمانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبَّاً، وَبِالإِسْلامِ دِيْناً،

стр. 4843

وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبيًّا" (١). "خَصْلَتانِ لا يَجْتَمِعانِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ" (٢). "ثَلاثَةٌ مَنْ كانَتْ فِيهِ اسْتَكْمَلَ إِيْمانًا: رَجُلٌ لا يَخافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَلا يُرائِي بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِذا عَرَضَ عَلَيْهِ أَمْرانِ أَحَدُهُما لِلدُّنْيا وَالآخَرُ لِلآخِرَةِ اخْتارَ أَمْرَ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا" (٣). "مِنْ أَخْلاقِ الْمُؤْمِنِ حُسْنُ الْحَدِيثِ إِذا حَدَّثَ، وَحُسْنُ الاسْتِماعِ إِذا حُدِّثَ، وَحُسْنُ الْبِشْرِ إِذا لَقِيَ، وَوَفاءٌ بِالْوَعْدِ إِذا وَعَدَ" (٤). مثل المؤمن كمثل اللؤلؤة الحسنة؛ أين مالت فحسنها معها. وهذا أثر. "ثَلاثَةٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيْمانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ" (٥).

стр. 4844

"مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيْمانَ" (١). "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَوْجَبَ الثَّوابَ وَاسْتَكْمَلَ الإِيْمانَ: خُلُقٌ يَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَوَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَحارِمِ اللهِ، وَحِلْمٌ يَرُدُّهُ عَنْ جَهْلِ الْجاهِلِ" (٢). "ثَلاثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيْمانِ: الْكَفُّ عَنْ مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَلا يُكَفِّرُ بِذَنْبٍ، وَلا يُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلامِ بِعَمَلٍ" (٣). "ثَلاثٌ مِنْ أَخْلاقِ الإِيْمانِ: مَنْ إِذا غَضِبَ لَمْ يُدْخِلْهُ غَضَبُهُ فِي باطِلٍ، وَمَنْ إِذا رَضِيَ لَمْ يُخْرِجْهُ رِضاهُ مِنْ حَقٍّ، وَمَنْ إِذا قَدِرَ لَمْ يَتَعاطَ ما لَيْسَ لَهُ" (٤). "ما آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ" (٥). "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ" (٦).

стр. 4845

"أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيْماناً رَجُلٌ يُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمالِهِ، وَرَجُلٌ يَعْبُدُ اللهَ فِي شِعْبٍ مِنَ الشَّعابِ قَدْ كَفَى النَّاسَ شَرَّهُ" (١). "الْمُؤْمِنُ لا يَزِيدُهُ طُولُ الْعُمُرِ إِلاَّ خَيْراً" (٢). "الْمُؤْمِنُ ينضي شَيْطانهُ كَما ينضي أَحَدُكُمْ بَعيرَهُ [في السفر] " (٣). "الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيالهِ" (٤). "الْمُؤْمِنُ مُكَفَّرٌ" (٥)؛ [يعني] أَنْ يَصْطَنِعَ الْمَعْرُوفَ فَلا يُشْكَرُ عَلَيْهِ (٦). "الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ " (٧).

стр. 4846

"الْمُؤْمِنُ كَالْغَرِيبِ فِي الدُّنْيا لا يُنافِسُ فِي عِزِّها، وَلا يَجْزَعُ مِنْ ذُلَّها، النَّاسُ مِنْهُ فِي راحَةٍ، وَجَسَدُهُ مِنْهُ فِي عَناءٍ" (١). "الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخافَتَيْنِ: ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ اللهُ فِيهِ، وَعُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي ماذا يُصِيبُ فِيهِ" (٢). "الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعاءٍ واحِدٍ، وَالْكافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعةِ أَمْعاءٍ" (٣). "الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعاءٍ واحِدٍ" (٤). "الْمُؤْمِنُ يَغارُ وَاللهُ أَشَدُّ غَيْرَةً" (٥). "الْمُؤْمِنُ لا يَشْفِي غَيْظَهُ" (٦). "الْمُؤْمِنُ حاكِمٌ عَلى نَفْسِهِ، خاشِعٌ مُتَواضعٌ، قَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ، حَسَنُ الْخُلُقِ" (٧).

