(١) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَّبُّهِ العَاقِلِ بِالمَجَانينِ وَالحَمْقَى
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
إنما يتبعون آباءهم ولو كانوا مجانين ضُلاَّلاً.
وفيه إشارة إلى أنه لا يصلح لأن يقتدى به إلا من كان عاقلاً مهتدياً، وأن من اقتدى بمن يتصف بالجنون والضلال، وتشبه به حَرِيٌّ بالذم والإنكار عليه.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا (٩٢)﴾ [النحل: ٩٢].
قال مقاتل، والكلبي: نزلت في امرأة خَرْقاء حمقاء من قريش يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد بن مناة بن تميم، وكانت بها وسوسة، كانت تغزل الغزل من الصوف، والشعر، والوبر، وتأمر جواريها بذلك، فكنَّ يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا
стр. 5148
انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلنه، فهذا كان دأبَها. حكاه الثعلبي، وغيره (١).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص، وابنُ مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أنها نزلت في سعيدة الأسدية، وكانت مجنونة تجمع الشعر والليف؛ أي: لتغزله وتبرمه، ثم تنقضه (٢).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي: أنها كانت امرأة بمكة تسمى: خرقاء مكة؛ كانت تغزل، فإذا برمت غزلها تنقضه (٣).
وعن قتادة في الآية قال: لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها بعد إبرامه لقلتم: ما أحمقَ هذه.
قال: وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن نكث عهده (٤).
والأنكاث: جمع نكث - بالكسر -: وهو النقض بعد الفتل، غزلاً كان أو حبلاً.
стр. 5149
نهى الله تعالى عن التشبه بهذه الحمقاء المختلة في نقض ما غزلته، وهدم ما بنته؛ فإنَّ فِعْلَها اشتمل على إضاعة المال، وإضاعة الزمان في غير فائدة ولا عائدة.
ولقد روى الدينوري في "المجالسة" عن خلس قال: قيل لأعرابي - وأراد الحجاج قتله -: اشهد على نفسك بالجنون.
قال: لا أكذب على ربي وقد عافاني، فأقول: قد بلاني (١).
فتأمل كيف عرض على هذا أن يشهد على نفسه بالجنون؛ أي: بأن يتجامن ويتجانن لينجو من القتل، [فآثر القتل] (٢) على الاتصاف بعدم العقل!
وذكر أقضى القضاة الماوردي في "أدب الدين والدنيا" عن الأصمعي قال: قلت لغلام حَدَثٍ من أولاد العرب كان يحادثني فأمتعني بفصاحته: يسرك أن يكون لك مئة ألف درهم وأنت أحمق؟
قال: لا والله.
قلت: ولم؟
قال: أخاف أن يجني عَلَيَّ حُمقي جناية تذهب بمالي، ويبقى عَلَيَّ حمقي.
قال الماوردي: فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج لفرط
стр. 5150
ذكائه، واستنبط بِجَودة قريحته ما لعله يدق على من هو أكبر منه سناً وأكثر تجرِبة (١).
ومن أول دليل على قبح التشبه بالمجانين والحمقى ما رواه ابن عدي في "كامله" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "إِيَّاكُمْ وَرَضاعَ الْحَمْقاءِ" (٢).
والحكمة في ذلك أن الرضاع يغير الطباع، فنهى عن إرضاع الصبي من الحمقاء لئلا يسري إليه من حمقها شيء.
ولعل التشبه بالمجانين أبلغ من سريان حالهم إلى المتشبه من الرضاع في طباع الرضيع.
ولقد قال حجة الإسلام الغزالي: لا يتجنن إلا المجنون (٣).
قلت: بل المتشبه بالمجنون أسوأ حالاً منه من وجهين: الأول: أن المجنون سُلِبَ نعمة العقل فلا يطالب بشكرها، والعاقل المتشبه كفر نعمة العقل من حيث إنه لم يستعمله فيما خلق له، وهو بذلك متعرض لزوال تلك النعمة؛ فإن كفران النعم يبيدها، كما أن الشكر يفيدها ويزيدها، ولذلك قال بعض الحكماء: ما تجنن أحد قط إلا وانتهى أمره إلى الجنون.
стр. 5151
والثاني: أن المجنون رفع عنه قلم التكليف فلا عقاب عليه، والمتشبه به مكلف فيعاقب بما أخل به من التكليفات بسبب التجني، فالمتجنن قد سلب حلاوة العقل في الدنيا وثوابه في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠ - ١١].
والمجنون مثاب على مصيبته كالمريض، كما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه في "الأم".
وروى الشيخان عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟
فقلت: بلى.
قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف؛ فادع الله لي.
قال: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ يُعافِيكِ".
فقالت: أصبر (١).
والمتجنن لا يثاب على مصيبته، بل هو من أشقى الناس.
روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشْقَى النَّاسِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيا
стр. 5152
وَعَذابُ الآخِرَةِ" (١).
ومن كان فقره في عقله فهو أسوأ حالاً ممن فقره في ماله لأنه سلب أحب النعم إلى الله تعالى وهو العقل، والفقير من المال سلب الدنيا وهي أبغض خلق الله تعالى إليه؛ لقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا هُوَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيا، وَما نَظَرَ إِلَيْها مُنْذُ خَلَقَها بُغْضاً لَها".
