← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

أن تنزل عليك اللعنة (١). وقال: صاحب البدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، فمن جلس إلى صاحب بدعة وَرَّثه الله العمى (٢). روى هذه الآثار اللالكائي في "السنة"، وغيره. وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعت مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه يقول: لو أن رجلاً ارتكب الكبائر كلها ما خلا الشركَ بالله تعالى لرجوت أن يجعله الله تعالى في الفردوس الأعلى إذا سلَّمه الله تعالى من الأهواء والبدع (٣). وقال حميد الطويل رحمه الله تعالى: دخلنا على أبي العالية الرباحي -ونحن شببة- فقال: أرى عليكم من الإسلام سيما خير إن لم تكونوا حرورية، ومن أصحاب الأهواء (٤). وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: مَنْ برَّأه الله من هذه الأهواء، ومن هذا السلطان فما أحسنَ حالَه (٥).

стр. 4902

وقال أحمد بن أبي يونس: سمعت رجلاً يقول لسفيان -يعني: الثوري-: يا أبا عبد الله! أوصني. قال: إياك والأهواءَ، إياك والخصومةَ، إياك والسلطانَ (١). وقال يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: إذا رأيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق غيره (٢). وقال إبراهيم الخواص رحمه الله تعالى: العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا آفة، وقلب بلا شغل، ونفس بلا شهوة. روى هذه الآثار الشيخ نصر المقدسي في كتاب "الحجة". روى أبو نعيم عن سفيان الثوري قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها (٣). وعنه قال: من أصغى سمعَه إلى صاحب بدعة فقد خرج من عصمة الله تعالى (٤). وروى ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] [عن سفيان بن عيينة] قال: كل صاحب

стр. 4903

بدعة ذليل (١). وروى أبو الشيخ عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذِلَّة تغشاه. قالوا: أين هي؟ قال: أو ما سمعتم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ١٥٢]؟ قالوا: يا أبا محمد! هذه لأصحاب العجل خاصة؟ قال: اقرأ ما بعدها ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، فهي لكل مفترٍ ومبتدع إلى يوم القيامة (٢). وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عنه قال: لا تجد مبتدعاً إلا وجدته ذليلاً، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] الآية (٣)؟ وأنشد ابن قتيبة في كتاب "تأويل مختلف الحديث" لعبد الله بن مصعب: [من المتقارب]

стр. 4904

تَرى الْمَرْءَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَقُولاَ ... وَأَسْلَمُ لِلْمَرْءِ أَنْ لا يَقُولا فَأَمْسِكْ عَلَيْكَ فُضولَ الْكَلامِ ... فَإِنَّ لِكُلِّ كَلامٍ فُضُولاً وَلا تَصْحَبَنَّ أَخا بِدْعَةٍ ... وَلا تْسَمَعَنَّ لَهُ الدَّهْرَ قِيلا فَإِنَّ مَقالَتَهُمْ كَالظِّلا ... لِ تُوْشِكُ أَفْياؤُها أَنْ تَزُولا وَقَدْ أَحْكَمَ اللهُ آياتِهِ ... وَكانَ الرَّسُولُ عَلَيْها دَلِيلا وَأَوْضَحَ لِلْمُسْلِمِينَ السَّبِيلَ ... فَلا تَتْبَعَنَّ سِواها سَبِيلا أُناسٌ لَهُمْ رِيْبَةٌ فِي الصُّدُورِ ... وَيُخْفُونَ فِي الْجَوْفِ مِنْها غَلِيلا إِذا أَحْدَثُوا بِدْعَةً فِي الْقُرَانِ ... تَعادَوا عَلَيْها فَكانُوا عُدُولا فَخَلِّهِمُ وَالَّذِي يُحْدِثُونَ ... وَوَلِّهِمُ مِنْكَ صَمْتاً جَمِيلا (١) واعلم أن البدع كثيرة لأنها سبل الشيطان، وقد تقدم أنها متعددة، وطريق السنة واحد كما وقعت الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقد تقدم الكلام على الآية، وأن النبي ﷺ فسر السبل بطرق الشيطان، وبين أنها متعددة، وأن سبيل الحق واحد، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أهل السنة والجماعة، فمن انحرف عن طريقهم في الاعتقاد فهو مبتدع، أو متشبه بأهل البدعة والضلالة.

стр. 4905

والمراد بطريق أهل السنة والجماعة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام، وهو ما عليه السواد الأعظم من المسلمين في كل زمان، وهم الجماعة، والطائفة الظاهرون على الحق، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة. روى أصحاب السنن -وصححه الترمذي- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصارَى عَلى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقةً؛ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ واحِدَةٌ". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أَنا عَلَيْهِ وَأَصْحابِي" (١). وروي هذا الحديث من طرق أخرى: - منها: رواية عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وقال فيها: "كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةٌ واحِدَةٌ". قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أَنا عَلَيْهِ وَأَصْحابِي". حسنه الترمذي (٢).

стр. 4906

- ومنها: رواية معاوية رضي الله تعالى عنه قال فيها: "اثْنَتانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَواحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَماعَةُ". رواه أبو داود، وغيره (١). - ومنها: رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال فيها: "كُلُّها فِي النَّارِ إِلاَّ واحِدَةٌ". فقيل: وما هذه الواحدة؟ فقبض على يده، وقال: "الْجَماعَةُ؛ فَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا". رواه [ابن جرير، وابن أبي حاتم]. وقوله في الآية والحديث: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] يعني: في أحوال الديانات والاعتقاد كما روي عن ابن مسعود، وغيره (٢). وقيل: المعنى: ولا تفرقوا متبعين للهوى والأغراض المختلفة. وعليهما: فليس في الآية نهي عن الاختلاف في الفروع والأحكام، إذ المنهي عنه إنما هو اختلاف يؤدي إلى إفساد وتقاطع، وليس ذلك إلا في الاختلاف في العقائد والأصول.