стр. 4847

"الْمُؤْمِنُ حَقًّا الَّذِي إِذا أَحْسَنَ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَإذا أَساءَ ساءَتْهُ سَيَّئَتُهُ" (١). "الْمُؤْمِنُ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الإِيْمانِ" (٢). "إِنَّ مِنْ أَخْلاقِ الْمُؤْمِنِ قُوَّةً فِي دِينٍ، وَحَزْماً فِي لِيْنٍ، وَإِيْماناً فِي يَقِيْنٍ، وَحِرْصًا فِي عِلْمٍ، وَشَفَقَةً فِي مِقَةٍ، وَحِلْماً فِي عِلْمٍ، وَقْصداً فِي غِنًى، وَعَمَلاً فِي فاقَةٍ، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَبعٍ، وَكَسْباً فِي حَلالٍ، وَبراءً فِي اسْتِقامَةٍ، وَنشَاطًا فِي هُدىً، وَنهياً عَنْ شَهْوةٍ، وَرَحْمَةً لِلْمَجْهُودِ. وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ عِبادِ اللهِ، لا يَحِيفُ عَلى مَنْ يُبْغِضُ، وَلا يَأْثَمُ فِيْمَنْ يُحِبُّ، وَلا يُضَيِّعُ ما اسْتُوْدعَ، وَلا يَحْسُدُ، وَلا يَطْعَنُ، وَلا يَلْعَنُ، ويَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ، وَلا يُنابِزُ بِالأَلْقابِ، فِي الصَّلاةِ مُتَخَشِّعاً، إِلَى الزَّكاةِ مُسْرِعاً، فِي الْبَلاءِ وَقُوراً، وَفِي الرَّخاءِ شَكُوراً، قانِعًا بِالَّذِي لَهُ، لا يَدَّعِي ما لَيْسَ لَهُ، لا يَغْلِبُهُ الشُّحُّ عَنْ مَعْرُوفٍ يُرِيدُهُ، يُخالِطُ النَّاسَ كَيْ يُفْهِمَ، وَإِنْ ظُلِمَ أَوْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ الرَّحْمَنُ هُوَ الَّذِي يَنتصِرُ لَهُ" (٣).

стр. 4848

"يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلى كُلِّ خُلُقٍ لَيْسَ الْخِيانة وَالْكَذِبَ" (١). "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفاحِشِ وَلا الْبَذِيْءِ" (٢). "لا يْبَهَتِ الْمُؤْمِنُ بَهْتةً يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصارَهُمْ". "إِنَّ الإِيْمانَ قيد الْفَتْك؛ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ" (٣). "مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوالِيْهِ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ" (٤). "لا يَزْنِي الزَّانِي حِيْنَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِيْنَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِيْنَ يَشْرَبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٥). "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَلْبَسْ حَرِيْرًا وَلا ذَهَباً" (٦). "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً" (٧).

стр. 4849

"لَيْسَ الإِيْمانُ بِالتَّحَلِّي وَلا بِالتَّمَّني، وَلَكِنْ ما وَقَرَ فِى الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ" (١). "لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مُسْتَكْمِلِ الإِيْمانِ مَنْ لَمْ يَعُدَّ الْبَلاءَ نِعْمَةً وَالرَّخاءَ مُصِيْبةً" (٢). "لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مُسْتَكْمِلِ الإِيْمانِ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي غَمٍّ ما لَمْ يَكُنْ فِي صَلاةٍ لأَنَّ الْمُصَليَ يُناجِي رَبَّهُ، وَإذا كانَ فِي غَيْرِ صَلاةٍ إِنَّما يُناجِي ابْنَ آدَمَ" (٣). "لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ" (٤). "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلَ خامَةِ الزَّرْعِ؛ مِنْ حَيْثُ أتتْها الرِّيْحُ كَفَتْها،

стр. 4850

فَإِذا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ" (١). "لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُوْنَ مُنْتَهاهُ الْجَنَّةَ" (٢). "الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ؛ حَيْثُ وَجَدَها فَهُوَ أَحَقُّ بِها" (٣). "الْعِلْمُ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ، وَالْعَقْلُ دَليلُهُ، وَالْعَمَلُ قَيِّمُهُ، وَالْحِلْمُ وَزِيرُهُ، وَالصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ، وَالرِّفْقُ والِدُهُ، وَالدِّينُ أَخُوهُ" (٤). "الصَّلاةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ" (٥).

