فقاتل الله هؤلاء ما أشد فريتهم! وأشنع مريتهم! لقد تجاوزوا النصارى في قولهم بالثلاثة.
ومن العجائب أن آية المباهلة إنّما أنزلت لبيان كذب النصارى في قولهم: ثالث ثلاثة، أو قولهم بألوهية ثلاثة، وإنَّما الله تعالى إله واحد، وهؤلاء الداعين يقولون: سادس ستة، أو يقولون بألوهية ستة (١)!
الفرقة الرّابعة من الغلاة: المغيرية .
أصحاب المغيرة بن سعد العجلي، ادعى أن الإمام بعد محمّد ابن علي بن الحسين: محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين الخارج بالمدينة، وزعم أنّه حي لم يمت، ثمّ ادعى الإمامة لنفسه بعد محمّد، وادعى النبوة لنفسه، وغلا في حق علي رضي الله تعالى عنه غلوًا لا يعتقده عاقل، وتبعه أصحابه.
وقالوا جميعًا: إنَّ معبودهم صورة وجسم ذو أعضاء عدد حروف المعجم، وأمثالها صورته سورة من نور، على رأسه تاج، وله قلب تنبع منه الحكمة بخلق الاسم الأعظم، فطار فصار على رأسه تاجًا، وكتب على كفه أعمال العباد، فغضب من المعاصي، فعرق فخرج من عرقه البحر، إلى غير ذلك من الكفر الصريح، والضلال القبيح، ثمّ وقعوا في أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - تضليلًا وتكفيرًا؛
стр. 5007
قبحهم الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا (١).
الفرقة الخامسة من الغلاة: المنصورية .
أصحاب أبي المنصور العجلي، زعم الانتساب إلى محمّد الباقر، فتبرأ منه الباقر وطرده، فلما توفي الباقر رضي الله تعالى عنه قال: انتقلت الإمامة إليَّ، وتظاهر بذلك، فتبعه جماعة بالكوفة.
ولما ادعى الإمامة لنفسه زعم أنّه عرج به إلى السَّماء، ورأى معبوده، ومسح رأسه بيده، وقال: يا بني! انزل فبَلِّغْ عني، ثمّ أهبط إلى الأرض.
وكان يقول لأصحابه: فِيَّ نزل: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطور: ٤٤].
وكان يقول: الكف هو الله، والكف هو علي، فهو اتحادي حلولي.
وزعم هو وأصحابه أن الرسالة والرسل لا تنقطع، وأن الجنَّة [رجل] أمروا بموالاته، وهو الإمام، والنار رجل أمروا بمعاداته، وهو خصم الإمام، وتاولوا الفرائض كلها أسماء رجال أمروا بموالاتهم، والمحرمات أسماء رجال أمروا بمعاداتهم.
واستحلوا قتل مخالفيهم، وأخذ أموالهم، ووطء نسائهم.
وقالوا: أول ما خلق الله عيسى بن مريم، وعلي بن أبي طالب (٢).
стр. 5008
الفرقة السّادسة من الغلاة: الخطابية .
أصحاب أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الأسدي الأجذع، زعم الانتساب إلى جعفر الصادق، فلما وقف الصادق على غلوه فيه تبرأ منه ولعنه، وأخبر أصحابه بالتبرؤ منه، وشدد في ذلك، فلما اعتزل عنه ادعى الأمر لنفسه.
قال هو وأصحابه بألوهية جعفر وآبائه، وقال: هم أبناء الله وأحباؤه، وزعموا أن الأئمة أنبياء، ثمّ آلهة.
وقالوا: الإلهية نور في النبوة، والنبوة نور في الإمامة، ولا يخلو العالم من هذه الأنوار.
وقُتل الخبيث أبو الخطّاب بسبخة البصرة (١).
قال في "القاموس": والخطابية - مشددة -: قرية ببغداد، وقوم من الرافضة نسبوا إلى أبي الخطّاب، كان يأمرهم بشهادة الزور على مخالفيهم، انتهى (٢).
ولما قتل أبو الخطّاب افترق قومه بعده فرقًا:
- معمرية: قالوا: إنَّ الإمام بعده رجل يقال له: معمر، ودانوا به كما دانوا بأبي الخطّاب، وزعموا أن الدنيا لا تفنى، وأن الجنَّة ما يصيب النَّاس من خير ونعمة، والنار ما يصيبهم من شر وبلية، واستحلوا الخّمْرِ،
стр. 5009
والزنا، وسائر المحرمات، وترك الصّلاة والفرائض.
- وفريعية: قالوا: إنَّ الإمام بعد أبي الخطّاب رجل يقال له: فريع.
قالوا: ظهر الإله بصورة جعفر الصادق إلى الخلق.
وقالوا: كلّ مؤمن يوحى إليه، وزعموا أن منهم من هو أفضل من جبريل وميكائيل ﵉، ولا يقال لمن انتهى أجله: إنّه مات، بل رفع إلى الملكوت، وادعوا رؤية أمواتهم بكرة وعشيًا.
- وعميرية: ويقال لهم: عجلية.
قالوا: إنَّ الإمام بعد أبي الخطّاب عمير بن بنان العجلي، واعتقدوا ما اعتقدته المعمرية، إِلَّا أنّهم اعترفوا بأنّهم يموتون، ونصبوا خيمة بكناسة الكوفة يجتمعون فيها على عبادة الصادق.
- وصيرفية: قالوا: الإمام بعد أبي الخطّاب مفضل الصيرفي، وكانوا يقولون بإلهية جعفر دون نبوته ورسالته.
قال الشهرستاني: وتبرأ من هؤلاء كلهم جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وطردهم، ولعنهم؛ فإن القوم حيارى جاهلون بحال الأئمة، تائهون؛ قبحهم الله تعالى (١).
الفرقة السابعة من الغلاة: الكيالية .
أصحاب أحمد الكيال، وكان من دعاة بعض آل البيت، لعلّه
стр. 5010
سمع كلمات علية، فخلطها برأيه العاطل، وأبدع في كلّ باب كلمات غير مسموعة ولا معقولة، وربما عاند الحس، فلما وقف آل البيت على بدعته تبرؤوا منه، فصرف الدّعوة إلى نفسه، فادعى أنّه الإمام أولًا، ثمّ ادعى أنّه القائم ثانيًا.
وقال هو وأصحابه: الأنبياء تارة أهل التقليد عجزة، والقائم قائد أهل النظر، وأهل النظر هم أولوا الألباب (١).
الفرقة الثامنة من الغلاة: الهشامية .
أصحاب هشام بن الحكم المشبه، وهشام بن سالم الجواليقي الناسج على منواله في التشبيه.
