← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

لكن ذكر في "الإحياء" أنه ﷺ قال: "حُبُّ الْمالِ وَالشَّرَفِ يُنْبِتانِ النِّفاقَ فِي الْقَلْبِ كَما يُنْبِتُ الْماءُ الْبَقْلَ" (١). وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْغِناءُ وَاللَّهْوُ يُنْبِتانِ النِّفاقَ فِي الْقَلْبِ كَما يُنْبِتُ الْماءُ الْعُشْبَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ لَيُنْبِتانِ الإِيْمانَ فِي الْقَلْبِ كَما يُنْبِتُ الْماءُ الْعُشْبَ" (٢). عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: ليس على وجه الأرض أحد إلا وفيه فقر وحرص، ولكن من أخلاق المؤمنين أن يكونوا حُرَّاصاً على طلب الجنة، فقراء إلى ربهم، والمنافق حريص على الدنيا، فقير إلى الخلق (٣). قلت: ومن ثم قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، ولم يقل: لما تنزل لأنه لا يناله إلا ما قسم له سابقاً، ولا يحدث له ما ليس في السابقة، وما كان سؤاله إلا إظهاراً

стр. 4867

للعبودية والافتقار إلى ما منَّ الله تعالى، لا إلى ما منَّ الناس. وقد قال ذلك وهو محتاج إلى رغيف أو ما يسد جوعته كما في الأثر: يتضرع المؤمن عند الحاجة افتقاراً إلى الله تعالى، وأما المنافق فتلجئه حاجته إلى التضرع إلى الناس، والافتقار إليهم وإلى ما في أيديهم، ولذلك كان رضاهم بحصول الدنيا، وسخطهم لمنعها. والمؤمن حاله في الغنى الشكر، وفي الفقر الصبر، يرجع إلى آخِية الإيمان. روى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقات الصوفية" عن حاتم الأصم رحمه الله تعالى قال: المنافق ما أخذ من الدنيا يأخذ بحرص، ويمنع بشك، وينفق بالرياء، والمؤمن يأخذ بالخوف، ويمسك بالسنة، وينفق لله تعالى خالصاً (١). وعن أبي العباس بن مسروق رحمه الله تعالى قال: المؤمن يقوى بذكر الله، والمنافق يقوى بالأكل (٢). قلت: ويدل لذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. أمر بذكر الله تعالى لأنه يقوي القلب، وإذا قوي القلب قوي الجسد.

стр. 4868

وروى ابن عساكر عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما حَلَفَ بِالطَّلاقِ مُؤْمِنٌ، وَلا اسْتَحْلَفَ بِهِ إِلاَّ مُنافِقٌ" (١). والمراد: أن المؤمن الكامل الإيمان لا يحلف بالطلاق، ولا استحلفه إلا منافق. ويقع في هذا الزمان كثيراً أن الرجل يحلف لآخر بكل يمين مغلظة مؤكدة فلا يصدقه حتى يحلف له بالطلاق، وكأن الوجه فيه أن المستحلف بالطلاق حيث لم يثق بالحلف بالله تعالى لم يطمئن قلبه بذكر الله تعالى، والطمأنينة بذكر الله تعالى من أخلاق المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]: إذا حلف لهم بالله صدقوا، كما رواه أبو الشيخ عن السدي رحمه الله تعالى (٢). وروى الشيخ جمال الدين بن عبد الهادي في كتاب "رائق الأخبار" عن عبد الله بن منازل رحمه الله تعالى قال: المؤمن يطلب عذر إخوانه، والمنافق يطلب عثراتهم (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن شميط بن عجلان ﵀

стр. 4869

تعالى قال: إن هذه الدراهم والدنانير أَزِمَّةُ المنافقين، يقادون بها إلى السوءات (١). وروى ابن أبي شيبة عن وهب بن منبه قال: من خصال المنافق: يحب المبرة، ويبغض الذم (٢). قلت: ووجهه أن العبد يتحقق من نفسه أنه مخلوق من تراب ومن ماء مَهين، ثم هو موصوف بالضعف ومخلوق منه، وهو متحقق بالنقص والفاقة، والخطأ، والمرض والموت، فهو أحرى بالذم لا يستوجب مدحاً إلا إن وفقه الله تعالى إلى الإيمان والعمل الصالح حتى يموت على ذلك، والخاتمة مجهولة. فإن قلت: فما تصنع بقوله ﷺ . "إِذا مُدِحَ الْمُؤْمِنُ فِي وَجْهِهِ رَبا الإِيْمانُ فِي قَلْبِهِ". رواه الطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما (٣)؟ قلت: وجه: "رَبا الإِيْمانُ فِي قَلْبِهِ" أنه يرى إطلاق الألسنة عليه بالمدح دليلاً على حسن الخاتمة من قبيل التفاؤل؛ إذ المؤمنون

стр. 4870

شهداء الله في الأرض. فإن فرح بالمدح من هذه الحيثية لم يكن فرحه من أدلة النفاق، إلا أنه متى مدح بشيء وهو يعلم من نفسه أنه متصف بضده، وكلامُ وَهْبٍ محمولٌ على غير الفرح بالحيثية المذكورة. وعلامة زيادة إيمانه بالمدح أنه إذا مدح زادت صفته عند نفسه، وانكساره وافتقاره، فإن عظمت بالمدح نفسه، ونسي به عيبها ونقصها، وتمرد، فقد صار فرحه إلى النفاق. وروى الإمام أحمد، والترمذي -وأصله في "الصحيحين"- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ؛ لا تَزالُ الرِّيحُ تفِيئُهُ، وَلا يَزالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ بَلاءٌ، وَمَثَلُ الْمُنافِقِ كَمَثَلَ شَجَرَةِ الأَرُزِّ؛ لا تَهْتَزُّ حَتَّى تُسْتَحْصَدَ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: يعرف الناس ما كانوا في عافية، فإذا نزل البلاء صاروا إلى حقائق أعمالهم؛ يرجع المؤمن إلى إيمانه، ويرجع المنافق إلى نفاقه (٢). وروى الإمام ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" عن قيس بن

