← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٩٩ - ومن أعمال الملائكة ﵈، وهو مندرج فيما قبله: قضاء حوائج العباد . روى البيهقي عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ مُوَكَّلٌ بِحاجاتِ الْعِبادِة فَإِذا دَعا الْمُؤْمِنُ قالَ: يا جِبْرِيْلُ! احْبِسْ حاجَةَ عَبْدِيْ؛ فَإِنِّي أُحِبُّهُ، وَأُحِبُّ صَوْتَهُ، وَإِذا دَعا الْكافِرُ قالَ: يا جِبْرِيْلُ! اقْضِ حاجَةَ عَبْدِيْ؛ فَإِنِّيْ أُبْغِضُهُ، وَأُبْغِضُ صَوْتَه" (١). وروي من طرق أخرى نحوه. فقضاء حوائج العباد عبادة مَلائِكِيَّةٌ (٢)، والآتي بها متشبةٌ بالملائكة الكرام. وقد روى ابن أبي الدُّنيا في "قضاء الحوائج" عن جابر ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ يَكُنْ فِيْ حاجَةِ أَخِيْهِ يَكُنِ اللهُ فِيْ حاجَتِه" (٣). وهو في "صحيح البخاري" من حديث ابن عمر بلفظ: "مَنْ كانَ ... " (٤). وروى ابن أبي الدُّنيا عن الحسن رحمه الله تعالى مرسلاً قال:

стр. 527

قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ عِباداً خَلَقَهُمْ لِحَوائِجِ النَّاسِ، فَقَضاها عَلَىْ أَيْدِيْهِمْ؟ أُوْلَئِكَ آمِنُوْنَ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيامَة" (١). وعنه قال: لأن أقضيَ لمسلم حاجة أحب إِلَيَّ من أن أصلي ألف ركعة (٢). وقال: لأن أقضي لأخٍ حاجة أحب إِلَيَّ من أن أعتكف شهرين (٣). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَضَىْ لأَخِيْهِ حاجَةً كانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَدَمَ اللهَ عُمُرَهُ". وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤). وروى الخطيب عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَضَىْ لأَخِيْهِ

стр. 528

الْمُسْلِمِ حاجَة كانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَر" (١). قلت: وإنما كان قضاء حاجة العبد بمثابة خدمة الله في عمر القاضي كله، أو بمثابة الحج والعمرة، والاعتكاف والصَّلاة؛ لأن العبد محتاج إلى تلك الحاجة، أو إلى المعونة فيها، والله سبحانه غنيٌّ عن العالمين. ولطف أبو العتاهية في قوله: [من مجزوء الكامل المرفل] وَاقْضِ الْحَوائِجَ ما اسْتَطَعـ ... ـتَ وَكُنْ لِهَمِّ أَخِيْكَ فارِجْ فَلَخَيْرُ أَيَّامِ الْفَتَىْ ... يَوْمٌ قَضَىْ فِيْهِ الْحَوائِجْ ١٠٠ - ومنها: المكافأة على المعروف، والتوسل بالصالحين، وطلب الدعاء منهم، والإحسان إليهم: روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عيسى قال: كان فيمن كان قبلكم رجلٌ عَبَدَ الله أربعين سنة في البر، ثم قال: يا رب! قد اشتقت أن أعبدك في البحر، فأتى قوماً، فاستحملهم، فحملوه، وجرت بهم سفينتهم ما شاء الله أن تجري، ثم قامت، فإذا شجرة في ناحية الماء، قال: فقال: ضعوني على هذه الشجرة، قال: فقالوا: ما يعيشك على هذه؟ قال: إنما استحملتكم، فضعوني حيث أريد، فوضعوه، وجرت بهم سفينتهم، فأراد مَلَكٌ أن يعرج إلى السَّماء، فتكلم بكلامه الذي كان يعرج به، فلم يقدر على ذلك، فعلم أن ذلك لخطيئة كانت منه، فأتى صاحب الشجرة،

стр. 529

فسأله أن يشفع له إلى ربه، قال: فصلى، ودعا للمَلَكِ، قال: وطلب إلى ربه أن يكون هو يقبض نفسه ليكون أهون عليه من ملك الموت، فأتاه حين حضر أجله فقال: إني طلبت إلى ربي أن يشفعني فيك كما شفعك فيَّ، وأن أكون أقبض نفسك، فمن حيث شئت قبضتها، قال: فسجد سجدة، فخرجت دمعة (١) من عينه، فمات (٢). ١٠١ - ومنها: موافقة الطائعين، والقرب منهم، والثناء عليهم، ومجانبة العاصين، والتحذير منهم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١]. وروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّكمْ تَكُوْنُوْنَ عَلَىْ كُل حالَةٍ عَلَىْ الْحالَةِ الَّتِيْ أَنْتُمْ عَلَيْها عِنْدِيْ لَصافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ، وَلَزارَكُمْ فِيْ بُيُوْيكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَجاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ" (٣). وروى الامام أحمد، والطبراني بسند قريب، عنه: أن رسول الله ﷺ

