وتلميذه أبي القاسم بن محمد الكعبي.
قالوا: تسمية المعدوم شيئاً وجوهراً وعرضاً، وإن إرادة الله هي أنه غير مكره ولا كاره، وهي في أفعال نفسه الخلق، وفي أفعال غيره الأمر.
وقالوا: معنى كونه سميعاً بَصيراً: أنه عالم بمتعلقهما.
زاد الكعبي: إن فعل الرب واقع بغير إرادة ولا مشيئة منه لها، ولا يرى نفسه ولا غيره إلا بمعنى أنه يعلمه (١).
الفرقة الحادية عشرة: الجُبَّائية .
وهي البهشمية، أصحاب أبي علي محمد بن محمد بن عبد الوهاب الجُبَّائي، وابنه أبي هاشم عبد السلام.
وجُبى -بضم الجيم، وتشديد الموحدة-: قرية من قرى البصرة.
أخذ أبو هاشم عن أبيه، وأبوه عن رئيس المعتزلة بالبصرة أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشَّحَّام، وأبو علي أخذ عنه الكلام شيخ أهل السنة أبو الحسن الأشعري، ثم هداه الله فرد عليه مقالاته.
ويروى أنه ناظره في ثلاثة إخوة؛ كان أحدهم مؤمناً براً تقياً، والثاني: كافراً فاسقاً، والثالث: صغيراً، فماتوا، فكيف حالهم؟
فقال أبو علي: الزاهد في الدرجات، والكافر في الدركات، والصغير من أهل السلامة.
قال الشيخ أبو الحسن: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات
стр. 4937
الزاهد هل يؤذن له؟
قال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى الدرجات بطاعاته الكثيرة، وليس لك ذلك.
قال الأشعري: فإن قال الصغير: التقصير ليس مني؛ فإني ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟
فقال الجبائي: يقول الباري جل وعلا: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت، وكنت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك.
قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا إله العالمين! علمت حال أخي كما علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي (١).
قالت الجبائية: إن لله إرادات حادثة لا في محل، وتعظيماً لا في محل إذا أراد تعظيم نفسه، وفناء لا في محل إذا أفنى العالم.
وقالوا: إن الله متكلم بكلام يخلقه في محله، وهو أصوات وحروف.
وقالوا: التكلم من فعل الكلام، لا مَنْ قام به.
وقال الجبائي: يحدث الله قوله عند قراءة كل قارئ، ويحدث كلاماً لنفسه في محل القراءة.
وقالوا: إن الله لا يرى بالأبصار في دار القرار، وأنكروا الشفاعة.
وقالوا: العبد خالق لأفعال نفسه، مستقل بها.
стр. 4938
وقالوا: المعرفة، وشكر المنعم، ومعرفة الحسن والقبيح واجباتٌ بالعقل، وأثبتوا شريعة عقلية.
وقالوا: مرتكب الكبيرة لا ولا (١)، وإذا لم يتب خلد في النار.
وقالوا بوجوب الأصلح على الله تعالى للعبد، واللطف به، وأنكروا كرامات الأولياء.
وقال أبو هاشم بإمكان استحقاق الذم والعقاب بلا معصية.
وقال: لا تصح التوبة عن كبيرة مع الإصرار على غيرها عالماً بقبحها، ولا توبة مع عدم القدرة، فلا تصح توبة الزاني بعد ما جُبَّ، ولا الكاذب بعد ما خَرِس، إلى غير ذلك من قبائحه (٢).
***
وأما الجَبَرية فقال صاحب "القاموس": بالتحريك: خلاف القدرية، والتسكين لحن، وهو الصواب والتحريك للازدواج، انتهى (٣).
وهم الذين يقولون: إن العبد مجبور.
وهم والمعتزلة في طرفي نقيض؛ فالمعتزلة يقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه، والجبرية يقولون: إن كل ما يجري من أفعال العبد فهو فعل الله تعالى، لا يثبتون للعبد كسباً.
стр. 4939
وأهل السنة وسط بين الفريقين لا تفريط ولا إفراط، ويعتقدون أن الله تعالى خالق العبد وما يعمل، ويثبتون للعبد قدرة، ويثبتون لقدرته أثراً ما في الفعل، وسموا ذلك الفعل شيئاً، ومنهم من يسميه اختياراً.
وقد أخطأ المعتزلة في تسميتهم أهل السنة: مجبرة.
ثم الجبرية منهم خالصة لا يثبتون للعبد فعلاً ولا قدرة على الفعل أصلاً.
ومتوسطون يثبتون للعبد قوة مؤثرة أصلاً.
وقالوا كلهم: إن ما ورد من الوعيد إنما هو ترهيب؛ لأن الله تعالى لا يعذب العبد على فعل نفسه (١).
ثم هم فرق:
إحداها: الجهمية .
أصحاب جهم بن صفوان، وهو أول من قال بخلق [القرآن]، أو ثانيه (٢).
كان كوفي الأصل فصيح اللسان، ولم يكن له علم، ولا جالس
стр. 4940
أهل العلم، بل كان يكلم المتكلمين، ويجالس الدهرية، حتى شك في الإسلام، ومكث أربعين يوماً لا يصلي (١).
وقيل له: صف لنا ربك، فدخل البيت، ومكث أياماً، ثم خرج إليهم فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو من شيء، فقتل على بدعته بأصبهان، فلما ضربت عنقه اسود وجهه (٢).
قال الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى: حدثت عن العلاء بن سويد قال: ذكر جهم عند عبد الله بن المبارك فقال: عجبت لشيطان إلى الناس داعياً إلى النار، واشتق اسمه من جهنم! ذكره اللالكائي (٣).
وروى أبو نعيم عن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: سمعت سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: الجهمية كفار.
فقيل لعبد الله بن المبارك: ما رأيك؟
قال: رأيي رأي سفيان (٤).