стр. 4871

أبي حازم رضي الله تعالى عنه قال: طلَّق خالد بن الوليد امرأته، ثم أحسن عليها الثناء، فقيل له: يا أبا سليمان! لأي شيء طلقتها؟ قال: ما طلقتها لأمر رابني منها، ولكن لم يصبها عندي بلاء (١). يعني: والمؤمن لا يخلو من البلاء. وروى أحمد عن أبي رزين العقيلي رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! كيف يحيى الله الموتى؟ قال: "أَمَرَرْتَ بِأَرْضٍ مِنْ أرْضِكَ مُجْدِبةً، ثُمَّ مَرَرْتَ بِها مُخْصِبةً؟ " قال: نعم. قال: "كَذَلِكَ النُّشُورُ". قال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِمَّا سِواهُما، وَأَنْ تُحْرَقَ بِالنَّارِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللهِ، وَأَنْ تُحِبَّ غَيْرَ ذِي نَسَبٍ لا تُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ؟ فَإِذا كُنْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الإِيْمانِ فِي قَلْبِكَ كَما دَخَلَ حُبُّ الْماءِ لِلظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقائِظِ". قال: قلت: يا رسول الله! كيف لي بأن أعلم أني مؤمن؟ قال: "ما مِنْ أُمَّتِي -أو: مِنْ هَذهِ الأُمَّةِ- عَبْدٌ يَعْمَلُ حَسَنةً فَيَعْلَمُ

стр. 4872

أَنَّها حَسَنةٌ وَأَنَّ اللهَ جازِيهِ بِها خَيْراً، وَلا يَعْمَلُ سَيِّئةً، وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْها وَيَعْلَمُ أَنْ لا يَغْفِرَ إِلاَّ هُوَ، إِلاَّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١). وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن السَّائب بن ملكان من أهل الشام -وكان قد أدرك الصحابة ﵃ قال: لما دخل عمر- رضي الله تعالى عنه- الشام حَمِدَ الله تعالى، وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأمر بتقوى الله، وصلة الرحم، وصلاح ذات البين، وقال: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة، وإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد. لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما. ومن ساءته سيئته وسرته حسنته فهو المؤمن. وأمارة النفاق: الذي تسوؤه سيئته ولا تسره حسنته، إن عمل خيراً لم يَرْجُ من الله ثواباً، وإن عمل شراً لم يخف من الله في ذلك الشر عقوبة. وأجمِلوا في طلب الدنيا؛ فإن الله قد تكفل بأرزاقكم، وكل سيتم له عمله الذي كان عاملاً. استعينوا بالله على أعمالكم؛ فإنه يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب.

стр. 4873

وصلى الله على نبينا وآله وعليه السلام ورحمة الله، السلام عليكم. قال البيهقي: هذه خطبة عمر بن الخطاب ﵁ على أهل الشام، أَثَرها عن رسول الله ﷺ (١). ونقل حجة الإسلام في "الإحياء" في رياضة النفس عن حاتم الأصم رحمه الله تعالى أنه قال: المؤمن مشغول بالفكر، والمنافق مشغول بالحرص والأمل. والمؤمن آيس من كل أحد إلا من الله، والمنافق راجٍ كلَّ أحد إلا الله. والمؤمن آمن كل أحد إلا من الله، والمنافق خائف من كل أحد إلا من الله. والمؤمن يقدم ماله دون دينه، والمنافق يقدم دينه دون ماله. والمؤمن يحسن ويبكي، والمنافق يسيء ويضحك. والمؤمن يحب الوحدة والخلوة، والمنافق يحب الخلطة والملأ. والمؤمن يزرع ويخشى الفساد، والمنافق يقلع ويرجو الحصاد. والمؤمن يأمر وينهى للسياسة فيصلح، والمنافق يأمر وينهى للرياسة فيفسد (٢).

стр. 4874

وروى الإمام في "الزهد" عن طلحة بن مُصرِّف رحمه الله تعالى أنه قيل له: من الذي يسمن في الخصب والجدب؟ ومن الذي يهزل في الخصب والجدب؟ وما الذي هو أحلى من العسل ولا ينقطع؟ قال: أما الذي يسمن في الخصب والجدب فالمؤمن؛ إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر. وأما الذي يهزل فالفاجر؛ يعني: المنافق؛ إذا أعطي لم يشكر، وإن ابتُلي لم يصبر. وأما الذي هو أحلى من العسل ولا ينقطع فهي أُلفة الله التي ألَّف بين عباده (١). وروى البخاري في "التاريخ"، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "آيَةُ ما بَيْنَنا وَبَيْنَ الْمُنافِقِينَ أَنَّهُم لا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ ماءِ زَمْزَمَ" (٢). وروى الأزرقي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّضَلُّعُ مِنْ ماءِ زَمْزَمَ بَراءَةٌ مِنَ النِّفاقِ" (٣). وذكر أبو الليث السمرقندي عن النبي ﷺ قال: "خَمْسٌ لا تَكُونُ فِي الْمُنافِقِ: الْعِفَّةُ فِي الدِّينِ، وَالْوَرَعُ فِي اللِّسانِ، وَالسَّمْتُ فِي الْوَجْهِ،

