وقال فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧].
وقالت قريش عن النّبيّ ﷺ : إنّه سَفَّه أحلامهم، وصَبَأ عن دينهم.
وقالوا: ساحر وشاعر ومجنون.
وسمَّوه صابئًا، ومذممًا، وابن أبي كبشة.
وقال أهل الكتابين: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] وقال المنافقون: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣].
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
ثمّ صارت هذه السُّنَّة في هذه الأُمَّة إلى الآن؛ ما ظهر منها ظاهر بحق يدعو إلى الله على بصيرة بطريق الوراثة عن النّبيّ ﷺ يأمر بسنة وينهى عن مخالفة شريعته، إِلَّا ابتلي بسفيه يسفِّه رأيه، ويقبِّح طريقه؛ ولا حول ولا قوة إِلَّا بالله.
* تَنْبِيهٌ:
وظيفة العدل الرشيد مع السفيه أمور:
الأوّل: أن لا يتشبه بالسفهاء.
ومتى رغبت عن حال الراشدين التحقت بالسفهاء؛ ألَّا ترى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]؟
الثّاني: أن تأخذ على يد السفيه، وتنكر عليه وتنهاه، إِلَّا عند خوف الفتنة أو الضرر؛ فإن التغافل عن السفهاء ربما أدى إلى هلاك العامة.
стр. 5112
روى الإمام عبد الله بن المبارك عن الشّعبيّ رحمه الله تعالى قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما يقول على هذا المنبر: يا أيها النَّاس! خذوا على أيدي سفهائكم؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ قَوْمًا رَكِبُوا فِي سَفِينَةٍ، فَاقْتَسَمُوها، فَأَصابَ كُلُّ واحِدٍ مَكانًا، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهُ الفَأْسَ فَنَقَرَ مَكانَهُ، قالُوا: ما تَصْنعُ؟ قالَ: مَكانِي أَصْنَعُ بِهِ ما شِئْتُ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلى يَدَيْهِ نَجَوْا وَنَجا، وإِنْ تَرَكُوهُ غَرِقَ وَغَرِقُوا؛ خُذوا عَلى أَيْدِي سُفَهائِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَهْلَكُوا" (١).
وقد قلت سابقًا: إنّه متى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان سببًا للهلاك وعموم الفساد.
الثّالث: أن تصرم السفيه وتهجره حيث خِفْتَ الفتنة من أمره ونهيه، أو علمت أن الموعظة لا تؤثر فيه.
قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وروى الطبراني، والبيهقي في "الشعب" بسند صحيح، عن عمر ابن قيس بن بشير بن عمر، عن أبيه، عن جده بشير بن عمر رضي الله تعالى عنه -وكان قد رأى النّبيّ ﷺ قال: أصرم الأحمق (٢).
стр. 5113
الرّابع: أن لا تحسن له حالًا، ولا تؤتيه لك مالًا، ولا تُسْلِمه قِيادك، ولا تُوليه أمرًا لا يقوم به رأيه، ولا يحتمله عقله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
روى ابن أبي شيبة، وغيره عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه - موقوفا - والحاكم وصححه، والبيهقي عنه مرفوعا إلى النّبيّ ﷺ قال: "ثَلاثة يَدْعُونَ اللهَ فَلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ؛ رَجُلٌ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأة سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْها، وَرَجُل كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مالٌ فَلَمْ يُشْهِدْ، وَرَجُلٌ آتَى سَفِيها مالَهُ وَقَدْ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] " (١).وقلت عاقدًا له: [من الرجز]
ثَلاثَة يَدْعُونَ رَبَّهُمْ وَلا ... يُجِيبُهُمْ فِي خَبَرٍ مُصَدَّقِ
مُؤتِي السَّفِيهَ مالَهُ وَمَنْ إذا ... عَامَلَ لَمْ يُشْهِدْ وَلَمْ يَسْتَوْثِقِ
وَرَجُل زَوْجَتُهُ مُسِيئَةٌ ... أَخْلاقَهَا ثَمَّتَ لَمْ يُطَلِّقِ
стр. 5114
* تَنْبِيهٌ:
روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ النِّساءَ السُّفَهاءُ إِلاَّ الَّتِي أَطاعَتْ قَيِّمَها" (١).
وعن ابن عباس ﵄: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ [النساء: ٥] قال: هم بَنُوك والنساء (٢).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: الخدم، وهم شياطين الإنس (٣).