وعن علي بن الحسين بن شفيق قال: قال عبد الله بن المبارك: [من مجزوء الرمل]
أَيُّها الطَّالِبُ عِلْماً ... ائْتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ
стр. 4941
فَاطْلُبِ الْعِلْمَ بِحِلْمٍ ... ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدِ
لا كَثَوْرٍ وَكَجَهْمٍ ... وَكَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ (١)
يريد: ثور بن يزيد، وكان هو وعمرو بن عبيد قدريين.
وروى الدارمي عن ابن المبارك قال: لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب إلي من أن أحكي كلام الجهمية (٢).
وعن عيسى بن يونس رحمه الله تعالى قال: لا تجالسوا الجهمية، وبينوا للناس أمرهم يعرفوه فيحذرهم (٣).
وعن ابن المبارك: أنه كان يُخرج الجهميَّ من عِداد المسلمين (٤).
وعن وكيع رحمه الله تعالى: أنه كان يكفر الجهمية (٥).
قال الدارمي: وسمعت يحيى بن يحيى، وأبا توبة، وعلي بن المديني يكفرون الجهمية، ومن يدعي أن القرآن مخلوق (٦).
وروى اللالكائي عن مقاتل بن حيان قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فقال لي: من أين أنت؟
стр. 4942
فقلت: من أهل بلخ.
فقال: كم بينك وبين النهر؟
قلت: كذا وكذا فرسخاً.
قال: هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له: جهم؟
قلت: لا.
قال: سيظهر من وراء النهر رجل يقال له: جهم؛ يُهلك خلقاً من هذه الأمة، يدخلهم الله وإياه النار (١).
قلت: مثل هذا لا يقال رأياً، فهو في مقام المرفوع.
وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه: أن أول من أتى بخلق القرآن جعد ابن درهم في نيف وعشرين ومئة (٢).
وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن سعيد بن أحمد صاحب أبي إسحاق الفزاري قال: إنما خرج جهم سنة ثلاثين ومئة، فقال: القرآن مخلوق، فأكفره العلماء (٣).
قال ابن أبي حاتم: ظهر من بعدها بشر بن غياث المريسي، وكان والده صباغاً يهودياً (٤).
стр. 4943
وروى اللالكائي عن يحيى بن يوسف الرازي: أنه رأى إبليس في المنام يقول: ما من مدينة إلا ولي فيها خليفة.
قال: قلت: من خليفتك بالعراق؟
قال: بشر المريسي؛ دعا الناس إلى ما عجزت عنه، قال: القرآن مخلوق (١).
ثم افترقت الجهمية على فرق:
- فمنهم: من يجزم بخلق القرآن.
- ومنهم: من وقف، وقال: لا أدري أمخلوق أم غير مخلوق؟
- ومنهم من قال بـ: لفظي مخلوق.
وقال أهل السنة: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو محفوظ في صدورنا، مقروء بألسنتنا، مكتوب في مصاحفنا.
وقالت الجهمية: لا يوصف الباري بوصف خلقه فيكون حياً عالماً، بل يكون قادراً فاعلاً، وأثبتوا له علوماً لا في محل.
وقالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وقالوا: من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه: لم يكفر.
قالوا: إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، بل هو مجبور في أفعاله، والتكليف خير، والثواب والعقاب خير.
стр. 4944
وقالوا: حركات الخلدين تنقطع، والجنة والنار تفنيان.
ووافقوا المعتزلة في نفي الصفات، وإثبات خلق الكلام، وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع، ونفي الرؤية (١).
وروى ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: إني لأرجو أن يحجب الله تعالى جهماً وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حين يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه (٢).
وذكر ابن الجوزي: أن من الجهمية من أنكر الرسل، وقال: إنما هم حكماء.
ومنهم من أنكر عذاب القبر والشفاعة.
ومنهم من قال: لا يدخل النار من عرف ربه، ومن دخلها لا يخرج منها أبداً (٣).
وروى أبو نعيم من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد عن سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد رحمه الله تعالى يقول -وذكر هؤلاء الجهمية- قال: إنما يجادلون أن يقولوا: ليس في السماء شيء (٤).
стр. 4945
الفرقة الثانية من الجَبَرية: النَّجَّارية .
أصحاب الحسين بن محمد النجار، وافقوا المعتزلة فيما وافقهم فيه الجهمية.
ووافقوا الجهمية في أن العبد مجبور، وفي أكثر مسائلهم.
ووافقوا المريسي في قوله: إن الله لم يزل مريداً لكل ما علم أنه سيحدث من خير وشر، وإيمان وكفر خلافاً للمعتزلة في ذلك.
وقالوا: إن الله مريد لنفسه كما هو عالم بنفسه، ومعنى إرادته: أنه غير مستكره ولا مغلوب.
وقالوا: إن الباري بكل مكان ذاتاً ووجوداً إلا على معنى العلم والقدرة.
ومنهم من يقول: إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عَرَض، وإذا كتب فهو جسم، ويقال لهؤلاء: برغوثية.
ومنهم من يقول: كلام الله غيره، وكل ما هو غيره مخلوق، ثم قالوا: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، وهذا تناقض، ويقال لهؤلاء: زعفرانية.
ومنهم من يقول: كلام الله غيره، وهو مخلوق، لكن أجمع السلف على أن كلام الله غير مخلوق، فوافقناهم، وقلنا: إن قولهم، غير مخلوق؛ أي: على هذا الترتيب والنظم، بل هو مخلوق على غير هذا النمط، ويقال لهؤلاء: مستدركة (١).
стр. 4946
الفرقة الثالثة: الضرارية، والحفصية .
أصحاب [ضرار بن عمرو و] حفص الفرد.
قالوا: إن الله عالم قدير على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز.
وقالوا: للعبد حاسة سادسة يرى بها الباري، وثواب الجنة.
وقالوا: أفعال العباد خلق الله حقيقة، وجوَّزوا حصول فعل بين فاعلين.