стр. 4875

وَالنُّورُ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَوَدَّةُ للمُسْلِمِينَ" وروى الخطيب عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: المؤمن يحاسب نفسه ويعلم أن له موقفاً بين يدي الله تعالى، والمنافق يَغْفَل عن نفسه؛ فرحم الله تعالى عبداً نظر لنفسه قبل نزول ملك الموت به (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: ما صَدَّقَ عبد بالنار إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها حتى يتجهَّم عليها (٢). قلت: قد يستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: ١٨]. وروى ابن أبي شيبة عن الحسن قال: إن المؤمنين عجلوا الخوف في الدنيا فآمنهم الله يوم القيامة، وإن المنافقين أخروا الخوف في الدنيا فأخافهم الله يوم القيامة (٣). وفي الحديث: "يَقُولُ اللهُ تَعالَى: لا أَجْمَعُ عَلى عَبْدِيَ خَوْفَيْنِ، وَلا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ؛ فَمَنْ خافَنِي فِي الدُّنْيا أَمَّنْتُهُ يَومَ الْقِيامَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيا أَخَفْتُهُ يَومَ الْقِيامَةِ" (٤).

стр. 4876

والمراد: أن لا يخاف الله اغتراراً، أو جرأة عليه، أو عدم تصديق بوعوده، أو شكاً في قدرته ، وهذا حال المنافقين، بخلاف ما لو كان الحامل له على ترك الخوف حسن ظنه بربه، ولا يصح هذا إلا مع الأعمال الصالحة، والأقوال السديدة، والأخلاق الجميلة. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الضحاك رحمه الله تعالى قال: لا يضحك في الصلاة إلا منافق (١). وروى الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُؤْمِنُ كَالثَّوْبِ الأَبْيَضِ؛ يُصِيْبُهُ الْقَطْرَةُ مِنَ الدَّرَنِ فَتَسْتَبِيْنُ فِيهِ، وَالْمُنافِقُ كَالثَّوْبِ الدَّنِسِ فَلا تَسْتَبِينُ فِيهِ" (٢). وتقدم قول علي بن أبي طالب ﵁: لو شققتم عن قلب المؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود (٣). وهو استعارة لصفاء قلب المؤمن وخلوه من أمراض القلب، ولِدَرَنِ قلب المنافق وامتلائه من الأمراض؛ عافانا الله تعالى منها. وروى الفريابي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: منافق يقرأ القرآن لا يخطئ فيه واواً ولا ألفاً، يجادل الناس أنه أعلم منهم ليضلهم عن الهدى، وزلة عالم، وأئمة مضلون (٤).

стр. 4877

وتقدم في الحديث الصحيح تمثيل المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأَتْرُجة، والذي لا يقرأ القرآن بالتمر، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن بالريحانة، والذي لا يقرأ القرآن بالحنظلة (١). وأنشد في "التذكرة الحمدونية" لابن الرومي: [من البسيط] كُلُّ الْخِلالِ الَّتِي فِيكُمْ مَحاسِنُكُمْ ... تَشابَهَتْ فِيكُمُ الأَخْلاقُ وَالْخُلُقُ كَأَنَّكُمْ شَجَرُ الأُتْرُنْجِ طابَ مَعاً ... حِملاً وَنُوراً وَطابَ الْعُودُ وَالْوَرَقُ (٢) وقلت في عقد الحديث المتقدم: [من البسيط] إِنَّ الْمُنافِقَ كَالرَّيْحانِ إِنْ قَرَأَ الْـ ... ـقُرْآنَ أَوْ لا فَمِثْلُ الْحَنْظَلِ الْكَرِهِ وَالتَّمْرُ أَوْ شَجَرُ الأُتْرُنْجِ طابَ ... كَما رَوَيْنا مِثالَ الْمُؤْمِنِ النَّزِهِ وروى الطبراني في "الأوسط" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ "الْمُنافِقُ لا يَحْفَظُ سُورَةَ هُودٍ، وَبَراءة، وَيس، وَالدُّخانِ، وَعَمَّ يَتَساءَلُونَ" (٣). لا يحفظها متدبراً لها حافظاً لحدودها، فربما وجد في حفاظ القرآن من جمع كثيراً من خصال المنافقين، اللهم إلا أن يقال: إن من حفظ تلك السور فلا يتركهن أن يختم له بالإيمان.

стр. 4878

وروى الديلمي عن عبد الله بن جراد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُنافِقُ لا يُصَلِّي الضُّحَى وَلا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "نِيَّةُ الْمُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَعَمَلُ الْمُنافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى نِيَّتِهِ، فَإِذا عَمِلَ الْمُؤْمِنُ عَمَلاً نارَ فِي قَلْبِهِ نُوراً" (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن الحسن رحمه الله تعالى قال: المؤمن يبلغ بنيته وتضعف قوته، والمنافق تضعف نيته وتبلغ قوته (٣). وروى ابن أبي شيبة عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه: أنه قال -وكان في غزوة-: هؤلاء المشركون -يعني: العدو- وهؤلاء المؤمنون، وهؤلاء المنافقون، فيؤيد الله المؤمنين بقوة المنافقين، وينصر الله المنافقين بدعوة المؤمنين (٤). وهذا يؤيده قولُ النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ".