стр. 530

قال: "ما مِنْ خارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلاَّ بِبابِهِ رايَتانِ؛ رَايَةٌ بِيَدِ مَلكٍ، وَرايَةٌ بِيَدِ شَيْطانٍ، فَإنْ خَرَجَ لِما يُحِبّ اللهُ اتَّبَعَهُ الْمَلَكُ بِرايَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رايَةِ الْمَلَكِ حَتَّىْ يَرْجِعَ إِلَىْ بَيْتِهِ، وإِنْ خَرَجَ إِلَىْ سَخَطِ اللهِ اتَّبَعَهُ الشَّيْطانُ بِرايَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رايَةِ الشَّيْطانِ حَتَّىْ يَرْجِعَ إِلَىْ بَيْتِهِ" (١). وسبق حديثه: "إِنَّ لِلْمَساجِدِ أَوْتاداً، الْمَلائِكَةُ جُلَساؤُهُم؛ إِنْ غابُوْا يَفْتَقِدُوْهُمْ، وإِنْ مَرِضُوْا عادُوْهُمْ، وإِنْ كانُوْا فِيْ حاجَةٍ أَعانُوْهُمْ" (٢). وذكر الإمام أبو طالب المكي في كتاب "القوت": أن الله تعالى أوحى أيُّوب ﵇: "ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان، فإذا شكر على نعمائي قال: اللهم زده نِعَماً على نعمك؛ فإنك أهل الشكر والحمد، فكن من الشاكرين قريباً، وزدهم شكراً، وزدهم من النعماء، وكفى بالشاكرين - ياأيُّوب - علو المرتبة عندي، وعند ملائكتي، فأنا أشكر شكرهم، وملائكتي تدعو لهم، والبقاع تحبهم، والآثار تبكي عليهم، فكن لي - ياأيُّوب - شاكراً، ولآلائي ذاكراً، ولا تذكر لي حتى أذكر، ولا تشكر لي حتى أشكر أعمالك، أنا أوفِّق

стр. 531

أوليائي لصالح الأعمال، وأشكرهم على ما وفقتهم، وأقتضيهم الشكر، ورضيت به مكافأة، فرضيت بالقليل عن الكثير، وتقبلت القليل، وجازيت عليه بالجزيل، وشر العبيد عندي من لم يشكرني إلا عند حاجته، ولم يتضرع إليَّ إلا في وقت عقوبته" (١). ١٠٢ - ومنها: المؤاخاة في الله: روى أبو القاسم البغوي، والباوردي، وابن قانع، والطبراني في "معاجمهم"، وابن عساكر عن زيد بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ في مسجد المدينة فجعل يقول: "أَيْنَ فُلانٌ؟ أَيْنَ فُلانٌ؟ "، فلم يزل يتفقدهم، ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده، فقال: "إِني مُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيْثٍ فَاحْفَظُوْهُ، وَعُوْهُ، وَحَدِّثُوْا بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ: إِنَّ اللهَ اصْطَفَىْ مِنْ خَلْقِهِ خَلْقًا - وَتَلا هذه الآية: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ﴾ [الحج: ٧٥]- خَلْقَا يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، وإِنِّيْ مُصْطَفٍ مِنْكُمْ مَنْ أُحِبُّ أَنْ أَصْطَفِيَه، وَمُؤَاخٍ بَيْنَكُمْ كَمَا آخَىْ اللهُ بَيْنَ الْمَلائِكَةِ؛ قُمْ يا أَبا بَكْرٍ ... ". فذكر الحديث في مؤاخاته ﷺ بين أصحابه رضي الله تعالى عنهم (٢).

стр. 532

١٠٣ - ومنها: محبة أحباب الله، وبغض بُغَضاء الله تعالى، والحب فيه، والبغض فيه: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ إِذا أَحَبَّ عَبْداً دَعا جِبْرِيْلَ ﵇ فَقالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيْلُ، ثُمَّ يُنادِيْ جِبْرِيْلُ فِيْ السَّماءِ، فَيَقُوْلُ: إِنِّي أُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبُّوْهُ, فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوْضَعُ لَهُ الْقَبُوْلُ فِيْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِذا أَبْغَضَ اللهُ عَبْداً دَعا جِبْرِيْلَ ﵇ فَيَقُوْلُ: إِنِّيْ أُبْغِضُ فُلاناً فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيْلُ، ثُمَّ يُنادِيْ فِيْ أَهْلِ السَّماءِ: إِنَّ اللهَ تَعالَىْ يُبْغِضُ فُلاناً فَأَبْغِضُوْهُ، ثُمَّ تُوْضَعُ لَهُ الْبَغْضاءُ فِيْ أَهْلِ الأَرْضِ" (١). وأخرجه بنحوه هو، والبخاري، والترمذي (٢). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا أَحَبَّ اللهُ عَبْداً قَذَفَ حُبَّهُ فِيْ قُلُوْبِ الْمَلائِكَةِ، وإِذا أَبْغَضَ عَبْداً قَذَفَ بُغْضَهُ فِيْ قُلُوْبِ الْمَلائِكَةِ، ثُمَّ يَقْذِفُهُ فِيْ قُلُوْبِ الآدَميِّيْنَ" (٣). وروى البيهقي في "الأسماء والصفات" عن عبد الرحمن بن أبي

стр. 533

ليلى، قال: كتب أبو الدرداء إلى سلمة بن مخلد: سلام عليك، أما بعد: فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبَّه الله، فإذا أحبَّه الله حبَّبه إلى عباده، وإن العبد إذا عمل بمعصية الله أبغضه الله، فإذا أبغضه الله بغَّضه إلى عباده (١). قلت: الإضافة في: (عباده) للتشريف؛ أي: إلى عباده المؤمنين. وكذلك قوله ﷺ : ، "ثُم يُوْضَعُ لَهُ الْقَبُوْلُ فِيْ أَهْلِ الأَرْضِ"؛ المراد: المؤمنون والصالحون منهم، فلا اعتبار بقبول الكفار والفساق، ولا بِرَدَّهم. وكذلك قوله ﷺ : "أَنْتُمْ شُهَداءُ اللهِ فِيْ الأَرْضِ"؛ لأن الكافر والفاسق ليسا أهلاً للشهادة. وقد روى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وابن مَردويه في "تفسيره" عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ما هو؟ قال: "الْمَحَبَّةُ فِيْ صُدُوْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَالْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِيْنَ، يا عَلِيُّ! إِنَّ اللهَ أَعْطَىْ الْمُؤْمِنَ المِقَة (٢) وَالْمَحَبّةَ، وَالْحَلاوَةَ، وَالْمَهَابَةَ فِيْ صُدُوْرِ الصَّالِحِيْنَ" (٣). ١٠٤ - ومنها: موالاة الصالحين: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ قَالُوْا