ووجه تفسيرهم بما ذكر - وإن كان الحكم عاماً - لوجهين: أحدهما: أن المرء العاقل لا يؤتي ماله لكل من لقيه، وإنما يسمح بماله لمن يكون أعز عليه من ماله، أو لمن يخصه من ولد أو زوجة أو خادم، فوقع النهي عن إيتاء سفهائكم المال لأنه تعريض له لأن يضيع.
وفسرت السفهاء بمطلق الصبيان والنساء؛ لأن الغالب عليهم
стр. 5115
السفه، وهو حالهم لأنهم لا يتعبون في تحصيله، فلا يُحسنون إمساكه، وإذا صرفوه والتمسوا غيره وجدوه، فإذا منعوا منه تنبهوا لحالهم، فتنصلوا منه، وتحلَّوا بحِلْية الرشد.
وثاني الوجهين: أنه إذا نهي عن إيتاء المال لأقرب الناس إليه إذا كانوا سفهاء، فالسفهاء غيرهم أولى بالنهي والمنع منه.
وفي الآية تفسير آخر: أن المراد بالآية النهي عن دفع مال اليتيم والمحجور عليه إليه ما لم يرشد.
ونسب المال إلى الأولياء تنزيلاً لليتيم ونحوه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا.
روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾، قال: هم اليتامى.
﴿أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ [النساء: ٥]، قال: أموالهم؛ بمنزلة قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩] (١).
الخامس من الأمور: أن ترفق بالسفيه الذي هو تحت ولايتك من ولد، أو امرأة، أو خادم، أو يتيم، ونحوه بالإنفاق عليه بقدر الحاجة، وتحريضه على كسوته ونحوها، وأن يتلطف به في الخطاب والنصيحة، وتعرَّفه وجه منعه من مالك أو من ماله لعله يرشد.
стр. 5116
قال الله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
هذا حيثما تُوسِّم له النجاح والفلاح، وظُنَّ منه الاصطلاح، وأما إذا أيس رشده وخيره، وعلم أن الرفق به في الخطاب، واللين معه في الكلام يزيد في فساده، ولا يميله عن سفهه، فليس له إلا الزجر والهجر.
روى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَراهُ أَهْلُ البَيْتِ" (١).
وأخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث ابن عباس ﵄، وزاد: "فَإِنَّهُ أَدَبٌ لَهُمْ" (٢).
وقال لقمان ﵇: ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع (٣).
ولا يخفى على العارف الحكيم الأنفع والأصلح في تأديب السفهاء ومعاشرتهم، وفي التأدب مع العلماء ومعاملتهم، كما روى أبو نعيم عن معاوية بن قُرَّة رحمه الله تعالى قال: مكتوب في الحكمة:
стр. 5117
لا تجالس بحلمك السفهاء، ولا تجالس بسفهك العلماء (١).
ويقال في المثل: سفيهًا لم يجد مسافهًا (٢).
وربما قيل: سفيهٌ بالرفع؛ يضرب في الإعراض عن الجاهلين، وترك مسافهتهم، فلا ينبغي أن تقابل السفيه بمثل سفهه، ولا تتفقه في جوابه؛ فإن العي هنا أولى من الفهم والفطنة.
روى الدينوري رحمه الله تعالى عن سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: لا أعتذر من العي في خصلتين: إذا خاطبت سفيهاً، أو طلبت حاجة لنفسي (٣).
وقلت في عقد معناه [من المنسرح]:
العِيُّ فِي خَصْلَتَيْنِ خَيْرٌ ... مِنْ فِطْنَتِي وَاحْتِكامِ حَدْسِي
مَتَى أُخاطِبْ سَفِيهَ قَوْمٍ ... أَوْ أَبْتَغِي حاجَةً لِنَفْسِي
* تَتِمَّةٌ:
روى أبو نعيم عن سعيد بن عبد العزيز قال: قال سليمان لابنه ﵉: يا بني! نظرت في العلم فكثر همي، ونظرت في الحكمة فكبر سني، ونظرت فإذا مع الصحة سقم، وإذا مع الشباب
стр. 5118
كبر، وإذا مع الحياة موت، وإذا تربتي وتربة السفيه واحدة، إلا أَنْ أفضله يوم القيامة بعملي (١).
стр. 5119
فَصْلٌ
من التشبه بالسفهاء التشبه بالسفلة، والدنيء، والخسيس، والنذل، والوبش، والوغد، والرَّذِل، والطَّغَام، واللئيم، والغوغاء، ومرء السوء.
وهذه الأوصاف كلها مذمة لا ينبغي التشبه بمن اتصف بها.
