← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

ويروى نحو هذا عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه. وقال الخرائطي: وكان يقال: آفة المروءة خُلْفُ الوعد (١). ويعجبني هنا ما ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن أبي الحسن علي بن أحمد البُوشَنْجي العالم الزاهد الصوفي رحمه الله تعالى: أنّه سئل عن المروءة فقال: ترك ما يكرهه الكرام الكاتبون. ونقل عنه أبو عبد الرّحمن السلمي في "طبقاته": أنّه سئل عن المروءة فقال: ترك استعمال ما هو محرم عليكم مع الكرام الكاتبين. قال: وسئل مرّة أخرى: ما المروءة؟ فقال: حسن السر (٢). وروى أبو نعيم عن عبد الواحد بن زيد رحمه الله تعالى قال: جالسوا أهل الدِّين، فإن لم تجدوهم فجالسوا أهل المروءات؛ فإنهم لا يَرْفُثُون في مجالسهم (٣). وأراد بذلك بعض أنواع المروءة؛ فإن كمالها يرجع إلى استكمال الدِّين. ونقل الطرطوشي في "سراج الملوك" عن بزرجمهر قال: لم أر ظهيرًا على ثقل الدولة كالصبر، ولا مُذِلًا للحسَّاد كالتجمُّل،

стр. 5077

ولا مكسبة للإجلال كتوقي المزاح، ولا مَجْلبة للمَقْت كالعُجْب، ولا مَتلفة للمروءة كاستعمال الهَزَل في موضع الجد (١). فمن الأمور المخلة بالمروءة: - الأكل في السوق، لنفس السوق، ومَن عادته أن يأكل حيث يجد لترك التكلف، وكذلك الشرب إذا اشتد عطشه. - والمشي مكشوف الرّأس إذا كان ممّن لا يليق به مثل ذلك. - والتعري من الثِّياب في بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم كالشام دون الحجاز ونحوه. - ولبس الفقيه القباء والقَلَنْسُوة حيث لا يعتاده الفقهاء. - وتقبيل الزوجة، أو الأُمَّة بحضرة النَّاس؛ ولو نسوة محارم. - ونزع السراويل حيث يلبس أهل الصيانة سراويلهم. - وإكثار الحكايات المضحكة ما لم تشتمل على كذب أو سُخْرية بمسلم، أو غيبة فتحرُم. - والتجاوز في الدعابة عن حُسن العشرة مع الأهل والجيران إلى حد السُّخْف والمُجون. - ومد الرِّجل بين النَّاس إِلَّا لمرض ونحوه. - ولبس التاجر ثوب الحمَّال ونحوه.

стр. 5078

- وتعمُّم الحمَّال والقصاب ونحوهما بعمامة الفقهاء والقضاة. - ولبسه الطَّيلُسان وطوافه في الأسواق راكبًا على بغلة ثمينة ونحوها، فيصير ضحكة للناس، فإن قصد بلباس زي السخرية منهم حَرُم، وقيل: كفر. - ولباس الفقيه ونحوه لباس الأجناد، أو لباس الذعار. - وتبذُّل الرَّجل المعتبر بنقل الماء والأطعمة إلى بيته شُحًّا وبخلًا، لا إذا فعله استكانة، وتواضعًا، واقتداءً بالسلف في ترك التكلف. - واتخاذ الرَّجل للدبوقة (١)، وإرسالها بين الكتفين كالمرأة، أو على الناصية ومقدم الرّأس في الحمام ونحوه كما نصّ عليه الأذرعي، وهو ظاهر. - ونتف اللحية. - والحرفة الدَّنِيَّة كالحجامة، وكنس الأخلية ما لم يكن معتادًا لها، فقيل: ما لم تكن حرفة أبيه. ومدار هذا الباب على العرف؛ فيختلف باختلاف الحال، والمقام، والزمان، والمكان. - وأمّا المروءة الّتي لا تشترط في العدالة، بل هي أعم من العدالة، وهي أخلاق شريفة، وكمالات مرضية كالإحسان والإفضال، والعفو، والاحتمال، فقد اختلفت أقوال النَّاس فيها، وذكر النّبيّ ﷺ

стр. 5079

بعض أفرادها فيما رواه ابن عساكر عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ الرِّبْحُ عَلى الإِخْوانِ" (١). وروى أبو نعيم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لرجل من ثقيف: "ما الْمُرُوءَةُ فِيْكُمْ يا أَخا ثَقِيفٍ؟ " قال: الإنصاف والإصلاح. قال: "وَكَذَلِكَ فِينا" (٢). وقال الخرائطي: سمعت أبا موسى عمران بن موسى يقول: بلغني أن سفيان الثّوريّ رحمه الله تعالى سئل عن المروءة ما هي؟ قال: الإنصاف من نفسك والفضل؛ ألم تسمع الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]؟ وهو التفضل (٣). ولا يتم الأمر إِلَّا بهما؛ ألَّا تراه لو أعطى جميع ما يملك، ولم يُنصف من نفسه، لم يكن له مروءة لأنّه لا يريد أن يعطيَ شيئًا إِلَّا يأخذ من صاحبه مثله؟ وليس هذا مروءة. وروى ابن النجار عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:

стр. 5080

أنّه مر بقومٍ يتحدثون، فقال: فيم أنتم؟ قالوا: نتذكر المروءة. فقال: أوَ مَا كفاكم الله ذلك في كتابه إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]؟ فما بعد هذا (١)؟ وروى أبو نعيم عن المزني قال: سمعت الشّافعيّ رحمه الله تعالى يقول: العلم مروءة من لا مروءة له (٢). وروى الدينوري في "المجالسة" عن إبراهيم النخعي رضي الله تعالى عنه قال: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق. قال: ويقال: سرعة المشي تُذهب ببهاء المؤمّن (٣). وعن محمّد بن عمار قال: ما شيء أشد من حمل المروءة. قيل له: وأي شيء هي المروءة؟ قال: أن لا تعمل شيئًا في السر تستحيي منه في العلانيّة (٤). وعن الأصمعي رحمه الله تعالى قال: ثلاثة يُحكم لهم بالمروءة