стр. 4879

وقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذا الدّينَ بِأَقْوامٍ لا خَلاقَ لَهُم". وقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِأَقْوامٍ ما هُمْ مِنْ أَهْلِهِ". رواها الطبراني في "الكبير". وأصل الأول في "الصحيح". وروى الثالث الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" (١). وروى الدينوري في "المجالسة" عن عثمان بن يزيد بن حوشب قال: بعث إلي المنصور بن جعفر قال: حدِّثني بوصية الحجاج بن يوسف فقلت: اعفني يا أمير المؤمنين. قال: حدثني بها. فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف: أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث، وأوصى بتسعمئة درع حديد؛ ستمئة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها، وثلاثمئة للترك. قال: فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي فقال: هذه والله الشيعة، لا شيعتكم (٢). قلت: وفي وصيته لمنافقي أهل العراق جرأة عظيمة لأن الوصية دليل الميل.

стр. 4880

ومثل هذه الوصية لا تصح لأن النفاق معصية، ولأن النفاق أمر قلبي، ولا يسع أحد الاعتراف به، ولا يكاد المنافقون يعرفون بالتوسم، ولو عرفوا لم يعترفوا، وكأن الحجاج تأول ما في الحديث من تأييد الدين بالرجل الفاجر، ورأى أن تأييد دولة الوليد من تأييد الدين، ولذلك قال أبو جعفر: هذه والله الشيعة. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع الطاعون بالشام، فاستغرقها، فقال الناس: ما هذا إلا الطوفان، ألا إنه ليس ماء، فبلغ معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، فقام خطيباً، فقال: إنه قد بلغني ما تقولون، إنما هذه رحمة من ربكم ، ودعوة نبيكم ﷺ ، وكفت الصالحين قبلكم، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك؛ أن يغدو الرجل منكم لا يدري أمؤمن هو أم منافق، وخافوا إمارة الصبيان (١). وروى الفريابي عن معاوية الهذلي -وكان من الصحابة رضي الله تعالى عنهم- قال: إن المنافق ليصلي فيكذبه الله ، ويصوم فيكذبه الله، ويتصدق فيكذبه الله، ويجاهد فيكذبه الله، ويقاتل فيُقْتَلَ، فيجعل في النار (٢). وفيه إشارة إلى أن القتل في الجهاد لا يكفر النفاق لأن المنافق

стр. 4881

لا يقاتل في سبيل الله تعالى، بل يقاتل حمية، أو لطلب الدنيا. روى الفريابي، وأبو نعيم عن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة: بكبرياء المنافق يحترق المسكين. وقرأت في الزبور: انتقم من المنافق بالمنافق، ثم انتقم من المنافقين جميعاً. قال: ونظير ذلك في كتاب الله: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] (١). قلت: وفي معناه ما رواه الطبراني في "الأوسط" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعالَى يَقُولُ: أَنْتَقِمُ مِمَّنْ أُبْغِضُ بِمَنْ أُبْغِضُ، ثُمَّ أُصَيِّرُ كُلاًّ إِلَى النَّارِ" (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" أيضا عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عَلِيُّ! مَعَكَ يَومَ القِيامَةِ عَصاً مِنْ عِصِيِّ الْجَنَّةِ تَذُودُ بِها الْمُنافِقِينَ عَنْ حَوْضِي" (٣).

стр. 4882

قلت: لعل النكتة في ذلك أن المنافقين لا يكادون يؤمنون بالحوض ولا بالبعث كما قال الحسن في كلامه المتقدم، وإن المنافق لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها حتى يقتحم عليها. ومن الشواهد لحديث أبي سعيد ما رواه الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم قالا: قال رسول الله ﷺ : "عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالِبٍ صاحِبُ حَوْضِيَ يَومَ القِيامَةِ" (١). وروى أبو نعيم عن أبي قلابة رحمه الله تعالى قال: ينادي منادٍ يوم القيامة من قبل العرش: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، قال: فلا يبقى أحد إلا رفع رأسه. فيقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣]، فلا يبقى منافق إلا نكس [رأسه] (٢). قلت: وهذا خزي عظيم للمنافق، وذَوده عن الحوض خزي آخر، بل المنافق يخزى من حين موته على النفاق، أو تخرج روحه قبيحة الهيئة، منتنة الرائحة، ثم تجري الفتنة عليه في القبر، فلا يثبته الله تعالى بالقول الثابت، بخلاف المؤمن، بل ما بعد القبر أشد عليه من القبر وما قبله.

стр. 4883

روى الحارث بن أبي أسامة، وأبو نعيم عن جابر ﵁: أنهم غزوا غزوة بين مكة والمدينة، فهاجت ريح شديدة دفنت الرجال، فقال النبي ﷺ : "هَذا لِمَوْتِ مُنافِقٍ". قال: فقدمنا المدينة، فرأينا منافقاً عظيم النفاق مات يومئذ (١). وروى الشيخان، وأبو داود، والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ العَبْدَ إِذا وُضعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعالِهِمْ، يَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُقْعِدانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ -يَعْنِي النَّبِىَّ ﷺ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَراهُما جَمِيعاً. وَأَمَّا الْمُنافِقُ وَالْكافِرُ فَيُقالُ لَهُ: ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ ما يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ، ويُضْرَبُ بِمَطارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلانِ" (٢). وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 4884