стр. 4851

"الشِّتاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ؛ قَصُرَ نهَارُهُ فَصامَ، وَطالَ لَيْلُهُ فَقامَ" (١). "الدُّنْيا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسِنَتُهُ، فَإِذا فارَقَ الدُّنْيا فارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ" (٢). "الدُّعاءُ سِلاحُ الْمُؤْمِنِ، وَعِمادُ الدَّينِ، وَنوُرُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ" (٣). "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ القائِمِ الصَّائِمِ" (٤). "أَكْيَسُ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْداداً" (٥). "الْمُؤْمِنُ بِخَيْرٍ عَلى كُلِّ حالٍ؛ تُنْزَعُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ وَهُوَ يَحْمَدُ اللهَ تَعالَى" (٦).

стр. 4852

فَصْلُ اعلم أن من كان متحلياً بهذه الأوصاف الجميلة نشهد له بالإيمان، ولا نشهد على من اتصف بأضدادها بالنفاق مهما كان مقراً بالشهادتين؛ لأن النفاق أمر باطني لم نطلع عليه. نعم، نقول إذا ارتكب كبيرة، أو أصر على صغيرة وهو مقر بالشهادتين: هو فاسق، ولا نقول: منافق. ولكن هذه الأعمال القبيحة والأفعال السيئة أماراتٌ على النفاق مَظِنَّاتٌ له، وعلى كل مؤمن أن يتفقد قلبه كلما حصلت منه زلة، فيتنزه عنها خشية أن يركن إليها، وتسترسل فيها نفسه، فتكون عاقبته إلى النفاق؛ والعياذ بالله! وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].

стр. 4853

ألا ترى أن أصل زلة هؤلاء حب الدنيا؟ وحب الدنيا رأس كل خطيئة، فركنوا إلى حب الدنيا ومالوا إليها، وزين لهم أنهم إذا حصلت لهم وكثرت لديهم تصدقوا بها، وكانوا صالحين في التصرف بها، ولم يتدبروا عواقبها ويحذروا نوائبها، فحملهم الطيش على طلبها من الله معاهدين له أن يتصدقوا ويكونوا صالحين، فلما أوتوها ابتلوا بحبها لأن طلبهم لها كان عن هوى وشهوة، ولم يكن عن حاجة وضرورة، فبخلوا بها، ثم آل بهم البخل إلى النفاق. ومن ثم كان السلف الصالحون يخافون على أنفسهم النفاق كثيرًا كما تقدم، وكانوا يرون أن الخوف من النفاق علامة البراءة منه لأن العبد لا يخلو من معصية ما، والمعصية قد تجر إلى النفاق كما علمت، بل قد تدعو إلى التجاهر بالكفر؛ والعياذ بالله! والدليل على ذلك قوله تعالى في اليهود: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١]. فقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦١] أي: الذل، والبواء بالغضب إنما حصل لهم بسبب أنهم كانوا يكفرون بالآيات، ويقتلون الأنبياء ﵈. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦١] ثانياً؛ أي: الكفر، وقتل الأنبياء؛ إنما كان معهم بسبب العصيان والعدوان على غير الأنبياء.

стр. 4854

كانوا يستخفون المعصية فيما بينهم وبين الله تعالى، والتعدي على أداني الناس حتى صار ذلك لهم عادة ودَيدناً، فاسترسلوا في العصيان والعدوان حتى هان عليهم الكفر بآيات الله، فكفروا بها، فصغُر عندهم التعدي على الأنبياء حتى تجرؤوا عليهم، فقتلوهم. والحاصل: أن العبد إذا تعاطى المكروه، وتكرر منه استجره إلى الصغيرة، فإذا فعلها وتكررت منه استجر إلى غيرها من المعاصي، ثم إلى الوقوع في الكبائر، ثم إلى الكفر والنفاق نعوذ بالله منها، وسبب ذلك غفلة العبد عن تفقد أحوال نفسه في كل وقت، وعدم الخوف على نفسه من النفاق، واغتيال القلب والتهاون بما يفعله من الذنوب، وعدم التدارك بالتوبة والاستغفار، وذلك كله خذلان من الله تعالى؛ إذ هو المقلب للقلوب، والمصرف لها، فهو الذي يلقي الغفلة عليها، ويقلبها ويصرفها كيف يشاء. ومن ثم استعاذ النبي ﷺ من النفاق وكان يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقاقِ، وَالنِّفاقِ، وَسُوءِ الأَخْلاقِ". رواه أبو داود، والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). وروى الحكيم الترمذي في "النوادر"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"، والخطيب عن أم معبد الخزاعية رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِيَ مِنَ النِّفاقِ،