وقالوا: لا حجة بعد النبي ﷺ إلا الإجماع فقط، وما نقل عنه من أخبار الآحاد لم يقبلوه.
وقال ضرار: تصلح الإمامة في غير قريش حتى لو اجتمع النبطي والقرشي قدِّم النبطي لأنه أقل عدداً وأضعف وسيلة، فيمكننا خلعه متى شئنا (١).
وروى اللالكائي عن الربيع بن سليمان قال: قال حفص الفرد: كلام الله مخلوق، فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه له: كفرت بالله العظيم (٢).
روى أبو نعيم من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد عن فطر بن [حماد ابن واقد قال: سألت] حماد بن زيد ﵀ فقلت: يا أبا إسماعيل! إمام لنا يقول: القرآن مخلوق؛ أصلِّي خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة (٣).
стр. 4947
أخبرنا شيخنا العلامة زين الدين عمر بن محمد بن سلطان الحنفي إجازةً، عن المحدث المفنن العلامة شمس الدين محمد بن طولون الحنفي الصالحي إجازةً، قال: أنا المحدث العلامة جمال الدين يوسف ابن حسن بن عبد الهادي الحنبلي عُرف بابن المِبْرَد قال: أنا أبو العباس أحمد بن عبد الهادي، عن الصلاح بن أبي عمر قال: أنبأنا أبو الحسين ابن النجار، أنا أبو حفص عمر بن طبرزذ سماعاً، أنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي، قال: قرأت على أبي بكر أحمد بن محمد بن حمدويه: أن أبا نظر بن أحمد بن محمد بن حسون أخبرهم: أن أبا الطيب عبد المنعم بن عبد الله بن غلبون المقرئ أخبرهم قال: أنا عمر ابن زيد بن خلف المصري -وكان رجلاً صالحاً- قال: حدثنا عبد الله بن محمد الشعراني قال: سمعت أبا علي بن أبي النجم يقول: بت ليلة في أيام أبي خراش وابن خلف المغافري بمصر، وكانت ليلة الجمعة، وأنا أقول: لا أدري ممن أسمع من أبي خراش، وكان يقول بخلق القرآن، أم من خلف؟ وكان يقول: الكل كلام الله غير مخلوق، فلما أويت إلى فراشي رأيت هاتفاً قد جاءني فقال لي: قم، فقمت، فقال لي: قل، قلت: وما أقول؟ قال: قل: [من مجزوء الكامل]
لا وَالَّذِي رَفَعَ السَّما ... ءَ بِلا دَعائِمَ لِلنَّظَر
فَتَزَيَّنَتْ بِالسَّاطِعا ... تِ اللاَّمِعاتِ وَباِلقَمَر
ما قالَ خَلْقٌ بِالْقُرَ ... انِ بِرَأْيِهِ إِلا كَفَر
بَلْ هُوْ كَلامٌ مُنْزَلٌ ... مِنْ عِنْدِ خَلاَّقِ البَشَر
стр. 4948
فلما فرغ قال لي: اكتب، فمددت يدي إلى كتاب من كتبي وكتبته، فلما أصبحت ذكرت الرؤيا، فمددت يدي إلى طاقة إلى جانبي فوجدت خطي على كتاب من كتبي بما قال لي الهاتف، فجلست ولم أخرج إلى الطريق، فلما علا النهار خرجت إلى حوائجي، فمشيت قليلاً فإذا برجل قد قام إليَّ وسلَّم عليَّ، وقال لي: أخبرني بالرؤيا التي رأيتها البارحة، فقلت: من أخبرك؟ فقال: قد ذاعت في الناس وتحدثوا بها، فأخبرته بها (١).
***
وأما المشبهة:
فهم الذين يشبهون الله تعالى بخلقه، والله يقول عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وروى اللالكائي عن نعيم بن حماد رحمه الله تعالى قال: من شبَّه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وَصَفَ الله تعالى به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه (٢).
ثم المشبهة منهم حلولية: يقولون بجواز ظهور الباري تعالى في صورة شخص كما ظهر جبريل ﵇ في صورة دحية، وحملوا على ذلك الحديث: "رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ" (٣).
стр. 4949
ومنهم غير حلولية، ولكن يقولون: له صورة مخصوصة به (١).
ثم من المشبهة شيعية، وسيأتي بيانهم.
وغير شيعية، وهم فرقتان:
إحداهما: الحشوية: كمضر وكهمس وأحمد الهجيمي، وداود الجواربي من المتقدمين، وابن الراعون، وغيره من متأخري الحنابلة، وإنما حملهم على ذلك كثرة أحاديث الصفات وآياتها الناطقة بما آمن به السلف من غير تأويل ولا تمثيل، وتأول الخلف بما لا يؤدي إلى التعطيل كالوجه، واليد، والعين، والبصر، والسمع، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء، وغير ذلك مما دلت عليه النصوص المشكلة، ونفت ذلك الجهمية كما تقدم (٢).
وقال الفضيل بن عياض، ويحيى بن معين: إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب ينزل، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء. رواه اللالكائي (٣).
وقال يزيد بن هارون رحمه الله تعالى: إن الجهمية غلت، ففرعت في غلوها إلى أن نفت.
وإن المشبهة غلت ففرعت في غلوها حتى مثَّلت.
فالجهمية يستتابون، والمشبهة كذا وكذا؛ رماهم بأمر عظيم (٤).
стр. 4950
وقال وكيع رحمه الله تعالى: وصف داود الجواربي الرب فكفر في صفته، فرد عليه المريسي فكفر المريسي في رده عليه؛ إذ قال: هو في كل شيء (١). رواهما ابن أبي حاتم.
ثم أجاز المشتبه على ربهم الملامسة والمصافحة، وقالوا: إن المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الاجتهاد والرياضة إلى حد الإخلاص والاتحاد المحض.