فأما السفلة - بكسر الفاء - على وزن فرحة، وتنقل كسرة الفاء إلى السين، وهو أفصح: هم أسافل الناس وغوغاؤهم كما في "القاموس" (١).
وقد سفل - ككَرُم، وعلِمَ، ونصَرَ - سفالاً وسُفولاً - بالضم - وتسفل، وسفل في خلقه، وعلمه - ككرم - سفلاً، ويضم، وسفالاً - ككتاب - وفي الشيء: سفلاً - بالضم -: نزل من أعلاه إلى أسفله.
وقال في "الصحاح": السفلة: السقاط من الناس.
يقال: هو من السفلة، ولا تقل: هو سفلة لأنها جمع، والعامة تقول: رجلٌ سفلة من قومٍ سفل.
стр. 5120
قال ابن السِّكِّيت: وبعض العرب تخفف فتقول: فلان من سفلة الناس، فتنقل كسرة الفاء إلى السين. انتهى.
وربما قيل: فلان من السفلة - بفتحتين - وهو جميع سافل، من السفول.
ويقع في كلام الفقهاء: فلان السفلة على الواحد، وقد حكينا عن "الصحاح" أنه من قول العامة.
قال الفقهاء: السفلة: من تعاطى الأفعال الدنئة ويعتادها، ولا يقع على من يتفق منه نادرًا كَالكريم والسيد في نقيضه، فلا ينبغي التشبه بمن يرضى لنفسه بسفساف الأخلاق والأعمال، لا في أقواله، ولا في أعماله، ولا في سائر أحواله.
قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ كَرِيْمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، وَيُحِبُّ مَعالِيَ الأُمُورَ، وَيَكْرَهُ سَفْسافَها". رواه الطبراني، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما (١).
والسَّفْساف: الرديء من كل شيء، والأمر الحقير، ومنه قيل للئيم العطية: مسفسف.
وروى أبو نعيم عن ذي النون المصري رحمه الله تعالى: أنه سئل عن السفلة من هو؟
стр. 5121
قال: من لا يعرف الطريق إلى الله، ولم يتعرفه (١).
وعنه قال: سئل جعفر بن محمد رحمه الله تعالى عن السفلة؟ قال: من لا يبالي ما قال، ولا ما قيل له (٢).
وروى الدينوري عن الحسن بن عيسى قال: سئل ابن المبارك رحمه الله تعالى فقيل له: من الناس؟
قال: العلماء.
قيل: فمن الملوك؟
قال: الزهاد.
قيل له: فمن السفلة؟
قال: الذي يأكل الدنية.
قيل له: فمن الغوغاء؟
قال: خزيمة بن حازم وأصحابه.
قيل له: فمن الدني؟
قال: الذي يذكر غلاء السعر عند الضيف (٣).
وروى أبو نعيم عن نصر بن سيار قال: قال سفيان ﵀
стр. 5122
تعالى: لو لم ينبغ للأشراف أن يزهدوا في الدنيا إلا لأنها تضعهم وترفع السفلة عليهم، كان يحق لهم أن يزهدوا فيها (١).
وعن سلمة بن عفان قال: إن أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي (٢).
وأما الدنيء فهو - كما في "القاموس" -: الخسيس، الخبيث البطن والفرج، الماجن كالدانئ، والدقيق الحقير، والجمع: أدناء ودنآء.
وقد دنأ - كمنع، وكرم - دنوءة ودناءة.
والدنيئة: النقيصة (٣).
وقد سبق قريبًا في كلام ابن المبارك: أن الدنيء الذي يذكر غلاء السعر عند الضيف.
وأما الخسيس: فعلة من باب: خس خسة وخساسة، إذا كان في نفسه خسيساً.
وخس نصيبه: جعله خسيسًا دنيئاً حقيرًا.
قال الفقهاء: الخسيس من باع دينه بدنياه، وأخس الأخساء من باع آخرته بدنيا غيره (٤).
стр. 5123
ويصف هذا في الحديث بأنه شر الناس، فروى الخِلَعي في "فوائده" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ البَرِيَّةِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلةً يَومَ القِيامَةِ مَنْ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيا غَيْرِهِ" (١).
وروى ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيامَةِ عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيا غَيْرِهِ" (٢).
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"، ولفظه: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ نَدامَةً يَومَ القِيامَةِ رَجُلٌ باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيا غَيْرِهِ" (٣).