стр. 5081

حتّى يتكلموا: رجل رأيته راكبًا، أو شممت منه رائحة طيبة، أو سمعته يعرب. قال: وثلاثة يحكم لهم بالدناءة حتّى يعرفوا: رجل يتكلم بالفارسية في مِصْرٍ عربي - قلت: وفي معنى الفارسية: التركية، ونحوها - قال: أو رجل رأيته على طريق ينازع في القدر، ورجل شممتَ منه رائحة [نبيذ] (١). وأنشد: [من البسيط] نَوْمُ الغَداةِ وَشُرْبٌ بِالْعَشِيَّاتِ ... مُوَكَّلانِ بِهَدْمٍ لِلْمُرُوءاتِ (٢) وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: قال محمّد بن نصر الحارثي رحمه الله تعالى: أول المروءة طلاقة الوجه. والثّاني: التودد إلى النَّاس. والثّالث: قضاء الحوائج. ومن فاته حَسَبُ نفسه لم ينفعه حسب أبيه؛ يعني: الدِّين (٣). وعن المدائني قال: قال معاوية للحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم: ما المروءة يا أبا محمّد؟ فقال: فقه الرَّجل في دينه، وإصلاح معيشته، وحسن مخالقته.

стр. 5082

قال: فما النجدة؟ قال: الذب عن الجار، والإقدام على الكريهة، والصبر على النائبة. قال: فما الجود؟ قال: التبرع بالمعروف، والإعطاء قبل السؤال، والإطعام في المحل (١). وعن الزِّيادي قال: سئل بعض الحكماء عن المروءة، فقال: إنصاف مَنْ هو دُونك، والسمو إلى من هو فوقك، والجزاء بما أوتي إليك من خير أو شر (٢). قلت: وهذا معنى قول النَّاس: مقابلة الفاسد بالفاسد من المروءة، وهذا مشروط بالسلامة من الإثم كأن تزيد على فاسده، أو تكون ممَّا لا يأذن الشّرع فيه، ثمّ العفو أولى وأحسن. وروى الدينوري عن مسلم بن قتيبة قال: قال بعض حكماء العرب: ما أعان على نظم مروءات الرجال كالنساء الصوالح (٣). قال مسلم: الدنيا: العافية، والشباب: الصِّحَّة، والمروءة: الصبر على الرجال، ولا خير في المعروف إذا أحصي.

стр. 5083

قال: ومن المروءة أيضًا: أن تصون ثوبي جمعتك، وتكثر تعاهد صبيتك، وتعرف المسجد بمحلتك (١). وروى الحاكم في "مناقب الشّافعيّ" عن البويطي عنه رحمهما الله تعالى أنّه قال: ليس من المروءة أن يخبر الرَّجل بسنه (٢). وروى أبو نعيم عن الزّهريُّ رحمه الله تعالى قال: ما أحدث النَّاس مروءة أعجب إليَّ من الفصاحة (٣). وروى ابن باكويه الشيرازي، ومن طريقه ابن الجوزي عن أحمد ابن الصلت قال: سمعت بشر بن الحارث يقول رحمه الله تعالى: ليس من المروءة أن تحب ما يبغض حبيبك (٤). قلت: أشار إلى أن من كان الله حبيبه، فمروءته أن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ولا يبغض ما أحب الله، ولا يحب ما أبغضه الله. وفيه معنى آخر: وهو أن من له صديق يعلم منه الصداقة والديانة والمحبة والصيانة، فليس من المروءة أن يصادق عدو صديقه.

стр. 5084

وروى الدينوري عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى: أنّه سئل عن المروءة، فقال: العفة والحرفة (١). قال المغيرة: المروءة العفة عما حرم الله، والحرفة فيما أحله (٢). وعليه يحمل كلام الأحنف. ويروى عن الأحنف أيضًا أنّه قال: المروءة صدق اللسان، ومواساة الإخوان، وذكر الله في كلّ مكان (٣). وروى السلمي في "طبقاته" عن عمرو بن عثمان المكي رحمه الله تعالى قال: المروءة: التغافل عن زلل الإخوان (٤). وروى الخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ يُنْصِتَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ إِذا حَدَّثَهُ، وَمِنْ حُسْنِ الْمُواساةِ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ إِذا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ" (٥). قلت: وكذلك إذا كان معه في سفر أو طريق، ووقعت دابته، أو عرض له أمر يقف معه ويساعده.

стр. 5085

وروى الدينوري عن الأصمعي، عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى: جنِّبوا مجالسنا ذكر النِّساء والطعام؛ فإني أبغض الرَّجل أن يكون وصَّافا لفرجه وبطنه، وإن من المروءة والديانة أن يترك الرَّجل الطّعام وهو يشتهيه (١). ومن أجمع ما قيل في المروءة ما حكي عن العتَّابي أنّه قيل له: ما المروءة؟ قال: ترك اللَّذَّة. قيل له: فما اللَّذَّة؟ قال: ترك المروءة (٢). وبيانه: أن المرء مهما استرسل فيما يستلذه لقضاء شهوته نقص بقدرها من نخوته، لأنّ الاسترسال في الشهوات يرق رداء الحياء، ويربي القِحة، وبذلك تذهب المروءة. ومن هنا قيل: "إِذا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ ما شِئْتَ"، وهو "مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى" كما في الحديث (٣). وروى ابن عساكر عن الزّهريُّ رحمه الله تعالى قال: ما طلب النَّاس شيئًا خيرًا من المروءة، ومن المروءة: ترك صحبة من لا خير

стр. 5086

فيه، ولا يستفاد منه عقل؛ فتركُه خير من كلامه (١). وروى الدينوري عن الحسن بن علي الخلال رحمه الله تعالى قال: قال بعض الحكماء: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صدأ الذنوب، ومجالسة ذوي المروءة تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تفتح ذكاء القلوب، ومن عرف تقلُّب الزّمان لم يركن إليه (٢). وروى أبو نعيم عن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى قال: قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: لا تكمل مروءة الرَّجل حتّى يسلم منه عدوُّه. قال بشر: كيف والآن لا يسلم منه صديقه (٣). وعن سفيان الثّوريّ رحمه الله تعالى قال: لقد أدركنا أقوامًا شُطَّارهم لمروآتهم أتقى (٤) من قُرَّاء هذا الزّمان (٥). قال في "القاموس": الشاطر: الّذي أعيا أهله خُبثًا (٦).