وقالوا: معبودهم صورة ذات أعضاء وأبعاض؛ إما روحانية أو جثمانية.
ومنهم من قال: من لحم ودم، وله جوارح من يد، ورجل، ورأس، ولسان، وعينين، وأذنين (٢).
وقال الجواربي: اعفوني من الفرج، واللحية، واسألوني عما وراء ذلك (٣).
وتأولوا على ذلك جميع آيات الصفات وأحاديثه، وجاؤوا بأكاذيب اقتبسوها من اليهود وغيرهم.
قد قالوا: شكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رَمَدت عيناه، وإن العرش ليئط من تحته كأطيط الرجل الحديد،
стр. 4951
وإنه ليفضل منه من كل جانب أربع أصابع؛ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وقالوا في القرآن: إن الحروف والرقوم المكتوبة قديمة أزلية (١).
الفرقة الثانية: الكَرَّامية .
أصحاب محمد بن كَرَّام، واشتهر فيه تشديد الراء، وعليه اقتصر صاحب "القاموس"؛ قال: ومحمد بن كرام كشدَّاد: [إمام] (٢) الكرامية القائل بأن معبوده مستقر على العرش، وأنه جوهر (٣)؛ تعالى [الله] عن ذلك علواً كبيراً (٤).
وذكر الشيخ تاج الدين بن السبكي: أنه رأى بخط الشيخ تقي الدين بن الصلاح في بعض مجاميعه: أنه محمد بن كرام -بالتخفيف- وأن أبا الفتح السبتي أنشد: [من الكامل]
إِنَّ الَّذِينَ تُحِبُّهُمْ لَمْ يَقْتَدُوا ... بِمُحَمَّدِ بْنِ كَرَامِ غَيْرُ كِرامِ
الرَّأْيُ رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ وَحْدَهُ ... وَالدِّينُ دِينُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَامِ (٥)
стр. 4952
وكان محمد بن كرام يتزهد ويتقشف، وكان معه جماعة من الفقراء، وكان يلبس مُسُك ضأن مدبوغاً غير مَخِيط، وعلى رأسه قَلَنْسوة بيضاء، وقد نصبت له دكان من لبن، وكان تطرح له قطعة فرو يجلس عليها يعظ ويذكر، وكان مع ذلك مجسماً مبتدعاً، قام عليه الحافظ أبو سعيد الدارمي، وطرده من هَرَاة.
وقال هو وأصحابه: إن إلههم مستقر على العرش استقراراً، وهو في جهة فوق ذاتاً، وأنه أحدي الذات يماسُّ العرش من الصفحة العليا، ينتقل وينزل.
ثم كان منهم طائفة غالية أطلقوا عليه لفظ الجسم، ثم اختلفوا؛ فقيل: يتناهى من الجهات الست، وقيل: من جهة تحت فقط، وقيل: لا يتتابع لأنه عظيم.
وطائفة مقاربة قالوا: إن قلنا: إنه جسم، فالمراد أنه قائم بذاته، وإن قلنا: (فوق) فالمراد العلو، وقالوا في الاستواء: إنه مع نفي المجاورة، والمماسة، والتمكين بالذات (١).
ويقال لهؤلاء: هيصمية نسبة إلى محمد بن هيصم.
وفي "القاموس": إنهم منسوبون إلى موضع (٢).
وحاصل طريقتهم أنهم يتأولون قبائح ابن كرام.
стр. 4953
ومن مسائلهم ما لا يقبل التأويل؛ فإن الطائفة كلهم قالوا: يجوز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى.
وقالوا: ما يحدث في ذاته إن يحدث بقدرته، وما يحدث مبايناً عن ذاته فإنما يحدث بواسطة الإحداث.
ويعنون بالإحداث: الإيجاد والإعدام، وهما القول والإرادة؛ إذ زعموا أن في ذاته حوادث كثيرة كالإخبار عن الأمور الماضية والآتية، والوعد والوعيد، والأحكام.
وقالوا كالمعتزلة: إن العقل يحسن ويقبح، ويوجب معرفة الله قبل الشرع.
وقالوا: الإيمان الإقرار فقط دون التصديق بالقلب والعمل بالجوارح.
وقالوا: النبوة والرسالة صفتان سوى الوحي، والأمر بالتبليغ، والأمر بالمعجزة، والعصمة، وصاحب هذه الصفة رسول الله، ويجب على الله إرساله لا غير، وهو حينئذ مرسل، وكل مرسل رسول الله، ولا عكس، ويجوز عزل المرسل دون الرسول، وليس من الحكمة إرسال رسول واحد، فلا يجوز الاقتصار عليه، بل لا بد من التعدد.
وقالوا: يجوز نصب إمامين في عصر واحد كعلي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، إلا أن إمامة علي على وفق السنة دون معاوية، لكن تجب طاعة رعيته له.
стр. 4954
وقالوا: إن الإمامة تثبت بإجماع الأمة دون النص والنصين، وصوَّبوا أمر معاوية فيما استبد به من الأحكام قتالاً على طلب قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه، واستقلالاً بمال بيت المال.
وقالوا: إيمان المنافقين كإيمان الأنبياء، والكلمتان ليستا بإيمان إلا بعد الردة.
وبالجملة إنهم من أخبث الفرق قبَّحهم الله تعالى (١).
***
وأما المرجئة: فهم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، والإيمان عندهم الإقرار فقط، أو الإقرار والمعرفة.
قال وكيع: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة تقول: الإيمان قول بلا عمل، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة. رواه اللالكائي (٢).
وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: [ارج كل شيء] مما لا تعلم إلا الله، ولا تكن مرجئاً، واعلم أن ما أصابك من الله، ولا تكن قدرياً.
وقال: لقد تركت المرجئة هذا الدين أرق من السابري (٣). رواه أبو نعيم (٤).