وأما النذل: فهو - كما في "القاموس" -: الخسيس من الناس، والمحتقر في جميع أحواله، وجمعه: أنذال، ونذول، ونُذُلاً، ونُذَّال.
وقد نذل - ككرم - نذالة، ونذولة؛ ذاله معجمة (٤).
روى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل (٥).
стр. 5124
وروى الدينوري في "المجالسة" عن محمد بن سلام الجمحي قال: قال بعض الحكماء: ثلاثة أشياء تميت القلوب: مجالسة الأنذال، ومجالسة الأغنياء، ومجالسة النساء (١).
وأما الوبش - بالتحريك - فهو كما في "القاموس": أحد الأوباش الأخلاط والسفلة (٢)؛ ولعله أبلغ من النذل.
وأما الوغد فهو الأحمق الضعيف، الرذل الدنيء، ويقال للضعيف جسمًا وخادم القوم، وللصبي (٣)؛ وليست الثلاثة مرادة هنا.
وأما الرذل، والرذال، والرذيل، والأرذل؛ فالكل بمعنى الدُّون، والخسيس، أو الرديء من كل شيء (٤).
والناس مختلفون بعضهم في استرذال بعض، و [ ... ] (٥).
- فمنهم من يرى الرذالة بالصنعة والحرفة.
- ومنهم من يراها بالجهل و [ ... ] (٦) العلم، والثاني صواب، والأول إن كان مع الاتحاد في العلم والدين، أو الفضل فيه
стр. 5125
فهو خطأ؛ لأن الكرم إنما هو بالتقوى والعمل الصالح، ولذلك أخطأ قوم نوح في قولهم: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ [الشعراء: ١١١].
﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (٢٧)﴾ [هود: ٢٧].
وأرادوا بالأرذلين: الحواكين، كما رواه ابن المنذر عن قتادة، وابن أبي حاتم عن مجاهد (١).
نعم، يكون المتصف بذلك ونحوه دوناً ورذالاً إذا رضي به بدلاً عن العلم والدين، والكمالات والفضائل، وهذا منهي عن التشبه به وعن صحبته كما قيل: ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي (٢) وفي "رسالة الحسن البصري" رحمه الله تعالى: كل عام ترذلون (٣)؛ أي: تتخلقون بأخلاق الأرذل، وتفشوا الرذالة فيكم، فتغلب على أخلاقكم.
стр. 5126
وأما الطغام - بفتح الطاء المهملة، بعدها معجمة - فهم كما في "الصحاح": أوغاد الناس.
وأنشد أبو العباس المبرد [من الوافر]:
إِذا كانَ اللَّبِيبُ كَذا جَهُولاً ... فَما فَضْلُ اللَّبِيبِ عَلى الطَّغامِ (١)
وهذا المعنى كاف في التنفير عن التشبه عن الطغام، وهو جمع إن كان بمعنى الأوغاد، ومفرد إن كان بمعنى الأحمق كما يفهم من "القاموس".
قال: والطغومية - بضمهما -: الحمق والبذاءة (٢).
وتطغَّم: إذا تجاهل (٣).
وأما الغوغاء فقال في "القاموس": الجراد بعد أن ثبت جناحه، وإذا انسلخ من الألوان وصار إلى الحمرة، وشيء شبه البعوض، ولا يعض لضعفه، وبه سمي الغوغاء من الناس.
قال الفقهاء: والغوغاء من يخالط المفسدين، ويخاصم الناس بلا حاجة (٤).
стр. 5127
وأشار ابن عبد ربه في "العقد" إلى أن الغوغاء سواد الناس؛ أي: معظمهم من أصحاب التجارات، والحرف، والصنائع، والبطَّالين.
قال: وذكر عند ابن عباس الغوغاء فقال: ما اجتمعوا قط إلا ضروا، ولا افترقوا إلا نفعوا.
قيل له: قد علمنا ضرر اجتماعهم، فما نفع افتراقهم؟
قال: يذهب الحجام إلى دكانه، والحداد إلى كياره، وكل صانع إلى صناعته.
قال: ونظر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى قوم يتبعون رجلاً أخذ في ريبة، فقال: لا مرحبًا بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في شر.
قال: وقال حبيب بن أوس الطائي [من الكامل]:
إِنْ شِئْتَ أَنْ يَسوَدَّ ظَنُّكَ كُلُّهُ ... فَأَجِلْهِ فِي هَذا السَّوادِ الأَعْظَمِ
وقال دعبل [من البسيط]:
ما أَكْثَرَ النَّاسَ لا بَلْ ما أَقَلَّهَمُ ... وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّي لَمْ أَقُلْ فَنَدا
إِنَّي لأُطْبِقُ عَيْنِي ثُمَّ أَفْتَحُها ... عَلى كثِيرٍ وَلَكِنْ لا أَرَى أَحَدا (١)
وسيأتي في التشبه بالبهائم والحيوانات لذلك مزيد بيان.