رواه الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن أبي هريرة ﵁ (٢).
وبين الدنيا وبين الحمقى مناسبة، ومن ثم تروق لهم ما لا تروق لغيرهم، وكلما تأخر الزمان نقصت العقول، وكلما نقصت العقول توافقت الدنيا مع أربابها.
ومن ثم قال بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم، ويأتي على الناس زمان تكون الدولة فيه للحمقى على الأكياس. نقله المبارك ابن الأثير الجزري في كتاب "المختار من مناقب الأخيار" (٣).
стр. 5153
والحكمة في كون الدولة آخراً للحمقى لغلبة الحمقى على الناس، فتتوافق عقول الرعاة والرعية.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد": حدثنا أبو عبد الله السلمي قال: حدثنا بشر بن الحارث بحديث حدثني به أحمد بن حنبل عن وكيع، وغير واحد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: دخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ وعنده عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت عائشة: من هذا؟
قال: "هَذا أَحْمَقٌ مُطاعٌ".
فقال بشر: نعم، هذا من المداراة.
قال لي بشر: أَقِلَّ من مخالطة الناس، واستخفف عنهم حتى تكون عزيزًا (١).
والمعنى: أنه ﷺ كان يلاطف عيينة ويداريه، وكان يكرمه ويعطيه، وهو من المؤلفة قلوبهم لكونه أحمق مطاعاً.
وهذا من النبي ﷺ تعليم لمن أدرك دولة الحمقى كيف يداريهم، فأما إخلاصهم المودة لأجل الدنيا والتوصل إلى مستلذاتها فغير مقبول.
والعاقل يتخلَّق بأخلاق أمثاله وأقرانه في زمانه ومكانه، فإن خالف ذلك فإما أن يكون الباعث له على المخالفة الانحطاط عن
стр. 5154
درجة العقل، أو الانسلاخ منه بالكلية فيكون من جملة الحمقى والمجانين، وإما أن يكون الباعث عليه الفاقة والإضاقة، أو طلب مساواة الناس في الدنيا والثراء، فيرضى بالتشبه بالحمقى والْمَساخر ليثرى ويتسع رزقه، ويؤثر ذلك على العقل، وقد وقع ذلك في الناس كثيرًا حتى قيل: [من مجزوء الكامل المرفّل]
والعَيْشِ خَيْرٌ فِي خِلا ... لِ النَّوكِ (١) مِمَّنْ عاشَ كَدَّا (٢)
وروى الدينوري عن الأصمعي قال: سأل أعرابي عن رجل فقالوا: أحمق مرزوق، فقال: ذاك والله الكامل (٣).
فلا يستفزنك شيء من ذلك على أن تخرج عن السمت اللائق بك، والزي الذي تزينت به أولاً فتكون أحمق في نفس الأمر، وفي أعين الناس يُضرب المثل بك، ألا ترى أن العالم لا ينبغي له أن يتزيا بزي الأجناد، ولا بزي السُّوقة والغوغاء؟ ولا العامي ينبغي له أن يتخلق بخلق العلماء أو الأجناد؟ وليس العالم ولا لذي الهيئة أن يأكل في الأسواق إلا أن يعتاد عدم التقيد بذلك.
وقد سَفَّه قضاة الإسلام وشيوخ العلم أنفسهم إلا من حفظ الله عليهم عقولهم فاعتادوا الآن دخول بيوت القهوة بحيث يتساوى
стр. 5155
القاضي والشيخ هما والسَّائس والحَمَّال والخادم في المجلس؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون!
قال العلماء: ولو اعتاد الفقيه التعمم ولباس الفرجية والطيلسان فلا ينبغي له أن يخرج بلا عمامة ولا فرجية لإخلال ذلك بمروءته ما لو لم يعتد التقيد بذلك، وينبغي أن يعتبر أحوال السلف والخلف بهذا الميزان.
وروى أبو نعيم عن الجعيد قال: سمعت عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى للسائب بن يزيد ﵁: هل رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يأتزر بالرداء، أو يرتدي بالإزار ثم يخرج؟
قال: نعم.
قال: لو صنع اليوم ذلك أحد لقيل: مجنون (١).
نعم، تتغير أحوال الناس في الزي والملابس باعتبار اختلاف عقولهم، وما أرى الناس كما تأخرت الأزمان تختلف أحوالهم إلا بالنقص عن الكمال لتقهقرهم في العقول، فمتى استحسن الناس في زمن من الأزمنة زياً أو حالاً فلا يكون مقبولاً غير مأمون العاقبة إلا إن وافق الشرع ولم يصادم السنة، ولعل اختلال العقل يحمل الناس على دعوى أن بدعتهم سنة، واستحسانهم شريعة كما وقعت الإشارة في الحديث إلى ذلك، وعلى دعوى أن العلم
стр. 5156
ما علموه، وأن كل علم عورضوا به جهل، ومَنْ سُلِب التوفيق وقع في ذلك كله.
ومما يدل على ذم الحماقة والجنون: أن العلم لا يصلح من فسادهما شيئًا، ولا يزين العلم شيء مثل العقل ونزاهته عن الرُّعونة، حتى قال أرسطاطاليس: زيادة العلم في الرجل الأحمق كزيادة الماء في أصول الحنظل؛ كلما ازداد علماً ازداد حماقة.