стр. 4855

وَعَمَلِيَ مِنَ الرَّياءِ، وَلِسانِيَ مِنَ الْكَذِبَ، وَعَيْنِيَ مِنَ الْخِيانَةِ؛ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصّدُورُ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى: إن النفاق ليغتال قلب المؤمن اغتيالاً. * تَنْبِيهٌ: روى الطبراني بسند صحيح، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت عند رسول الله ﷺ إذ جاءه حرملة بن زيد فجلس بين يدي رسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! الإيمان هاهنا -وأشار إلى لسانه- والنفاق هاهنا -وأشار إلى صدره- ولا نذكر الله إلا قليلاً. فسكت عنه النبي ﷺ ، فردد ذلك عليه حرملة ﵁، فأخذ النبي ﷺ بطرف لسان حرملة، فقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ لِساناً صادِقاً، وَقَلْباً شاكِراً، وَارْزُقْهُ حُبِّيَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّنِي، وَصَيِّرْ أَمْرَهُ إلى الْخَيْرِ". فقال حرملة رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! إن لي إخواناً منافقين كنت فيهم رأساً، ألا أدلك عليهم؟

стр. 4856

فقال النبي ﷺ : "مَنْ جاءَنا كَما جِئْتَ اسْتَغْفَرْنا لَهُ، وَمَنْ أَصَرَّ عَلى ذَنْبِهِ فَاللهُ أَوْلَى بِهِ، وَلا نَخْرِقُ عَلى أَحَدٍ سِتْراً" (١). قلت: فينبغي لمن عرف من نفسه النفاق، أو ظنه فيها، أو وجد من نفسه خلقاً من أخلاق المنافقين أن يتوب إلى الله تعالى كما تاب حرملة؛ فإن توبته من خالص قلبه وكان صادقاً فيها، وهذا هو حقيقة التوبة النصوح، فلما كان من الصدق بهذه المرتبة أكرمه الله تعالى بدعاء النبي ﷺ . وفي قوله: "لا نَخْرِقُ عَلى أَحَدٍ سِتْراً" إشارة إلى أنه من تاب إلى الله تعالى من ذنب لا ينبغي له أن يفضح من هو عاكف عليه، ولا يكشف عنه ستره، بل ينصحه. ثم إني رأيت في قوله ﷺ لحرملة: "مَنْ جاءَنا كَما جِئْتَنا اسْتَغْفَرْنا لَهُ" حيث لم يقيد المجيء بالظرف بأن يقول: من جاءنا من إخوانك، أو منهم إشارة إلى حصول تلك السعادة لكل من جاء النبي ﷺ من أمته في حال حياته ﷺ وبعد مماته تائباً مستغفراً؛ فإنه حي في قبره. وهذا يوضحه غاية الإيضاح قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤].

стр. 4857

ومن ثم استحسن العلماء من أصحابنا وغيرهم من أصحاب المناسك من جميع المذاهب لزائر قبر النبي ﷺ أن يقول ما روي عن محمد العتبي قال: كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول -وفي رواية: يا خير الرسل- إن الله أنزل عليك كتابًا صادقاً قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤] الآية، وقد جئتك مستغفراً لذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم بكى وأنشد: [من البسيط] يا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ فِي القاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطابَ مِنْ طِيْبِهِنَّ القاعُ وَالأَكَمُ نَفْسِي الْفِداءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ ساكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ قال: ثم استغفر وانصرف، فحملتني عيناي، فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: يا عتبي! الحق الأعرابي فبشره بأن الله قد غفر له، فخرجت خلفه فلم أجده (١).