стр. 534

رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] إلى قوله: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١]. ومن موالاتهم للصالحين: إيناسهم في الغربة، والوحدة، والسفر، ومساعدتهم في الرِّزق، ونحو ذلك. وقد حكى الشيخ محي الدين بن عربي في "مسامراته" عن بعض العارفين، عن أبي عبد الله الغزالي - من أقران أبي مدين - قال: كان يحضر مجلس شيخنا أبي العباس بن العريف الصنهاجي رجل لا يتكلم، فإذا فرغ الشيخ خرج، فوقع في قلبي منه شيء؛ أحببت أن أعرفه، وأعرف موضعه، فتبعته عشيةً يوم انفصاله من مجلس الشيخ من حيث لا يشعر بي، فلما كان في بعض سكك المدينة - يعني: المرية - وإذا شخص قد تلقاه من الهواء، وانقض عليه انقضاض الطائرة بيده رغيف حسن، فتناوله منه، وانصرف عنه، فجذبته من خلفه، وقلت: السلام عليكم، فعرفني، فرد السلام، قلت له: من هذا الشخص - عافاه الله - الذي ناولك الرغيف؟ فأقسمت عليه، فقال: يا هذا! هذا ملك الأرزاق يأتيني كل يوم بما قدر لي من الرزق حيث كنت من أرض ربي. ١٠٥ - ومنها: السلام ابتداءً ورداً، أو المعانقة، والمصافحة، والزيارة: وكل ذلك منهم مع المؤمنين. قال الله تعالى حكاية عن رسل إبراهيم ﵈: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥].

стр. 535

وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "خَلَقَ اللهُ آدم ﵇ عَلَىْ صُوْرتِهِ، وَطُوْلُهُ سِتُّوْنَ ذِراعاً، ثُمَّ قالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَىْ أُوْلَئِكَ النَّفَرِ - وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ جُلُوْسٌ - فَاسْمَعْ ما يُجِيبُوْنَكَ؛ فَإِنَّهَا تَحيَّتُكَ وَتَحيَّةُ ذُرَّيَّتِكَ، فَذَهَبَ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوْا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزادُوْهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، وَكُل مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَىْ صُوْرَةِ آدَمَ طُوْلُهُ سِتُّوْنَ ذِراعاً، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّىْ الآنَ" (١). وروى الإمام أحمد، والبيهقي في "الدلائل" بسند صحيح، عن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه قال: مررت على رسول الله ﷺ ومعه جبريل ﵇ فسلمت عليه، ومررت، فلما رجعنا، وانصرف النبي ﷺ ، قال: "هَلْ رَأَيْتَ الَّذِيْ كانَ مَعِي؟ " قلت: نعم، قال: "فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ ﵇ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلامَ" (٢). وروى ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ "أفشُوْا السَّلامَ بَيْنَكُمْ؛ فَإِنَّها تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِذا مَرَّ رَجُلٌ عَلَىْ مَلأٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ دَرَجَةٌ إِنْ ردُّوْا عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوْا

стр. 536

عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمُ؛ الْمَلائِكَةُ" (١). وروى البيهقي عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ قال: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنه كان يؤمر بذلك. قال: وحدثنا أن الملائكة ترد عليه (٢). وروى مسلم عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: إن الملائكة كانت تسلم عليَّ، فلما اكتويت انقطع عنِّي، فلما تركت عاد إليَّ (٣). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن قتادة رحمه الله تعالى: إن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى فتنحت (٤).

стр. 537

وذلك أن عمران رضي الله تعالى عنه كان به مرض دام به سنين، وكانت الملائكة ﵈ تزوره، وتسلم عليه، وتصافحه، فاكتوى طلباً للبُرء، فتنحَّت عنه الملائكة، فلما عزم أن لا يعود إلى الاكتواء أعادوا الزِّيارة والسلام عليه. وقد قدَّمت آنفا الحديث الشاهد بمصافحة الملائكة للمؤمنين لو داموا على حالة القرب والرقة. وسبق الحديث الشاهد بمصافحة الملائكة رِكاب الحاج، ومعانقة رجالتهم. * تَنْبِيْهٌ: ذكر الديلمي في "فردوس" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَلائِكَةُ تَعْجَبُ مِنَ الْمُسْلِمِ يَمُرُّ عَلَىْ الْمُسْلِمِ فَلا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ" (١). ١٠٦ - ومنها: الاستئذان: روى ابن جرير، والبيهقي عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]؛ قال: هو استئذان الملائكة عليهم لا يدخل عليهم إلا بإذن (٢).

стр. 538

وروى ابن جرير، وأبو نعيم نحوه عن سفيان الثوريِّ رحمه الله تعالى (١). ١٠٧ - ومنها: القيام للصالحين، والعلماء إكراماً: وروى الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في "فضائل عمر رضي الله تعالى عنه" عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ ، وأصحابه في المسجد، وأهل بيته حوله، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقام لهما ﷺ ، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله! ألست قد نهيتنا أن يقوم بعضا لبعض إلا لثلاثة: للأبوين، ولسلطانٍ عادل، ولعالم يعمل بعلمه؟ فقال ﷺ : "نعمْ، كانَ عِنْدِيَ جِبْرِيْلُ ﵇ فَلَمَّا دَخلا قامَ جِبْرِيْلُ ﵇ إِجْلالاً لَهُما، فَقُمْتُ أَنا مَعَ جِبْرِيْل". ذكره المحب الطبري في "الرياض النضرة" (٢). وسيأتي في التشبه بالأعاجم بيان ما يحسن من القيام، وما يكره. ١٠٨ - ومنها: تلقين العاطس: "الحمد لله"، وتكميله له، وتشميته إذا حمد، وأتم الحمد: روى أبو بكر بن السُّنِّي، والطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا عَطَسَ الرَّجُلُ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" قالَتِ الْمَلائِكَةُ: "رَبِّ الْعالَمِيْنَ"، فَإِذا قالَ: "رَبِّ الْعالَمِيْنَ" قالَتِ