стр. 5087

وسئل عمرو بن العاص ﵁ عن المروءة فقال: تقوى الله، وصلة الرّحم (١). نصّ على صلة الرّحم - وإن كانت داخلة في التقوى - لأنّها كالأهل بالنسبة إلى سائر أنواع البر؛ لأنّ من قصَّر في حق أرحامه كان في حق غيرهم أشد تقصيرًا، ولأن القرابة داعية إلى حفظ الحقوق وحسن الصنيعة، فإذا لم تكن القرابة مؤثرة ذلك فغيرها لا يؤثره. وروى ابن عساكر عن ربيعة بن عبد الرّحمن رحمه الله تعالى أنّه قال: للسفر مروءة، وللحضر مروءة. فأمّا مروءة السَّفر: فبذل الزَّاد، وقلَّة الخلاف على أصحابك، وكثرة المزح في غير ما يسخط الله تعالى. وأمّا مروءة الحضر: فإدمان الاختلاف إلى المساجد، وكثرة الإخوان، وقراءة القرآن (٢). واعلم أن المروءة إمّا أن تكون ثمرتها راجعة إلى نفس المرء، وإما إلى غيره. أمّا المروءة الّتي تعود ثمرتها إلى نفس المرء فهي: العفة عن المحارم، وهي ضبط الفرج، وكف اللسان عن المآثم، والكف عن

стр. 5088

التجاهر بالظلم، والتنزه عن الاستمرار بالخيانة، والنزاهة عن المطامع الذميمة، ومواقف الرِّيبة، وصيانة النفس عن حمل المِنَن، والاسترسال، والاستعانة بالتماس الكفاية، وتقدير المادة. وأمّا المروءة الّتي تعود ثمرتها على غير المرء فهي: إسعاف الأهل والإخوان والجيران وغيرهم في النوائب، والعفو عن الزلات، وعن بعض الحقوق المالية -ولو بالتخفيف والإنظار- والحقوق الأحوالية كالرضا بالدون من المجلس، وطرح المنازعة في الرتب، والتقدم في المحافل، والمسامحة في المعاملات، والإفضال جودًا على شكور، أو تآلفًا لنفور، أو استكفافًا ودفاعًا عن العرض. فمن أتى بذلك كله فهو المرء الكامل المروءة كما يؤخذ من كلام القاضي الماوردي في كتاب "أدب الدِّين والدنيا" (١). * تَتِمَّةٌ: روى الدينوري عن المدائني قال: قال عمر ﵁: ما وجدت لئيمًا قط إِلَّا وجدته رقيق المروءة (٢). ويناسب هذا ما يحرم على الألسنة من المدح بكمال المروءة، والذم بنقصانها. ونقل ابن عبد ربه في "عقده" عن الأحنف بن قيس أنه قال:

стр. 5089

لا مروءة لكذوب، ولا سؤدد لبخيل، ولا ورع لسيء الخلق (١). وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه أنّه قال: المروءة مروءتان؛ مروءة ظاهرة، ومروعة باطنة؛ فالمروءة الظاهرة الرياش، والمروعة الباطنة العفاف (٢). وعن العتبي، عن أبيه قال: لا تتم مروءة الرَّجل إِلَّا بخمس: أن يكون عالمًا، عاقلًا، صادقًا، ذا بيان، مستغنيًا عن النَّاس (٣). وذكر حجة الإسلام في "الإحياء" عن لقمان ﵇ أنّه قال لابنه: يا بني! استغن بالكسب الحلال عن الفقر؛ فإنّه ما افتقر أحد قط إِلَّا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب في مروءته؛ وأعظم من هذا استخفاف النَّاس به (٤). وروى أبو نعيم عن الحارث قال: سأل علي ابنه الحسن رضي الله تعالى عنهما عن أشياء من المروءة، فقال: يا بني! ما السَّداد؟ قال: يا أبه! دفع المنكر بالمعروف. قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة، وحمل الجَريرة.

стр. 5090

قال: فما المروءة؟ قال: العفاف، وإصلاح المال. قال: فما الرقة؟ قال: النظر في اليسير، ومنع الحقير. قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء نفسه، وبذله عرسه. قال: فما السماحة؟ قال: البذل في اليسر والعسر. قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك شرفًا وما أنفقته تَلَفًا. قال: فما الإخاء؟ قال: المواساة في الشدة والرخاء. قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق، والنكول عن العدو. قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في [الدنيا] هي الغنيمة الباردة. قال: فما الحكمة؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس. قال: فما الغنى؟

стр. 5091

قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قل. قال: فما الفقر؟ قال: شَرَه النفس في كلّ شيء. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس، ومنازعة أعز النَّاس. قال: فما [الذل؟ قال: الفزع عند [المصدوقة]. قال: فما العي؟ قال: العبث باللحية، وكثرة البزق عند المخاطبة. قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران. قال: فما الكُلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك. قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في المغرم، وتعفو في الجرم. قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كلّ ما استوعبته. قال: فما الخرق؟ قال: معاداتك إمامك، ورفعك عليه كلامك.