قالوا: إنَّ بين معبودهم وبين الأجسام تشابهًا ما، ولولا ذلك لما دلت عليه.
وقالوا: معبودهم جسم ذو أبعاض، وله قدر، لكن لا يشبهه شيء من المخلوقات.
وحكي أنّهم يقولون: إنّه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإنه في جهة مخصوصة، وله حركة هي فعله، وليست من مكان إلى مكان، وقالوا: إنّه بالذات لا بالقدر.
وحكي أنّهم يقولون: إنّه ماسٌّ لعرشه، لا يفضل منه عنه شيء.
стр. 5011
وقالوا: إنَّ الله لم يزل عالمًا بنفسه وبالأشياء بعد كونها، ولا يقال فيه: قديم ولا محدث لأنّه صفته، والصِّفَة لا توصف.
وقالوا: كلامه صفته، لا يقال: مخلوق، ولا غير مخلوق.
وقالوا: الاستطاعة كلّ ما لا يكون الفعل إِلَّا به كالآلة، والجارحة، والوقت، والمكان.
وقال هشام بن سالم: إنَّ معبوده على صورة إنسان أعلاه مجوف، وأسفله مصمت، نور يتلألأ، وله يد، ورجل، وعين، وأذن، وأنف، ووفرة سوداء هي نور أسود، لكنه ليس بلحم ولا دم.
وقال: تجوز المعصية على الأنبياء دون الأئمة، وفرق بينهما: أن النّبيّ ينبه على وجه الخطأ فيتوب منه، بخلاف الإمام.
وقالوا في علي: إنّه الله واجب الطّاعة (١).
الفرقة التّاسعة من الغلاة: الزرارية .
أصحاب زرارة بن أعين.
قالوا بحدوث الصفات لله تعالى، وقبل حدوثها لم يكن حيًا، ولا عالمًا، ولا قادرًا، ولا مريدًا، ولا سميعًا، ولا بصيرًا، ولا متكلمًا.
وقالوا: لا يسع جهل الإمام، ومعارفه كلها ضرورية، وكل ما يعرفه غير الإمام بالنظر فهو عند الإمام أول ضروري، ونظريات
стр. 5012
الإمام لا يدركها غيره.
وكان زرارة يقول بإمامة عبد الله بن جعفر، ثمّ مال عنه، وقال بإمامة موسى بن جعفر (١).
وروى اللالكائي عن السدي رضي الله تعالى عنه قال: قلت لعبد الله بن حسن: إنَّ عندنا قومًا ينتحلونكم - يعني: آل البيت - يزعمون أن العلم سكب في قلوبكم.
فقال: يا سدي! ليس هؤلاء منا ولا نحن منهم، من أتى منا الفقهاء وجالسهم كان عالمًا، ومن لم يأتهم منا كان جاهلًا (٢).
وعن أيوب السختياني قال: سمعت جعفر بن محمّد رحمه الله تعالى يقول: إنا والله لا نعلم كلّ ما يسألونا، ولغيرنا أعلم منا (٣).
الفرقه العاشرة: النعمانية، ويقال لهم: الشيطانية .
أصحاب محمّد بن النعمان أبي جعفر الأحول الملقب: شيطان الطاق، وافقوا الهشامية في أن الله تعالى لا يعلم شيئًا حتّى يكون.
وقالوا: القدرة غير الإرادة، والإرادة هي الفعل.
وقالوا: معبودهم نور على سورة إنسان، ويأبى أن يكون جسمًا،
стр. 5013
لكن ورد في الخبر: "خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ" (١)، فوجب تصديقه.
وقالوا: إنَّ الفرقة الناجية هي الشيعة.
وقيل: إنَّ هشام بن سالم، ومحمد بن النعمان أمسكا آخرآ عن الكلام في الله تعالى (٢).
الفرقة الحادية عشرة: اليوسفية .
ويقال: اليونسية، أصحاب يوسف، أو يونس بن عبد الرّحمن مولى آل يقطين من مشبهة الشيعة.
قالوا: إنَّ الملائكة تحمل العرش بالله، وهو أقوى منها كالكرسي تحمله رجلاه (٣).
الفرقة الثّانية عشرة: النصيرية، ويقال لهم: الإسحاقية .
قالوا: ظهور الروحاني بالجسد الجثماني لا ينكر كظهور جبريل ﵇ في سورة أعرابي، وظهور الشيطان في صورة إنسان حتّى يعمل الشر، وظهور الجن في صورة شخص يتكلم على لسانه، فكذلك يقولون: ظهر الله تعالى في صورة أشخاص.
قالوا: ولما كان علي وأولاده أفضل البرية بعد النّبيّ ﷺ قلنا:
стр. 5014
ظهر الحق بصورهم، ونطق بلسانهم، فلذلك أطلقنا الإلهية عليهم بباطن الأسرار، ولذلك شبه علي بعيسى بن مريم، وبالقوة الإلهية اقتلع باب خيبر.
وربما قالوا: إنَّ لعلّي مع محمّد ﷺ شركة في النبوة، قالوا: ولذلك قال علي: أنا من أحمد كالضوء من الضوء.
قال الشهرستاني: والنصيرية أميل إلى تقرير الجزء الإلهي، والإسحاقية أميل إلى تقرير الشركة في النبوة (١).
* تَتِمَّةٌ:
إذا تأملت قبائح الغلاة من الروافض من دعوى الألوهية لعلّي، ثمّ انتقالها في أولاده، علمت أنّهم بذلك كفار مشركون؛ إذ لا شك في كفر من هذا اعتقاده، ولا خلاف فيه، وإنّما الخلاف في الرفض الخالي عن المكفرات المجمع عليها، ومن المعلوم أن كفرهم لم يكن إِلَّا من غلوهم وتهورهم فيه حتّى ضلت عقولهم، وضعفت آراؤهم.
وقال الدينوري في "المجالسة": حدّثنا عبد الله بن مسلم قال: ما نعلم في أهل البدع والأهواء قومًا ادعوا الربوبية لبشر غير الرافضة لأنّ عبد الله بن سبأ وأصحابه ادعوا الربوبية لعلّي فأحرقهم بالنار، وقال علي رضي الله تعالى عنه: [من الرجز]
لَمَّا رَأَيْتُ الأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا ... أَجَّجْتُ نارًا وَدَعَوْتُ قنْبرًا (٢)
стр. 5015
قلت: هذا إن صح فعليه يتمشى ما اعتاده حكام هذه الأمصار من تحريق الرافضة بالنار.