ومن ثم استعاذ رسول الله ﷺ من علم واسع (١)؛ فإنه لا ينفع إلا مع العقل.
وقيل [من الكامل]:
الْعِلْمُ لِلرَّجُلِ اللَّبِيبِ زِيادَةٌ ... وَنَقِيصَةٌ لِلأَحْمَقِ الطَّيَّاشِ
مِثْلَ النَّهارِ يَزِيدُ إِبْصارَ الوَرَى ... نُورًا وَيُعْشِي أَعْيُنَ الْخَفَّاشِ
* تَنْبِيهٌ:
قال ابن الأعرابي: الحماقة مأخوذة من: حمقت السوق: إذا كسدت، وكأن الأحمق كاسد العقل والرأي، فلا يُشاور، ولا يلتفت إليه في أمر حرب أو غيره (٢).
قال في "الصحاح": الْحُمق والْحَمَق: قلة العقل (٣).
стр. 5157
وفرَّق ابن الجوزي بين الحمق والجنون بأن الحمق هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود، بخلاف الجنون؛ فإنه عبارة عن الخلل في الوسيلة والمقصود جميعاً (١).
ثم ذهب أكثر الناس إلى أن الحمق غريزة، حتى قال أبو إسحاق السبيعي رحمه الله تعالى: إذا بلغك أن غنياً افتقر فصدق، وإذا بلغك أن فقيراً استغنى فصدق، وإذا بلغك أن حياً مات فصدق، وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق.
وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى: بلغني أنه قيل لعيسى ﵇: يا روح الله! إنك تحي الموتى؟
قال: نعم بإذن الله.
قيل: وتبرئ الأكمه والأبرص؟
قال: نعم بإذن الله.
قيل: فما دواء الحمق؟
قال: هذا الذي أعياني.
رواهما ابن الجوزي (٢).
стр. 5158
وأنشد بعض الحكماء [من الخفيف]:
وَعِلاجُ الأَبْدانِ أَيْسَرُ خَطْباً ... حِينَ تَعْتَلُّ مِنْ عِلاجِ الْعُقُولِ (١)
وقيل: [من البسيط]
لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ إِلاَّ ... الْحَماقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُداوِيها (٢)
وفي معناه ما أنشده الجوهري لقيس بن الحطيم [من الوافر]:
وَداءُ الْجِسْمِ مُلْتَمِسٌ شِفاءً ... وَداءُ النُّوكِ لَيْسَ لَهُ شِفاءُ (٣)
والنوك - بالضم -: الحمق.
فإن قلت: إذا كان الحمق غريزة فهو لا يدخل تحت الاختيار، فكيف ينهى عن التحامق والتشبه بالحمقى؟
قلت: إنما يقع النهي عن محاكاة الأحمق في مثل فعله وزيه لا في نفس الحمق، ومن ثم لا يقال للحاكي: أحمق إلا على تأويل، بل يقال: متحامق ومتشبه، ومن الناس من سماه: أرعن؛ ذاهباً إلى أن الرعونة تتولد من معاشرة النساء وغيرهن من ضعفاء العقول، وزعم أن الأرعن في الذم أسهل من الأحمق، والأنوك، ثم المائق أبلغ من الأحمق.
قال في "الصحاح": الموق: حمق في غباوة، يقال: أحمق مائق، والجمع موقى؛ مثل: حمقى ونوكى (٤)، وأقره صاحب "القاموس" (٥).
стр. 5159
والحماقة تختلف اختلافًا كثيرًا كالجنون، وكما قيل: الجنون فنون، والحماقة أيضًا فنون وألوان لا تكاد تنضبط.
قال أبو بكر النقاش: قيل لإبراهيم النظام: ما حد الحمق؟
قال: سألتني عما ليس له حد. رواه الخطيب، وغيره (١).
стр. 5160
فَصْلٌ
اعلم أن الجنون تارة يقع به الاختلال في أمور الدنيا، وتارة في أمور الآخرة.
فأما الأول: فهو أن الجنون قد يغلب عليه الخوف والحزن، فلا يلتفت إلى نعيم الدنيا، فربما ترك النساء ولم يلتفت إليهن، وربما أعرض عن أكل الخشكنان (١)، وأكل خبز الخشكار (٢)، وربما ترك شم الرياحين، ونام في مجتمع القمامات والسراجين.
وقد يغلب عليه الأنس والطرب، فيموت ولده ولا يحزن، وَيخْرَب بيته ولا يهتم، ويذهب ماله ولا يتأثر، ويصفع عنقه ولا يغضب، وتتوالى عليه المصائب ولا يضجر، ولا يوحشه من غاب، ولا يؤنسه من حضر؛ فهذه الأحوال قد يحسن التوصل إليها والتخلق بها من العقلاء، لا من حيث تصدر من المجانين، بل من
стр. 5161
حيث النظر في العواقب؛ فإن التلذذ بالدنيا على وجه الغفلة قد يمنع من لذة الآخرة أو بنفعها، والاشتغال بالدنيا ونعيمها ليس من العقل في شيء إلا من حيث الاستعانةُ بها على الآخرة، وذلك بأن يستكثر العاقل من ذكر الموت، والبعث والنشور، والسؤال والحساب، والقصاص في الآخرة، وذكر عظمة الله تعالى وسطوته حتى يخاف، ويرهب ويحزن على ما فات من عمره في غير الطاعة، فتغلب عليه هذه الأحوال حتى تمنعه عن الالتفات إلى نعيم الدنيا، والتمتع بالنساء، والتقلب في الأموال والملابس، والمطاعم والمشارب، وسائر الملاذ، وهذا حال عقلاء المجانين وكثير من أولياء الله تعالى.