стр. 5128
وأما اللئيم: فالدنيء الأصل، الشحيح النفس؛ قاله في "الصحاح" (١).
وقال صاحب "القاموس": اللؤم - بالضم -: ضد الكرم.
لؤم - ككرم - لؤماً - بالضم - فهو لئيم (٢).
وذكر له الجوهري ثلاثة مصادر: اللؤم، واللأمة؛ بضم الهمزة، ولآمة؛ على وزن سحابة.
ويقال: يا ملأمان، خلاف قولك: يا مكرمان (٣).
والملأم، والملآم - كمفتح، ومفتاح - الذي يقوم بعذر اللئام (٤).
واللئيم في الحقيقة هو المتخلق بقبائح الأخلاق، وسفساف الأعمال ولو كان له حسب ونسب.
وقد وصف رسول الله ﷺ المؤمن بالكرم والغرة، والمنافق بضد ذلك، فقال ﷺ : "الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيْمٌ، وَالْمُنافِقُ خَبٌّ لَئِيمٌ".
رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم وصححه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٥).
стр. 5129
ولا مناقضة بينه وبين قوله ﷺ : "الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ".
أخرجه القضاعي عن أنس ﵁ (١)؛ لأن فطنته في أمر آخرته، وغرته في أمر دنياه، وإنما خلق المؤمن الكرم، وقد يكون بعض الأخلاق كرماً من وجه ولؤما من وجه، كما أن صرف المال في وجوه البر كرم، وفي وجوه الفجور لؤم، والحياء المانع من المعصية والمكروه كرم، والمانع من الطاعة، والحق كالعلم لؤم، وهكذا.
وقد روى البخاري في "تاريخه" عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ، فَطِنٌ، حَذِرٌ، وَقَّافٌ، مُتَثَبِّتٌ، لا يَعْجَلُ، عالِمٌ، وَرِعٌ، وَالْمُنافِقُ هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ، حطَّةٌ، لا يَقِفُ عِنْدَ شُبْهَةٍ وَلا عِنْدَ مُحَرَّمٍ" (٢).
ولا يخرج المؤمن من الكرم ما يقع منه مما يخالف الكرم على وجه الزلة، ثم يندم عليه، ولا ما يقع على وجه الضرورة كالانتقام من عدوه الباغي عليه، والانتصار من الظالم خشية تجرِّي غيره، أو حسماً لمادة الظالم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١].
وقد قيل: [من الطويل]
стр. 5130
وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ ... يُهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ (١)
وقال البحتري [من الكامل]:
مَتَى أَحْوَجْتَ ذا كَرَمٍ تَخَطَّى ... إِلَيْكَ بِبَعْضِ أَفْعالِ اللِّئامِ (٢)
وكما لا ينبغي التشبه باللئيم لا ينبغي مصاحبته، ولا وداده، ولا مجاورته خشية سريان خلقه إليك، فلا ينصفك وإن أنصفته، ولا يكتم لك سرًا، ولا يحمد لك أمرًا، ينم عليك مساوئك، ويتأول محاسنك، إن عاتبته لم يعتبك، بل استطال وأساء المقال، وإن تلطَّفت به تمرد وقسا، وإن احتجت إليه لم يواسك، بل رجعت منه بالخيبة والأسى.
روى أبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام (٣).
وعن محمد بن علي الباقر رحمه الله تعالى قال: سلاح اللئام قبح الكلام (٤).
стр. 5131
وروى الدينوري عن علي رضي الله تعالى عنه قال: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف (١).