стр. 5092

قال: فما السَّناء؟ قال: إتيان الجميل، وترك القبيح. قال: فما الحزم؟ قال: طول الأناة، والرفق بالولاة. قال: فما السَّفَه؟ قال: اتباع الدُّنَاة، ومصاحبة الغُواة. قال: فما الغفلة؟ قال: تركك المسجد، وطاعتك المفسد. قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك. قال: فما السَّيِّد؟ قال: الأحمق في ماله، والمتهاون في عرضه، يُشتم فلا يجيب، المتحزن بأمر عشيرته هو السَّيِّد. فقال علي ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ وَلا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ العَقْلِ" (١). * * *

стр. 5093

فَصْلٌ قال النصرأباذي رحمه الله تعالى: المروءة شعبة من الفتوة، والظاهر أن الفتوة تمام المروءة (١). وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان (٢). وقال سهل رحمه الله تعالى: الفتوة اتباع السُّنَّة. وقال الجنيد رحمه الله تعالى: الفتوة كف الأذى، وبذل الندى (٣). قلت: وفي معناه ما أنشده البيهقي في "شعب الإيمان ": [من الرجز] ما الْمَرْءُ إِلاَّ مَنْ أَطاعَ رَبَّهُ ... وَلا الفَتَى إِلَّا الْمُواسِي صَحْبَهُ

стр. 5094

كُلُّ امْرِئٍ يَومًا سَيَلْقَى حَتْفَهُ ... إِنْ كَرِهَ الْمَوْتَ وَإِنْ أَحَبَّهُ (١) وأنشد ابن عساكر في "تاريخه" عن ابن الدواليبي هكذا: [من الرجز] كُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَقْضِي نَحْبَهُ ... إِنْ كَرِهَ الْمَوْتَ وَإِنْ أَحَبَّهُ ما الْمَرْءُ إِلاَّ مَنْ يُواسِي صَحْبَهُ ... وَلا الفَتَى إِلَّا الْمُطِيعُ رَبَّهُ (٢) وروى الخطيب في "التلخيص" عن إبراهيم بن جناح المحاربي قال: سمعت أبا نواس يقول: سبقني والبة إلى بيتين من الشعر قالهما، وددت أني كنت سبقته إليهما وأن بعض أعضائي اختلج مني، وهو قوله: [من الطويل] وَلَيْسَ فَتَى الفِتْيانِ مَنْ راحَ وَاغْتَدَى ... لِشُرْبِ صَبُوحٍ أَوْ لِشُرْبُ غَبُوقِ وَلَكِنْ فتى الفِتْيانِ مَنْ راحَ وَاغْتَدَى ... لِضُرِّ عَدُوٍّ أَوْ لِنَفْعِ صَدِيقِ (٣) والقول الجامع في الفتوة أنّها أمران: الأوّل: الإقبال على الطّاعة مع قيام دواعي المعصية. ولذلك سمي أصحاب الكهف فتية؛ فإنهم أكثروا طاعة الله تعالى مع ما كان يدعوهم إلى المعصية من شرف أنسابهم، وعرض ملكهم

стр. 5095

عليهم الدنيا، ورد الأمر إليهم إنَّ اتبعوا دينه، فأقبلوا على الطّاعة وتركوا ذلك كله. ولقد أحسن الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين سئل عن الفتوة فقال: ترك ما تهوى لِمَا تخشى (١). والأمر الثَّاني: معاملة الخلق بالوفاء والإفضال -وَإِنْ قابلوه بالجفاء والحرمان- تعظيمًا لوجه الله تعالى. ولذلك أجرى الله تعالى على ألسنة قوم إبراهيم ﵇ تسميته بالفتى في قولهم ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، كان يعترفوا له بالفتوة في نفس اعتقادهم؛ لأنّ إبراهيم ﵇ كان يعاملهم بالوفاء بدعوتهم إلى الله تعالى تعظيمًا له، وعطفًا عليهم، وكانوا يعاملونه بالجفاء جهالة بالله تعالى، وتفضيله إبراهيم ﵇، ومن ثَمَّ شهد الله تعالى له بالوفاء في قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، ليدخل في الفتوة - على ما بيناه - جميعُ العبادات والتطوعات، والإيثار والإحسان، وقضاء حوائج الإخوان، والعفو، واحتمال الأذى، وغير ذلك. وقد أشارت إلى ذلك الفاضلة الكاملة زينب بنت رضي الدِّين الغزي شقيقة والدي رحمهم الله تعالى - وكانت من العلماء - بقولها: [من السريع]

стр. 5096

لَيْسَ الفَتَى كُلُّ الفَتَى عِنْدَنا ... إِلَّا الَّذِي يَنْهَى عَنِ الفُحْشِ يَأْتِي إِلَى الْخَيْراتِ مِنْ بابِها ... وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ بِلا فُحْشِ وروى ابن الجوزي في "صفة الصفوة" عن رويم بن محمّد رحمه الله تعالى قال: الفتوة أن تعذر إخوانك في زللهم، ولا تعاملهم بما يحوجك إلى الاعتذار إليهم (١). وروى الشّيخ أبو عبد الرّحمن السلمي في "طبقاته" عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى قال: للفتيان ثلاث علامات: وفاء بلا خلاف، ومدح بلا جور، وعطاء بلا سؤال (٢). وعن محمّد بن الفضل البلخي رحمه الله تعالى أنّه سئل: ما الفتوة؟ قال: حفظ السر مع الله تعالى على الموافقة، وحفظ الظّاهر مع الخلق بحسن العشرة، واستعمال الخلق (٣)؛ أي الحسن الجميل. فينبغي التشبه بأهل الفتوة والمروءة في حمل أثقال الفتوات والمروءات، لا في الزي والدعوى مع خلو النفس عن كمالات الفتوة، وخصال المروءة؛ فإن ذلك يلحق العبد بأهل السَّفالة والنذالة،