روى أبو عبيد القاسم بن سلام عن سليمان بن سُحيم قال: أخبرني من رأى ابن عمر ﵁ يصلي وهو يترجح ويتمايل ويتأوه، حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: لقد أصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان: ١٣] , أو نحو ذلك (١).
وروى الدينوري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن الفتى الذي كلم أيوب ﵇ في بلائه قال له: يا أيوب! أما علمت أن لله عباداً أسكتتهم خشية الله من غير عِي ولا بَكَم، وإنهم لهم النبلاء الطلقاء، الفصحاء العالمون بالله وبأيامه، ولكنهم إذا ذكروا
стр. 5162
عظمة الله تقطعت قلوبهم، وكَلَّت ألسنتهم، وطاشت عقولهم فَرَقاً من الله وهيبته (١).
وعن ذي النون رحمه الله تعالى قال: إن لله عباداً نصبوا أشجار الخطايا نصب روانيق القلوب، وسَقَوها بماء التوبة، فأثمرت ندماً وأحزاناً، فجَنُّوا من غير جنون، وتبلَّدوا من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء البلغاء، الدرباء العارفون بالله ، وبرسوله ﷺ ، وبأمر الله تعالى (٢).
وروى أبو نعيم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: إن عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، قلوبهم محزونة، وسرورهم مأمونة، حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصاراً تعقب راحة طويلة، أما الليل فصافَّة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، فيجأرون لبارئهم؛ ربَّنا ربَّنا، وأما النهار فحلماء علماء، بررة أتقياء، كأنهم القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم مرض، أو خولطوا ولقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمرٌ عظيم (٣).
وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله تعالى: لقيت مرة شيخاً متظاهراً
стр. 5163
بالجنون فناديته: قف يا مجنون، فالتفت إلي، وقال لي: أتدري من المجنون؟
فقلت: لا.
فقال: المجنون من يخطي خطوة ولم يذكر الله تعالى (١).
وروى ابن جهضم عن ذي النون رحمه الله تعالى قال: قلت لفليح المجنون: ما الذي جنَّنك وأذهب عقلك؟
فقال لي: لما طال حبسي في الدنيا صرت مجنوناً لخوف فراقه.
وروى الدينوري عن ابن أبي فديك رحمه الله تعالى قال: كان هاهنا بالمدينة في سنة سبع وثمانين رجل يكنى: أبا نصر بن جهينة، ذاهب العقل في غير ما الناس فيه، لا يتكلم في شيء من أمر الدنيا، وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله ﷺ ، وكان إذا سئل عن الشيء أجاب جواباً معجباً حسناً.
قال ابن أبي فديك: فأتيته يوماً وهو مع أهل الصفة منكِّساً رأسه، واضعاً جبهته بين ركبتيه، فجلست إلى جنبه، فحركته، فانتبه، فأعطيته شيئاً كان معي، فأخذه، وقال: قد صادف منا حاجة.
فقلت له: يا أبا نصر! ما الشرف؟
فقال: حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها، والقبول من محسنها، والتجاوز عن مسيئها.
стр. 5164
قلت: فما المروءة؟
قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وتوقي الأدناس، واجتناب المعاصي صغيرها وكبيرها.
قلت: فما السخاء؟
قال: جهد المقل.
قلت: فما البخل؟
قال: أُفٍّ، وحوَّلَ وجهه عني.
فقلت: إنه لم تجبني بشيء.
قال: بل قد أجبتك.
قال ابن أبي فديك: وقدم هارون أمير المؤمنين، فأحب أن ينظر إليه، فلما أتاه هارون حرك أبا نصر بيده، فرفع رأسه وهارون واقف، فقيل له: يا أبا نصر! هذا أمير المؤمنين واقف عليك.
فرفع رأسه إليه فقال: أيها الرجل! إنه ليس بين الله وبين أمة نبيه ﷺ خلق غيرك، وإن الله سائلك، فأَعِدَّ للمسألة جواباً، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله عنها.
فبكى هارون وقال: يا أبا نصر! إن رعيتي ودهري غير رعية عمر ودهره.
فقال له أبو نصر: هذا والله غير مغنٍ عنك، فانظر لنفسك؛ فإنك
стр. 5165
وعمر تسألان عما خَوَّلَكُما الله تعالى فيه.
ثم دعا هارون بِصُرَّة فيها مئة دينار فقال: ادفعوها إلى أبي نصر.
فقال: وهل أنا إلا رجل من أهل الصفة؟ ادفعوها إلى فلان يفرقها بينهم ويجعلني رجلاً منهم (١).
وروى أبو نعيم عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: أنه كان يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، ويقول: اذكروا الله حتى يقول الجاهل: إنك مجنون (٢).
وروى أبو نعيم عن إسحاق بن خلف قال: قال سفيان رحمه الله تعالى لشاب يجالسه: أتحب أن تخشى الله حق خشيته؟
قال: نعم.