стр. 4907

وأما الاختلاف في مسائل الاجتهاد فإنه سبب لاستخراج الحقوق والفرائض، وظهور دقائق الشريعة، ولم تزل الصحابة والعلماء بعدهم مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متواصلون (١). وفي الحديث: "اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ" كما نقله خلائق من العلماء؛ منهم الشيخ نصر المقدسي، والحليمي، والبيهقي، وإمام الحرمين (٢).

стр. 4908

ومن هذا القبيل اختلاف الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم، وكلُّهم على هدى من ربهم ورحمة، وهم مثابون مأجورون، لهم أجورهم ومثل أجور متبعيهم. ومنه أيضاً اختلاف العلماء في العلوم الشرعية، وما يحتاج إليه فيها، حيث إن منهم من مال إلى الحديث، ومنهم من مال إلى التفسير، ومنهم من مال إلى الفقه، ومنهم من مال إلى العربية. وكذلك اختلاف الصوفية رضي الله تعالى عنهم في رياضات النفوس وتربية المريدين؛ كل واحد سلك هو ومريدوه طريقة، فمنهم من طريق المجاهدات، ومنهم من طريقة المعاملات. وقد قال الشيخ نجم الدين الكبري رحمه الله تعالى: الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق؛ أي: من حيث السلوك لا من حيث الاعتقاد؛ فإن عقائد أولياء الله تعالى متواردة على عقيدة واحدة، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة. وكذلك اختلاف أهل الصنائع والحِرف في صنائعهم وحرفهم؛ كل ذلك داخل في قوله ﷺ : "اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ". وأما اختلافهم في الأصول فإنه عذاب كما قال رسول الله ﷺ : "الْجَماعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذابٌ". رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند"، والقضاعي عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما (١). ***

стр. 4909

فَصَلٌ حيث علمت أن المبتدعة اثنتان وسبعون فرقة خالفوا أهل السنة والجماعة في الاعتقادات، فينبغي أن نشير لك إليهم؛ إذ لا يمكننا الإحاطة بمذاهبهم، فلا أقل من الإشارة إلى تعيينهم بالألقاب، وإلى أصول مذاهبهم الخبيثة وذكر أئمتهم لتكون حَذوراً من التشبه بهم في شيء مما هم عليه؛ فإن من تشبه بفرقة منهم حُشر مع تلك الفرقة تحت لواء إمامها كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. فالصادق المصدوق المفضل على سائر الأنبياء ﵈، المقدم على جميع أهل الاقتداء، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي المصطفى المختار ﷺ هو إمام الفرقة الناجية يحشرون تحت لوائه، وَيرِدون حوضَه ﷺ ، وغيرهم من الفرق تحت لواء معبد الجهني، أو جهم بن صفوان، أو بشر بن بسر، أو غيرهم من رؤوس الضلالة وأئمة البدعة؛ فانظر أنت تحت أي لواء تريد تكون يوم القيامة، فاعمل بعمل أهله. روى أبو يعلى بإسناد جيد، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ فِي أُمَّتِي نَيِّفاً وَسَبْعِينَ داعِياً،

стр. 4910

كُلُّهُمْ داعٍ إِلَى النَّارِ" (١). اعلم أن أصول الفرق ستة: - القدرية. - والجبرية. - والمشبهة. - والمرجئة. - والخوارج. - والشيعة. فأما القدرية: فهم الذين يقولون: لا قدر، والأمر أنف، والعبد خالق لأفعال نفسه، ونفَوا صفات الله جميعاً، وأوجبوا تأويل أحاديث الصفات وآياتها. وقالوا: يجب على الله تعالى مراعاة مصلحة العبد، وأنكروا رؤية الله بالأبصار يوم القيامة، وقالوا بخلود المؤمن إذا فعل كبيرة في النار ما لم يتب، وأوجبوا شكر المنعم بالعقل قبل ورود الشرع، وسموا أنفسهم: أهل التوحيد، وأهل العدل، وسماهم الناس معتزلة، وقدرية لأنهم نفوا القدر.

стр. 4911

روى الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ، وَمَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ؛ إِنْ مَرِضُوا فَلا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ ماتُوا فَلا تَشْهَدُوهُمْ" (١). ورواه أبو داود، والحاكم وصححه، ولفظهما: "الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ"، وذكر الحديث (٢). وروى اللالكائي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: ذُكرت القدرية عند عبد الله بن عمر ﵄ قال: إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد، فينادي مناد يسمعه الأولون والآخرون: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية (٣). وروى الخطيب في "تالي التلخيص" عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَقُمْ خُصَماءُ اللهِ، وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ" (٤). وفي "صحيح مسلم": أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما تبرأ من معبد الجهني وأصحابه القائلين بأن الأمر أنف، وأنه لا قدر، وقال:

стр. 4912

والذي يحلف عليه عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه، ما قَبِلَ اللهُ منه حتى يؤمن بالقدر (١). روى اللالكائي عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ : "ما هَلَكَتْ أُمَّةٌ قَطُّ إِلاَّ بِالشِّرْكِ بِاللهِ، وَما أَشْرَكَتْ أُمَّةٌ حَتَّى يَكُونَ بَدْءُ شِرْكِها التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ" (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ ﵇ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ إِلاَّ كانَ بَدْؤُهُ التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ، وَما أَشْرَكَتْ أُمَّةٌ إِلاَّ بِتَكْذِيبٍ بِالْقَدَرِ" (٣). وروى الإمام أحمد، واللالكائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر فقال: دلوني عليه -وهو يومئذ أعمى- فقالوا له: ما تصنع به؟

стр. 4913

فقال: والذي نفسي بيده! لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن دققت رقبته بيدي لأدقنها، فإني سمعت رسول الله ﷺ : "كَأَنِّي بِنِساءِ بَنِي فِهْرٍ يَطُفْنَ بالْخَزْرجِ تَصْطَكُّ أَلْياتُهُنَّ مُشْرِكاتٍ، وَهَذا أَوَّلُ شِرْكٍ فِي الإِسْلامِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَنْتَهِي بِهِمْ سُوءُ رَأْيِهِمْ حَتَّى يُخْرِجُوا اللهَ مِنْ أَنْ يُقَدِّرَ الْخَيْرَ كَما أَخْرَجُوهُ مِنْ أَنْ يُقَدِّرَ الشَّرَّ" (١). قلت: هذا الحديث يدل على أن أول ما قيل في إنكار القدر أنه قيل: إن الخير بقدر الله دون الشر، ثم قيل: إنهما ليسا بقدر الله تعالى. وروى البخاري في "التاريخ"، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، واللالكائي عن ابن عباس، وابنُ ماجه، وابن أبي عاصم في "السنة" عن جابر، وابن عباس، والخطيبُ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُما فِي الإِسْلامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ" (٢).

стр. 4914

وروى ابن عدي عن أبي بكر الصديق ﵁: أن النبي ﷺ قال: "صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْقَدَرِيِّةُ، وَالْمُرْجِئَةُ" (١). وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي لا تَنالُهُمْ شَفاعَتِي يَومَ الْقِيامَةِ: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ" (٢). وروى اللالكائي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمهم الله تعالى، عن أبيه، عن جده -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي لا يَرِدانِ عَلَيَّ الْحَوْضَ: الْقَدَرِّيةُ، وَالْمُرْجِئَةُ" (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً؛

стр. 4915

منهم نبينا ﷺ (١). وروى الدارقطني في "العلل" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لُعِنَتِ الْقَدَرِيَّةُ عَلى لِسانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا" (٢). وروى البزار، والطبراني في "الكبير" -بإسنادين أحدهما صحيح- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلاَّ يَجْعَلُ بَعْدَهُ فَتْرةً، وَمَلأَ مِنْ تِلْكَ الْفَتْرَةِ جَهَنَّمَ". زاد البزار: "وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ" (٣). وروى أبو نعيم عن مالك رحمه الله تعالى: أنه سئل عن تزويج القدرية فقرأ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] (٤).

стр. 4916

وعنه أنه قال: رأيي فيهم أن يستتابوا؛ فإن تابوا وإلا قتلوا؛ يعني: القدرية (١). وعن مسعر رحمه الله تعالى أنه قال: التكذيب بالقدر أبو جاد الزندقة (٢)؛ يعني: أولها. وفي معناه: ما روى الطبراني عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: ما كانت زندقة إلا بين يديها التكذيب بالقدر (٣). وروى الإمام أحمد، واللالكائي بسند جيد، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مَسْخٌ" (٤). زاد اللالكائي: "وَخَسْفٌ، أَلا وَذاكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ وَالزَّنْدَقَةِ" (٥).

стр. 4917

وروى الإمام أحمد بسند صحيح، عن نافع رحمه الله تعالى قال: بينما نحن عند ابن عمر ﵄ قعوداً إذ جاءه رجل فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام -لرجل من أهل الشام، فقال ابن عمر: إنه بلغني أنه أحدث حدثاً، فإن كان كذلك فلا تقرأنَّ عليه مني السلام؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سَيَكُونُ مَسْخٌ وَقَذْفٌ، وَهُوَ فِي أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ" (١). وفي "صحيح مسلم" عن يحيى بن يعمر رحمه الله تعالى قال: أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني (٢). وقال الحسن رحمه الله تعالى: لا تجالسوا معبد الجهني؛ فإنه ضال مضل (٣). وقال طاوس: احذروا معبد الجهني؛ فإنه قدري (٤). وقال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان ﵄ حتى نشأ هاهنا حقير يقال له: سنسويه البقال؛ قال: وكان أول من تكلم في القدر (٥).

стр. 4918

وقال يونس بن عبيد رحمه الله تعالى: أدركت البصرة وما بها قدري إلا سنسويه، ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عرافة (١). وقال الأوزاعي: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن، وكان نصرانياً فأسلم، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد (٢). وقال حوشب رحمه الله تعالى لعمرو بن عبيد: ما هذا الذي أحدثت؟ قد نَبَتْ قلوبُ إخوانِك عنك (٣). روى هذه الآثار اللالكائي. وروى أبو نعيم عن الأوزاعي قال: قال حسان بن عطية رحمه الله تعالى لغيلان القدري: أما والله لو (٤) كنت أعطيت لساناً لم نعطه، إنا لنعرف باطل ما تأتي به. وفي رواية: يا غيلان! إن يكن لساني يَكِلُّ عن جوابك فإن قلبي ينكر ما تقول. قال الأوزاعي: وكان غيلان رجلاً مُفَوَّهاً (٥).