стр. 5097

وليس لعاقل أن يلحق نفسه بهؤلاء لا في هذا الخلق، ولا في غيره من أخلاق الأنذال والأوباش. وفي "الحلية" لأبي نعيم: قيل لأبي عبد الله - يعني: السجزي - رحمه الله تعالى: ما يدفعك عن لبس المرقعة؟ فقال: من النفاق أن تلبس لباس الفتيان، ولا تدخل في حَمَلة أثقال الفتوة، فما يلبس لباس الفتيان من يقدر على حمل أثقال الفتوة. فقيل له: وما الفتوة؟ قال: رؤية أعذار الخلق وتقصيرك، وتمامهم ونقصانك، والشفقة على الخلق برهم وفاجرهم، وكمال الفتوة هو أن لا يشغلك الخلق عن الله تعالى (١). وروى السلمي عن شاه الكرماني رحمه الله تعالى قال: الفتوة من طباع الأحرار، واللؤم من شِيَم الأنذال (٢). وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته": أصل الفتوة أن يكون العبد أبدًا ساعيًا في أمر غيره (٣)؛ أي: موافقًا في ذلك للشرع. ثمّ أسند حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يَزالُ اللهُ تَعالَى فِي حاجَةِ

стр. 5098

العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ فِي حاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ" (١). وقال: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: سمعت النصرأباذي يقول: سمي أصحابُ الكهف فتية لأنّهم آمنوا بربهم من غير واسطة. قال: وقال: الفتى من كسر الصنم؛ قال الله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. وقال : ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٨]. قال: وصنم كلّ إنسان نفسه؛ فمن خالف هواه فهو فتى على الحقيقة (٢). ولنا في معنى كلام النصرأباذي رحمه الله تعالى: [من الرجز] إِنَّ الفَتَى لَمَنْ يُخالِفُ الْهَوى ... ما ضَلَّ عَنْ طَرِيقِهِ وَلا غَوى لاحَ لَهُ يَوْمُ الْمآبِ فَارْعَوى ... ثُمَّ اسْتَقامَ فِي الطَّرِيقِ وَاسْتَوى قال القشيري رحمه الله تعالى: وقال الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: الفتوة أن تنصف ولا تنتصف. قال: وقال عمرو بن عثمان المكي رحمه الله تعالى: الفتوة حسن الخلق.

стр. 5099

وسئل الجنيد رحمه الله تعالى عن الفتوة، فقال: لا تنافي فقيرًا، ولا تعارض غنيًا. قال: وقال محمّد بن علي التّرمذيّ يرحمه الله تعالى: الفتوة أن يستوي عندك المقيم والطارئ (١)؛ يعني: في المعاشرة، والإكرام، ونحوهما، وفي عدم الالتفات إلى أحد منهما في فعل أو ترك، فيكون إشارة إلى الإخلاص والصدق ... (٢). في معنى ما نقله أيضًا عن النصرأباذي: لمروءة شعبة من الفتوة، وهو الإعراض عن الكونين، والأَنفَة منهم؛ يعني: شغلًا بالله تعالى، وفناءً في حبه، وارتباطًا بأوامره. وقيل: الفتوة إظهار النعمة، وإسرار المحنة. نقله التستري (٣). وقال رحمه الله تعالى: واعلم أن من الفتوة الستر على عيوب الأصدقاء؛ لاسيما إذا كان لهم فيه شماتة الأعداء (٤). [من المتقارب] رَأَيْتُ الفَتَى مَنْ يُغَطِّي الزَّلَلْ ... وَيَرْفُو مِنَ الأَصْدِقاءِ الْخَلَلْ

стр. 5100

وَيُظْهِرُ أَحْسَنَ أَعْمالِهِمْ ... وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ بِحُسْنِ العَمَلْ أخبرنا والدي رحمه الله تعالى، أنا شيخنا زكريا الأنصاري عن العز ابن الفرات الحنفي، عن قاضي القضاة تاج الدِّين السبكي، أنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم الشّافعيّ كتابةً عن أبي الفضل بن أبي العباس بن الحسين بن محمّد بن أحمد الدمشقي، عن الإمام أبي الخطّاب عمر بن محمّد بن عبد الله الكرماني، أنا أبو بكر محمّد بن إسماعيل بن محمّد القرشي النقيسي قال: سمعت أبا عبد الرّحمن السلمي يقول: سمعت يحيى بن منصور يقول: سمعت الفربري، سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه يقول - وقصده رجل فطلب منه شيئا، فأعطاه ما أمكنه - ثمّ أنشأ يقول: [من البسيط] يا لَهْفَ نَفْسِي عَلى مال أُفَرِّقُهُ ... عَلى الْمُقِلِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءاتِ إِنَّ اعْتِذارِي إِلَى مَنْ جاءَ يَسْأَلُنِي ... ما لَيْسَ عِنْدِي لَمِنْ إِحْدى الْمُصِيباتِ (١) * * *

стр. 5101

فَصْلٌ كثيرًا ما يقع في عبارات الفقهاء التعبير بالسَّفَه عما يُسقط المروءة كقول الماوردي: نتف اللحية سفه تُرَدُّ به الشّهادة (١). وقول القاضي حسين: في اعتياد الرَّجل البول قائمًا: تُرَدُّ به الشّهادة لأنّه يعد سفهًا. ويفهم من ذلك أن السفه يقابل المروءة، والمشهور أنّه يقابل الحلم، وفسروا السفه في باب الْحَجْر بسوء التصرف في المال. وقال القاضي البيضاوي: والسفه خِفَّة وسخافة دائمة يقتضيهما نقصان العقل، انتهى (٢). وقال صاحب "القاموس": السفه -محركة، وكسحاب، وسحابة- خفة الحلم، أو نقيضه، أو الجهل (٣). قلت: والذي تحرَّر لي أن السفه إمّا أن يكون في الدِّين، وإما أن