قال: أنت أحمق؛ لو خفته حق خوفه ما أديت الفرائض (٣).
معناه: أنه كان يتبلبل عقله من شدة الخوف فلا يهتدي إلى تأدية الفرائض.
ومن أحسن ما قيل في وصف أولياء الله تعالى [من الكامل]:
فَهُمُ الَّذِينَ تَجَنَّبوا الأَشْغالا. . . بَذَلُوا النُّفُوسَ وَأَنْفَقُوا الأَمْوالا
تَرَكُوا النِّساءَ كَأَنَّهُنَّ أَرامِلٌ. . . قَبْلَ الْمَماتِ وَأَيْتَمُوا الأَطْفالا
стр. 5166
وَتَجَوَّعوا وَتَعَطَّشوا وَتَضَمَّروا ... طَلَبَ السِّباقِ وَخَفَّفوا الأَثْقالا
وَتَغَرَّبوا وَتَعَزَّبوا عَنْ أَهْلِهِمْ ... حَذَرَ الفَواتِ وَفَكَّكوا الأَغْلالا
فَطَمُوا عَنِ الدُّنْيا نُفوساً طالَما ... كانَتْ تَتِيهُ عَلى النَّعِيمِ دَلالا
خافُوا البَياتَ فَشَمَّروا بِعَزِيْمَةٍ ... طَلَبَ النَّجاةِ وَكابَدوا الأَهْوالا
حَتَّى إِذا بَلِيَتْ ضَنًى أَجْسامُهُمْ ... وَهَوى شُجوناً فِي الْهَوى
وَرَدوا جَنابَ مَلِيكِهِمْ فَحَباهُمُ ... زَيْناً يَفُوقُ الفَرْقَدَيْنِ مِثالا (١)
وقد يكثر العاقل الفكر في سعة رحمة الله تعالى وكثرة عفوه، ويذكر لطفه بكثير من خلقه ورأفته بهم، فيغلب عليه الرجاء والفرح بفضل الله تعالى، فلا ينزعج بشيء من مصائب الدنيا، ولا يحزن على شيء فاته منها؛ خصوصاً إذا اطلع على ما أعده الله تعالى للصابرين من الأجر العظيم والثواب الكثير، وذلك عن ذوي الدنيا معدود في أحوال المجانين المولهين في الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "اذْكُرِ اللهَ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ". رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه (٢).
وروى أبو نعيم عن عصام بن يزيد قال: ربما كان يأخذ سفيان رحمه الله تعالى في التفكر فينظر إليه الناظر، فيقول: مجنون (٣).
стр. 5167
وكذلك لو غضب الإنسان لله تعالى لمشاهدة منكر في الدين، فاضطربت أحواله، وتبلبلت أقواله حتى صار في مثل حال المجانين؛ فإنه محمود على هذه الحالة ويثاب عليها.
روى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة رحمه الله تعالى قال: لم يكن أصحاب النبي ﷺ متحرفين ولا متهاونين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حَمَاليق عينيه كأنه مجنون (١).
وروى ابن عساكر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ : "قَلِيلُ التَّوْفِيقِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ العَقْلِ، وَالعَقْلُ فِي أَمْرِ الدُّنْيا مَضَرَّة، وَالعَقْلُ فِي أَمْرِ الدِّينِ مَسَرَّةٌ" (٢).
ومقتضاه أن العبد إذا حمله التوفيق على إنكار المنكر - ولو أخل إنكاره بشيء من أحواله الدنيوية المستحسنة عقلاً عند أهل الدنيا - فلا بأس عليه، بل هو على خلق محمود وخير موجود.
ومن غلب عقله في الدين على عقله في الدنيا لمطالعة أسرار الملكوت ظهرت محاسنه، وتميز بها على أهل الدنيا، وظهر حسن فهمه، وصحة نظره كما روى الدينوري عن إبراهيم بن حبيب قال: [سمعت أبا نعيم يقول]: مر أبو الديك - وكان معتوهاً - بمعلم كتاب
стр. 5168
[جبانة كندة] (١) وهو ينشد [من الكامل]:
إِنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً ... حَتَّى يُصابَ بِها طَرِيقُ الْمَصْنعِ
فقال له أبو الديك: كذبت، لا يكون المعروف معروفاً حتى يصرف في أهله وفي غير أهله، ولو كان لا يصرف إلا في أهله كنت لا ينالني منه شيء (٢).
وعن حفص بن غياث قال: مررت بطاق المحاملي، فإذا أنا بعليان المجنون جالس، فلما جزته سمعته يقول: من أراد سرور الدنيا وحزن الآخرة فليلتمس ما هذا فيه.
قال: فو الله لتمنيت أني كنت مت قبل أن ألي القضاء (٣).
وربما غلب الوجد على أهل الله تعالى والوَلَه حتى يغيبوا عن وجودهم، فتبدو منهم أفعال وأحوال لو صدرت عن أحد وهو مشاهد العقل والإحساس بين أيديهم لحكموا عليه أنه خرج عن حد العقل، وألحقوا تلك الأفعال بأحوال المجانين كالرقص، والدوران، وتخريق الأثواب، وهي حالة شريفة علامة صحتها أن تحفظ على صاحبها أوقات الصلوات، وسائر الفرائض، فترد عليهم فيها عقولهم، وهذا حال جماعة من أولياء الله تعالى منهم: أبو بكر الشبلي، وأبو الحسين
стр. 5169
النوري، وسمنون المحب، وبهلول، وأمثالهم.