стр. 4919

وكان ممن تكلم في القدر: واصل بن عطاء، وثور بن يزيد، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. ثم كثرت القدرية، وانقسموا إلى فئتين: - فمنهم من قال: إن الله تعالى لم يقدر الشر والمعاصي، بل قالوا: الخير مخلوق لله، والشر مخلوق للشيطان، ويقال لهؤلاء: ثنوية، وهم أقدم الفرقتين. وروى اللالكائي عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي قَومٌ يَكْفرُونَ بِاللهِ وَالْقُرْآنِ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ". قال: قلت: ماذا يقولون يا رسول الله؟ قال: "يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنَ اللهِ، وَالشَّرُّ مِنْ إِبْلِيسَ"، وذكر الحديث (١). وقال بعض هؤلاء: إن الأعمال كلها مقدرة إلا الكفر. ومنهم من قال: الأعمال كلها غير مقدرة مطلقاً، وهم الأكثرون. وروى اللالكائي عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: بلغني أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ذكر عنده قولهم في القدر فقال: ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يُخْرِجوا اللهَ من أن يكون قدَّرَ خيراً كما

стр. 4920

أخرجوه من أن يكون قدَّرَ شراً (١). * تَنْبِيهٌ: سبق في الحديث أن القدرية مجوس هذه الأمة، والمراد: الفرقة الأولى منهم. وأما الثانية فهم شر من المجوس. روى اللالكائي عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: كنت حاضراً عند عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فجاء رجل فقال: يا أبا عباس! أخبرني من القدرية؛ فإن الناس اختلفوا عندنا بالمشرق؟ فقال ابن عباس: القدرية قوم يكونون في آخر الزمان، دينهم الكلام، يقولون: إن الله تعالى لم يقدر المعاصي على خلقه، وهو معذبهم على ما قدَّرَ عليهم؛ فأولئك هم القدرية، وأولئك هم مجوس هذه الأمة، وأولئك ملعونون على لسان النبيين أجمعين، فلا تقاولوهم فيفتنوكم، ولا تجالسوهم، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، أولئك اتِّباعُ الدجال أشهى إليهم من الماء البارد. فقال الرجل: يا أبا عباس! لا تَجِدْ عليَّ؛ فإني سائل مُبتلى بهم. قال: قل. قال: كيف صار في هذه الأمة مجوس وهذه أمة مرحومة؟ قال: أُخبرك لعل الله ينفعك.

стр. 4921

قال: افعل. قال: إن المجوس زعمت أن الله لم يخلق شيئاً من الهوام والقذر، ولم يخلق شيئاً يضر، وإنما يخلق النافع وكل شيء حسن، وإنما القذر هو الشر كله، والشر كله خَلْقُ إبليس وفعلُه. وقالت القدرية: إن الله لم يخلق الشر ولم يبتل به، قال: وإبليس رأس الشر كله، وهو مُقِرٌّ بأن الله خالقه. قالت القدرية: إن الله أراد من العباد أمراً لم يكن، وأخرجوه عن عز ملكه وقدرته، وأراد إبليس من العباد أمراً، وكان إبليس عند القدرية أقوى وأعز؛ أولئك القدرية -وكذبوا أعداء الله-. إن الله يبتلي ويعذب على ما ابتلى وهو غير ظالم، لا يسأل عما يفعل، وَيمُنُّ ويثيب على منِّه إيَّاهم، وهو فعَّال لما يريد، ولكنهم أعداء الله ظنوا به ظناً فحققوا ظنهم عند أنفسهم، وقالوا: نحن العالمون، والمثابون والمعذَّبون بأعمالنا، ليس لأحد علينا منة، وذهب عليهم المن من الله والخذلان. فقال الرجل: الحمد لله الذي منَّ بك يا أبا عباس، وفقك الله، نصرك الله، أعزك الله، أما والله لقد كنت من أشدهم قولاً أدين الله به، ولقد استبان لي قولُ الضياء، فأنا أُشهد اللهَ وأشهدكم أني تائب إلى الله، وراجع عما كنت أقوله، وقد أيقنت أن الخير من الله، وأن المعاصي خذلانه، يبتلي به من شاء من عباده، ولا مقدر إلا الله، ولا هادي ولا مضل غيره.

стр. 4922

قال عكرمة: فما زال الرجل عندنا باكياً حتى خرج غازياً في البحر، فاستُشهد رحمه الله تعالى (١). واعلم أن الفرقتين من القدرية عدلوا الله تعالى بخلقه، وسبق تسميتهم زنادقة، ولعل هذا وجه تسميتهم به. وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في الزنادقة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. قال: قالوا: إن الله لم يخلق الظلمة، ولا الخنافس، ولا العقارب، ولا شيئاً قبيحاً، وإنما خلق النور وكل شيء حسن، فنزلت فيهم هذه الآية (٢). ثم القدرية فرق: أحدها: الواصلية: أصحاب واصل بن عطاء الغزَّال أبي حذيفة، ولم يكن غزَّالاً، ولكنه كان يلزم الغزَّالين ليعرف المنقطعات من النساء، فيجعل صدقته لهنَّ كما ذكره أبو العباس المبرد في "كامله". وكان طويل العنق بحيث يُعَيَّر به، وكان يلثغ في الراء فيجعلها غيناً، وكان يتحرز منها حتى ضرب بتجنبه منها المثل كما قال الصاحب بن عبَّاد: [من البسيط]