стр. 4955
وروى البخاري في "تاريخه"، والترمذي وحسنه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وابن ماجه عنه، وعن جابر رضي الله تعالى عنه، والخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُما فِي الإسْلامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ" (١).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن واثلة وعن جابر ﵄، وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي لا تَنالُهُمْ شَفاعَتِي: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ" (٢).
قلت: الحكمة في ذلك أن القدرية ينكرون الشفاعة، والمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، فيحتاج إلى الشفاعة، فَحُرِموها لذلك.
وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد صحيح، عن أنس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي لا يَرِدانِ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَلا يَدْخُلانِ الْجَنَّةَ: الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ" (٣).
стр. 4956
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْقَدَرِّيةُ وَالْمُرْجِئَةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ" (١).
وروى اللالكائي عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً آخرهم محمد ﷺ (٢).
وتقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اتقوا الإرجاء؛ فإنه شعبة من النصرانية (٣).
وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: المرجئة يهود القبلة (٤).
وقال أبو جعفر محمد بن علي رحمهما الله تعالى: ما ليل بليل، ولا نهار بنهار أشبه بالمرجئة من اليهود (٥). رواهما اللالكائي.
وروى الرافعي في "تاريخ قزوين" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَهُودُ أُمَّتِي الْمُرْجِئَةُ" (٦).
стр. 4957
وروى أبو نعيم [عن سفيان] رحمه الله تعالى قال: ليس أحد أبعد من كتاب الله من المرجئة (١).
وروى الخطيب في "المتشابه" عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: لَفتنتهم أخوف عندي على هذه الأمة من فتنة الأزارقة (٢)؛ يعني: المرجئة.
ثم المرجئة منهم من أضاف إلى الإرجاء إنكار القدر، ومنهم من أضاف إليه الخروج عن الإمام، ومنهم من أخلص الإرجاء.
ثم هم ثمان فرق:
إحداها: اليونسية .
أصحاب يونس الشمري، قالوا: الإيمان المعرفة بالله، والخضوع والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى المعرفة من الطاعة فلا يضر تركه (٣).
الثانية: العبدية .
أصحاب عبيد بن المكيت، قالوا: ما دون الشرك مغفور لا محالة، وإن العبد إذا مات على توحيد لم يضره ما اقترف من الإثم، وعِلْمُ الله
стр. 4958
وكلامه لم يزل شيء وغيره.
وقالوا: إن الله على صورة الله، فهم مرجئة مجسمة (١).
الفرقة الثالثة: الغسَّانية .
أصحاب غسان الكوفي، قالوا: الإيمان: المعرفة والإقرار بما جاء به الرسول إجمالاً، والإيمان يزيد ولا ينقص.
وقالوا: من قال: أعلم أن الله حرم لحم الخنزير، ولا أدري هذا الخنزير الذي حرمه هو هذه الشاة أو غيرها، لم يكفر، ومن قال: أعلم أن الله فرض الحج إلى الكعبة، وإني لا أدري أين الكعبة، ولعلها بالهند، لم يكفر.
وقالوا: من نكح أمه، أو قتل أباه، أو شرب في آنية الذهب الخمر فإنه مؤمن كامل الإيمان (٢).
الفرقة الرابعة: الثوبانية .
أصحاب ثوبان المرجئ، قالوا: الإيمان المعرفة والإقرار لله ورسوله.
وقالوا: ما جاز في العقل تركه ليس من الإيمان.
وقالوا: لو عفا الله عن عاص في القيامة عفا عن كل مؤمن عاص
стр. 4959
هو في مثل حاله، وإن أخرج من النار أحد أخرج من هو في مثل حاله، ولم يجزموا القول بأن المؤمنين يخرجون لا محالة من النار (١).
الفرقة الخامسة: الغيلانية .
أصحاب غيلان بن مروان الدمشقي، قالوا بمقالة الثوبانية؛ قالوا: إن المعرفة نوعان:
نظرية: وهي علمه بأن للعالم صانعاً ولنفسه خالقاً، وهذه المعرفة لا تسمى إيماناً عندهم.
ومكتسبة: وهي التي تسمى المحبة والخضوع والإقرار إيماناً (٢).
وقالوا: القدر [خيره وشره] (٣) من العبد.
وقالوا: الإمامة تصلح في غير قريش، وكل من كان قائلاً بالكتاب والسنة كان مستحقاً لها، ولا تثبت الإمامة إلا بإجماع الأمة، فهم: مرجئة قدرية خوارج (٤)، ولهذا كان غيلان أضر على الأمة من إبليس كما روى ابن عدي في "الكامل"، والبيهقي في "الدلائل" عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: وَهب؛ يَهَبُ اللهُ لَهُ الْحِكْمَةُ، وَرَجُلٌ يُقالُ لَهُ: غَيْلانُ؛ هُوَ
стр. 4960
أَضَرُّ عَلى النَّاسِ مِنْ إِبْلِيسَ" (١).
الفرقة السادسة: التومنية .
أصحاب معاذ التومني، قالوا: الإيمان هو هذه الأمور كلها:
المعرفة، والتصديق، والمحبة، والإخلاص، والإقرار؛ فمن ترك خصلة من هذه كفر، ولا يقال بواحدة من هذه الخصال إيمان، ولا بعض إيمان، ولا يقال لمن أتى بمعصية لم يجمع عليها المسلمون: إنه فاسق ولا عاص، بل يقال في الإخبار عنه: فسق وعصى.
مال إلى هذا بشر المريسي أيضاً، وابن الراوندي، وقالا: إن السجود للشمس والقمر والصنم ليس كفر في نفسه، ولكنه علامة الكفر (٢).
الفرقة السابعة: الصالحية .
أصحاب صالح بن عمرو، قالوا: الإيمان المعرفة بأن للعالم صانعاً فقط، ولا يزيد ولا ينقص، والكفر هو الجهل به.