стр. 5102

يكون في الدنيا؛ وكلاهما مذموم. فمن الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: اِسْتَمْهَنَهَا وأذَلَّها، واستخف بها. والمعنى: لا يرغب عن ملة إبراهيم ﵇ إِلَّا من حملته الخفة والسخف على امتهان نفسه وإذلالها بتعريضها لعذاب الآخرة، أو لحرمان الثّواب يوم المآب. ومن الثّاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]. والمعنى: إنَّ إيتاء المال السفيه يؤدِّي إلى ضياعه، وقد كره الله تعالى لنا إضاعة المال؛ فإن السفيه تحمله الخفة والطيش على التبذير، وصرف الأموال في غير مصارفها، فتذهب باطلة. فحقيقة السفه: أن تحمل المرء الخفة والسخافة وضعف الرأي على معصية الله تعالى، ومخالفة سنن الصالحين، والاشتطاط على النَّاس، وسوء التصرف في الأموال وغيرها من نعم الله تعالى كصرف نعمة الفراغ والصحة في اللهو واللعب، وصرف نعمة الفطانة والذكاء والصنعة في العلوم أو الأعمال الّتي لا يعود نفعها عليه في العاقبة كالسحر، والأوفاق، والتنجيم، والموسيقا، وكعمل آلات اللهو، والملاعب، والتصاوير، فمن فعل ذلك أو شيئًا منه كان سفيهًا، ومن تشبَّه بالسفهاء فهو منهم، ومن عاشر السفهاء يوشك أن يتشبه بهم،

стр. 5103

وَيسْري إلى طبعه شيء من طباعهم. روى الإمام أحمد في "الزهد" عن عمير بن حبيب بن حماسة - وكانت له صحبة - رضي الله تعالى عنه: أنّه أوصى بنيه فقال: يا بني! إياكم ومجالسةَ السفهاء؛ فإن مجالستهم داء، إنَّ من حلم على السفيه يسره بحلمه، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير، ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب، وإذا أراد أحدكم أن يأمر النَّاس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطّن نفسه على الصبر على الأذى، وليوقِنْ بالثواب من الله ؛ فإن من يثق بالثواب من الله تعالى لا يجد مسِّ الأذى (١). ثمّ اعلم أن السفه شجرة مددها الحمق، ولذلك حجر على السفيه. ويرى السفيه الحق باطلًا، والقبيح حسنًا، والإحسان والنصيحة إساءة وغشًا، والصديق عدوًا، والنافع ضارًا، والضار نافعًا، والخير شرًا. وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: يا هؤلاء! إنَّ الكلب إذا طرح إليه الذهب والفضة لم يعرفهما، وإذا طرح عليه العظم أكب عليه، كذلك سفهاؤكم لا يعرفون الحق. رواه الإمام أحمد في "الزهد"، ومن طريقه أبو نعيم (٢).

стр. 5104

قال مالك بن دينار أيضًا: لولا سفهاؤكم للبست لباسًا لا يراني محزون إِلَّا بكى. رواه أبو نعيم (١). وفيه تأييد لالتزام العالم زي العلماء، وكل واحد من أهل صناعة زيهم لئلا يجترئ السفهاء على ذوي المروءات؛ وهو نفيس. وإذا كان زي السفهاء قبيحًا بالعلّماء، فتخلُّق العلماء بأخلاق السفهاء أقبح. وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إذا كان نهاري نهار سفيه، وليلي ليل جاهل، فما أصنع بالعلم الّذي كتبت؟ رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة" (٢). وأشقى السفهاء من يسمي سفهه عقلًا، وجهله علمًا، ويستكمل رأي نفسه في ذلك، ويرى أن العقلاء والفضلاء والعلماء سفهاء لأنّه قد دلس على نفسه بما يروج سوقه، ولا يستحسن رأيه عند أهل النُّبل والكمال، ولو طمع أنّه يخفى عليهم، فلا ولله لا يخفى على الله تعالى حقيقة أمره، بل الله تعالى يهتك ستره، ويوضح للناس أمره، ألَّا ترى المنافقين حين أطلقوا اسم السفه على الصّحابة رضي الله تعالى عنهم كيف قلب الله لقبهم عليهم، ووسمهم بالاسم الّذي سمُّوهم به، فقال

стр. 5105

تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]؟ فانظر كيف رد الله عليهم هذا اللقب حين لقبوا به المؤمنين إذ قالوا: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]؟ وقولُه - سبحانه - الحقُّ إشارة إلى أن من أعرض عن الدَّليل، ثمّ نسبه المتمسك به إلى السفاهة، فهو السفيه حقيقة، ومن باع آخرته بدنياه فهو السفيه، ومن عادى محمدًا فقد عادى الله، ومن عادى الله فهو السفيه المستوجب لذمه، المستحق لعقوبته. ولله در الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه حيث يقول: من تزين بباطل فلا بد أن ينهتك ستره (١). وقال العلّامة الجد رضي الله تعالى عنه: [من السريع] قُولُوا لِمَنْ بَهْرَجَ فِي عُمْرِهِ ... بِالعِلْمِ إِذْ ضاقَ بِهِ الْمَخْرَجُ يا صاحِبَ التَّمْوِيهِ بَيْنَ الوَرَى ... لا بُدَّ أَنْ يَنْكَشِفَ البَهْرَجُ واعلم أنّه قد جرت عادة الله تعالى في كلّ ذي رأي أن يستحسن رأيه ويفخر كما قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]. وأنشد الحاكم بإسناده إلى الربيع قال: سمعت الشّافعيّ ﵁ يقول: [من الوافر] وَمَنْزِلَةُ السَّفِيهِ مِنَ الفَقِيهِ ... كَمَنْزِلَةِ الفَقِيهِ مِنَ السَّفِيهِ