стр. 4923

نَعَم تَجَنَّبَ (لا) يَومَ العَطاءِ كَما ... تَجَنَّبَ ابْنُ عَطاءٍ لَثْغَةَ الرَّاءِ (١) وكان واصل من أصحاب الحسن البصري، فدخل رجل على الحسن رحمه الله تعالى فقال له: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر تخرج بهم عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرحمون أصحاب الكبيرة، والكبيرة عندهم لا تضر الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ ففكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام، فاعتزل ومعه عمرو ابن عبيد إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة. فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة (٢). وقالوا بأنه لا قدر. وقالوا في الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين:

стр. 4924

أحدهما مخطئ لا بعينه. وقالوا في عثمان رضي الله تعالى عنه، وقاتلته، وخاذلته: أحد الفريقين فاسق لا بعينه. وقالوا: لا نجيز شهادة طلحة، والزبير رضي الله تعالى عنهما على باقة بقل. وقالوا: يجوز أن يكون عثمان، وعلي رضي الله تعالى عنهما على الخطأ. ووافقهم عمرو بن عبيد على مذهبهم، وزاد عليهم أنه فسق [أحد] الفريقين (١). وروى أبو نعيم عن يونس بن عبيد: أنه عاتب ابنه في دخوله على عمرو بن عبيد، وقال له: أنهاك عن الزنا والسرقة، وشرب الخمر، ولأن تلقى الله بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو وأصحابه (٢). وعنه قال: فتنة المعتزلة على هذه الأمة أشد من فتنة الأزارقة؛ لأنهم يزعمون أن أصحاب رسول الله ﷺ ضلوا، وأنهم لا تجوز شهادتهم لما أحدثوا، ويكذبون بالشفاعة والحوض، وينكرون عذاب القبر؛ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، ويجب على

стр. 4925

الإمام أن يستتيبهم، فإن تابوا وإلا نفاهم عن ديار المسلمين (١). الفرقة الثانية: الهذيلية . أصحاب أبي الهذيل العلاف القدري، كانوا ينفون الصفات، ويقولون بأن الله عالم، وعلمه ذاته، وكذلك بقية الصفات، وأثبتوا إرادة لا في محل يكون الباري بها مريداً. وقالوا: بعض كلام الباري لا في محل [وهو قوله]: كن، وبعضه في محل كالأمر، والنهي، والاستخبار. وقالوا: إن حركات أهل الخلدين تنقطع فيصيرون إلى سكون دائم. وقالوا: الحرام ليس برزق (٢). الفرقة الثالثة: النظامية . أصحاب إبراهيم بن سَيَّار النَّظَّام القدري. ويقال لهم: القاسطية. قالوا: إن الله لا يقدر على الشر والمعصية، ولا على ما ليس فيه صلاح لعباده. وقال غيرهم من المعتزلة: يقدر، ولا يفعل ذلك. وقالوا: لا يقدر الله على زيادة أهل النعيم في نعيمهم، ولا على

стр. 4926

زيادة أهل النار في عذابهم، ولا على نقص ذلك. وقالوا: إن الله ليس مريداً على الحقيقة، فإن وصف بالإرادة فالمراد أنه خالقها، وإذا وصف بأنه مريد لأفعال عباده فالمراد أنه أمر بها. وقالوا كالفلاسفة: إن الإنسان في الحقيقة هو النفس والروح، والبدن آلتها. وقالوا كالفلاسفة أيضاً: إن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، ولم يتقدم خلق آدم خلق أولاده، غير أن الله تعالى أكمن بعضهم في بعض. وقالوا: إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل فهو من فعل الله تعالي بإيجاب الخلقة؛ أي: إن الله طبع الحجر طبعاً إذا دفعته اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع له مبلغها عاد الحجر إلى مكانه. وقالوا: إن الإجماع والقياس ليسا بحجة في الشرع، وإنما الحجة قول الإمام المعصوم. وقالوا: يجب على المفكر إذا كان عاقلاً متمكناً من النظر أن يحصل معرفة الله بالنظر والاستدلال قبل ورود السمع. وقالوا بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف به من أفعاله. ومالوا إلى الرفض أيضاً فقالوا: لا إمامة إلا بالنص، ووقع النص على علي رضي الله تعالى عنه، إلا أن عمر رضي الله تعالى عنه كتم يوم السقيفة، ووقعوا في أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، ثم عابوا علياً

стр. 4927

رضي الله تعالى عنه، وكذبوا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في روايته: "السَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمَّهِ" (١)، ووقعوا في الصحابة. وقالوا: من سرق أو ظلم دون نصاب الزكاة مئتي درهم لا يفسق (٢). وذكر ابن قتيبة في كتاب "مختلف الحديث": أن النَّظَّام مع ما كان عليه من سوء العقيدة، كان شاطراً من الشطار، يغدو على مكر ويروح على مكر، ويبيت على حرام، ويدخل في الأدناس، ويركب الفواحش الشائنات. قال: وهو القائل: [من البسيط] مازِلْتُ آخُذُ رُوحَ الزقِّ فِي لُطُفٍ ... وَأَسْتَبِيحُ دَماً مِنْ غَيْرِ مَجْرُوحِ حَتَّى انْثَنَيْتُ وَلِي رُوحانِ فِي جَسَدٍ ... وَالزقُّ مُطَّرَحٌ جِسْمٌ بِلا رُوحِ (٣) وضُلاَّل النظامية كثيرون. - منهم: الأسواري: أبو جعفر الإسكاف. وأسوار -بفتح الهمزة-: قرية من قرى أصبهان. زاد على ما تقدم من الاعتقادات: أن الله لا يقدر على ظلم العقلاء، بل على ظلم الأطفال والمجانين.