ونظير ذلك ما رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي من طريقه بإسناد جيد، عن محمّد بن المنكدر: أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنّه وجد رجلًا في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، فجمع لذلك أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أصحاب رسول الله ﷺ فيهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقال علي رضي الله تعالى عنه: إنَّ هذا ذنب لم يعمل به أمة إِلَّا أمة واحدة، ففعل الله بهم ما قد علمتم؛ أرى أن نحرقه بالنار، فأمر به أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن يحرق بالنار (١).
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك (٢).
وقد تقدّم حكم اللوطي في المذاهب الأربعة.
وأمّا الإسماعيلية: فهم الذين يقولون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وهو أكبر أولاده.
قالوا: هو المنصوص على إمامته.
стр. 5016
وقد مات إسماعيل في حياة أبيه، فأشهد على موته، وكتب به محضرًا خشية أن تضل الشيعة فيه، ويأبى الله إِلَّا أن يضلوا، فاختلفوا فيه هل مات أم لا؟
فقيل: إنّه لم يمت إِلَّا أن جعفرًا أظهر موته تقيةً من خلفاء بني العباس.
وقيل: بل موته صحيح.
والفائدة في النص على إسماعيل: بقاء الإمامة في ولده، فالإمام بعده ولده محمّد بن إسماعيل، وهو السابع القائم، وإنَّما تبرأت الشيعة منه للأئمة المستورين الذين كانوا يستترون في البلاد يظهرون دعاتهم.
ثمّ منهم من وقف على محمّد بن إسماعيل، وقال برجعته بعد غيبته.
ومنهم من ساق الإمامة في أولاده المستورين، ثمّ في الظاهرين القائمين من بعدهم، ويقال لهؤلاء: باطنية لقولهم: إنَّ للقرآن ظاهرًا وباطنًا، والمراد منه باطنه لا ظاهره، والمتمسك بظاهره معذب بالمشقة في الاكتساب، وباطنه مؤد إلى ترك العمل بظاهره، وانجرت بهم هذه المقالة إلى الانحلال عن الدِّين.
ويقال لهؤلاء أيضًا: بابكية؛ لأنّ منهم من تبع بابك الخرمي بأذربيجان، وكان يعتقد اعتقاد المجوس.
ويقال لهم: محمرة للُبسهم الحمرة في أيّام بابك، أو لأنّهم كانوا
стр. 5017
يسمون المسلمين حميرًا لأخذهم بظاهر القرآن وبالشريعة.
ويقال لهم: قرامطة لأنّ أول من دعا النَّاس إلى مذهبهم يقال له: حمدان قرمط، وهي إحدى قرى واسط (١).
وقال في "القاموس": القرامطة جيل من النَّاس، الواحد: قرمط (٢).
ويقال لهم بخراسان: ملحدة، وملاحدة، وتعليمية لقولهم: لا بد من إمام معلم.
ويقال لهم: سبعية لقولهم: إنّما تدور أحكام الأئمة على سبعة سبعة كأيام الأسبوع، والسماوات السبع، والكواكب السبعة، وهي المدبرات أمرًا، والبحار السبعة، وزعموا أن النطقاء بالشرائع سبعة، وهم الرسل: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ، والمهدي؛ قالوا: وهو سابع النطقاء.
وقالوا: وبين كلّ اثنين من النطقاء سبعة أئمة يتممون شريعة الناطق قبلهم.
قالوا: لا بد في كلّ عصر من سبعة بهم يقتدى ويهتدى، وهم متفاوتون: أحدهم: إمام يؤدِّي عن الله تعالى، وهو غاية الأدلة في دين الله.
стр. 5018
وثانيهم: حجة يؤدِّي عن الإمام، ويحمل عليه، ويحتج به.
وثالثهم: ذو مصة يمص العلم من الحجة.
ورابعهم، وخامسهم، وسادسهم: دعاة وأبواب؛ أكبرهم رافع يرفع درجات المؤمنين.
أوسطهم مأذون بأخذ العهد على الظالمين من أهل الظّاهر فيدخلهم في ذمة الإمام، ويفتح لهم باب العلم والمعرفة.
وأصغرهم مكلب لم يؤذن له في الدّعوة، بل في الاحتجاج على النَّاس، يحتج على من وجده من أهل الظّاهر حتّى يكسر عليه مذهبه بحيث يرغب عنه، ويطلب الحق من المكلب، فيدلُّه على الداعي المأذون، فيأخذ العهد عليه بشهود ككلب الصَّيد.
وسابعهم: مؤمن آمن، ودخل في عهد الإمام (١).
قالوا: والنقباء تدور أحكامهم على اثني عشر.
قالوا: ومن ثمّ قررت الإمامية القطعية عدد أئمتهم اثني عشر، وإنما هي عدة النقباء.
ومن مذهبهم: أن من مات ولم يعرف إمام عصره وزمانه، أو مات ولم يكن له في عنقه بيعة إمام معصوم مات ميتة جاهلية.
قال العضد في "مواقفه": وأصل دعوتهم على إبطال الشرائع مع الغيارية من المجوس، راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على
стр. 5019
وجه يعود على قواعد أسلافهم.
ورأسهم: حمدان قرمط.
وقيل: عبد الله بن ميمون القداح.
ولهم في الدعوى مراتب:
- الذوق: وهو تفرس حال المدعو هل هو قابل للدعوة أم لا، ولذلك منعوا البذر في السبخة؛ أي: دعوة من ليس قائلًا لها، والتكلم في بيت فيه سراج، أو رقعة، أو متكلم.
-[ثم التأنيس باستمالة كلّ أحد بما يميل إليه من زهد وخلاعة] (١).
- ثمّ التشكيك في أركان الشّريعة بمقطعات السور كَـ: ﴿الم﴾، و ﴿حم﴾، وقضاء صوم الحائض دون صلاتها، والغسل من المني دون البول، وعدد الركعات ليتعلّق قلبه بمراجعتهم فيها.
- ثمّ الربط: أخذ الميثاق منه يجب اعتقاده أن لا يفشي لهم سرًا، وجوابه على الإمام في كلّ ما يشكل عليه.
- ثمّ التدليس: وهو دعوى موافقة أكابر الدِّين والدنيا لهم حتّى يزداد ميله.
- ثمّ التأسيس: وهو تمهيد مقدمات يقبلها المدعو.
стр. 5020
- ثمّ السلخ عن الاعتقادات: وحينئذ يأخذون في الإباحة، والحث على استعجال اللذات، وتأويل الشرائع (١).
فقولهم: الوضوء عبارة عن موالاة الإمام.
والتيمُّم: الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام.
والصلاة: عبارة عن الباطن الّذي هو الرسول بدليل أن الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
والغسل: تجديد العهد.
والزكاة: تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه إلى غير ذلك من قبائح تأويلاتهم الفاسدة؛ قبحهم الله تعالى.