وقالوا: القائل: ثالث ثلاثة لا يكفر، لكن لا يظهر هذا القول إلا من كافر.
стр. 4961
وقالوا: يصح الإيمان بالله ممن لم يؤمن بالرسول.
وقالوا: الصلاة ونحوها ليست عبادة، وإنما العبادة الإيمان فقط (١).
الفرقة الثامنة: الشمرية .
أصحاب شَمَّر المرجئ القدري، هم في الإيمان كاليونسية، وزادوا: لا يجب على العبد الإيمان بالرسل والأنبياء حتى تقوم عليهم حجتهم، وليس الإيمان بهم والإقرار بما جاؤوا به داخلاً في الإيمان الأصلي.
وقالوا بالعدل والقدر، ولم يضيفوا من القدر إلى الباري شيئاً (٢).
وأما الخوارج: فهم كل فرقة خرجت على الإمام في كل زمان ولو كان واحداً.
وروى ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه، واللالكائي عن عبد الله ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْخَوارِجُ كِلابُ النَّارِ" (٣).
стр. 4962
والمراد هنا الحَرُورية الذين خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه بحروراء، وهي بجَلُولاء، -وقد تقصر- قرية بالكوفة، ومن كان على اعتقادهم من الفرق، وكلهم يتبرؤون من عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ويكفرون أصحاب الكبائر، ويقولون بخلودهم في النار، ولذلك سموا: وعيدية، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقاً واجباً.
روى اللالكائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كلام القدرية كفر، وكلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعة هَلَكة (١).
وروى ابن أبي شيبة عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: سئل أبي رضي الله تعالى عنه عن الخوارج، فقال: هم قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم (٢).
وروى الحاكم وصححه، عن مصعب بن سعد قال: كنت أقرأ على أبي حتى بلغت هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] الآية، قلت: يا أبتاه! أهم الخوارج يا أبه؟
قال: لا يا بني، اقرأ الآية التي بعدها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] الآية.
قال: هم المجتهدون من النصارى، وقالوا: ليس في الجنة طعام
стр. 4963
ولا شراب، ولكن الخوارج هم [الفاسقون]: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] (١).
وروى البخاري، والمفسرون عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: الحرورية هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن عمير بن إسحاق قال: ذكر الخوارج عند أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: أولئك شر الخلق (٣).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال في قتال الخوارج: لهو أحب إليَّ من قتال الدَّيلم (٤).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن كعب رحمه الله تعالى قال: للشهيد نوران؛ أي: نور الإيمان، ونور الشهادة، ولمن قتله الخوارج عشرة أنوار، ولجهنم سبعة أبواب، منها: باب للحرورية، ولقد خرجوا على نبي الله داود ﵇ في زمانه (٥).
стр. 4964
ثم الخوارج فرق:
الْمُحَكِّمة الأولى: وهم الحرورية .
خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه حين جرى أمر الحكمين، فاجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة، جوَّزوا أن لا يكون إمام، وإذا احتيج إليه جاز أن يكون من غير قريش، وخطَّؤوا عليًا في التحكيم، ثم كفروه ولعنوه، وطعنوا على عثمان، وعلى أصحاب الجمل وصفين، فقتلهم علي ﵁ فلم يبق منهم إلا دون العشرة، انهزم اثنان منهم إلى عمان، واثنان إلى كَرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى جبل مردان باليمن، وظهرت بدع الخوارج منهم، وبقيت من بعدهم (١).
روى الشيخان عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يتبسم تبسمًا إذ أتاه ذو الخويصرة، فقال: يا رسول الله! اعدل.
قال: "ويلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذا لَمْ أَعْدِلْ؟ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِذا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ".
قال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! ائذن لي فيه أضرب عنقه.
فقال رسول الله ﷺ : "فَإِنَّ لَهُ أَصْحابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَع
стр. 4965
صَلاتِهِمْ، وَصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبضْعَةِ، يَخْرُجُونَ عَلى خَيْرِ قَرْيةٍ مِنَ النَّاسِ".
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرَّجل، فالتمس فوجد فأتي به حتّى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الّذي نعت (١).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والشيخان عن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه: أن النّبيّ ﷺ قال: "يَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ أَقْوامٌ مُحَلَّقَةٌ رُؤُوسُهُمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لا يَعْدُو تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" (٢).
وروى أبو نصر السجزي في "الإبانة"، والخطيب، وابن عساكر عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنّه سمع رسول الله يقول: "يَخْرُجُ قَومٌ مِنَ الْمَشْرِقِ حِلْقانُ الرُّؤُوسِ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ، وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ" (٣).
стр. 4966
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه عن أبي ذر، ورافع بن عمرو الغفاري معًا رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوم يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجاوِزُ حَلاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ" (١).
لم يقيدهم في هذا الحديث بأنّهم من المشرق، فهو شامل لسائر الخوارج.
وروى ابن أبي شيبة عن أبي غالب قال: كنت في مسجد دمشق، فجاؤوا بسبعين رأسًا من رؤوس الحرورية، فنصبت على درج المسجد، فجاء أبو أمامة رضي الله تعالى عنه فنظر إليهم فقال: كلاب جهنم، شر قتلى قُتلوا تحت ظل السَّماء، ومن قَتلوا خير قتلى تحت ظل السَّماء (٢).
وقوله: من رؤوس الحرورية: ليسوا من أهل حروراء؛ لأنّ أولئك استأصلهم علي رضي الله تعالى عنه إِلَّا عشرة، بل هم طائفة اعتقدوا ما اعتقدته الحرورية من الخروج على الإمام وغيره، فنسبهم أبو أمامة إليهم.
стр. 4967
الفرقة الثّانية من الخوارج: الأزارقة .