стр. 5106

فَهَذا زاهِدٌ فِي عِلْمِ هَذا ... وَهَذا فِيهِ أَزْهَدُ مِنْهُ فِيهِ إِذا غَلَبَ الشَّقاءُ عَلى سَفِيهٍ ... تَنَطَّعَ فِي مُخالَفَةِ الفَقِيهِ (١) وهذه أعظم المُهْلِكات الّتي أشار إليها النّبيّ ﷺ لأبي ثعلبة الخشنيِّ رضي الله تعالى عنه: "مُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذا رَأَيْتَ شُحًّا مُطاعًا، وَهَوىً مُتَّبَعًا، وَدُنْيا مُؤْثَرةٌ، وإِعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْي بِرَأَيْهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدعَ العَوامَّ" الحديث. رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه (٢). ونص النّبيّ ﷺ في حديث آخر رواه الطبراني وغيره: أن هذه الأمور مهلكات (٣). وقال الدينوري في "المجالسة": أنشدنا محمّد بن عبد العزيز لموسى بن سعيد بن عبد الرّحمن المقنع الأنصاري: [من الطويل] ثَلاثُ خِلالٍ كُلُّها غَيْرُ طائِلِ ... يَطُفْنَ بِقَلْبِ الْمَرْءِ دُونَ غَشائِهِ هَوى النَّفْسِ ما لا خَيْرَ فِيهِ وَشُحُّها ... وإِعْجابُ ذِي الرَّأْيِ السَّفِيهِ بِرَأْيِهِ (٤)

стр. 5107

ولا يكون الإعجاب بالرأي مهلكًا إِلَّا إذا كان مخالفًا للحق، وهو الرأي السفيه، وإذا وافق الرأي الحق فلا يضره الإعجاب به من حيث إنّه حق، بل من حيث إنّه منسوب إليه. والإعجاب بالرأي من هذه الحيثية هو الغالب على النَّاس، ولذلك جاء ذم الإعجاب بالرأي في الحديث مطلقًا، فالعالم العامل والفقيه الخاشع مهما أعجبه ما هو عليه من حيث إنّه حق مأمور به مع التبرؤ من الحول والقوة ليستحث نفسه على طلب الزيادة منه عملًا بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وليبعث غيره على الاقتداء به ليفوز بالنجاة والنجاح، فإن ذلك دليل الخير والسعادة. ومن هذا القبيل: ما رواه ابن جرير عن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إِلَّا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته (١). وروي نظير ذلك عن علي، ومعاوية، وسعيد بن المسيَّب، وغيرهم (٢). وأمّا السفيه فإنّه مهما أعجب بنفسه وسفَهِهِ ودعا النَّاس إلى مثل عمله، وصرف فكره وفطنته في تقبيح حال العلماء الكُمَّل، ومخالفتهم

стр. 5108

في القول أو الرأي أو العمل، فذلك دليل شقاوته كما أشار إليه الشّافعيّ رحمه الله تعالى (١). ومن ثمّ لا ينبغي أن يقر السفيه على ما يصنعه مخالفاَّ للسنة، ولا يُحَسَّن له رأي ولا عمل، بل ولا تقبل له هدية؛ فإن قبول هدية المرء دليل المحبة والرضا عنه كما قال حذيفة المرعشي رحمه الله تعالى: إياكم وهدايا الفجار والسفهاء؛ فإنكم إن قبلتموها ظنوا أنكم قد رضيتم فعلهم. رواه ابن جهضم (٢). بل ينبغي نهيه، وزجره، ومنعه. روى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "السنن" عن النعمان بن بشير ﵁: أن النّبيّ ﷺ قال: "خُذُوا عَلى أَيْدِي سُفَهائِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَهْلَكُوا، أَوْ تُهْلِكُوا" (٣). وفي معنى الحديث قول العرب: حكموا سفهاؤكم بالكلف؛ أي: امنعوهم. قال في "الصحاح": يقال: حكمت السفيه، وأحكمته: إذا أخذت على يده.

стр. 5109

قال جرير: [من الكامل] أَبَنِي حَنِيفَةَ حَكِّمُوا سُفَهاءَكَمْ ... إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبا وكأنه مأخذ من حلة اللجام، وهي بالتحريك: ما أحاط بحنك الدابة، فقال منه: حكمت الدابة حكمًا، وأحكمته (١). ومنهم من ينشد البيت: حلموا - باللام - أي: احملوهم على الحلم؛ كأنّه فر من إيهام معنى التحكيم الّذي هو جعلهم حكامًا؛ فإنّه لا يليق الأمر به. ولقد جرت عادة الله تعالى في خلقه منذ خلق آدم ﵇ إلى عصرنا أنّه لم يكن عليم حكيم دخل في ولاية الله تعالى إِلَّا ابتلي بسفيه يُباريه ويُماريه، ويعاديه ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حَيَّ عن بينة كابتلاء آدم بإبليس، وهابيل بقابيل، ونوح وهود وصالح وشعيب بأقوامهم، وإبراهيم بنمرود وقومه، ولوط بأهل سَدُوم، وموسى بفرعون وقومه، وعيسى باليهود، ومحمد صلّى الله عليه وعلى سائر الأنبياء وسلم بأبي جهل وصناديد قريش، ثمّ بكعب بن الأشرف وأحبار يهود، وبالسيد والعاقب، ومن معهما من نصارى نجران، وبعبد الله بن أُبَي ابن سلول والمنافقين. وكل هؤلاء السفهاء أُعجبوا برأيهم، وسفَّهوا أحلام خيارهم. فقال إبليس: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١].

стр. 5110

وقال لآدم وحواء ﵉ ما تحصيلُه: إنَّ ترككما الشجرةَ سفهٌ لأنّها شجرة الخُلد، والأكل منها يلحقكما بالملائكة، ومن أعرض عن هذا فهو سفيه. وقال قابيل لأخيه: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ثمّ قتله، ولى تمنعه الأخوة من السفه. وقال قوم نوح ﵇: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٠، ٦١]. وقال قوم هود ﵇: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦]. وقال قوم صالح ﵇: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢]. وقال قوم شعيب ﵇ ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ] [هود: ٨٧ - ٩١]: وقال قوم إبراهيم ﵇: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩]. وقال قوم لوط ﵇: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦].