يقول: "إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِها، فَإِذا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ قَبْرَهُ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحابُهُ، جاءَهُ مَلَكٌ شَدِيدُ الانْتِهارِ فَيَقُولُ: ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: أَقُولُ: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَعَبْدُهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ الَّذِي كانَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَنْجاكَ اللهُ مِنْهُ وَأَبْدَلَكَ بِمَقْعَدِكَ الَّذِي تَرى مِنَ النَّارِ مَقْعَدَكَ الَّذِي تَرى مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَراهُما كِلَيْهِما، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: دَعُونِي أُبَشِّرْ أَهْلِي، فَيُقالُ: اسْكُنْ. قالَ: وَأَمَّا الْمُنافِقُ فَيُقْعَدُ إِذا تَوَلَّى عَنْهُ أَهْلُهُ، فَيُقالُ لَهُ: ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، أقولُ ما يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقالُ لَهُ: لا دَرَيْتَ، هَذا مَقْعَدُكَ الَّذِي كانَ لَكَ مِنَ الْجَنَّةِ، قَدْ أَبْدَلَكَ مَكانَهُ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ". قال جابر: فسمعت النبي ﷺ يقول: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ فِي القَبْرِ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ؛ الْمُؤْمِنُ عَلى إِيْمانِهِ، وَالْمُنافِقُ عَلى نِفاقِهِ" (١). وروى اللالكائي في "السنة" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قُبِرَ أَحَدُكُمْ أَتاهُ مَلَكانِ أَزْرَقانِ أَسْوَدانِ يُقالُ لأَحَدِهِما: مُنْكَرٌ، وَالآخَرِ: نَكِيْرٌ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ؟ فَهُوَ قائِلٌ ما كانَ يَقُولُهُ؛ فَإِنْ كانَ مُؤْمِناً قالَ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولانِ:

стр. 4885

قَدْ كُنَّا -وفي لفظٍ: إِنَّا كُنَّا- نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذا، فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعينَ ذِراعاً، وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِيَ فَأُخْبِرَهُمْ؟ -مَرَّتَيْنِ- فَيَقُولانِ -وفي لفظٍ: فَيُقالُ-: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لا يُوْقِظُهُ إِلاَّ أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ. وَإِنْ كانَ مُنافِقَاً قالَ: لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً -زاد في لفظ: فَكُنْتُ أَقُولُهُ- فَيَقُولانِ: إِنَّا كُنَّا نَعْلَمُ -وفي لفظٍ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ- تَقُولُ هَذا، فَيُقالُ لِلأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، وَتَخْتَلِفُ عَلَيْهِ أَضْلاعُهُ، فَلا يَزالُ مُعَذَّباً حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ تَعالَى مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ" (١). وروى الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، والحاكم وصححاه، عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] أنزلت هذه على النبي ﷺ وهو في سفر، فقال: "أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمِ ذَلِكَ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذَلِكَ يَومَ يَقُولُ اللهُ تَعالَى لآدَمَ ﵇: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ. قالَ: يا رَبِّ! وَما بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِئَةٍ وَتسْعَةٌ وَتِسْعونَ إِلَى النَّارِ، وَواحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ".

стр. 4886

فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ﷺ : "قارِبُوا وَسَدِّدُوا؛ فَإِنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلاَّ كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ، فَتُؤْخَذُ الْعِدةُ مِنَ الْجاهِلِيَّةِ، فَإِنْ تَمَّتْ وَإِلاَّ كَمُلَتْ مِنَ الْمُنافِقِينَ، وَما مَثَلَكُمْ وَالأُمَمَ إِلاَّ كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ فِي ذِراعِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ". ثم قال: "وَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فكبَّروا. ثم قال: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فكبَّروا. ثم قال: "وَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فكبَّروا. قال: ولا أدري ذكر الثلثين، أم لا (١). وفي هذا الحديث إشارة إلى أن أكثر أهل الجاهلية أكثر الناس؛ إذ منهم يأجوج ومأجوج، ومن لم تبلغه الدعوة، ثم الذين بلغتهم الدعوة، فمن لم يؤمن بقي على جاهليته، ومن آمن منهم إما أن يدخل الإيمان في قلبه أو لا، ومن لم يدخل الإيمان في قلوبهم أكثر ممن لم يدخل قلوبهم، فالمنافقون أكثر المسلمين، والمؤمنون حقيقةً أقلهم، يظهر بذلك أن أكثر الناس أهل الجاهلية، ثم أكثر الناس بعدهم المنافقون. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤].

стр. 4887

وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]. وتنكير الفريق للتقليل باتفاق المفسرين. وروى الحاكم في "تاريخه" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيَأْتِيَنَّ عَلى النَّاسِ زَمانٌ لَوْ وَقَعَ حَجَرٌ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ما وَقَعَ إِلاَّ عَلى امْرَأَةٍ فاجِرَةٍ، أَوْ رَجُلِ مُنافِقٍ" (١). وروى الفريابي عن ابن شودب قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد! اليوم نفاق؟ قال: لو خرجوا من أزقة البصرة لاستوحشتم فيها (٢). وروى ابن أبي شيبة عن أبي البختري رحمه الله تعالى قال: قال رجل: اللهم أهلك المنافقين. قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: لو هلكوا ما انتصفتم من عدوكم (٣).