- ومن عقائدهم الفاسدة: أن البارئ - تعالى عن قولهم - لا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، وكذلك في جميع الصفات؛ قالوا: لأنّ الإثبات الحقيقي يقتضي الشركة بينه وبين سائر الموجودات، وذلك تشبيه.
وزعموا أن معنى أنّه عالم قادر: واهب العلم والقدرة، لا قام به العلم والقدرة.
وربما خلطوا كلامهم بالفلسفة فقالوا: إنَّ البارئ - تعالى - أبدع بالأمر العقل التام، وبمتوسطه أبدع النفس الّتي ليست تامة، فاشتاقت النفس إلى العقل التام مستفيضة منه، فاحتاجت إلى الحركة من النقصان
стр. 5021
إلى كمال، ولن تتم الحركة إِلَّا بآلتها، فحدثت الأجرام الفلكية، وتحركت بحركة دورية بتدبير النفس، فحدث بتوسطه الطبائع البسيطة العنصرية، وبتوسط البسائط حدثت المركبات من المعادن، والنباتات، والحيوانات، وأفضلها الإنسان لاستعداده لفيض الأنوار القدسية عليه، واتصالها بالعالم العلّوي، وحيث كان العالم العلّوي مشتملًا على عقل كامل كلي ونفس ناقصة كلية يكون مصدرًا للكائنات، وجب أن يكون في العالم السفلي عقل كامل يكون وسيلة إلى النجاة، وهو الرسول الناطق، ونفس ناطقة نسبتها إلى الباطن في تعريف طرق النجاة، نسبة النفس الأولى إلى العقل الأوّل، وهو الإمام الّذي هو وصي الناطق، وكما أن تحرك الأفلاك بتحرك العقل والنفس، كذلك تتحرك النفوس إلى النجاة بتحريك الناطق والوصي، وتدور الحركات في كلّ زمان دائر على سبعة سبعة حتّى ينتهي الدور إلى الآخر، وهو دور المهدي، ويدخل زمان القيامة، ويرتفع التكليف.
ثمّ قالوا: ما من فريضة، ولا حكم من أحكام الشّريعة إِلَّا وله وزان من العالم عددًا في مقابلة عدد، وحكما في مطابقة حكم؛ فإن الشرائع عوالم روحانية أمرية، والعوالم شرائع جسمانية خلقية، وكذلك التركيبات في الحروف والكلمات على وزان تركيبات الصور والأجسام.
وهذه المقالات كانت طرائق قدمائهم وأسلافهم، ولما ظهر الحسن ابن الصباح أظهر دعوته، وقصر على إلزامات دعوته، واستظهر بالرجال، وتحصن بالقلاع، وكثرت شوكتهم، وخافت ملوك السوء منهم.
стр. 5022
وحاصل كلامه في تقرير الاحتياج إلى العلم، ثمّ إنّه منع العوام عن الخوض في العلوم، والخواص عن مطالعة الكتب المتقدمة لئلا يطلعوا على فضائحهم، ثمّ إنهم تفلسفوا ولم يزالوا مستهزئين بالأمور الدينية والأحكام الشرعية حتّى أظهروا إسقاط التكليف، وأباحوا المحرمات، وصاروا كالحيوانات العجماوات بلا ضابط ديني، ولا وازع شرعي؛ نعوذ بالله من الضلالة والجهالة، ونسأله الصيانة في كلّ حال (١).
* تَنْبِيهٌ:
من قبائح الرافضة في التّأويل ما نقله ابن قتيبة من قولهم في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]: إنَّ سليمان عبارة عن الإمام، ورث عن النّبيّ ﷺ .
وقولهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: إنها عائشة رضي الله تعالى عنها.
وفي قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ [البقرة: ٧٣]: إنّه طلحة، والزبير رضي الله تعالى عنهما.
وقولهم في الخّمْرِ والميسر: إنهما أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
والجبت والطاغوت: إنهما معاوية، وعمرو بن العاص ﵄ (٢).
стр. 5023
في عجائب يُرغب عن ذكرها، ويرغب العاقل عن سمعها، ولا شك أن من هذا اعتقاده فهو كافر.
وروى اللالكائي عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أن عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت عند رجل فسبها، فقيل: أتسب أمك.
قال: ما هي أمي.
فبلغها فقالت: صدق؛ أنا أم المؤمنين، وأمّا الكافرون فلست لهم بأم (١).
ولما اطلع جماعة من السلف الصالح على قبائح الروافض الّتي تؤذن بالانحلال عن الدِّين كفروهم، ومنهم من جعلهم شرًا من اليهود والنصارى كما روي عن الشّعبيّ، وقد ذكر منه كلامه في: التشبه بأهل الكتابين.
وقال أحمد بن يونس: إنا لا نأكل ذبيحة رجل رافضي؛ كأنّه عنده مرتد (٢).
وقال محمّد بن يوسف الفريابي: ما أرى الرافضة والجهمية إِلَّا زنادقة (٣).
стр. 5024
ولقد أخرج التشيع والغلو فيه كثيرًا من الروافض عن حيز العقل، وأدخلهم في عداد أهل الحماقة والجهل كما يدلُّ على ذلك تأويلاتهم المشار إليها آنفًا.
ومن ذلك ما ذكره الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن أبي الحسين بن المظفر الحافظ، عن القاسم بن زكريا المطرز قال: وردت الكوفة نكتب عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب - وكان عباد شيعيًا - فلما فرغت دخلت إليه، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟
قلت له: الله خلق البحر.
قال: هو كذلك، ولكن من حفره؟
فقلت: يذكر الشّيخ.
فقال: حفره علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
ثمّ قال: من أجراه؟
قلت له: مجري الأنهار ومنبع العيون.
فقال: هو كذلك، ولكن من أجرى البحر؟
فقلت: يفيدني الشّيخ.
فقال: أجراه الحسين بن علي ﵁.
- قال: وكان عباد مكفوفًا، ورأيت في داره سيفًا معلقًا وحجفة - فقلت: أيها الشّيخ! لمن هذا السيف؟
стр. 5025
فقال: لي، أعددته لأقاتل به مع المهدي.
قال: فلما فرغت من سماع ما أردت أن أسمعه منه، وعزمت على الخروج عن البلد، دخلت عليه، فسألني من حفر البحر، فقلت: حفره معاوية، وأجراه عمرو بن العاص، ثمّ وليت من بين يديه، وجعلت أمشي، وجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه (١).