стр. 5111

وقال فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. وقالت قريش عن النّبيّ ﷺ : إنّه سَفَّه أحلامهم، وصَبَأ عن دينهم. وقالوا: ساحر وشاعر ومجنون. وسمَّوه صابئًا، ومذممًا، وابن أبي كبشة. وقال أهل الكتابين: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] وقال المنافقون: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]. ثمّ صارت هذه السُّنَّة في هذه الأُمَّة إلى الآن؛ ما ظهر منها ظاهر بحق يدعو إلى الله على بصيرة بطريق الوراثة عن النّبيّ ﷺ يأمر بسنة وينهى عن مخالفة شريعته، إِلَّا ابتلي بسفيه يسفِّه رأيه، ويقبِّح طريقه؛ ولا حول ولا قوة إِلَّا بالله. * تَنْبِيهٌ: وظيفة العدل الرشيد مع السفيه أمور: الأوّل: أن لا يتشبه بالسفهاء. ومتى رغبت عن حال الراشدين التحقت بالسفهاء؛ ألَّا ترى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]؟ الثّاني: أن تأخذ على يد السفيه، وتنكر عليه وتنهاه، إِلَّا عند خوف الفتنة أو الضرر؛ فإن التغافل عن السفهاء ربما أدى إلى هلاك العامة.

стр. 5112

روى الإمام عبد الله بن المبارك عن الشّعبيّ رحمه الله تعالى قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما يقول على هذا المنبر: يا أيها النَّاس! خذوا على أيدي سفهائكم؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ قَوْمًا رَكِبُوا فِي سَفِينَةٍ، فَاقْتَسَمُوها، فَأَصابَ كُلُّ واحِدٍ مَكانًا، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهُ الفَأْسَ فَنَقَرَ مَكانَهُ، قالُوا: ما تَصْنعُ؟ قالَ: مَكانِي أَصْنَعُ بِهِ ما شِئْتُ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلى يَدَيْهِ نَجَوْا وَنَجا، وإِنْ تَرَكُوهُ غَرِقَ وَغَرِقُوا؛ خُذوا عَلى أَيْدِي سُفَهائِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَهْلَكُوا" (١). وقد قلت سابقًا: إنّه متى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان سببًا للهلاك وعموم الفساد. الثّالث: أن تصرم السفيه وتهجره حيث خِفْتَ الفتنة من أمره ونهيه، أو علمت أن الموعظة لا تؤثر فيه. قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وروى الطبراني، والبيهقي في "الشعب" بسند صحيح، عن عمر ابن قيس بن بشير بن عمر، عن أبيه، عن جده بشير بن عمر رضي الله تعالى عنه -وكان قد رأى النّبيّ ﷺ قال: أصرم الأحمق (٢).

стр. 5113

الرّابع: أن لا تحسن له حالًا، ولا تؤتيه لك مالًا، ولا تُسْلِمه قِيادك، ولا تُوليه أمرًا لا يقوم به رأيه، ولا يحتمله عقله. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]. روى ابن أبي شيبة، وغيره عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه - موقوفا - والحاكم وصححه، والبيهقي عنه مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ قال: "ثَلاثة يَدْعُونَ اللهَ فَلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ؛ رَجُلٌ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأة سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْها، وَرَجُل كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مالٌ فَلَمْ يُشْهِدْ، وَرَجُلٌ آتَى سَفِيها مالَهُ وَقَدْ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] " (١).وقلت عاقدًا له: [من الرجز] ثَلاثَة يَدْعُونَ رَبَّهُمْ وَلا ... يُجِيبُهُمْ فِي خَبَرٍ مُصَدَّقِ مُؤتِي السَّفِيهَ مالَهُ وَمَنْ إذا ... عَامَلَ لَمْ يُشْهِدْ وَلَمْ يَسْتَوْثِقِ وَرَجُل زَوْجَتُهُ مُسِيئَةٌ ... أَخْلاقَهَا ثَمَّتَ لَمْ يُطَلِّقِ

стр. 5114

* تَنْبِيهٌ: روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ النِّساءَ السُّفَهاءُ إِلاَّ الَّتِي أَطاعَتْ قَيِّمَها" (١). وعن ابن عباس ﵄: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ [النساء: ٥] قال: هم بَنُوك والنساء (٢). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: الخدم، وهم شياطين الإنس (٣). ووجه تفسيرهم بما ذكر - وإن كان الحكم عاماً - لوجهين: أحدهما: أن المرء العاقل لا يؤتي ماله لكل من لقيه، وإنما يسمح بماله لمن يكون أعز عليه من ماله، أو لمن يخصه من ولد أو زوجة أو خادم، فوقع النهي عن إيتاء سفهائكم المال لأنه تعريض له لأن يضيع. وفسرت السفهاء بمطلق الصبيان والنساء؛ لأن الغالب عليهم

стр. 5115

السفه، وهو حالهم لأنهم لا يتعبون في تحصيله، فلا يُحسنون إمساكه، وإذا صرفوه والتمسوا غيره وجدوه، فإذا منعوا منه تنبهوا لحالهم، فتنصلوا منه، وتحلَّوا بحِلْية الرشد. وثاني الوجهين: أنه إذا نهي عن إيتاء المال لأقرب الناس إليه إذا كانوا سفهاء، فالسفهاء غيرهم أولى بالنهي والمنع منه. وفي الآية تفسير آخر: أن المراد بالآية النهي عن دفع مال اليتيم والمحجور عليه إليه ما لم يرشد. ونسب المال إلى الأولياء تنزيلاً لليتيم ونحوه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا. روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾، قال: هم اليتامى. ﴿أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ [النساء: ٥]، قال: أموالهم؛ بمنزلة قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩] (١). الخامس من الأمور: أن ترفق بالسفيه الذي هو تحت ولايتك من ولد، أو امرأة، أو خادم، أو يتيم، ونحوه بالإنفاق عليه بقدر الحاجة، وتحريضه على كسوته ونحوها، وأن يتلطف به في الخطاب والنصيحة، وتعرَّفه وجه منعه من مالك أو من ماله لعله يرشد.
следующие страницы →