стр. 539

الْمَلائِكَةُ: "يَرْحَمُكَ الله" (١). فينبغي للعبد الاقتداء بالملائكة في ذلك. قال النووي رحمه الله تعالى في "الأذكار": فإذا عطس ولم يحمد الله، ولم يسمعه الإنسان، لم يشمته، فإن كانوا جماعة فسمعه بعضهم دون بعض، فالمختار أن يشمته من سمعه دون غيره. ثم قال: واعلم أنه إذا لم يحمد أصلاً يستحب لمن عنده أن يذكره بالحمد، هذا هو المختار (٢). انتهى. قال البغوي رحمه الله تعالى: حكي أن رجلاً عطس عند الأوزاعي فلم يحمد الله، فقال الأوزاعي: كيف تقول إذا عطست؟ قال: أقول: الحمد لله، قال: يرحمك الله، قال: فأراد الأوزاعي رضي الله تعالى عنه أن يستخرج منه الحمد، فقال: يرحمك الله إن كنت حمدت (٣). وقال النووي في "شرح المهذب": قال أصحابنا: وإنما يسن التشميت إذا قال العاطس: "الحمد لله"، فإن لم يقل: "الحمد لله" كره

стр. 540

تشميته للحديث السابق (١). يعني: عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشِّمتُوْهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ فَلا تُشَمِّتُوْهُ". رواه مسلم (٢). * فائِدَةٌ: تشميت العاطس هو الدعاء بالرحمة، وأول من شمت رب العزة جلَّ وعلا شمت آدم؛ أي: أعطاه الرحمة، وبشره بما أعطاه، فالتشميت خلق رباني، والمشمِّت متخلِّق به. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَطَسَ، وَألهَمَهُ رَبّهُ أَنْ قالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ"، قالَ لَهُ رَبُّهُ: "يَرْحَمُكَ اللهُ"، فَلِذَلِكَ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ" (٣). وقال أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا نَفَخَ اللهُ فِيْ آدَمَ الرُّوْحَ فَبَلَغَ الرُّوْحُ رَأْسَهُ عَطَسَ، فَقالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعالَمِيْنَ، فَقالَ لَهُ تَبارَكَ وَتَعالَ: يَرْحَمُكَ الله" (٤).

стр. 541

رواهما ابن حبان في "صحيحه". ١٠٩ - ومن أعمال الملائكة ﵈: المذاكرة في أحوال الناس، والمسامرة من غير خوض فيما لا يعني . روى البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إِنَّ مَلائِكَةَ اللهِ يَعْرِفُوْنَ بَنِيْ آدَمَ - أَحْسِبُهُ قالَ: وَيعْرِفُوْنَ أَعْمالَهُمْ - فَإِذا نظَرُوْا إِلَىْ عَبْدٍ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللهِ ذَكَرُوْهُ بَيْنَهُمْ، وَسَمَّوْهُ، وَقالُوْا: أَفْلَحَ اللَّيْلَةَ فُلانٌ، وَإِذا نَظَرُوْا إِلَىْ عَبْدٍ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ ذَكَرُوْهُ بَيْنَهُمْ، وَسَمَّوْهُ، وَقالُوْا: هَلَكَ فُلانٌ اللَّيْلَة" (١). ١١٠ - ومنها: كراهية الغيبة، وإنكارها: روى أبو نعيم عن مجاهد قال: لابن آدم جلساءُ من الملائكة، فإذا ذكر الرجل المسلم أخاه بخير قالت الملائكة: لك مثله، وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة: يا ابن آدم المستور عورته! أرْبَعْ على نفسك، واحمد الله (٢) الذي ستر عليك (٣). وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 542

"أتدْرُوْنَ ما هَذهِ الرِّيْحُ؟ هَذهِ رِيْحُ الَّذِيْنَ يَغْتابُوْنَ النَّاس" (١). ولا شك أنَّ الملائكة أشد إدراكا لذلك من الناس، وهم يتأذون من الروائح الكريهة، ويكرهونها. ١١١ - ومنها: التودد للناس، والتنزل لعقولهم لأجل تعليمهم وإرشادهم ، وإيصال الخيرات الربانية إليهم، ولذلك كانت الملائكة يتشكلون للناس بحسب ما يليق بهم، وبأحوالهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]. وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن الملائكة كانوا يتصورون لأهل بدر في صور من يعرفون من الناس يثبتونهم. والأحاديث الواردة في تمثل جبريل ﵇ في صورة دِحية الكلبي رضي الله تعالى عنه شائعة، منها: ما رواه الشيخان عن أبي عثمان النهديِّ رحمه الله تعالى قال: نبئت أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فجعل يتحدث ثم قام، فقال النبي ﷺ : "مَنْ هَذا"؟ قالت: قلت: هذا دحية الكلبي، قالت: ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة

стр. 543

النبي ﷺ بِخَبَرِ جبريل. قيل لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة رضي الله تعالى عنه (١). وروى الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت جبريل ﵇ واقفا في حجرتي هذه ورسول الله ﷺ يناجيه، فقلت: يا رسول الله! من هذا؟ قال: "بِمَنْ شَبَّهْتِهِ؟ " قلت: بدحية، قال: "لَقَدْ رَأَيْتِ جِبْرِيْل"، قالت: فما لبثت إلا يسيراً حتى قال: "يا عائِشَةُ! هَذا جِبْرِيْلُ يُقْرِئُكِ السَّلام"، فقلت: وعليه السَّلام، جزاه الله مِنْ دَخِيْل خيراً (٢). ومن هذا القبيل تشكل طائفة من الأولياء يقال لهم: (الأبدال) حتى ربما تصرفوا في وقت واحد في أبدان متعددة، كما حكي أن رجلاً اتهم قضيب البان البغدادي رحمه الله تعالى أنه لم يصل، فتصور له على الفور في صور مختلفة، وقال له: في أي صورة من هذه الصور رأيتني لم أُصَلِّ؟ فرجع عن الإنكار (٣). وكذلك رُئي جماعات بالموقف من عرفات، وبأماكن أخرى من بلاد أخر في وقت واحدة منهم: سهل بن عبد الله التُّسْتَري، والشيخ

стр. 544

مُفَرِّج الدَّمَامِيني، والشيخ عبد الله المَنُوفي، والشيخ تاج الدين بن عطاء الله الإسكندري، وغيرهم (١). وألف جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في هذه المسألة مؤلفاً مستقلاًّ بسبب أن رجلين من أصحاب سيدي عبد القادر الدشطوطي المصري حلف كل منهما بالطلاق أن الشيخ عبد القادر المذكور بات عنده في الليلة الفلانية، فلم يوقع الطلاق على واحد منهما (٢). قلت: وأنا شاهدت ممن أعطي حال التصور والتشكل جماعة، منهم: شيخ الإسلام الوالد رضي الله تعالى عنه، فأخبرني من أثق به أنهم كانوا يدخلون عليه فلا يجدونه في أثوابه، ثم يجدونه بعد ساعة لطيفة. والإيمان بكرامات الأولياء مذهب أهل السنة رضي الله تعالى عنهم، والله الموفق. ١١٢ - ومن خصال الملائكة ﵈: إغاثة اللهفان: روى أبو بكر بن أبي الدُّنيا في كتاب "الهواتف"، والأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار تاجراً يتجر بمال له ولغيره، وكان يَزِنُ بنسك وورع، فخرج مرة فلقيه لصُّ مقنع في السِّلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك، قال: ما تريد بي؟ شأنك بالمال، قال: أما المال

стр. 545

فلي، ولست أريد إلا رأسك، قال: إذ أبيت فذرني أصلي أربع ركعات، وكان من دعائه في آخر سجدة: يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يريد! أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه، فقال: من أنت - بأبي أنت وأمي - فقد أغاثني الله بك اليوم؟ قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة؛ دعوتَ بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ودعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ودعوت بدعائك الثالث فقيل: دعاء مكروب، فسألت الله أن يوليني قتله. قال أنس: إنه من توضأ وصلى أربع ركعات، ودعا بهذا الدعاء استجيب له، مكروبا كان أو غير مكروب (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في "الهواتف" عن خَوَّات بن جُبير رضي الله تعالى عنه قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فخرج بالناس وصلى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه - اليمين على اليسار، واليسار على اليمين - ثم بسط يديه، فقال: اللهم إنا نستغفرك، ونستسقيك، قال: فما برح من مكانه حتى مطر، فبينما هم كذلك إذا أعراب قدموا المدينة فأتوا عمر بن الخطاب

стр. 546

رضي الله تعالى عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين! بينا نحن في بوادينا، في يوم كذا وكذا، في وقت كذا وكذا - إذ أظلتنا غمامة، وسمعنا صوتاً ينادي: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص (١). وروى فيه عن عمارة بن زاذان قال: كنت مع زياد النُّميري في طريق مكة، فَضَلَّتْ ناقة لصاحب لنا، فطلبناها، فلم نقدر عليها، فأخذنا نقسم متاعه، فقال زياد: ألا تقول شيئاً؟ سمعت أنساً ﵁ يقرأ: ﴿حم﴾ , وتسجد وتدعو، فقلنا: بلى، فقرأه: ﴿حمَ﴾ السجدة، وسجد ودعا، فرفعنا رؤوسنا، فإذا رجل معه الناقة التي ذهبت، فقال زياد: أعطوه من طعامكم، فلم يقبل، قال: أطعموه، قال: إني صائم، قال: فنظرنا فلم نر شيئا، قال: فلا أدري ما كان (٢). وقال الشيخ محي الدين بن العربي في "المسامرات": حدثنا عبد الكريم بن حاتم بن وحشي بمكة سنة ست مئة، قال: خرج عندنا رجل من المجاورين يريد مصر، فركب غراباً في البحر، فطاب الريح بالليل، فنام كل من في المركب إلا الذي يدبره، فأراد الرجل الحاجة، فقعد في مقدم المركب يقضي حاجته، فزلقت قدمه، فأخذه البحر، وغطته الأمول، والرئيس ينظر إليه، والمركب قد سار عنه بمسافة غيبته

стр. 547

عن عين الرئيس، والرئيس لا يتكلم مخافة أن يشوش على الناس ولا ينفعه ذلك، فلم يلبث أن رأى طائراً قد قبض عليه فأخرجه من الماء، وطار به حتى ألقاه في المركب، وقعد الطائر على جامور الصاري ساعة، ثم إن الطائر مد منقاره موضعه حتى ألصقه بأُذن الرجل، ثم قبضه وطار، فلما كان من الغد حسن الرئيس ظنه بذلك الرجل، وبادر إلى كرامته، ففطن له الرجل، فقال: يا أخي! لست والله ممن تظن، وإنما كان ما رأيت من أمر الله علمي وعلمك فيه سواء، ما شعرت بنفسي إلا وقد أخذتني الأمواج وأيقنت بالتلف، فسلمت الأمر لله تعالى وقلت: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، فإذا بذلك الطائر قد فعل ما رأيت، فقال له الرئيس: فرأيته مد منقاره إليك، فهل كلمك؟ قال الرجل: نعم؛ وذلك أني فكرت في نفسي ما هو هذا الطائر، فألصق منقاره بأُذني، فقال لي: يا هذا! أنا تقدير العزيز العليم. والحكايات في ذلك كثيرة. ١١٣ - ومن خصال الملائكة ﵈: إجلال أبي بكر ، وتوقير عمر، واستحياء من عثمان، وحب هؤلاء وعلي بن أبي طالب، وحب سائر الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم، ومعرفة فضلهم. وأقسم بالله تعالى: ليس في ملائكة الله تعالى رافِضِيٌّ، ولا شيعيٌّ. روى أبو يعلى عن عقَار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا جِبْرِيْلُ! أَخْبِرْييْ عَنْ فَضائِلِ عُمَرَ عِنْدَكُمْ"، فقال له جبريل ﵇: "لَوْ مَكَثْتُ فِيْكُمْ ما مَكَثَ نُوْحٌ ﵇ فِيْ