ومما زعمه الروافض، ووافقهم عليه بعض سخفاء العقول ما أنكره ابن قتيبة، وغيره من أئمة الحديث قديمًا وحديثًا، ومن متأخريهم شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر العسقلاني ما ادعته طوائف منهم أنّهم يعلمون بعض المغيبات والأمور الباطنة ممّا وقع إليهم من الجفر المنسوب إلى سيدنا علي رضي الله تعالى عنه، وهو جلد جفر ادعوا أن عليًا رضي الله تعالى عنه كتب فيه كلّ ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، وقد ذكر هذا الجفر هارون بن سعد العجلي، وهو رأس الزيدية، فقال: [من الطويل]
ألمْ تَرَ أَنَّ الرَّافِضِينَ تَفَرَّقُوا ... وَكُلُّهُمُ فِي جَعْفَرٍ قالَ مُنْكَرا
فَطائِفَةٌ قالُوا: إِمامٌ، وَمِنْهُمُ ... طَوائِفُ سَمَّتْهُ النَّبِيَّ الْمُطَهَّرا
وَمِنْ عَجَبٍ لَمْ أَقْضِهِ جِلْدُ جَفْرِهِمْ ... بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَنِ مِمَّنْ تَجَعْفَرا
بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَن مِنْ كُلِّ رافِضٍ ... بَصِير بِبابِ الْكُفْرِ فِي الدِّينِ أَعْوَرا
стр. 5026
إِذا كَفَّ أَهْلُ الْحَقِّ عَنْ بِدْعَةٍ مَضَى ... عَلَيْها وَإِنْ يَمْضُوا عَلى الْحَقِّ قَصَّرا
وَلَوْ قالَ إِنَّ الفيلَ ضَبٌّ لَصَدَّقُوا ... وَلَوْ قالَ زُنْجِيٌّ تَحَوَّلَ أَحْمَرا
وَأَخْلَفُ مِنْ بَوْلِ الْبَعِيرِ فَإِنَّهُ ... إِذا هُوَ للإقْبالِ وُجِّهَ أَدْبَرا
فقبِّحَ أَقْوام رَمَوْهُ بِفِرْيَةٍ ... كَما قالَ فِي عِيسَى الفِرى مَنْ تَنَصَّرا (١)
ولم يكن حب الآل وموالاتهم [من] الرفض لولا هذه العظائم؛ فإن حب آل البيت رضي الله تعالى عنهم فرض واجب، كما أن حب الصّحابة رضي الله تعالى عنهم وقول الخير فيهم، والسكوت عما شَجَر بينهم كذلك.
ولقد كان الإمام الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه يوالي آل البيت، ويثني عليهم حتّى نسبته الخوارج إلى الرفض، وله فيهم ﵁ وعنهم: [من مجزوء الكامل]
آلُ النَّبِيِّ ذَرِيعَتِي ... وَهُمُ إِلَيْهِ وَسِيلَتِي
أَرْجُو بِهِمْ أُعْطَى غَدًا ... بِيَدِي الْيَمِينِ صَحِيفَتِي
وقال ابن أبي حاتم: أنشدنا المزني قال: سمعت الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه ينشد: [من الطويل]
إِذا نَحْنُ فَضَّلْنا عَلِيًّا فَإِنَّنَا ... رَوافِضُ بِالتَّفْضِيلِ عِنْدَ ذَوِي
стр. 5027
وَفَضْلُ أَبِي بَكْرٍ إِذا ما ذَكَرْتُهُ ... رُمِيتُ بِنَصْبٍ عِنْدَ ذِكْرِي
فَلا زِلْتُ وَالرَّفْضُ وَنصبٌ كِلاهُما ... بِحُبِّهِما حَتَى أُوَسَّدَ فِي الرَّمْلِ (١)
أخبرنا شيخ الإسلام والدي: أن شيخي الإسلام أبا يحيى زكريا الأنصاري، وأبا إسحاق إبراهيم القلقشندي قالا: أنا العز عبد الرحيم ابن الفرات الحنفي، أنا قاضي القضاة تاج الدِّين عبد الوهّاب بن قاضي القضاة تقي الدِّين علي بن عبد الكافي السبكي، أنا أبي، أنا أحمد بن محمّد بن الحسن بن سالم الصواف بدمشق، أنا أبو الحسن علي بن الحسن بن محمّد بن عبد الصمد السخاوي، أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمّد السلفي، أنا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين الموازيني، عن القاضي أبي عبد الله محمّد بن سلامة بن جعفر القضاعي المصري كتابةً قال: قرأت على أبي عبد الرّحمن محمّد بن أحمد بن إسحاق الحلبي، قال: حدثني جدي محمّد وأحمد، قالا: سمعنا جعفر بن أحمد بن الرواس بدمشق، سمعت الربيع بن سليمان يقول: خرجنا مع الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه من مكّة يريد مِنَى، فلم ينزل واديًا، ولم يصعد شِعْبًا إِلَّا وهو يقول: [من الكامل]
يا راكِبًا قِفْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى ... وَاهْتفْ بِقاعِدِ خِيْفِها وَالنَّاهِضِ
سَحَرًا إِذا فاضَ الْحَجِيجُ إِلَى ... فَيْضًا كَمْلُتَطَمِ الفُراتِ العارِضِ
стр. 5028
إِنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أَنِّي رافِضِي (١)
وروى أبو نعيم عن مجاهد قال: شيعة علي ﵁: الحكماء العلماء، الذُّبل الشفاه، الأخيار، الذين يعرفون بالرهبانية من أثر العبادة (٢).
وعن علي ﵁ قال: " إنَّ ابنَي فاطمةَ ﵁ اشترك فيه البرّ والفاجر، وإني كتب إلي وعهد إلي أني لا يحبك إِلَّا مؤمن، ولا يبغضك إِلَّا منافق (٣).
والمراد بحبه أن لا يبلغ التلف والغلو.
وروى ابن عساكر عنه: أن رسول الله ﷺ قال له: "يا عَلِيُّ! إِنَّ الإِسْلامَ عُريانٌ، لِباسُهُ التَّقْوى، وَرِياشُهُ الْهُدى، وَزِينَتُهُ الْحَياءُ، وَعِمادُهُ الوَرَعُ، وَمِلاكُهُ العَمَلُ الصَّالِحُ، وَأَساسُ الإِسْلامِ حُبِّي وَحُبُّ آلِ بَيْتِي" (٤).
وروى أبو نعيم في "فضائل الصّحابة" رضي الله تعالى عنهم، عن علي رضي الله تعالى عنه، وابن عساكر عنه، وعن حذيفة ﵁: أن
стр. 5029
النّبيّ ﷺ قال لعلّي ﵁: "يا عَلِىُّ! إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَتَّخِذَ أَبا بَكْرٍ والِدًا، وَعُمَرَ مُشِيرًا، وَعُثْمانَ سَنَدًا، وَأَنْتَ يا عَلِيُّ ظَهْرًا، فَأَنْتُمْ أَرْبَعَة قَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَكُمْ فِي أُمِّ الْكِتابِ، لا يُحِبُّكُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُكُمْ إِلَّا فاجِرٌ، خَلائِفُ نُبُوَّتي، وَعَقْدُ ذِمَّتِي، وَحُجَّتِي عَلَى أُمَّتِي؛ لا تَقاطَعوا، وَلا تَدابَروا، وَتَغافَروا" (١).