وروى أبو الفرج بن الجوزي في "صفة الصفوة" عن فتح بن شحرف رحمه الله تعالى قال: كان سعدون صاحب المحبة لله وصلَ صيام ستين سنة حتى خف دماغه، فسماه الناس مجنوناً لتردد قوله في المحبة، قال: فغاب عنا زماناً، فبينا أنا قائم على حلقة ذي النون رأيته عليه جبة صوف وعليها مكتوب: لا تباع ولا تشترى، فسمع كلام ذي النون، ثم أنشأ يقول [من الطويل]:
وَلا خَيْرَ فِي شَكْوى إِلَى غَيْرِ مُشْتَكَى ... وَلا بدَّ مِنْ شَكْوى إِذا لَمْ يَكُنْ صَبْرُ (١)
وروى الخطيب عن الأصمعي قال: مررت بسعدون المجنون فإذا هو جالس عند رأس سكران، فقلت له: ما باله؟
فقال: إنه مجنون.
فقلت له: أنت مجنون أو هو؟
فقال: لا، بل هو.
قلت: من أين قلت ذاك؟
قال: لأني صليت الظهر والعصر جماعة، وهو لم يصل جماعة ولا فرادى.
стр. 5170
فقلت له: فهل قلت في ذلك شيئاً؟
فأنشا يقول [من المتقارب]:
تَرَكْتُ النَّبِيذَ لأَهْلِ النَّبِيذِ ... وَأَصْبَحْتُ أَشْرَبُ ماءً قراحا
لأَنَّ النَّبِيذَ يُذِلُّ العَزِيزَ ... وَيَكْبُو الوُجُوهَ النِّضارَ الصِّباحا
فَإِنْ كانَ ذا جائِزاً لِلشَّبابِ ... فَما العُذْرُ فِيهِ إِذا الشَّيْبُ لاحا (١)
وروى ابن جهضم عن سَرِي السَّقَطي رحمه الله تعالى قال: خرجت يوماً إلى المقابر، فرأيت بهلولاً رحمه الله تعالى قد دلى رجليه في قبر يعبث بالتراب، فقلت له: أي شيء تصنع هاهنا؟
فقال: أنا عند قوم لا يؤذونني، وإن غبت عنهم لا يغتابوني.
فقلت له: لا تكون جائعاً؟
فولى، وأنشأ يقول: [من الطويل]
تَجَوَّعْ فإِنَّ الْجُوعَ مِنْ عَلَمِ التَّقي ... وَإِنَّ طَويلَ الْجُوعِ يَوماً سَيَشْبَعُ
فقلت له: إن الخبز قد غلا.
فقال: والله ما أبالي ولو بلغت حبة بمثقال؛ علينا أن نعبده كما أمر، وعليه أن يرزقنا كما وعد.
ثم ولى، وهو يقول [من الرمل]:
стр. 5171
أُفِّ لِلدُّنْيا فَلَيْسَتْ لِي بِدارٍ ... إِنَّما الرَّاحَةُ فِي دارِ القَرارِ
أَبَتِ السَّاعاتُ إِلاَّ فُرْقَةً ... فِي بِلى جِسْمِي بِلَيْلٍ أَوْ نَهارِ (١)
وذكر اليافعي في "روض الرياحين" عن بعضهم قال: رأيت الشبلي قائماً يتواجد وقد خرق ثوبه، وهو يقول [من المديد]:
شَقَقْتُ ثَوبِي عَلَيْكَ شَقَّا ... وَما لِثَوبِي أَرَدْتُ حَقَّا
أَرَدْتُ قَلْبِي فَصَادَفَتْهُ ... يَدايَ بِالْجَيبِ إِذ يُوَقَّى
لَوْ كانَ قَلْبِي مَكانَ جَيْبِي ... لَكانَ لِلشَّقِّ مُسْتَحِقَّا
وروى الرافعي في "أماليه" - بسنده - أن سمنون كان جالساً على الشط وبيده قضيب يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه، وهو يقول [من السريع]:
كانَ لِي قَلْبٌ أَعِيشُ بِهِ ... ضاعَ مِنِّي فِي تَقَلُّبِه
رَبِّ فَارْدُدْهُ عَلَيَّ فَقَدْ ... ضاقَ صَدْرِي فِي تَطَلُّبِه
وَأَغِثْ ما دامَ لِي رمْقٌ ... يا غِياثَ الْمُسْتَغِيثِ بِه (٢)
وروى ابن الجوزي عن أبي بكر الشبلي رحمه الله تعالى قال: رأيت يوم الجمعة سمنون عند جامع الرصافة عرياناً، وهو يقول: أنا
стр. 5172
مجنون الله، أنا مجنون الله.