стр. 4928

وكذلك قال جعفر بن حرب، وجعفر بن بشر، وزاد أيضاً: أن في فساق الأمة من هو شر من الزنادقة والمجوس. وزعم أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ، وأن سارق الحبة الواحدة فاسق منخلع من الإيمان، وقال: إن استحقاق العقاب والخلود في النار يعرف (١). - ومنهم: الفضل الحدثي، وأحمد بن خابط . زادا أنهما أثبتا حكماً من أحكام الإلهية في المسيح كالنصارى، فزعما أنه هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وتأولوا عليه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقالا: هو الذي يأتي في ظُلل من الغمام. وقالا -وتبعهما أحمد بن أيوب بن مانوس المعتزلي من تلامذة النَّظَّام أيضاً- بالتناسخ. قالوا: خلق الله داراً غير هذه الدار، وخلق فيها خلقاً وأمرهم بطاعات، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم، ومن عصاه في الكل أخرجه إلى دار العذاب المهين وهي النار، ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا، وابتلاه بالخير والشر، والشدة والرخاء، والآلام واللذات على صور مختلفة من صور الناس، وسائر الحيوانات، وكلما كثرت طاعته وقلت معاصيه كانت

стр. 4929

صورته أحسن، ثم لا يزال الحيوان يتقلب في الدنيا ما دامت معه ذنوبه وطاعاته. وقال أحمد بن مانوس: متى صارت النوبة إلى رتبة النبوة والملك، أو إلى رتبة البهيمة ارتفع التكلف. وقال الآخر: لا يرى الباري ذاهب العقل البتة، وحملوا نحو حديث: "سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَومَ القِيامَةِ كَما تَرَونَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ" على رؤية العقل الأول، فهما يقولان بالفلسفة، والتناسخ، والاغترار (١). الفرقة الرابعة: البِشرية . أصحاب بشر بن المعتمر المعتزلي، وهم الذين أحدثوا القول بالتولد، وزعموا أن الإدراكات كلها من الرؤية والسمع كاللون والطعم يجوز أن تكون متولدة من فعلي العبد. وقالوا: الاستطاعة سلامة البنية، وتخليتها من الآفات. وقالوا: لا يجب على الله رعاية الأصلح لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح، وإنما يجب أن يمكن العبد بالقدرة والاستطاعة، ويزيح العلل بالدعوة والرسالة، وإذا تاب العبد من كبيرة ثم راجعها عاد إلى استحقاق العقوبة الأولى (٢).

стр. 4930

الفرقة الخامسة: المعمرية . أصحاب معمر بن عباد السلمي، سموا أنفسهم أصحاب المعاني، وهم أعظم القدرية فِرية في نفي الصفات والقدر. وقالوا: إن الله -تعالى عن قولهم- لم يخلق شيئاً غير الأجسام والعرض من اختراعات الأجسام، إما طبعاً كحرق النار، أو اختياراً كالحيوان يُحدث الحركة. وقالوا: إرادة الله للشر غير الله، وغير خلقه للشيء، وغير الأمر والإخبار والحكم، فأشاروا إلى شيء مجهول. وقالوا: ليس للعبد فعل سوى الإرادة. وحقيقة الإنسان عندهم كالفلاسفة معنى آخر هو غير الجسد، وهو عالم قادر، مختار حكيم، لا متحرك ولا ساكن، ولا يرى ولا يحس، ولا يحويه مكان ولا زمان. وكانوا لا يقولون: إن الله قديم. وقيل: كانوا يقولون: محال أن يعلم الله نفسه، وأن يعلم غيره (١). الفرقة السادسة: المردارية . أصحاب عيسى بن صبيح الملقب بالمردار، كان يسمى: راهب المعتزلة، أخذ عن بشر بن المعتمر، ويقول في التولد، وزاد: أنه جوز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد.

стр. 4931

وقالوا: إن الناس قادرون على مثل القرآن، وكفَّروا من قال بقِدَم القرآن، ومن لابس السلطان، ومن قال: إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وغلَوا في التكفير حتى كفَّروا الناس في قولهم: لا إله إلا الله. وحكي أن إبراهيم السندي سأل إمامهم عن أهل الأرض جميعاً فكفَّرهم، فقال له إبراهيم: الجنة التي عرضها كعرض السموات لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك؟ فخزي. وقالوا: خلق القرآن في اللوح المحفوظ، وما نقرؤه حكاية عنه، وليس به. وأوجبوا معرفة الله تعالى بالعقل قبل الشرع. وقالوا بتحسين العقل وتقبيحه (١). روى اللالكائي عن محمد بن أبي كبشة قال: سمعت هاتفاً يهتف في البحر يقول: لا إله إلا الله، كذب المريسي على الله. قال: ثم هتف ثانية: لا إله إلا الله، على ثمامة والمريسي لعنه الله. قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب المريسي، فَخَرَّ ميتاً (٢).