وروى اللالكائي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن اللهَ تَعالَى اخْتارَ أَصْحابِيَ عَلى جَمِيعِ الْعالَمِينَ سِوى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَاخْتارَ لِي مِنْ أَصْحابِيَ أَرْبَعَةً؛ أَبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمانَ، وَعَلِيًّا، فَهَؤُلاءِ خَيْرُ أَصْحابِي، وَأَصْحابِي كُلُّهُمْ خَيْرٌ، وَاخْتارَ أُمَّتِي عَلى سائِرِ الأُمَمِ" (٢).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَجْتَمعُ حُبُّ هَؤُلاءِ الأَرْبَعَةِ إِلَّا فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمانَ، وَعَلِيٍّ ﵁" (٣).
стр. 5030
وعن أيوب السختياني رضي الله تعالى عنه قال: من أحب أبا بكر الصديق فقد أقام الدِّين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علي بن أبي طالب فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب محمّد ﷺ فقد برئ من النفاق (١).
* * *
стр. 5031
فَصْلٌ
حيث ذكرنا لك هنا اعتقادات الفرق الهالكة لتكون حَذورًا من التشبه بهم في تلك الاعتقادات الفاسدة، فينبغي أن نذكر هنا عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة من السلف والخلف، وهم الفرقة الناجية، منهم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري رحمهم الله تعالى، وحشرنا في زمرتهم لتكون حريصًا على التشبه بهم في ذلك إمّا بطريق الاستدلال بالأدلة القاطعة إنَّ كنت من أهله، وإما بالاعتقاد الجازم الّذي لا يتداخله شك.
فنعتقد أن الله تعالى واجب الوجود، وقديم أزلي، لا ابتداء له، باقٍ أبديٌّ لا انتهاء له، وهو واحد لا ينقسم ولا يشبه بوجه، لا تشبه ذاته الذوات، ولا صفاته الصفات، ليس بجوهر، ولا جسم، ولا عرض لأنّها حوادث، وهو منزه عن الحدوث، والمكان، والزمان، وليس هو كغيره محلًّا للحوادث، ولا يحل في شيء، ولا هو في حيز ولا جهة، ولا تصح عليه الحركة والانتقال، ولا الجهل ولا الكذب، ولا شيء من صفات النقص، ولم يزل سبحانه موجودًا بأسمائه وصفات ذاته.
стр. 5032
وهي: الحياة، والعلّم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام.
فهو حي، عليم، مريد، قدير، سميع، بصير، متكلم.
وهي صفات أزلية قائمة بذاته سبحانه.
وما ورد في الكتاب والسُّنَّة من مشكلات الصفات كالوجه، والعين، والطرف، والنظر، واليد، والروح، والنفس، والاستواء، والنزول نثبته؛ أي: نعتقد أنّه ثابت كما هو، ونؤمن به بما يظهر لنا من معناه، وما أشكل علينا واشتبه فوَّضنا علمه إلى الله تعالى كما هو مذهب السلف مع التنزيه له سبحانه عن ظاهره، وجهلُنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد منه مجملًا.
أو أولناه بما يليق بجلال الله تعالى كما هو مذهب الخلف.
قال الجد الرضي الغزي رحمه الله تعالى: والتسليم أسلم، والتأويل أحكم (١).
стр. 5033
والقرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق، وهو محفوظ في صدورنا، مكتوب في مصاحفنا، مقروء بألسنتنا.
والله خلق العباد وأعمالهم، وهو غني عن العالمين، ولا خالق غيره.
والقدر منه خيره وشره، وكل شيء بقضاء وقدر حتّى العجز والكَيْس.
خلق هذا العالم البديع من غير حاجة منه إليه.
ولا يجب على الله تعالى شيء، بل هو فعال لما يريد، فإن أثاب الطائعين فمن فضله، وإن عاقب العاصين فبعدله إِلَّا أن يغفر بفضله ما دون الشرك ممّا يشاء من العباد، وله أن يثيب العاصي، ويعاقب المطيع، ويؤلم الطفل والدابة لأنّه لا يسأل عما يفعل (١)، ويستحيل وصفه بالظلم، والسعيد سعيد الأزل، والشقي شقي الأزل.
وقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]؛ أي: في اللوح المحفوظ.
﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]؛ أي: أصله الّذي لا يغير منه شيء، كما قال ابن عبّاس، وغيره (٢).
стр. 5034
والرضا والمحبة غير الإرادة والمشيئة، فهو الهادي والمضل حقيقة، لا يكون في ملكه إِلَّا ما يشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يجب لهم العصمة والتوفيق.
خلق قدره الطّاعة في العبد، وضده الخذلان، خلق قدره المعصية في العبد، ثمّ للعبد ما كسب وعليه ما اكتسب، ولا حجة على الله تعالى، ولله الحجة البالغة.
والختم والطبع والأكنة والران المذكورة في القرآن كلها بمعنى خلق الضلالة في القلب.
أرسل الله رسله إلى خلقه مؤيدًا لهم بالمعجزات، وخص محمدًا ﷺ منهم بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وينزل عيسى ﵇ في آخر الزّمان مقررًا لشريعته.
وأفضل المرسلين محمّد ﷺ ، ثمّ إبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى عليهم الصّلاة والسلام.
وهؤلاء هم أولوا العزم على الأصح.
وقيل: كلهم، وتقدم الكلام على ذلك.
ثمّ أفضل الخلق بعد هؤلاء بقية الرسل، ثمّ بقية الأنبياء، ثمّ خواص الملائكة، ثمّ البشر.
وأفضل البشر بعد الأنبياء ﵈ أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، فبقية العشرة، فبقية أهل بدر، فبقية أهل بيعة الرضوان رضي الله تعالى عنهم.
стр. 5035
والإيمان: التصديق بالقلب بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، واليوم الآخر.
والتلفظ بالشهادتين؛ قيل: شرط للإيمان، وعليه إمام الحرمين، والغزالي، وغيرهم.
وقيل: شطر منه، وعليه الجمهور.
ولا يستكمل العبد الإيمان إِلَّا بالأعمال الصالحة الّتي هي شعب الإيمان، وهو معنى قول السلف: الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية (١).