وعن ابن أبي الدنيا قال: أنشدنا محمد بن الحسن لدكين الراجز [من الطويل]:
إذا الْمَرْءُ لَمْ يَدْنس مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ ... فَكُلُّ رِداءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ
فَإِنْ هُوَ لَمْ يَنْزِعْ مِنَ اللُّؤْمِ نَفْسَهُ ... فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّناءِ سَبِيلُ (٢)
ولبعض القدماء [من الكامل]:
إِنَّ الوَفاءَ عَلى الكَرِيمِ فَرِيضَةٌ ... وَاللُّؤْمَ مَقْرُونٌ بِذِي الإِخْلافِ
وَتَرى الكَرِيمَ لِمَنْ يُعاشِرُ مُنْصِفًا ... وَتَرى اللَّئِيمَ مُجانِبَ الإِنْصافِ (٣)
وله [من مجزوء الرمل]:
стр. 5132
وَلْيَكُنْ سِرُّكَ فِي الأَسْـ ... ـرارِ سِرًّا لا يُرامُ
إِنَّما يَنْطِقُ بِالسُّو ... ءِ وَيُفْشِيهِ اللِّئامُ
ولبعض المحدثين [من الخفيف]:
حِينَ يَحْتاجُ اللَّئِيمُ فَقَدْ ... مَدَّ نَحْوَ الْمُخْزِياتِ يَدا
وَإِذا احْتاجَ الكَرِيمُ سَما ... وَاتَّقَى غبَّ الْحَدِيثِ غَدا
وأما المرء السوء: فهو من ساءه سوءًا إذا فعل به ما يكره، ولعله مخصوص بمكروه يتأذى منه.
ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى (١٠)﴾ [الروم: ١٠]، أو السوء، أو النار.
ونقيضه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
ومنه قولهم: فلان رَجُلُ سَوْءٍ، ورجل السَّوء؛ بالفتح والإضافة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا (٧)﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها.
والأمر بالشيء نهي عن ضده، ومدحه ذم لضده، ولقد مدح الإحسان حتى إلى المسيء، وذمت الإساءة ولا سيما إلى من أحسن.
стр. 5133
وقال رسول الله ﷺ : "لَنْ يَنالَ عَبْدٌ صَرِيحَ الإِيْمانِ حَتَّى يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَيَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَغْفِرَ لِمَنْ شَتَمَهُ، وَيُحْسِنَ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْهِ".
رواه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١).
وروى ابن منيع، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْخَبَرُ الصَّالِحُ يَجِيْءُ بِهِ العَبْدُ الصَّالِحُ، وَالْخَبَرُ السُّوءُ يَجِيْءُ بِهِ الرَّجُلُ السُّوءُ" (٢).
والعبد السوء مذموم بكل حال.
قال بعض العلماء: السلطان السوء يحيف البريء، ويصنع الرديء، والبلد السوء تجمع السفل وتورث العلل، والولد السوء يشين السلف ويهدم الشرف، والجار السوء يفشي السر ويهتك الستر، ولهذا استعاذ النبي ﷺ من جار السوء، وكان يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جارِ السُّوءِ فِي دارِ الْمُقامَةِ؛ فَإِنَّ جارَ البادِيَةِ يَتَحَوَّلُ". صححه الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ (٣).
وروى الطبراني في "الكبير" عن فضالة بن عبيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ثَلاثٌ مِنَ العَواقِرِ: إِمامٌ إِنْ أَحْسَنْتَ لَمْ يَشْكُرْ، وَإِنْ أَسَأْتَ لَمْ
стр. 5134
يَغْفِرْ، وَجارٌ إِنْ رَأى خَيْراً دَفَنَهُ، وَإِنْ رَأى شَرًّا أَشاعَهُ، وَامْرَأةً إِنْ حَضَرْتَ آذَتْكَ، وَإِنْ غِبْتَ عَنْها خانَتْكَ" (١).
وكان بعض السلف يقول: اللهم لا تجعل لي أهل سوء فأكون رجل سوء (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الربيع بن أنس رحمه الله تعالى قال: مكتوب في الحكمة: من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يدخل مدخل السوء يتهم، ومن لا يملك لسانه يندم (٣).
وروى أبو عبد الله الحسين المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك عن عبد الله بن عبيدة، وغيره قالوا: قال لقمان لابنه: يا بني! من لا يملك لسانه يندم، ومن يكثر المِراء يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يصحب الصالح يغنم، ومن طلب عزاً بغير عز يجد الذل جزاء بغير ظلم (٤).
واعلم أنك إذا تلبست بالسوء ثم راجعت دينك، وندمت على الإساءة، وتحليت بحلية الإنصاف، ذهبت عنك وَصْمة السوء فضلاً
стр. 5135
من الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أحمد بن غانم الأنطاكي رحمه الله تعالى يقول: هذه غنيمة باردة، أصلِحْ فيما بقي يغفر لك ما مضى. رواه ابن الجوزي في "صفة الصفوة" (١).
وروى الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِما عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَساءَ فِي الإسْلامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ" (٢).
وروى ابن ماجه، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذا أَساؤُوا اسْتَغْفَرُوا" (٣).