стр. 4888

وروى الفريابي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ . قيل: وكيف ذاك؟ قال: إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء يعلنون (١). وللمتنبي: [من الوافر] إِذا ما النَّاسُ جَرَّبَهُمْ لَبِيبُ ... فَإِنِّي قَدْ أَكَلْتُهُمْ وَذاقا فَلَمْ أَرَ وِدَّهُمْ إِلاَّ خِداعاً ... وَلَمْ أَرَ دِيْنَهُمْ إِلاَّ نِفاقاً (٢) وقلت: [من الرجز] وَقائِلٍ ما لَكَ مِنْ رِفاقِ ... أَنْتَ وِإيَّاهُمْ عَلى وِفاقِ فَقُلْتُ دَعْنِي مُفردَ الرَّواقِ ... لا أَصْحَبُ النَّاسَ سِوى فَواقِ فَالْعِلْمُ أَضْحى كاسِدَ الأَسْواقِ ... وَسُوقُ أَهْلِ الْجَهْلِ فِي النِّفاقِ ما راجَ فِي النَّاسِ سِوى النِّفاقِ ... كَالْكِذْبِ وَالرِّياءِ فِي النِّفاقِ والنفاق آخر البيت -بالكسر-: جمع نفقة متحركاً؛ يقال: نفِقت -بالكسر- نفاق القوم؛ أي: نفدت نفقاتهم. قال الدينوري: وأنشد أبو بكر بن أبي الدنيا لإبراهيم بن العباس: [من مجزوء الكامل المرفل]

стр. 4889

خَلِّ النِّفاقَ وَأَهْلَهُ ... وَعَلَيْكَ فَانتُهِجِ الطَّرِيقا وَارْغَبْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرى ... إِلاَّ عَدُوًّا أَوْ صَدِيقاً (١) وقال منصور الفقيه: [من مجزوء الكامل المرفل] الصِّدْقُ أَوْلَى ما بِهِ ... دانَ امْرُؤٌ فَاجْعَلْهُ دِينا وَدعِ النِّفاقَ فَما رَأَيْ ... ـتُ مُنافِقاً إِلاَّ مَهِيناً (٢) * تَنْبِيهٌ: ليس دخول الإنسان فيما يباح له من التمتعات الدنيوية من النفاق في شيء ما دام يرجع إلى الله في أوقات الطاعة، ولكن مهما أمكن الإنسان أن يصرف مباحاته إلى الطاعات بالنية، وتأخر عن ذلك، كان تأخره قصوراً ولو كان في مقام الأبرار لأن حسنات الأبرار سيئات عند المقربين (٣)؛ أي: يرى الوقوف في مقام البر عن الترقي فيه بالنية وتكثير المنويات، أو عن الترقي إلى أفضل منه سيئة، كما يروى: كل يوم لا أزداد فيه هدى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم (٤). والسيئة قد تجر إلى أسوأ منها؛ فإن غفل العبد عن نفسه، وطالت به الغفلة يوشك أن تفضي به الغفلة -والعياذ بالله- إلى النفاق.

стр. 4890

ومن ثم خاف حنظلة وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يكون دخولهم في المباحات نفاقاً لأنهم كانوا يحملون أنفسهم على الاحتياط والعزائم لتوغلهم في محبة الله تعالى، وإقبالهم على طاعته وطاعة نبيه ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يحملهم على الرخصة تلطفاً بهم ورفقاً، ويقول: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزائِمُهُ" (١). روى مسلم عن حنظلة بن الربيع الأسيدي قال: لقيني أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. فقال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: نكون عند رسول الله ﷺ يذكِّرنا الجنة والنار كأنَّا رأيَ عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافَسْنا الأزواج، والأولاد، والضيعات؛ نسينا كثيراً. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: إنَّا لنَلْقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر رضي الله تعالى عنه حتى دخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : "وَما ذاكَ؟ " قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا الجنة والنار كأنا رأي

стр. 4891

عينٍ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات؛ نسينا كثيراً. فقال رسول الله ﷺ : "وَالِّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَدُومونَ عَلى ما تَكُونُونَ عِنْدِيَ وَفِي الذِّكْرِ لَصافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلى فُرُشِكُمْ وَطُرُقِكُمْ، لَكِنْ يا حَنْظَلَةُ ساعةً وَساعةً"؛ ثلاث مرات (١). والمعافسة: المعالجة. وفي رواية عن حنظلة رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فوعظنا، فذكر النار، قال: ثم جئت البيت فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، قال: فخرجت، فلقيت أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فذكرت له ذلك، فقال: وأنا فعلت مثلما تذكر، فلقينا رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة. فقال: "مَهْ؟ " فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: وأنا قد فعلت مثل ما فعل. فقال: "يا حَنْظَلَةُ! ساعَةً وَساعَةً، لَوْ كانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَما تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ" (٢).

стр. 4892

وروى أبو يعلى -ورواته ثقات- عن أنس ﵁ قال: غدا أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة. قال: "وَما ذاكَ؟ " قالوا: النفاق، النفاق. قال: "ألسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ " قالوا: بلى. قال: "لَيْسَ ذاكَ النِّفاقَ". ثم عادوا الثانية؛ قالوا: يا رسول الله! فذكر مثله سواء. ثم عادوا الثالثة: فقالوا يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة. قال: "وَما ذاكَ؟ " قالوا: إنا إذا كنا عندك كنا على حالة، فإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا وأهلونا. قال: "لَوْ أَنَّكُمْ إِذا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِيَ تَكُونونَ عَلى الْحالَةِ الَّتِي تَكُونُونَ عَلَيْها لَصافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ بِطُرُقِ الْمَدِينَةِ" (١). والله الموفق. ***

стр. 4893

النَّوْعُ الثَّالِث مِن القِسْمِ الثَّاني مِن الكِتَابِ في النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بالفَسَقَةِ الفاسق: إما أن يكون فسقه في اعتقاده، ويقال له: مبتدع. وإما أن يكون في غير اعتقاده. وكيف ما كان لا ينبغي للعدل أن يتشبه به، فتعين الكلام في هذا النوع في مقامين. وأول من فسق الفسق بنوعيه إبليس؛ فإنه امتنع عن السجود المأمور به، وقاس برأيه في مقابلة النص. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. فالفسَّاق أولياء الشيطان، وفي الآية تنفير عن الفسق بليغ، وتحذير عن التشبه بالفاسقين. ***