стр. 4858

وعندي أن من أراد أن يتنصل من ذنبه فتمام توبته أن يتوجه بقلبه إلى روح النبي ﷺ حيثما كان من الأرض مهما لم يمكنه إتيان قبره الشريف، فذلك ما يمكنه من المجيء إليه، ثم يستغفر ويرجو من النبي ﷺ شفاعته له في حصول المغفرة من الله تعالى؛ فإن لذلك تأثيراً عظيماً في حصول المقصود كما قلت: [من الوافر] إِذا قارَفْتَ ذَنْباً ثُمَّ أَمْسى ... فُؤادُكَ مِنْ نَدامَتِهِ كَئِيباً وَرُمْتَ سَلامَةً وَنَجاحَ أَمْرٍ ... بِخالِصِ تَوْبَةٍ تَمْحُو الذُّنُوبا فَوَجِّهْ وَجْهَ قَلْبِكَ نَحْوَ طَهَ ... فَإِنَّكَ سَوْفَ تَلْقَاهُ قَرِيباً وَكُنْ مُسْتَغْفِراً مِمَّا جَنَتْهُ ... يَداكَ وَتُبْ وَمَنْ لَكَ أَنْ تَتُوبا فَإِنَّكَ سَوْفُ تُبْصِرُهُ شَفِيعًا ... وَتُبْصِرُ رَبَّنا الأَعْلى مُجِيباً عَلَيْهِ صَلاتُنا فِي كُلِّ وَقْتٍ ... تَعُمُّ الْكَوْنَ تَعْطِيرًا وَطِيْباً وَسِيْلَتُنا إِلَى الرَّحْمَنِ طَهَ ... فَأَكْرِمْ بِالنَّبِيِّ لَنا حَبِيْباً

стр. 4859

خَاتمَة في ذِكْرِ فَوَائد مُتَمَّمَة لِهَذَا البَاب روى الفريابي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه: إنه ليأتي على الرجل أحانين وما في جلده موضع إبرة من النفاق، وإنه ليأتي عليه أحانين وما في جلده موضع إبرة من إيمان (١). وعن خالد بن معدان رحمه الله تعالى قال: إياكم والخطرات؛ فإن الرجل قد تنافق يده دون سائر جسده (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: إنكم لتتكلمون كلامًا كنا نعده على عهد رسول الله ﷺ النفاق (٣). وروى الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" عنه قال: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير بها منافقاً، وإني

стр. 4860

لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرات (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي الزناد قال: خرجت مع مولاي وأنا غلام فسمعتُ حذيفة ﵁ وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد النبي ﷺ فيصير منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتَحاضُّنَّ على الخير، أو ليُسْحِتَنَّكم الله بعذاب جميعاً، أو ليؤمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم (٢). وروى الفريابي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: المؤمن في الدنيا بين كافر يقتله ومنافق يبغضه، ومؤمن يحسده، وشيطان قد وكل به (٣). روى ابن لال في "مكارم الأخلاق" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ﷺ : "الْمُؤْمِنُ بَيْنَ خَمْسِ شَدائِدَ: مُؤْمِنٍ يَحْسُدُهُ، وَمُنافِقٍ يُبْغِضُهُ، وَكافِرٍ يَقْتُلُهُ، وَنَفْسٍ تُنازِعُهُ، وَشَيْطانٍ يُضِلُّهُ" (٤).

стр. 4861

وروى الفريابي، وأبو نعيم عن خيثمة قال: والله ما أَحَبَّ مؤمناً منافقٌ قط (١). وروى أبو نعيم عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: لا يصطلح المؤمن والمنافق حتى يصطلح الذئب والحمل (٢). وهو بالحاء المهملة: ولد الضأن. وروى ابن جرير عن الحسن رحمه الله تعالى: أنه تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقال: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله (٣). ومعناه: أن كراهية المؤمن لعمل المنافق تكفيه. ومحل هذا فيما إذا لم يمكنه أمره بالمعروف ولا نهيه عن المنكر مخافة الضرر؛ إذ علم الله أنه لا يقبل قوله.