стр. 548

قَوْمِهِ ما حَدَّثتكَ بِفَضِيْلَةٍ واحِدَةٍ مِنْ فَضائِلِ عُمَرَ، وَإِنَّ عُمَرَ لَحَسَنةٌ واحِدَةٌ مِنْ حَسَناتِ أَبِيْ بَكْرٍ ﵄ (١) -. وروى ابن عدي في "الكامل" عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما فِيْ السَّماءِ مَلَكٌ إِلاَّ وَهُوَ يُوَقِّرُ عُمَرَ، وَلا فِيْ الأَرْضِ شَيْطانٌ إِلاَّ وَهُوَ يَفِرُّ مِنْ عُمَرَ" (٢). وروى ابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عُثْمانُ حَيِيٌّ تَسْتَحْيِيْ مِنْهُ الْمَلائِكَةُ" (٣). وروى البخاري، وغيره: أن النبي ﷺ كان جالساً بحافة بئر، وهو مكشوف الفخذ، فدخل أبو بكر ﵁ فلم يغط فخذه، ودخل عمر رضي الله تعالى عنه فلم يغطه، ودخل عثمان فغطاه، وقال: "أَلا أَسْتَحِيْ مِمَّنْ اسْتَحْيَتْ مِنْهُ الْمَلائِكَةُ" (٤).

стр. 549

وروى الَّلالكائيُّ في "السنة" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر، وعمر ﵁: "وَاللهِ إِنِّيْ لأُحبُّكُما لِحُبِّ اللهِ إِيَّاكُما، وَاللهِ إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتُحِبُّكُما لِحُبِّ اللهِ لَكُما، أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّكما، وَوَصَلَ مَنْ وَصَلَكُما، قَطَعَ اللهُ مَنْ قَطَعَكُما، أَبْغَضَ اللهُ مَنْ أَبْغَضَكُما فِيْ دُنْياكُما وَآخِرَتكُما" (١). وروى الترمذي عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنافِقٌ، وَلا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ" (٢). وكذلك ورد أن: حب الأنصار من الإيمان، وبغضهم من النفاق (٣). والمهاجرون أولى منهم بذلك لأنهم أفضل منهم، والملائكة ﵈ من خواص المؤمنين.

стр. 550

١١٤ - ومنها: شهود النكاح والخِطْبَة، والإملاك، والْخُطْبَةُ لذلك: روى أبو نعيم في "الحلية" عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: أصابت فاطمة رضي الله تعالى عنها صبيحة يوم العرس رعدة، فقال لها النبي ﷺ : "يا فاطِمَةُ! زَوَّجْتُكِ سَيِّداً فِيْ الدُّنْيا، وإِنَّهُ فِيْ الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِيْنَ، يا فاطِمَةُ! لَمَّا أَرادَ اللهُ أَنْ يُمَلِّكَكَ بِعَلِي رَضِيَ اللهُ تَعالَىْ عَنْهُ أَمَرَ اللهُ جِبْرِيْلَ ﵇ فَقامَ فِيْ السَّماءِ الرَّابِعَةِ، فَصَفَّ الْمَلائِكَةَ صُفُوْفاً، ثُمَّ خَطَبَ عَلَيْهِمْ، فَزَوَّجْتُكِ مِنْ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعالَىْ شَجَرَ الْجِنانِ فَحَمَلَتِ الْحُلِيَّ وَالْحُلَلَ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَنَثَرَتْهُ عَلَىْ الْمَلائِكَةِ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَيْئا أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ غَيْرُهُ افْتَخَرَ بِهِ إِلَىْ يَوْمِ الْقِيامَةِ"، قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: لقد كانت فاطمة رضي الله تعالى عنها تفتخر على النساء لأن أول من خطب عليها جبريل ﵇ (١).

стр. 551

وروى الطبراني، ومن طريقه أبو نعيم عن زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها قالت: خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حَمْنَة ﵂ إلى رسول الله ﷺ تستشيره، فقال لها رسول الله ﷺ : "أَيْنَ هِيَ مِمَّنْ يُعَلِّمُها كِتابَ رَبِّها وَسُنَّةَ نبِيِّها"؟ قالت: ومن هو يا رسول الله؟ قال: "زيدُ بْنُ حارِثَة ﵁ "، فغضبت حمنة غضباً شديداً، فقالت: يا رسول الله! أتزوِّجُ ابنة عمتك مولاك؟ قالت: وجاءتني فغضبت أشد من غضبها، فقلت أشد من قولها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية قالت: فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إني أستغفر الله، وأطيع الله ورسوله، وأفعل يا رسول الله ما رأيت، فزوجني زيداً. وكنت أزري عليه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، وَاتَّقِ الله"، فقال: يا رسول الله! أنا أطلقها، قالت: فطلقني، فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا ورسول الله ﷺ قد دخل على بيتي وأنا مكشوفة الشعر، فعلمت أنَّه أمر من السَّماء، فقلت: يا رسول الله! بلا خطبة ولا إشهاد؟ فقال: "اللهُ الْمُزَوِّجُ، وَجِبْرِيْلُ الشَّاهِدُ" (١).