стр. 4894

المَقَامُ الأوَّلُ في النَّهي عَنِ التَّشَبُّهِ بِالمُبتَدعَة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]؛ أي: أنت بريء منهم. قيل: هم أهل الكتاب. وقيل: المشركون بعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم يعبد الأصنام. وقيل: هم أهل البدع. وهذا هو الأقرب؛ لأن براءة النبي ﷺ من اليهود والنصارى وسائر المشركين كانت معلومة محققة قبل نزول الآية، وإنما المراد أن الذين فرقوا دينهم من أمتك لست منهم في شيء وإن كانوا ينسبون إلى اتباعك والاقتداء بك. روى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]؛ قال: هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالأَهْواءِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ" (١).

стр. 4895

وأخرج في "الصغير" بإسناد جيد، عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال لعائشة رضي الله تعالى عنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩]: هُمْ أَصْحابُ الْبِدَعِ وَأَصْحابُ الأَهْواءِ، لَيْسَ لَهُمْ تَوْبةٌ، أنا مِنْهُمْ بَرِيْءٌ وَهُمْ مِنِّي بُرآءُ" (١). وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]. روى ابن جرير عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله تعالى عنه وعن آبائه أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات؛ فإنهم الذين يخوضون في آيات الله (٢). قال ابن العربي: وهذا يدل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل. نقله القرطبي (٣). ونقل عن ابن خواز مِنداد أنه قال: من خاض في آيات الله تُركت مجالسته وهجر -مؤمنا كان، أو كافراً-. قال: ولذلك منع أصحابنا -يعني: المالكية- الدخول [إلى] أرض العدو، ودخول الكنائس، والبِيَع، ومجالسة الكفار، وأهل البدع، وأن لا تُعتقد مودتهم، ولا يسمع كلامهم، ولا مناظرتهم.

стр. 4896

وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي رحمه الله تعالى: اسمع مني كلمة، فأعرض عنه وقال: ولا نصف كلمة. ومثله عن أيوب السختياني رحمه الله تعالى. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه يبغض صاحب بدعة رجوت أن يغفر له. وروى الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وَقَّرَ صاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعانَ عَلى هَدْمِ الإِسْلامِ" (١). قال القرطبي: فبطل بهذا كله قول من زعم أن مجالستهم جائزة، انتهى (٢). وإذا كان هذا قول العلماء في مجالسة أهل البدع، وسماع مناظرتهم، فما ظنك بالتشبه بهم؟

стр. 4897

وروى أبو نعيم عن أبي خالد الأحمر رحمه الله تعالى قال: كان عمرو بن قيس المُلائي رحمه الله تعالى يقول: لا تجالس صاحب زيغ فيزيغَ قلبك (١). وعن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: من سمع ببدعة فلا يَحْكِها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم (٢). وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصححه، واللالكائي عن عِرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة دمعت منها الأعين، ووَجِلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله! هذه موعظة مودع، فما تَعْهَد إلينا؟ قال: "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلى الْبَيْضاءِ، لَيْلُها كَنَهارِها، لا يَزِيغُ عَنْها إِلاَّ هالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً؛ فَعَلَيْكُمْ بِما عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ كانَ عَبْداً حَبَشِيًّا، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُ قِيدَ انْقادَ" (٣). رواه أبو داود، والترمذي، وصححه بلفظ آخر (٤).

стр. 4898

وروى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "أَمَّا بَعْدُ: فَأَحْسَنُ الْحَدِيثِ كِتابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ" (١). وروى أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَهْلُ الْبِدَعِ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ" (٢). وروى ابن ماجه عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يَقْبَلُ اللهُ لِصاحِبِ بِدْعَةٍ صَلاةً، وَلا صَوْماً، وَلا صَدَقَةً، وَلا حَجًّا، وَلا عُمْرَةً، وَلا صَرْفاً وَلا عَدْلاً؛ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلامِ كَما تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ" (٣). ومن ثم قال أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى: من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله. رواه القشيري في "رسالته" (٤). وقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: إياكم وما يحدث الناس من البدع؛ فإن الدين لا يَذْهب من القلوب بِمَرَّة، ولكن الشيطان

стр. 4899

يحدث له بدعاً حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويوشك أن يدع الناس ما ألزمهم الله من فرضه في الصلاة والصيام، والحلال والحرام، ويتكلمون في ربهم ، فمن أدرك ذلك الزمان فليهرب. قيل: يا أبا عبد الرحمن! فإلى أين؟ قال: إلى لا أين؛ يهرب بقلبه ودينه، لا تجالس أحداً من أهل البدع (١). وقال الحسن رحمه الله تعالى: أهل الأهواء بمنزلة اليهود والنصارى (٢). وقال: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم (٣). وقال أبو الجوزاء رحمه الله تعالى: لأن يجاورني قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني أحد من أصحاب الأهواء (٤). قال أبو قلابة رحمه الله تعالى: لا تجالسوهم ولا تخالطوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلَبِّسوا عليكم كثيراً مما تعرفون (٥).