стр. 4862

كما روى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، والطبراني، وغيرهم عن الحسن: أن ابن مسعود ﵁ سأله رجل عن قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقال: أيها الناس! إنه ليس بزمانها؛ فإنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف، فيصنع بكم كذا وكذا، أوقال: فلا يقبل منكم، فحينئذ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (١٠٥)﴾ [المائدة: ١٠٥] (١). وفيه دليل على سقوط الأمر والنهي عمن علم أنه لا ينفع أو لا يقبل منه. وهو أحد قولين للعلماء، وعليه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وغيرُه. والثاني: أنه لا يسقط بخلاف ما لو خاف الضرر، وهو الراجح في مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي عن بريدة رضي الله

стр. 4863

تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُولُوا لِلْمُنافِقِ: سَيَّدُنا؛ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ سَيَّدَكُمْ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، وأبو عمرو الداني في "الفتن" عن عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُودَ كُلَّ قَبِيلَةٍ مُنافِقُوها" (٢). وروى الداني عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: إن من أشراط [الساعة] أن توضع الأخيار، وترفع الأشرار، ويسود كل قبيلة منافقوها (٣). وعن الحسن قال: كان يقال: يوشك أن يسود كل قبيلة منافقوها (٤). وروى ابن السني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 4864

رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلى الزَّمانِ زَمانٌ يَسْتَخْفِي الْمُؤْمِنُ فِيهِمْ كَما يَسْتَخْفِي الْمُنافِقُ فِيْكُمُ الْيَوْمَ" (١). وروى ابن المبارك عن محمد بن حمزة بن عبد الله بن سلام مرسلاً: أن النبي ﷺ قال: "خَصْلَتان لا تَكُونانِ"، والترمذي -وقال: غريب- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خَصْلَتانِ لا تَجْتَمِعانِ فِي مُنافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّينِ" (٢). وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن ابن عمرو، وعن عقبة بن عامر، والطبراني، وابن عدي عن عصمة بن مالك رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ﷺ قال: "أَكْثَرُ مُنافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُها" (٣)؛ أي: الذين يقرؤون القرآن والعلم، ولا يكون لهم فقه ولا حسن سمت، أو الذين لا يعملون بما يقرؤون. وهذا الحديث من أخوف الأحاديث على القراء والعلماء، وكم من منافق عليم اللسان حسن الصوت بالقرآن.

стр. 4865

وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لِلْمُنافِقِ ثَلاثُ عَلاماتٍ: مَعَ الْعُلَماءِ بِالاسْمِ، وَمَعَ الزُّهَّادِ بِالْفَضائِلِ، وَمَعَ الأَغْنِياءِ بِالتكلُّفِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ فِي الْقَلْبِ كَما يُنْبِتُ الْماءُ الْبَقْلَ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ فِي الْقَلْبِ كَما يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ" (٣). قال بعض الصوفية: المراد بالغناء: ضد الفقر. وفيه نظر؛ لأن الغناء بالمد (٤).

стр. 4866

لكن ذكر في "الإحياء" أنه ﷺ قال: "حُبُّ الْمالِ وَالشَّرَفِ يُنْبِتانِ النِّفاقَ فِي الْقَلْبِ كَما يُنْبِتُ الْماءُ الْبَقْلَ" (١). وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْغِناءُ وَاللَّهْوُ يُنْبِتانِ النِّفاقَ فِي الْقَلْبِ كَما يُنْبِتُ الْماءُ الْعُشْبَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ لَيُنْبِتانِ الإِيْمانَ فِي الْقَلْبِ كَما يُنْبِتُ الْماءُ الْعُشْبَ" (٢). عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: ليس على وجه الأرض أحد إلا وفيه فقر وحرص، ولكن من أخلاق المؤمنين أن يكونوا حُرَّاصاً على طلب الجنة، فقراء إلى ربهم، والمنافق حريص على الدنيا، فقير إلى الخلق (٣). قلت: ومن ثم قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، ولم يقل: لما تنزل لأنه لا يناله إلا ما قسم له سابقاً، ولا يحدث له ما ليس في السابقة، وما كان سؤاله إلا إظهاراً

стр. 4867

للعبودية والافتقار إلى ما منَّ الله تعالى، لا إلى ما منَّ الناس. وقد قال ذلك وهو محتاج إلى رغيف أو ما يسد جوعته كما في الأثر: يتضرع المؤمن عند الحاجة افتقاراً إلى الله تعالى، وأما المنافق فتلجئه حاجته إلى التضرع إلى الناس، والافتقار إليهم وإلى ما في أيديهم، ولذلك كان رضاهم بحصول الدنيا، وسخطهم لمنعها. والمؤمن حاله في الغنى الشكر، وفي الفقر الصبر، يرجع إلى آخِية الإيمان. روى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقات الصوفية" عن حاتم الأصم رحمه الله تعالى قال: المنافق ما أخذ من الدنيا يأخذ بحرص، ويمنع بشك، وينفق بالرياء، والمؤمن يأخذ بالخوف، ويمسك بالسنة، وينفق لله تعالى خالصاً (١). وعن أبي العباس بن مسروق رحمه الله تعالى قال: المؤمن يقوى بذكر الله، والمنافق يقوى بالأكل (٢). قلت: ويدل لذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. أمر بذكر الله تعالى لأنه يقوي القلب، وإذا قوي القلب قوي الجسد.