стр. 4932

الفرقة السابعة: الثمامية . أصحاب ثمامة بن أشرس التميمي المعتزلي. قالت الثمامية: المتولدات لا فاعل لها. وقالوا: الكفار، والزنادقة، والدهرية، والبهائم، والأطفال كلهم يصيرون يوم القيامة تراباً. وهم في الاستطاعة كالبشرية، والتقبيح كالمردارية (١). وقال ابن قتيبة -وذكر ثمامة-: ومن المحفوظ عنه المشهور: أنه رأى قوماً يتعادون إلى الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت الصلاة، فقال: انظروا إلى البقر، انظروا إلى الحمير. ثم قال لرجل من إخوانه: ما صنع هذا القرشي بالناس (٢). الفرقة الثامنة: الهشامية . أصحاب هشام بن عمرو الفوطي. وقولهم في القدر أشد من سائر القدرية، ويمتنعون من إطلاق إضافات الأفعال إلى الله تعالى وإن ورد بها التنزيل. وقالوا: لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل يتآلفون باختيارهم. وقالوا: لا يحبب الله الإيمان إلى المؤمنين، ولا يزينه في قلوبهم.

стр. 4933

وقالوا: لا تنعقد الإمامة في زمن الفتنة والاختلاف، بل في حال السلامة والاتفاق -طعنوا بذلك على خلافة علي رضي الله تعالى عنه -. وقالوا: الجنة والنار غير مخلوقتين الآن، ثم وافقهم في ذلك سائر المعتزلة، وكانوا يعتقدون كفر من خالفهم من أهل القبلة، ويستحلون أموالهم. وكان عَبَّاد منهم يمتنع من إطلاق القول بأن الله تعالى خلق الكافر. وقال: النبوة باقية ما بقيت الدنيا، وهي جزاء على عمل (١). الفرقة التاسعة: الجاحظية . أصحاب عمرو بن بحر الجاحظ، كان تلميذ النَّظَّام. ذكر ابن قتيبة: أن الجاحظ كان أشد المتكلمين تلطفاً لتعظيم الصغير حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويبلغ به الاقتدار على أن يعمل الشيء ونقيضه، فيحتج مرة للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على العثمانية، وربما استهزأ بأحاديث النبي ﷺ ، وربما احتج للنصارى على المؤمنين، فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز في الحجة، وربما ذكر في كتبه المضحكات استمالة للأحداث والفسقة، وقد يرد على الشيء يرد به الحديث ككبد الحوت، وقرن الشيطان، وأن الحجر الأسود كان أبيض فسوَّده المشركون، ويذكر أشياء من خرافات أهل الكتاب كتنادم الديك والغراب، ودفن الهُدْهُد أمه في

стр. 4934

رأسه ونحو ذلك. قال: وهو مع هذا أكذب الأمة، أوضعه لحديث، وأنصره لباطل، انتهى ملخصاً (١). ومن ألطف ما اتفق ما ذكره الزمخشري في "ربيع الأبرار" عن الجاحظ أنه قال: ما أخجلتني إلا امرأة حملتني إلى صائغ فقالت: مثل هذا، فبقيت مبهوتاً، فسألت الصائغ، فقال: هي امرأة استعملتني صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوره، فأتت بك، فقالت: مثله (٢). وذلك أن الجاحظ كان قبيح الصورة، بشع المنظر، ناتئ العينين، ولذلك سمي الجاحظ، وقيل: [من الرجز] لَوْ مُسِخَ الْخِنْزِيرُ مَسْخاً ثانِياً ... ما كانَ إِلا دُونَ قُبْحِ الْجاحِظِ (٣) وقال ابن خلِّكان: كان الجاحظ قد أصابه الفالج، وكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الأيسر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خَدَرِه وشدة برده، وكان يقول: اصطلحت على جسدي الأضداد؛ إن أكلت حاراً أخذ برأسي، وإن أكلت بارداً أخذ برجلي، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها، انتهى (٤).

стр. 4935

قال الجاحظ وأتباعه: إن المعارف كلها ضرورية طباعاً. وقالوا: الإرادة من الفاعل أن ينتفي السهو عنه، والإرادة المتعلقة بالعين ميل النفس إليه. وقالوا: ليس للعباد كسب سوى الإرادة، وتحصل منهم أفعالهم طباعاً. وقالوا: يوصف الباري بأنه مريد؛ أي: لا يصح عليه السهو في أفعاله، ولا الجهل. وقالوا: الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله خالقهم، ثم الجاهل منهم بالتوحيد معذور. وقالوا: إن الله لا يرى بالأبصار، ولا يريد المعاصي. وقالوا: إن أهل النار لا يخلدون في النار عذاباً، بل يصيرون إلى طبيعة النار. وقالوا: النار تجذب أهلها إليها دون أن يدخلهم الله فيها. وقالوا: القرآن جسد يجوز أن ينقلب مرة رجلاً، ومرة حيواناً. وكان الجاحظ مرة يفضل علياً، ومرة يؤخره، وغالب كلامه في كتبه يدل أنه كان مذبذباً بين الفرق، تارة يحتج لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، وربما رد على الأحاديث واستهزأ بها (١). الفرقة العاشرة: الخياطية . وهم الكعبية، أصحاب أبي الحسن بن أبي عمرو الخياط المعتزلي،