стр. 552

١١٥ - ومنها: التهنئة بالنكاح، وبالتوبة، وبكل ما يهنأ به: روى ابن عساكر عن عطاء رحمه الله تعالى قال: إن الله تعالى لما خلق حواء من ضِلَع آدم ليسكن إليها جاءته الملائكة، وهنوه، وسلموا عليه ﵈ (١). وروى ابن المنذر عن محمَّد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، وعن آبائه -: "إن آدم ﵇ لما تاب الله عليه جاءته الملائكة ﵈ أفواجاً تهنيه" يقولون: نهنئك توبة الله يا أبا محمد" (٢). ١١٦ - ومنها: تجنب اللهو، واللعب، وكل باطل: روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتاً فِيْهِ تَماثِيْلُ، أَوْ تَصاويرُ" (٣). وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان نحوه (٤) عن أبي سعيد (٥).

стр. 553

وروى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النَبيِّ ﷺ قال: "لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ جَرَسٌ" (١). ورواه النسائي عن أم سلمة مثله، وزاد: "وَلا تَصْحَبُ رَكْباً فِيْهِ جَرَسٌ" (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رِفْقَةً فِيْها جَرَسٌ" (٣). وأخرجه النسائي عن ابن عمر، وقال: "جُلْجُلٌ"، وقد سبق (٤). وروى ابن أبي شيبة عن شريح: أنه سمع صوت دف فقال: "إن الملائكة لا يدخلون بيتاً فيه دف" (٥). وأخرج نحوه عن سويد (٦). * تنبِيْهٌ: روى البزار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "لا تَحْضُرُ الْمَلائِكَةُ مِنْ لَهْوِكُمْ إِلاَّ الرِّهانَ وَالنِّضالَ" (٧).

стр. 554

وروى ابن عدي في "الكامل" عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَلائِكَةُ تَشْهَدُ ثَلاثاً: الرَّمْيَ، وَالرِّهانَ، وَمُلاعَبَةَ الرَّجُلِ أَهْلَهُ" (١). وروى الثقفي في "فوائده" عن أبي أيُّوب الأنصاري ﵁ قال: "لا تحضر الملائكة من اللهو شيئا إلا ثلاثة: لهو الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل، والنِّضال" (٢). وروى النسائي، والبزار، والطبراني عن عطاء بن أبي رباح، وقال: رأيت جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير يرتميان، فمل أحدهما، فجلس، فقال الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ فَهُوَ لَغْوٌ وَلَهْوٌ إِلاَّ أَرْبَعُ خِصالٍ: مَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتأْدِيْبُ فَرَسِهِ، وَمُلاعَبَةُ أَهْلِهِ، وَتَعْلِيْمُ السِّباحَةِ" (٣).

стр. 555

١١٧ - ومنها: لبس البياض: تقدم أن سيما الملائكة كانت يوم بدر "عمائم بيضاً" (١). وسبق في صدر الباب في حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام والإيمان في وصفه: "شديد بياض الثياب" (٢). وروى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد (٣). زاد في رواية لمسلم: يعني: جبريل وميكائيل ﵉ (٤). ١١٨ - ومنها: لبس العمائم خصوصا البيض، وإرخاء العَذَبة لها: روى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عبادة بن الصَّامت ﵁: أن النبي - صلى الله عليه - قال: "عَلَيْكُمْ بِالْعَمَائِمِ؛ فَإِنَّها سِيْما الْمَلائِكَةِ، وَأَرْخُوْا لَهَا خَلْفَ ظُهُوْرِكُمْ" (٥).

стр. 556

وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: عَمَّمَ رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وترك من عمامته مثل ورق العشر، ثم قال: "أَكْثَرُ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُعتمين (١) " (٢). وروى أبو داود الطَّيالسي، والبيهقيُّ عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ أَمَدَّ فِيْ يَوْم بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ بِمَلائِكَةٍ يَعْتَمُّوْنَ بِمِثْلِ هَذهِ الْعِمَّةِ؛ إِنَّ الْعَمائِمَ حاجِزَةٌ بَيْنَ الْكفْرِ وَالإِيْمانِ" (٣). * تَنْبِيْهٌ: قال السيوطي في "الخصائص الكبرى": وذكر ابن تيمية أن أصل العَذَبة أنه ﷺ لما رأى ربه واضعا يديه بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعَذَبة.

стр. 557

لكن قال العراقي: لم نجد لذلك أصلاً (١)، انتهى (٢).

стр. 558

قلت: لا يخفى ما في ذلك من الانتصار لمذهب التجسيم، ولو كان لإكرام موضع اليد -كما زعم - لكان ينبغي أن يختص إرخاؤها بين الكتفين بالنبي - صلى الله عليه -؛ لأن ذلك لم يتفق لغيره، والحق أن الأصل في إرخاء العَذَبة التشبه بالملائكة، كما علمت (١).

стр. 559

وروى البيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

стр. 560

رأيت رجلاً يوم الخندق على صورة دِحْية الكلبي على دابة يناجي رسول الله ﷺ ، وعليه عمامة قد أسدلها خلفه، فسألت رسول الله ﷺ ؟ فقال: "ذاكَ جِبْرِيْلُ ﵇ أَمَرَنِيْ أَنْ أَخْرُجَ إِلَىْ بَنِيْ قُرَيْظَةَ" (١). وتقدم قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً قد أسدلوها خلف ظهورهم (٢). * تَنْبِيْهٌ: روى أبو الشيخ عن وهب بن مُنِّبه رحمه الله تعالى: أن ذا القرنين أول من لبس العمامة، وذكر أنه كان برأسه قرنان كالظلفين يتحركان، فلبس العمامة من أجل ذلك (٣). فقوله: إنه أول من لبس العمامة؛ يعني: من البشر. وقيل: إن ذا القرنين كان من الملائكة. والأصح أنه كان من البشر، واختلف في نبوته (٤). وفيه إشارة إلى أن من محاسن العمامة وفوائدها أنها تستر ما يكون في الرأس من كِبَرٍ، أو صِغَرٍ، أو عيب، أو غير ذلك، وهو ظاهر.