فقلت: لم لا تدخل الجامع، وتتوارى وتصلي؟ فأنشأ يقول [من الطويل]:
يَقُولُونَ زُرْنا وَاقْضِ واجِبَ حَقِّنا ... وَقَدْ أَسْقَطَتْ حالِي حُقُوقَهُمُ عَنِّي
إِذا هُمْ رَأَوْا حالِي وَلَمْ يَأْنَفُوا لَها ... وَلَمْ يَأْنَفُوا مِنْها أَنِفْتُ لَهُمْ مِنِّي (١)
وأنشد الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد الزهري الشافعي مفتي دمشق معتذراً عن كشف رؤوس الفقراء في الذكر [من الطويل]:
يَلومُوننِي فِي كَشْفِ رَأْسِي وإِنَّني ... لَمُعْتَرِفٌ أَنِّي عَلى ذاكَ أُوجَرُ
لِقَصْدِي بِهِ إِظْهارَ ذِلَّتِيَ الَّتِي ... هِيَ الْمَقْصِدُ الأَسْنَى لِمَنْ يَتَبَصَّرُ
فأما من أظهر هذه الأحوال تعمداً للتوصل إلى الدنيا، أو ليعتقده الناس ويتبركوا به، أو لنحو ذلك، ففعله هذا من أقبح الذنوب المُهْلِكات، والمعاصي الموبقات.
стр. 5173
وقد روى عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبي عمران الجوني قال: وعظ موسى ﵇ قومه، فشق رجل منهم قميصه، فقيل لموسى ﵇: قل لصاحب القميص لا يشق قميصه ليشرح لي عن قلبه (١).
وربما حملته محبة الدنيا كثيراً من المتصوفة على صرف الهمة في التأنق بهذه الأحوال، والدخول في طلبها في كل باب وَلَهاً بالدنيا وولعاً بها، وهم يظهرون التولُّه في الله تعالى، ومن وصل في طلب الدنيا إلى هذه الحالة فهو أسوأ حالاً من المجانين حقيقة، وأوغل في الشرك ممن طلب الدنيا بالدُّفِّ والمزمار.
وقد روى الإمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم من طريقه عن فرات ابن سلمان، [أن] أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه كان يقول: ويل لكل جَمَّاع فاغرٍ فاهُ كأنه مجنون، يرى ما عند الناس ولا يرى ما عنده، لو يستطيع لوصل الليل بالنهار، ويله من حساب غليظ وعذاب شديد (٢)!
* تَنْبِيهٌ:
روى أبو نعيم عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: لو أن رجلاً عاقلاً تصوَّف لم يأت الظهر
стр. 5174
حتى يصير أحمق (١).
قلت: كثيراً ما كنت أحسب أن الشافعي ﵁ أراد بذلك ذم التصوف كما فهمه من كلامه غير واحد، ثم ظهر لي أنه لا يريد الذم لأن العاقل لا يدخل في باب إلا خرج من عُهدة ما فيه، والتصوف إذا أريد به التعبد وتطهير القلب من الأخلاق الذميمة، وتبديل الأخلاق الجميلة بها، والتأدب بآداب الشريعة فلا ينبغي ذمه أصلاً.
وإنما أراد الشافعي رضي الله تعالى عنه أن العاقل إذا تصوف رفض الدنيا، ولم يعبأ بها، وآثر زيَّ الفقراء، وغلب عليه الحب والوَلَه، وخوف العاقبة، فتبدو عليه أحوال هي عند أهل الدنيا من صفات المجانين، وسمات الحمقى والمغفلين، وذلك على حد قوله ﷺ : "أكثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ" (٢).
فقول الشافعي: حتى يصير أحمق معناه: حتى يرى الناس أنه أحمق.
* تَنْبِيهٌ آخَرُ:
روى البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْه" (٣).
стр. 5175
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: سئل أبو عثمان عن قوله: "أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْه"، [فقال: الأبله] في دنياه الفقيه في دينه (١).
وقال الأوزاعي في الحديث: هو الأعمى عن الشر، البصير بالخير (٢).
وقال سهل بن عبد الله: هم الذين ولهت قلوبهم وشغلت بالله (٣). رواهما البيهقي أيضاً.
وقال الجوهري: يعني: البله في أمر الدنيا لقلة اهتمامهم بها، وهم أكياس في أمر الآخرة.
قال الزبرقان بن بدر: خير أولادنا الأبله العقول؛ يريد أنه لشدة حيائه كالأبله، انتهى (٤).
هذا الحديث قاضٍ بمدح العقل والذكاء في الدين، والبَلَه والتعقل في أمور الدنيا، وهو مؤيد لما ذكرناه.
وفي حديث أبي الدرداء المتقدم: "قَلِيلُ التَّوفِيقِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ العَقْلِ"؛ أي: الدهاء، والعقل في أمر الدنيا مضرة، والعقل في أمر الدين مسرة.
стр. 5176
وأما الثاني: وهو وقوع الإخلال بالجنون في أمور الآخرة؛ فإن المجنون لا يتصور اللذة فيطلبها، ولا الشدة فيتجنبها، فلو تصور ألم العقاب لكان ربما لا يعمل معصية ولا يرتكب قبيحة، ولو تصور لذة الثواب لكان ربما لا يدع فريضة ولا يفوت فضيلة، ولكنه لا يتصور شيئاً من ذلك، ولهذا رفع عنه التكليف؛ إذ لا يهتدي إلى صلاة، ولا صيام، ولا صدقة، ولا يخرج من عهدة طاعة أصلاً، وقد تراه يصلي ويتكلم، أو يحدث في صلاته، أو يقطعها متى خطر له، أو يزيد فيها، وقد ينوي الصبح في وقت العشاء، وعكسه، وربما صفع أباه، أو بطش بسلطانه، وبمن لم يوده، وربما وقع على غير أهله، وكشف عن سوءته في ملأ الناس، ومزَّق أثوابه، وأتلف ماله أو مال غيره، وربما كسر الآنية، وأهلك الأمتعة، إلى غير ذلك من القبائح.