أصحاب نافع بن الأزرق الذين خرجوا معه بالبصرة إلى الأهواز وما وراءها في أيّام عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، كفَّروا عليًا رضي الله تعالى عنه، وكفروا عثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم، وكفَّروا سائر المسلمين، وكفَّروا من قعد عن القتال معهم، وأباحوا قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم، وأسقطوا الرَّجْم عن الزاني المحصن، وحد القذف عن قاذف المحصنين من الرجال دون قاذف المحصنات من النِّساء.
وقالوا: أطفال المشركين معهم في النّار.
وهم عدو كلّ من لم ير رأيهم، أو من تخلف عن القتال معهم.
وقالوا: إنَّ التقية غير جائزة في قول ولا عمل، ويجوِّزون الكفر على الأنبياء ﵈ قبل البعثة وبعدها.
وقالوا: من ارتكب كبيرة يكفر ويخلد في النّار (١).
وصوَّبوا فعل اللعين عبد الرّحمن بن مُلْجِم قاتل علي رضي الله تعالى عنه، ولعن الله قاتله.
وقال عمران بن حطان مفتي الأزارقة، وزاهدهم، وشاعرهم قبحه الله في ضربة اللعين عبد الرّحمن بن ملجم المرادي لعلّي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: [من البسيط]
стр. 4968
يا ضَرْبَةً مِنْ كَمِيٍّ ما أَرادَ بِها ... إِلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوانا
إِنِّي لأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسِبُهُ ... أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللهِ مِيزانا
لِلَّهِ دَرُّ الْمُرادِيِّ الَّذِي سَفَكَتْ ... كَفَّاهُ مُهْجَةَ شَرِّ الْخَلْقِ إِنْسانا
أَمْسَى عَشِيَّةَ غَشَّاهُ بِضَرْبَتِهِ ... مِمَّا جَناهُ مِنَ الآثامِ عُرْيانا (١)
وقد عارض ابنَ حطان جماعةٌ من العلماء، منهم بكر بن حماد الشاهرتي، فقال من أبيات أجاد فيها: [من البسيط]
ذَكَرْتُ قاتِلَهُ وَالدَّمْعُ مُنْحَدِرٌ ... فَقُلْتُ سُبْحانَ رَبِّ الْعَرْشِ سُبْحانا
إِنّي لأَحْسِبُهُ ما كانَ مِنْ بَشَرٍ ... يَخْشَى الْمَعادَ وَلَكِنْ كانَ شَيْطانا
كَعاقِرِ النَّاقَةِ الأُولَى الَّتِي حَلَبَتْ ... عَلَى ثَمُودَ بِأَرْضِ الْحِجْرِ خُسْرانا
قَدْ كانَ يُخْبِرُهُمْ أَنْ سَوْفَ يَخْضِبُها ... قَبْلَ الْمَنِيَّةِ أَزْمانًا فَأَزْمانا
فَلا عَفا اللهُ عَنْهُ ما تَحَمَّلَهُ ... وَلا سَقَى قَبْرَ عِمْرانَ بْنِ حطَّانا (٢)
أشار إلى ما رواه الإمام أحمد، والطبراني عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما: أن النّبيّ ﷺ قال له: "أَلا أُحَدّثُكُما بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟ "
стр. 4969
قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: "أُحَيْمِرُ ثَمودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يا عَلِيُّ عَلى هَذِهِ - يعني: قَرنه - حَتَّى تَبْتَلَّ هَذِهِ - يعني: لحيته -" (١).
وروى الطبراني عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لعلّي: "مَنْ أَشْقَى ثَمُودَ؟ "
قال: من عقر الناقة.
قال: "فَمَنْ أَشْقَى هَذ الأُمَّةِ؟ "
قال: الله أعلم.
قال: "قاتِلُكَ" (٢).
وروى الطبراني أيضًا بإسناد حسن، عن أبي سنان الدؤلي: أنّه عاد عليًا في شكوى اشتكاها، قال: فقلت له: تخوفنا عليك في شكواك هذه.
فقال: ولكني والله ما تخوفت على نفسي منه لأني سمعت
стр. 4970
الصادق المصدوق ﷺ يقول: "إِنَّكَ سَتُضْرَبُ بِضَرْبَةٍ هُنا، وَضَرْبَةً هاهُنا - وأشار إلى صُدْغه - فَيَسِيلُ دَمُها حَتَّى تَخْتَضِبَ لِحْيَتُكَ، وَيَكُونَ صاحِبُها أَشْقاها كَما كانَ عاقِرُ النَّاقَةِ أَشْقى ثَمُودَ" (١).
ورواه أبو يعلى، ولفظه: أخبرني الصادق الصدوق: أني لا أموت حتّى أضرب على هذه - وأشار إلى مقدم رأسه الأيسر - فتخضب هذه منها بدم - وأخذ بلحيته - وقال: "قاتِلُكَ أَشْقى هَذهِ الأُمَّةِ كَما عَقَرَ ناقَةَ اللهِ أَشْقَى بَنِي فُلانٍ مِنْ ثَمُودَ" (٢).
- ومن قبائح الأزارقة:
ما رواه الطبراني في "الأوسط"، و"الكبير" عن حُميد بن هلال قال: غزا عمارة بن قرص الليثي رضي الله تعالى عنه غزاة له، فمكث فيها ما شاء الله، ثمّ رجع حتّى إذا كان قريبًا من الأهواز سمع صوت الأذان، فقال: والله ما لي عهد بصلاة بجماعة من المسلمين منذ ثلاث، وقصد نحو الأذان يريد الصّلاة، فإذا هو بالأزارقة، فقالوا له:
стр. 4971
ما جاء بك يا عدو الله؟
فقال: ما أنتم إخواني؟
قال: أنت أخو الشيطان.
فقال: ألَّا ترضون مني بما رضي به رسول الله ﷺ ؟
قالوا: أي شيء رضي به منك؟
قال: أتيته وأنا كافر، فشهدت أن لا إله إِلَّا الله، وأنّه رسول الله، فخلَّى عني.
فأخذوه فقتلوه (١).