ولا يذهب الفسق الإيمان، بل من مات مصدقًا بقلبه وهو فاسق بما دون الشرك مات مؤمنًا، وهو تحت المشيئة؛ إن شاء الله عاقبه، وإن شاء عفا عنه، ولا يخلد في النّار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
ونؤمن؛ أي: نصدق بالبعث بعد الموت، والإعادة للروح والجسد، وعذاب القبر ونعيمه، وسؤال الملكين، والحشر، والقيام لرب العالمين، والشفاعة، والحوض، والرؤية، والصراط، والميزان، والحساب، والجنة والنار، وأنّهما مخلوقتان موجودتان الآن، ونؤمن أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وفي الجنَّة، ويحجب الكفار عن رؤيته كما جاء بذلك الكتاب والسُّنَّة.
стр. 5036
ونصب الإمام واجب على النَّاس لسد الثغور، وتجهيز الجيوش، وقهر المتغلبة والمتلصصة -ولو كان المنصوب مفضولًا- فإن نصبه يكفي في الخروج من عهدة هذا الواجب، ولا يجوز الخروج عليه وإن جارٍ.
والصحابة ﵃ كلهم عدول أخيار، وما شجر بينهم نسكت عنه، ونرى أن الكل مأجورون، وكان علي رضي الله تعالى عنه على الصواب فله أجران.
وأول الخلفاء الراشدين أبو بكر رضي الله تعالى عنه، والخلفاء على ترتبيهم في الفضيلة رضي الله تعالى عنهم، ولم يثبت عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قبل الإسلام حالة كفر، بل كان ملحوظا بالرضا والتوفيق.
وروى ابن عساكر عن أبي العالية الرياحي قال: قيل لأبي بكر الصديق ﵁ في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ : هل شربت الخَمْرِ في الجاهلية؟
فقال: أعوذ بالله! فقيل: ولم؟ قال: كنت أحفظ مروءتي، وأصون عرضي؛ فإن من شرب الخَمْرِ كان مضيعًا لعرضه ومروءته.
قال: فبلغ رسول الله ﷺ فقال: "صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ" مرتين (١).
وعائشة رضي الله تعالى عنها بريئة في كلّ ما وقع فيه أصحاب
стр. 5037
الإفك، برَّأها الله تعالى، ومن قذفها بعد تبرئته إياها فهو كافر، ومن أنكر صحبة أبيها فهو كافر، والنبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم.
وأئمة المذاهب الأربعة أبو حنيفة، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد، وسائر أئمة المسلمين [ ... ] (١) رضي الله تعالى عنهم كالسفيانين، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري -دون أئمة المبتدعة- على هدى من ربهم في العقائد وغيرها، ولا التفات إلى من تكلم فيهم بما هم بريئون منه، واختلافهم في الفروع رحمة، وهم مثابون على اجتهادهم.
وأبو الحسن الأشعري إمام في السُّنَّة، مقدم في الطريق في الاعتقاد على غيره.
وأبو القاسم الجنيد، وأمثاله من الصوفية كأبي الحسن الثّوريّ، وأبي محمّد الحريري، وابن عطاء، وسائر رجال "الرسالة" لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، و"الحلية" لأبي نعيم الأصبهاني، ومن كان على طريقتهم من المتأخرين كأبي عبد الرّحمن السلمي، وأبي على الدقاق، والقشيري، والغزالي، وأخيه، والسهروردي، والشيخ عبد القادر الجيلاني، وطبقة بعد طبقة إلى عصرنا كلهم على طريقة السداد، والعمل بالكتاب والسُّنَّة، والبراءة من البدعة، دون من انحرف عن هذه الطريقة.
стр. 5038
وفي طريقتهم ألفية جدي رضي الله تعالى عنه المسماة بِـ: "الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد"، وشرحها الّذي كتبته عليها، وسميته: "منبر التّوحيد"، وقد جمعت فيه بتوفيق الله متفرقات الطريق على وجه التحقيق؛ فعليك بالتشبه بهؤلاء كلهم، والعمل بطريقتهم، لعلّك تحشر معهم.
وأخبرنا والدي شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إجازةً عن القاضي زكريا، عن ابن الفرات، عن أبي حفص المراغي، وجماعة قالوا: أنا الفخر أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد عُرف بابن البخاري، عن أبي المكارم أحمد بن محمّد بن اللَّبَّان، وأبي الحسن مسعود بن محمّد بن أبي منصور الكمال قالا: أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، أنا الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ثنا محمّد بن عمر بن سالم، ثنا جعفر بن محمّد الفريابي، ثنا المسيَّب بن واضح، ثنا ابن إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي قال: كان يقال: خمس عليها أصحاب محمّد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السُّنَّة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله (١).
وبه إلى أبي نعيم: ثنا أبو جعفر محمّد بن عبد الله بن عروة قال: سمعت يوسف بن موسى القطان يحدث أن الأوزاعي قال: رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: يا عبد الرّحمن! أنت الّذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟
стр. 5039
فقلت: بفضلك يا رب.
فقال: تمن علي؟
فقلت: يا رب أمتني على الإسلام.
فقال: وعلى السُّنَّة (١).
وقال أبو القاسم الأصبهاني في "ترغيبه": أنا عبد الواحد بن إسماعيل الروياني في كتابه، أنا أبو محمّد الحباري قال: سمعت أبا محمّد الحسين بن علي سنة تسعين - بتقديم التاء - ومئتين يقول: علامة أهل السُّنَّة كثرة الصّلاة على رسول الله ﷺ .
- ومن اللطائف: ما رواه الدينوري عن الشّعبيّ رحمه الله تعالى قال: أحب أهل بيت نبيك ﷺ ولا تكن رافضيًا، واعمل بالقرآن ولا تكن حروريًا، واعلم أن ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ولا تكن قدريًا، وأطع الإمام ولو كان عبدًا حبشيًا (٢).
ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري في جزء جمع فيه كلام أبي علي الدقاق نقلًا عنه؛ قال: وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: نحن وأصحابنا قاصدون إلى الله تعالى، وأهل البدع راجعون عنه، وأهل الغفلة يدورون يَمْنة وَيسْرة، وقعوا في الوحل و [ ... ] (٣).
* * *
стр. 5040
المَقَامُ الثَّانِي فِي النَّهْي عَنِ التَّشَبُّهِ بغَيْرِ المُبْتَدِعَةِ مِن الفَسَقَةِ
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨، ١٩].
نهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه بالفاسقين إشارة إلى أن الإيمان لا يكمل إِلَّا بالتقوى، والتنزه عن الفسق.