стр. 4936

وتلميذه أبي القاسم بن محمد الكعبي. قالوا: تسمية المعدوم شيئاً وجوهراً وعرضاً، وإن إرادة الله هي أنه غير مكره ولا كاره، وهي في أفعال نفسه الخلق، وفي أفعال غيره الأمر. وقالوا: معنى كونه سميعاً بَصيراً: أنه عالم بمتعلقهما. زاد الكعبي: إن فعل الرب واقع بغير إرادة ولا مشيئة منه لها، ولا يرى نفسه ولا غيره إلا بمعنى أنه يعلمه (١). الفرقة الحادية عشرة: الجُبَّائية . وهي البهشمية، أصحاب أبي علي محمد بن محمد بن عبد الوهاب الجُبَّائي، وابنه أبي هاشم عبد السلام. وجُبى -بضم الجيم، وتشديد الموحدة-: قرية من قرى البصرة. أخذ أبو هاشم عن أبيه، وأبوه عن رئيس المعتزلة بالبصرة أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشَّحَّام، وأبو علي أخذ عنه الكلام شيخ أهل السنة أبو الحسن الأشعري، ثم هداه الله فرد عليه مقالاته. ويروى أنه ناظره في ثلاثة إخوة؛ كان أحدهم مؤمناً براً تقياً، والثاني: كافراً فاسقاً، والثالث: صغيراً، فماتوا، فكيف حالهم؟ فقال أبو علي: الزاهد في الدرجات، والكافر في الدركات، والصغير من أهل السلامة. قال الشيخ أبو الحسن: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات

стр. 4937

الزاهد هل يؤذن له؟ قال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى الدرجات بطاعاته الكثيرة، وليس لك ذلك. قال الأشعري: فإن قال الصغير: التقصير ليس مني؛ فإني ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟ فقال الجبائي: يقول الباري جل وعلا: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت، وكنت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك. قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا إله العالمين! علمت حال أخي كما علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي (١). قالت الجبائية: إن لله إرادات حادثة لا في محل، وتعظيماً لا في محل إذا أراد تعظيم نفسه، وفناء لا في محل إذا أفنى العالم. وقالوا: إن الله متكلم بكلام يخلقه في محله، وهو أصوات وحروف. وقالوا: التكلم من فعل الكلام، لا مَنْ قام به. وقال الجبائي: يحدث الله قوله عند قراءة كل قارئ، ويحدث كلاماً لنفسه في محل القراءة. وقالوا: إن الله لا يرى بالأبصار في دار القرار، وأنكروا الشفاعة. وقالوا: العبد خالق لأفعال نفسه، مستقل بها.

стр. 4938

وقالوا: المعرفة، وشكر المنعم، ومعرفة الحسن والقبيح واجباتٌ بالعقل، وأثبتوا شريعة عقلية. وقالوا: مرتكب الكبيرة لا ولا (١)، وإذا لم يتب خلد في النار. وقالوا بوجوب الأصلح على الله تعالى للعبد، واللطف به، وأنكروا كرامات الأولياء. وقال أبو هاشم بإمكان استحقاق الذم والعقاب بلا معصية. وقال: لا تصح التوبة عن كبيرة مع الإصرار على غيرها عالماً بقبحها، ولا توبة مع عدم القدرة، فلا تصح توبة الزاني بعد ما جُبَّ، ولا الكاذب بعد ما خَرِس، إلى غير ذلك من قبائحه (٢). *** وأما الجَبَرية فقال صاحب "القاموس": بالتحريك: خلاف القدرية، والتسكين لحن، وهو الصواب والتحريك للازدواج، انتهى (٣). وهم الذين يقولون: إن العبد مجبور. وهم والمعتزلة في طرفي نقيض؛ فالمعتزلة يقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه، والجبرية يقولون: إن كل ما يجري من أفعال العبد فهو فعل الله تعالى، لا يثبتون للعبد كسباً.

стр. 4939

وأهل السنة وسط بين الفريقين لا تفريط ولا إفراط، ويعتقدون أن الله تعالى خالق العبد وما يعمل، ويثبتون للعبد قدرة، ويثبتون لقدرته أثراً ما في الفعل، وسموا ذلك الفعل شيئاً، ومنهم من يسميه اختياراً. وقد أخطأ المعتزلة في تسميتهم أهل السنة: مجبرة. ثم الجبرية منهم خالصة لا يثبتون للعبد فعلاً ولا قدرة على الفعل أصلاً. ومتوسطون يثبتون للعبد قوة مؤثرة أصلاً. وقالوا كلهم: إن ما ورد من الوعيد إنما هو ترهيب؛ لأن الله تعالى لا يعذب العبد على فعل نفسه (١). ثم هم فرق: إحداها: الجهمية . أصحاب جهم بن صفوان، وهو أول من قال بخلق [القرآن]، أو ثانيه (٢). كان كوفي الأصل فصيح اللسان، ولم يكن له علم، ولا جالس

стр. 4940

أهل العلم، بل كان يكلم المتكلمين، ويجالس الدهرية، حتى شك في الإسلام، ومكث أربعين يوماً لا يصلي (١). وقيل له: صف لنا ربك، فدخل البيت، ومكث أياماً، ثم خرج إليهم فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو من شيء، فقتل على بدعته بأصبهان، فلما ضربت عنقه اسود وجهه (٢). قال الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى: حدثت عن العلاء بن سويد قال: ذكر جهم عند عبد الله بن المبارك فقال: عجبت لشيطان إلى الناس داعياً إلى النار، واشتق اسمه من جهنم! ذكره اللالكائي (٣). وروى أبو نعيم عن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: سمعت سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: الجهمية كفار. فقيل لعبد الله بن المبارك: ما رأيك؟ قال: رأيي رأي سفيان (٤). وعن علي بن الحسين بن شفيق قال: قال عبد الله بن المبارك: [من مجزوء الرمل] أَيُّها الطَّالِبُ عِلْماً ... ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ
следующие страницы →