وروى الدينوري في "مجالسته" عن هشام بن حسان قال: بينما نحن عند الحسن رحمه الله تعالى إذ أقبل رجل من الأزارقة فقال له: يا أبا سعيد! ما تقول في علي بن أبي طالب؟
قال: فاحمرت وجنتا الحسن: رحم الله تعالى عليًا؛ إنَّ عليًا كان سهما لله صائبا في أعدائه، وكان في محلة العلم أعرفها وأقربها من رسول الله ﷺ ، وكان رهباني هذه الأُمَّة، لم يكن لمال الله بالسروقة، ولا في أمر الله بالنؤمة، أعطي القرآن عزيمة عليه، وكان منه في رياض مونقة، وأعلام بينة، ذاك علي بن أبي طالب يا لُكَع (٢)!
стр. 4972
وهو تعريض من الحسن رحمه الله تعالى بأن الأزارقة كانوا يعتقدون في علي خلاف ما وصفه به.
ولقد أشار النّبيّ ﷺ إلى هلاك الأزارقة، وغيرهم ممّن يبغض عليًا رضي الله تعالى عنه ويعتقد فيه السوء كما هلك فيه من غلا في حبه حتّى أنزله في غير منزلته بقوله ﷺ : "يَهْلَكُ فِيكَ رَجُلانِ: مُحِبٌّ غالٍ، وَمُبْغِضٌ قالٍ" (١).
وروى اللالكائي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنا نعرف نفاق الرَّجل ببغضه لعلّي (٢).
وعنه: ما كنا نعرف منافقينا معشرَ الأنصار إِلَّا ببغضهم عليًا رضي الله تعالى عنه (٣).
الفرقة الثّالثة من الخوارج: النجدية .
أصحاب نجدة، ويقال: النجدة بن عامر الحنفي، ويقال لهم: العاذرية.
قالوا: الدِّين أمران:
أحدهما: لا يعذر الجاهل به، وهو معرفة الله ورسوله، وتحريم دماء المسلمين بغير رضاهم، والإقرار بما جاء به من عند الله جملة.
стр. 4973
والثّاني: ما يعذر النَّاس فيه حتّى تقوم عليهم الحجة، وهو ما سوى ذلك من الحلال والحرام.
وقالوا: من أصر على صغيرة فهو مشرك، ومن عمل كبيرة كالزنا والسّرقة غير مصرٍّ لم يكفر.
وقالوا: لا حاجة للناس إلى إمام قط، وإنما عليهم أن يعاملوا بالإنصاف فيما بينهم، فإن احتاجوا إلى إمام جاز لهم أن ينصبوه.
وخالفوا الأزارقة فقالوا بجواز التقية والقعود عن القتال (١).
خرج نجدة الحروري باليمامة في جمع في سنة ست وستين من الهجرة، فأتى البصرة، وقاتل أهلها، ثمّ حج فوقف الجمعة، ووقف وحده بعرفة، ووقف ابن الزبير بالناس، ووقف ابن الحنفية بجيشه الذين أتوه من العراق وحده، وتوادعوا الحرب حين ينقضي الحجِّ والموسم، ثمّ قتل نجدة في سنة ثمان وستين (٢).
وروى الإمام أحمد عن عطاء قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما يسأله عن قتل الصبيان، فكتب إليه: إن كنت الخضر تعرف الكافر من المسلم فاقتلهم (٣).
стр. 4974
وروى ابن أبي شيبة عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن ذلك، ويقول: إنَّ العالم صاحب موسى قد قتل الوليد، فكتب إليه ابن عبّاس: لو كنت تعلم من الولدان ما علم ذلك العالم من ذلك الوليد، ولكنك لا تعلم (١).
الفرقة الرّابعة: البيهسية .
أصحاب أبي البيهس الهيصم بن جابر.
وقيل: اسمه بيهس؛ بفتح الموحدة، وسكون المثناة تحت.
قالوا: إنَّ الإمام إذا كفر كفرت الرعية شاهدهم وغائبهم، ومن فعل شيئًا ولم يعلم أهو حلال أم حرام يكفر.
ومنهم من يقول: من واقع حرامًا ولم يعلم تحريمه كفر.
وقال بعضهم: السكر إن كان من مال حلال لا يؤاخذ بما قال صاحبه فيه أو فعل.
وقال آخرون: إنَّ السكر إذا انضم إليه كبيرة أخرى كان كفرًا.
وقالوا: الأطفال مع آبائهم جنة أو نارًا.
وقال بعضهم: من رجع من دار الهجرة إلى القعود برئنا منه.
ووافقوا القدرية في القدر.
وقالوا: لا يسلم أحد حتّى يقر بمعرفة الله صرسوله وما جاء به،
стр. 4975
والولاية لأولياء الله، والبراءة من أعدائه (١).
ومن الغرائب: ما قرأته بخط البرهان بن جماعة نقلًا عن "الفنون" لابن عقيل الحنبلي: أن الأصمعي نقل أن هميس الخارجي لما أخذ قطعت يداه ورجلاه، ثمّ ترك يتمرغ في التراب ليلته، فلما أصبح قال: هل أحد يفرغ علي دلوين من ماء؛ فإني احتلمت في هذه اللَّيلة.
قال ابن عقيل: فانظر إلى قوة طبيعته وقوة دينه.
قلت: يحتمل أنّه كاذب في ذلك، وهو الظّاهر من حاله إظهارًا للديانة رياء و [هو] (٢) في هذه الحالة، وثمرته التصميم على بدعته، وأنّه على حق فيها.
الفرقة الخامسة: العجاردية .
أصحاب عبد الكريم بن عجرد.
وقال في "القاموس": ابن العجرد رئيس الخوارج، وأصحاب العجارد (٣)؛ يعني: بغير هاء.
قيل: كان من أصحاب أبي البيهس، ثمّ خالفه في أمور، ووافق