стр. 4900

بيَّن أبو قلابة أن النهي عن مجالستهم سببه أن مجالستهم قد تفضي إلى التشبه بهم في بدعتهم وضلالتهم. وقال أيوب السختياني: قال لي أبو قلابة: يا أيوب! احفظ عني أربعاً: لا تقولن في القرآن برأيك، وإياك والقدرَ، وإذا ذُكر أصحابُ محمد ﷺ فأمسك، ولا تمكِّن أصحاب الأهواء من سمعك (١). وقال قتادة رحمه الله تعالى: إن الرجل إذا ابتدع بدعة في طريق فخذ في غيره (٢). وقال إسماعيل الطوسي: قال لي ابن المبارك رحمه الله تعالى: يكون مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجالس صاحب بدعة (٣). وقال الفضيل رحمه الله تعالى: من أتاه رجل يشاوره فَدَلَّه على مبتدع فقد غَشَّ الإسلام، واحذروا من الدخول على أصحاب البدع؛ فإنهم يصدون عن الحق (٤). وقال رحمه الله تعالى: لا تجلس مع صاحب بدعة؛ فإني أخاف

стр. 4901

أن تنزل عليك اللعنة (١). وقال: صاحب البدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، فمن جلس إلى صاحب بدعة وَرَّثه الله العمى (٢). روى هذه الآثار اللالكائي في "السنة"، وغيره. وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعت مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه يقول: لو أن رجلاً ارتكب الكبائر كلها ما خلا الشركَ بالله تعالى لرجوت أن يجعله الله تعالى في الفردوس الأعلى إذا سلَّمه الله تعالى من الأهواء والبدع (٣). وقال حميد الطويل رحمه الله تعالى: دخلنا على أبي العالية الرباحي -ونحن شببة- فقال: أرى عليكم من الإسلام سيما خير إن لم تكونوا حرورية، ومن أصحاب الأهواء (٤). وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: مَنْ برَّأه الله من هذه الأهواء، ومن هذا السلطان فما أحسنَ حالَه (٥).

стр. 4902

وقال أحمد بن أبي يونس: سمعت رجلاً يقول لسفيان -يعني: الثوري-: يا أبا عبد الله! أوصني. قال: إياك والأهواءَ، إياك والخصومةَ، إياك والسلطانَ (١). وقال يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: إذا رأيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق غيره (٢). وقال إبراهيم الخواص رحمه الله تعالى: العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا آفة، وقلب بلا شغل، ونفس بلا شهوة. روى هذه الآثار الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة". روى أبو نعيم عن سفيان الثوري قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها (٣). وعنه قال: من أصغى سمعَه إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله تعالى (٤). وروى ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] [عن سفيان بن عيينة] قال: كل صاحب

стр. 4903

بدعة ذليل (١). وروى أبو الشيخ عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذِلَّة تغشاه. قالوا: أين هي؟ قال: أو ما سمعتم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ١٥٢]؟ قالوا: يا أبا محمد! هذه لأصحاب العجل خاصة؟ قال: اقرأ ما بعدها ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، فهي لكل مفترٍ ومبتدع إلى يوم القيامة (٢). وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عنه قال: لا تجد مبتدعاً إلا وجدته ذليلاً، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] الآية (٣)؟ وأنشد ابن قتيبة في كتاب "تأويل مختلف الحديث" لعبد الله بن مصعب: [من المتقارب]

стр. 4904

تَرى الْمَرْءَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَقُولاَ ... وَأَسْلَمُ لِلْمَرْءِ أَنْ لا يَقُولا فَأَمْسِكْ عَلَيْكَ فُضولَ الْكَلامِ ... فَإِنَّ لِكُلِّ كَلامٍ فُضُولاً وَلا تَصْحَبَنَّ أَخا بِدْعَةٍ ... وَلا تْسَمَعَنَّ لَهُ الدَّهْرَ قِيلا فَإِنَّ مَقالَتَهُمْ كَالظِّلا ... لِ تُوْشِكُ أَفْياؤُها أَنْ تَزُولا وَقَدْ أَحْكَمَ اللهُ آياتِهِ ... وَكانَ الرَّسُولُ عَلَيْها دَلِيلا وَأَوْضَحَ لِلْمُسْلِمِينَ السَّبِيلَ ... فَلا تَتْبَعَنَّ سِواها سَبِيلا أُناسٌ لَهُمْ رِيْبَةٌ فِي الصُّدُورِ ... وَيُخْفُونَ فِي الْجَوْفِ مِنْها غَلِيلا إِذا أَحْدَثُوا بِدْعَةً فِي الْقُرَانِ ... تَعادَوا عَلَيْها فَكانُوا عُدُولا فَخَلِّهِمُ وَالَّذِي يُحْدِثُونَ ... وَوَلِّهِمُ مِنْكَ صَمْتاً جَمِيلا (١) واعلم أن البدع كثيرة لأنها سبل الشيطان، وقد تقدم أنها متعددة، وطريق السنة واحد كما وقعت الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقد تقدم الكلام على الآية، وأن النبي ﷺ فسر السبل بطرق الشيطان، وبين أنها متعددة، وأن سبيل الحق واحد، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أهل السنة والجماعة، فمن انحرف عن طريقهم في الاعتقاد فهو مبتدع، أو متشبه بأهل البدعة والضلالة.

стр. 4905

والمراد بطريق أهل السنة والجماعة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام، وهو ما عليه السواد الأعظم من المسلمين في كل زمان، وهم الجماعة، والطائفة الظاهرون على الحق، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة. روى أصحاب السنن -وصححه الترمذي- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصارَى عَلى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقةً؛ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ واحِدَةٌ". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أَنا عَلَيْهِ وَأَصْحابِي" (١). وروي هذا الحديث من طرق أخرى: - منها: رواية عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وقال فيها: "كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةٌ واحِدَةٌ". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أَنا عَلَيْهِ وَأَصْحابِي". حسنه الترمذي (٢).
следующие страницы →