стр. 561

١١٩ - ومنها: لباس الصوف تواضعاً، وقناعة: روى ابن أبي شيبة عن حميد بن إسحاق قال: قيل لهم يوم بدر: تسوموا؛ إن الملائكة قد تسومت، قال: فأول ما جعل الصوف ليومئذ (١). ونص القرطبي على استحباب لبس الصوف تشبها بالملائكة في تسومهم يوم بدر (٢). وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: هبط جبريل ﵇ على النَّبي ﷺ وعليه عباءتان قطوانيتان، فقال النبي ﷺ : "وَإِنَّكمْ لَتلْبَسُوْنَ هَذا؟ " قال: إي وربي، وإنه للباس حملة العرش (٣). ولباس الصوف مشروط استحبابه بالسَّلامة من الرّياء، وطلب الشهرة، وطلب الدُّنيا بلباسه. وأحسن من قال: [من الوافر] لَبِسْتَ الصُّوْفَ مَرْقُوْعَا وَقُلْتا ... أَنَا الصُّوْفِىُّ لَيْسَ كَمَا زَعَمْتا

стр. 562

فَمَا الصُّوْفِيُّ إِلاَّ مَنْ تَصَافا ... مِنَ الأَكْدَارِ وَيْحَكَ لَوْ عَقَلْتا ١٢٠ - ومنها: الائتزار إلى أنصاف السوق: روى الطبراني في "الأوسط"، والديلمي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ائْتَزِرُوْا كَما رَأَيْتُ الْمَلائِكَةَ تَأْتَزِرُ"، قالوا: يا رسول الله! كيف رأيت؟ قال: "إلَىْ أَنْصافِ سُوْقِها" (١). وفي الحديث الصحيح: "إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَىْ أَنْصافِ ساقَيْهِ" (٢). ١٢١ - ومنها: التأذي بالروائح الكريهة، وسائر ما يُتَأذَّى منه: روى مسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّوْمَ، وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تتَأَذَّىْ مِمَّا

стр. 563

يَتَأَذَّىْ مِنْهُ بَنُوْ آدَمَ" (١). وروى أبو نعيم، والخطيب عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث من أجل أن الملائكة تأتيه، وأنه يكلم جبريل ﵇ (٢). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "المنامات" قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: رأيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! ما تقول في الثوم والبصل؟ فقال: "الْمَلائِكَةُ تتَأَذَّىْ بهما" (٣). وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن عبد الله بن يزيد (٤) رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لا يُنْقَعْ بَوْلٌ فِيْ طَسْتٍ فِيْ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتاً فِيْهِ بَوْلٌ مُنْتَقِعٌ، وَلا تَبُوْلَنَّ فِيْ مُغْتَسَلِكَ" (٥). وروى "فيه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّه قال: مر

стр. 564

رسول الله ﷺ بصنم من نحاس، فضرب ظهره بظهر كفه، ثم قال: "خَابَ وَخَسِرَ مَنْ عَبَدَكَ مِنْ دُوْنِ اللهِ"، ثم أتى النبي ﷺ جبريل ﵇ ومعه ملك، فتنحى الملك، فقال النبي ﷺ : "ما شَأْنُهُ تَنَحَّىْ"؟ قال: "إنه وجد منك ريح نحاس، وإنا لا نستطيع ريح النحاس" (١). قلت: ولعل هذا هو السبب في أن الملائكة لا تصحب ركباً فيه جرس ولا جلجل، كما ورد في الحديث، مع كونهما مما يتلهى به، والله الموفق. ١٢٢ - ومنها: الرثاء لحال الفقراء والضعفاء، والتعطف عليهم، ولذلك يفرحون بذهاب الشتاء: روى الطبراني عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لتفْرَحُ بِذَهَابِ الشِّتاءِ رَحْمةً لِمَا يَدْخُلُ عَلَىْ فُقَراءِ الْمُسْلِمِيْنَ مِنَ الشِّدَّةِ" (٢). ورواه الخطيب في "تلخيص المتشابه"، ولفظه: "تَفْرَحُ الْمَلائِكَةُ بِذَهابِ الشِّتاءِ لِما يَدْخُلُ عَلَى فُقَراءِ أُمَّتِيْ".

стр. 565

١٢٣ - ومنها: الفرح بتيسير الطَّاعة على المؤمنين: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن قتادة رحمه الله تعالى قال: إن الملائكة لتفرح بالشتاء للمؤمن؛ يقصر النهار فيصومه، ويطول الليل فيقومه (١). ومثل ذلك لا يقال من قِبَل الرأي، فحكمه حكم المرفوع. * تَنْبِيْهٌ: اختلف السبب في فرح الملائكة بإقبال الشتاء وفرحهم بذهابه، فلا تعارض بينهما. ١٢٤ - ومنها: إدخال السُّرور على قلوب المؤمنين، وتبشيرهم، وتعزية المحزونين، وتسليتهم: قال الله تعالى حكاية عن رسل إبراهيم ﵇ ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾ [الحجر: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبي ﷺ "أَنَّ رَجُلاً زارَ أَخاً لَهُ فِيْ اللهِ، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ مَلَكاً فَقالَ: أَيْنَ تُرِيْدُ؟ فَقالَ: أُرِيْدُ
следующие страницы →