فَصْلٌ
المتشبه بالفساق تارة يتشبه بهم في نفس الفسق، وهذا لا كلام في أنه منهم.
وتارة يتشبه بهم في الزي وظاهر الفعل، وهو ملحق بهم، وهو مرتكب لأمر محرم أو مكروه بلا شك ولا ريب.
وقد علمت الحديث الذي نهى فيه النبي ﷺ عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسق في لحونهم فيها عن كونها طاعة، فصارت مكروهة أو محرمة، ولذلك قال العلماء بتحريم سماع المزامير والآلات لأنها شعار الشَّرَبة.
قال العلماء: ولو أدار سويق السكر أو الماء القراح كما تدار الخمرة كانت تلك الإدارة حرامًا، وإدارة القهوة المتخذة من البُن على تلك الطريقة حرام وإن كانت القهوة المذكورة مباحة في نفسها، وتسميتها قهوة - والقهوة في الأصل من أسماء الخمر - لا ينقل حكمها من الحل إلى الحرمة، كما أن تسمية الخمر باسم غيرها من المباحات لا ينقل حكمها من الحرمة إلى الإباحة.
وكذلك العفيف إذا لبس زي المخنثين، والعفيفة إذا لبست زي
стр. 5142
القحاب حرم عليهما ذلك.
ومن دخل الأسواق متمايلاً صارخاً على هيئة السكارى فهو متشبه بهم كائن معهم.
ومن ابتلع دواء يوهم الناس أنه شيء مسكر أو مخدر فهو متشبه بالحشاشين والمتكيفين.
ومن تبجح بإظهار العشق وتكلم بالفاظ أهله، أو فعل أفعالهم، أو حضر في مجلس يجتمع به الفسقة، فيحكون عن أنفسهم أنهم فعلوا كذا وكذا، فأوهمهم أنه عمل فوق عملهم، فقد ارتكب محرمًا وإن كان كاذبًا على نفسه.
بل على الإنسان أن يتبرأ من ذلك ويتَّقي مواطن التهم والريب، وإن ابتلي بشيء من ذلك فليستر ما أمكنه الستر.
روى الحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال بعد أن رجم الأسلمي: "اجْتَنِبُوا هَذهِ القاذُوراتِ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْها، فَمَنْ ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنْها فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعالَى وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ؛ فَإِنَّ مَنْ يُبْدِ لَنا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتابَ اللهِ" (١).
في الأثر كما ذكره أبو طالب المكي: من تَزَيَّا بزي قوم فهو منهم (٢).
стр. 5143
وقال رحمه الله تعالى: إن السلف كانوا يكرهون ما أحدث الناس من الثياب الرقاق، وكانوا يقولون: الثياب الرقاق لباس الفساق، ومن رق ثوبه رق دينه. انتهى (١).
وما ظنك بما أحدث الناس اليوم مما لم يخطر لأحد من السلف على بال من زي أهل الخنوثة والتكسر.
وفي بعض الآثار: اجتنبوا فعل الذعار، وزي أهل النار.
стр. 5144
فَصْلٌ
ما يدخل في باب التشبه بالفساق والسفهاء تشبه أهل الكمال بأهل النقصان والاختلال كتشبه العقلاء بالمجانين، والرجال بالنساء أو الصبيان؛ لأنه لا يخلو عن فسق وإحباط مروءة، فمن خَلَقه الله تعالى بشراً عاقلاً، حرًا، ذكرًا، رجلاً، فليس له أن يسلك مسالك البهائم، والمجانين، والأرقاء، والنساء، والصبيان لأن ذلك يناقض الحكمة الإلهية، ويكون كفراً بنعمة الله تعالى.
كذلك كمال المرأة أن لا تخرج عن مسالك النساء إلى مداخل الرجال.
وكمال الرقيق أن لا يطلب السيادة وهو مقيم على الرق.
وكمال الصبي أن لا يزاحم الرجال الكُمَّل فيما يختص بهم من الرئاسات وابتداء الكلام والاستبداد بالرأي.
بل كمال المرء أن يكون بالمنزلة التي أنزله الله تعالى بها من صغر أو كبر، أو فقر أو غنى، حتى يكون الله تعالى هو الذي ينقله عنها إلى أكمل منها.
стр. 5145
وإذا نقل الله تعالى العبد من حالة نقص إلى حالة كمال كانتقاله من الجهل إلى العلم فليس له أن ينزل من صفة الكمال إلى صفة النقص؛ فإن ذلك كفران للنعمة وعكس للحكمة، فتعيَّن أن نتكلم حينئذ في هذا المعنى في أبواب.