стр. 4868

وروى ابن عساكر عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما حَلَفَ بِالطَّلاقِ مُؤْمِنٌ، وَلا اسْتَحْلَفَ بِهِ إِلاَّ مُنافِقٌ" (١). والمراد: أن المؤمن الكامل الإيمان لا يحلف بالطلاق، ولا استحلفه إلا منافق. ويقع في هذا الزمان كثيراً أن الرجل يحلف لآخر بكل يمين مغلظة مؤكدة فلا يصدقه حتى يحلف له بالطلاق، وكأن الوجه فيه أن المستحلف بالطلاق حيث لم يثق بالحلف بالله تعالى لم يطمئن قلبه بذكر الله تعالى، والطمأنينة بذكر الله تعالى من أخلاق المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]: إذا حلف لهم بالله صدقوا، كما رواه أبو الشيخ عن السدي رحمه الله تعالى (٢). وروى الشيخ جمال الدين بن عبد الهادي في كتاب "رائق الأخبار" عن عبد الله بن منازل رحمه الله تعالى قال: المؤمن يطلب عذر إخوانه، والمنافق يطلب عثراتهم (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن شميط بن عجلان ﵀

стр. 4869

تعالى قال: إن هذه الدراهم والدنانير أَزِمَّةُ المنافقين، يقادون بها إلى السوءات (١). وروى ابن أبي شيبة عن وهب بن منبه قال: من خصال المنافق: يحب المبرة، ويبغض الذم (٢). قلت: ووجهه أن العبد يتحقق من نفسه أنه مخلوق من تراب ومن ماء مَهين، ثم هو موصوف بالضعف ومخلوق منه، وهو متحقق بالنقص والفاقة، والخطأ، والمرض والموت، فهو أحرى بالذم لا يستوجب مدحاً إلا إن وفقه الله تعالى إلى الإيمان والعمل الصالح حتى يموت على ذلك، والخاتمة مجهولة. فإن قلت: فما تصنع بقوله ﷺ . "إِذا مُدِحَ الْمُؤْمِنُ فِي وَجْهِهِ رَبا الإِيْمانُ فِي قَلْبِهِ". رواه الطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما (٣)؟ قلت: وجه: "رَبا الإِيْمانُ فِي قَلْبِهِ" أنه يرى إطلاق الألسنة عليه بالمدح دليلاً على حسن الخاتمة من قبيل التفاؤل؛ إذ المؤمنون

стр. 4870

شهداء الله في الأرض. فإن فرح بالمدح من هذه الحيثية لم يكن فرحه من أدلة النفاق، إلا أنه متى مدح بشيء وهو يعلم من نفسه أنه متصف بضده، وكلامُ وَهْبٍ محمولٌ على غير الفرح بالحيثية المذكورة. وعلامة زيادة إيمانه بالمدح أنه إذا مدح زادت صفته عند نفسه، وانكساره وافتقاره، فإن عظمت بالمدح نفسه، ونسي به عيبها ونقصها، وتمرد، فقد صار فرحه إلى النفاق. وروى الإمام أحمد، والترمذي -وأصله في "الصحيحين"- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ؛ لا تَزالُ الرِّيحُ تفِيئُهُ، وَلا يَزالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ بَلاءٌ، وَمَثَلُ الْمُنافِقِ كَمَثَلَ شَجَرَةِ الأَرُزِّ؛ لا تَهْتَزُّ حَتَّى تُسْتَحْصَدَ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: يعرف الناس ما كانوا في عافية، فإذا نزل البلاء صاروا إلى حقائق أعمالهم؛ يرجع المؤمن إلى إيمانه، ويرجع المنافق إلى نفاقه (٢). وروى الإمام ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" عن قيس بن
следующие страницы →