وروي عن محمّد بن النضر الحارثي رحمه الله تعالى - مرسلًا - قال: قال رسول الله ﷺ : "الإِيْمانُ عَفِيفٌ عَنِ الْمَحارِمِ، عَفِيفٌ عَنِ الْمَطامعِ" (١).
قال سفيان في الآية: نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم.
وقال مقاتل: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾: تركوا أمره.
﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]: أن يعملوا خيرًا.
بل قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: نسوا الله عند
стр. 5041
الذنوب فأنساهم أنفسهم عند التوبة. نقل ذلك القرطبي، وغيره (١).
وقول سهل من أحسن التفاسير، ويدلُّ عليه قول تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، لأنّ الفسق لا يدوم مع التوبة.
والمعنى: إنَّ من نسي الله تعالى عند ارتكاب الذنب فلم يذكر عظمته، بل عصاه غير خائف منه، ولا مستحي من اطلاعه عليه، ولم يعقب معصيته ندمه عليها، فربما كان ذلك سببًا لمنعه عن التوبة، فيحق عليه اسم الفسق، بخلاف من أتبع الذنب بالندم والخوف والحزن؛ فإن حسنته تذهب سيئته، فلا يحق عليه اسم الفسق.
وروى الإمام أحمد، والنسائي، والطبراني، والبيهقي عن حذيفة ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: "اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بلُحُونِ العَرَبِ وَأَصْواتِها، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْكِتابَيْنِ، وَأَهْلِ الْفِسْقِ؛ فَإِنَّهُ سَيَجِيْءُ بَعْدِيَ قَومٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرآنِ تَرْجِيعَ الْغِناءِ وَالرَّهْبانِيَّةِ وَالنَّوْحِ، لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، مَفْتُونةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنهمْ" (٢).
هذا الحديث يدلُّ على النّهي عن التشبه بأهل الفسق في ظاهر أعمالهم -وإن لم يكن المتشبه بهم على مثل قلوبهم- فإن التشبه بهم في بعض الأعمال قد يفضي بالمتشبه إلى التشبه بهم في التوغل في
стр. 5042
الفسق، ونسيان عظمة الله تعالى عند المعصية، فإذًا التشبه بهم منهي على كلّ حال.
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨].
فالمتشبه بالفاسق متعرض لحرمان الهداية من الله تعالى، وأي مصيبة وراء هذه المصيبة؟ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
قوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ أي: خرج عنه فلم يمتثل أمره، ولم يطعه فيه، فالشيطان أول من فسق، وكل فاسق فالشيطان إمامه وقدوته.
وقال قطرب: في الكلام حذف، والتقدير: ففسق عن [رد] أمر ربه؛ أي: بسبب رده أمر الله تعالى (١).
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]، بعد أن علمتم بفسقه وفسق ذريته، والحال أنّهم أعداء لكم؟ فإذا كان الذم واقفًا على موالاة الفاسق فكيف بمتابعته في الفسق، وتشبهه به فيه؟
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، لم يقل: لهم،
стр. 5043
بل وضع الظّاهر موضع المضمر، ووصفهم بالظلم إشارة إلى تعليل ذمهم بالظلم، وهو موالاة الفاسق مع عداوته، وليس ذلك تركيبًا للعلّة، بل الفاسق لا ينبغي أن يوالى مع فسقه ولو كان صديقًا، فكيف يوالى وهو عدو؟
وروى ابن مردويه عن كثير بن عطية، عن رجل، عن النّبيّ ﷺ : أنّه قال: "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجرٍ وَلا فاسِقٍ عِنْدِيَ يَدًا وَلا نِعْمَةً، فَيَوَدَّهُ قَلْبِي" (١).
سأل ربه أن يجنبه نعمة الفاسق لئلا تؤدي به إلى أن يكون له في قلبه ميل إليه ومودة له؛ إذ القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها كما تقدّم في أول الكتاب، ثمّ الحب والمودة قد تؤدي إلى التشبه بالمودود.
وقال سفيان الثّوريّ رحمه الله تعالى: إنِّي لألقى الرَّجل أبغضه، فيقول لي: كيف أصبحت؟ فيلين له قلبي، فكيف ممّن أكل ثريدهم ووطئ بساطهم؟ رواه أبو نعيم (٢).
فيتعين على العبد تجنب الفاسقين، والتباعد عنهم بقدر الإمكان، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره (٣).
стр. 5044
ثمّ الفسق في اللُّغة: الخروج عن الشيء.
وحقيقته في الشّرع كما قال القاضي أبو الحسن الماوردي: فيمن يكون مسخوط الدِّين والطريقة لخروجه عن الاعتدال، ولذلك كانت العدالة مقابلة للفسق، والعَدْل مَنْ كان مرضي الدِّين والمروءة (١).
ويتحقق فسق العبد بارتكابه لكبيرة، أو إصراره على صغيرة، أو غلبة الصغائر عليه.
وهل الإخلال بالمروءة يخل بالعدالة أم لا يخل بها ولكنه يخل بقبول الشّهادة؟
قولان، وبالثّاني جزم القرطبي، والنووي في كتب الفقه.
وبالأول أخذ الأصوليون، وغيرهم، وهو الّذي جزم به القرطبي في "تفسيره" (٢).
وعليه: فالإخلال داخل في مسمى الفسق.
وقد اختلف أصحابنا في تعاطي ما يخل بالمروءة، هل يحرم أم لا؟ على ثلاثة أوجه، ثالثها: يحرم أن تحمل شهادته.
ولما كان كتابنا هذا موضوعه على التنزه من الرذائل كلها، ناسب أن ندخل في الفسق الإخلال بالمروءة ليكون ذلك داخلًا في النّهي عن
стр. 5045
التشبه بالفساق، وليكون الكتاب جامعًا للنهي عن كلّ ما ليس مستحسنًا في الشّرع.
على أن من يقول بإباحة تعاطي ما يخل بالمروءة لا يسعه أن يقول: إنّه غير مكروه، ولا خلاف الأولى، وهما داخلان في قسم المنهي عنه، على أن النّبيّ ﷺ نهى عن التشبه بمرتكبهما، وذلك فيما رواه الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانِ؛ كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيامَ اللَّيْلِ" (١).
وذكر الغزالي في "الإحياء": أن المباح يصير بالمواظبة عليه صغيرةً؛ كالشطرنج، والترنم بالغناء على الدوام (٢).
وأراد بالمباح بعض أقسامه، وهو المكروه وخلاف الأولى بدليل التمثيل، ولأن من المباح ما لا يتأتى فيه ما ذكر قطعًا كالأكل، والنكاح.
فإذًا لتشبه بالفساق يحصل بأحد ثلاثة أمور:
الأول: ارتكاب كبيرة.
الثّاني: الإصرار على صغيرة، أو غلبة الصغائر.