وأخَّرنا الكلام على التشبه بالبهائم لطول الكلام عليه، ولوجوه أخرى من المناسبات سنشير إليها بعون الله وتوفيقه.
(١) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَّبُّهِ العَاقِلِ بِالمَجَانينِ وَالحَمْقَى
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
إنما يتبعون آباءهم ولو كانوا مجانين ضُلاَّلاً.
وفيه إشارة إلى أنه لا يصلح لأن يقتدى به إلا من كان عاقلاً مهتدياً، وأن من اقتدى بمن يتصف بالجنون والضلال، وتشبه به حَرِيٌّ بالذم والإنكار عليه.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا (٩٢)﴾ [النحل: ٩٢].
قال مقاتل، والكلبي: نزلت في امرأة خَرْقاء حمقاء من قريش يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد بن مناة بن تميم، وكانت بها وسوسة، كانت تغزل الغزل من الصوف، والشعر، والوبر، وتأمر جواريها بذلك، فكنَّ يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا
стр. 5148
انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلنه، فهذا كان دأبَها. حكاه الثعلبي، وغيره (١).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص، وابنُ مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أنها نزلت في سعيدة الأسدية، وكانت مجنونة تجمع الشعر والليف؛ أي: لتغزله وتبرمه، ثم تنقضه (٢).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي: أنها كانت امرأة بمكة تسمى: خرقاء مكة؛ كانت تغزل، فإذا برمت غزلها تنقضه (٣).
وعن قتادة في الآية قال: لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها بعد إبرامه لقلتم: ما أحمقَ هذه.
قال: وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن نكث عهده (٤).
والأنكاث: جمع نكث - بالكسر -: وهو النقض بعد الفتل، غزلاً كان أو حبلاً.
стр. 5149
نهى الله تعالى عن التشبه بهذه الحمقاء المختلة في نقض ما غزلته، وهدم ما بنته؛ فإنَّ فِعْلَها اشتمل على إضاعة المال، وإضاعة الزمان في غير فائدة ولا عائدة.
ولقد روى الدينوري في "المجالسة" عن خلس قال: قيل لأعرابي - وأراد الحجاج قتله -: اشهد على نفسك بالجنون.
قال: لا أكذب على ربي وقد عافاني، فأقول: قد بلاني (١).
فتأمل كيف عرض على هذا أن يشهد على نفسه بالجنون؛ أي: بأن يتجامن ويتجانن لينجو من القتل، [فآثر القتل] (٢) على الاتصاف بعدم العقل!
وذكر أقضى القضاة الماوردي في "أدب الدين والدنيا" عن الأصمعي قال: قلت لغلام حَدَثٍ من أولاد العرب كان يحادثني فأمتعني بفصاحته: يسرك أن يكون لك مئة ألف درهم وأنت أحمق؟
قال: لا والله.
قلت: ولم؟
قال: أخاف أن يجني عَلَيَّ حُمقي جناية تذهب بمالي، ويبقى عَلَيَّ حمقي.
قال الماوردي: فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج لفرط
стр. 5150
ذكائه، واستنبط بِجَودة قريحته ما لعله يدق على من هو أكبر منه سناً وأكثر تجرِبة (١).
ومن أول دليل على قبح التشبه بالمجانين والحمقى ما رواه ابن عدي في "كامله" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "إِيَّاكُمْ وَرَضاعَ الْحَمْقاءِ" (٢).
والحكمة في ذلك أن الرضاع يغير الطباع، فنهى عن إرضاع الصبي من الحمقاء لئلا يسري إليه من حمقها شيء.
ولعل التشبه بالمجانين أبلغ من سريان حالهم إلى المتشبه من الرضاع في طباع الرضيع.
ولقد قال حجة الإسلام الغزالي: لا يتجنن إلا المجنون (٣).
قلت: بل المتشبه بالمجنون أسوأ حالاً منه من وجهين: الأول: أن المجنون سُلِبَ نعمة العقل فلا يطالب بشكرها، والعاقل المتشبه كفر نعمة العقل من حيث إنه لم يستعمله فيما خلق له، وهو بذلك متعرض لزوال تلك النعمة؛ فإن كفران النعم يبيدها، كما أن الشكر يفيدها ويزيدها، ولذلك قال بعض الحكماء: ما تجنن أحد قط إلا وانتهى أمره إلى الجنون.