فتشبه العاقل به في ذلك أو في شيء منه غير سائغ ولا جائز؛ لأن المجنون يسامح في ذلك إلا لما لم يكن عقل يعقل به قبح هذه الأمور ومقاصدها، ويتعرف به ما يحمد عاقبته من أفعاله، وما تذم عاقبته في الدار الآخرة.
وأما العاقل فإنه يعقل ذلك كله، فلا عذر له في فعل شيء من ذلك، فمن تابع هواه في شيء تذم عاقبته، وأعرض عن مقتضى العقل فهو ملحق بالمجانين من حيث إنه لم ينتفع بالعقل، ولكنه غير معذور كما يعذر المجانين لأن له عقلاً.
ومن ثم أطلق الحكماء اسم الجنون على كل وصف حمل صاحبه
стр. 5177
على ما لا تحمد عاقبته خصوصاً المعاصي كالشباب والعشق، ومن هنا سمي مجنون ليلى مجنوناً.
وروى الخرائطي في كتاب "اعتلال القلوب" عن زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الشَّبابُ شُعْبةٌ مِنَ الْجُنونِ، وَالنِّساءُ حبالَةُ الشَّيْطانِ" (١).
ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه (٢).
وقال الشاعر: [من الخفيف]
إِنَّ شَرْحَ الشَّبابِ وَالشَّعَرَ الأَسْـ ... وَدَ ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنوناً
وأنشد ابن قتيبة في "عيون الأخبار": [من البسيط]
قالَتْ شَهِدْتُكَ مَجْنُوناً فَقُلْتَ لَها ... إِنَّ الشَّبابَ جُنونٌ بُرْؤُهُ الْكِبَرُ (٣)
وهذا البيت لأبي عبد الرحمن محمد بن عبيد الله العتبي البصري الشاعر المشهور، وقبله:
стр. 5178
لَمَّا رَأتنِيَ سَلْمى قاصِراً بَصَرِي ... عَنْها وَفِي الطَّرْفِ عَنْ أَمْثالِها
ذكره القاضي شمس الدين خلكان في "تاريخه" (١).
وروى ابن أبي الدنيا عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه قال: ليس العاقل الذي يتحيَّل في الأمر الذي يقع فيه حتى يخلُص منه، ولكن العاقل الذي يتوقى الأمور حتى لا يقع فيها (٢).
قلت: ومن ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يدخل في الوصية أحمق أو لص. رواه أبو نعيم في "الحلية" (٣).
ومن هذا القبيل - أعني: عدم النظر في العواقب - الذي هو من أحوال الحمقى والنوكى أن يكون الإنسان كامل الشهوة، واجداً لطَول الزوجة، ولا يتزوج.
روى عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قال لرجل: أتزوجت؟
قال: لا.
قال: إما أن تكون أحمق، وإما أن تكون فاجراً (٤).
وروى هو وابن أبي شيبة عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي
стр. 5179
طاوس رحمه الله تعالى: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر رضي الله تعالى عنه لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور (١).
ومن هذا القبيل أيضاً ما رواه الثعلبي عن شريح الكعبي صاحب رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتموني أتصدق بشر ما عندي فاكووني - أي: داووني بالكَي - فإني مجنون (٢).
وذلك لأن المتصدق يدخر الصدقة لنفسه في آخرته، والذي يأكل ويلبس ويتمتع به في الدنيا يبليه ويفنيه، والذي يدعه حتى يموت يتركه لغيره، وتبقى تبعته عليه، ومن يدخر لنفسه الأدنى والأردى، ويُتلف الجيد أو يدعه لغيره أقرب شيء إلى الجنون.
ومن ذلك ما ذكره المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" في ترجمة أبي مُسهر عبد الأعلى بن مُسهر عن يحيى بن معين رحمه الله تعالى قال: إن الذي يحدث بالبلد وبها من هو أولى منه بالحديث أحمق؛ إذا رأيتني أحدث ببلدة فيها أبو مسهر فينبغي للحيتي أن تحلق (٣).
ووجه ذلك أن من حدث، أو أفتى في بلدة فيها أعلم منه، أو أحفظ لا يأمن أن يكون عاقبة أمره أن يخطأ من قبل من هو أعلم منه لإخلاله بشرط في الرواية، أو قيد في المسألة.
стр. 5180
وكذلك حال من يفيد مسألة في حضرة من هو أعلم منه بها، أو يخبر بخبر في حضرة من أخبره به، وحال من يتكلم في أمرٍ غيرُه أولى بالتكلم فيه لتقدمه عليه في سن، أو معرفة، أو شرف.
١ - ومن أحوال الحمقى، والمجانين: الكبر، والعجب، والخيلاء، والإعجاب بالرأي .
وذلك يوجب ما ذكرناه آنفاً من التكلم بحضرة من هو أولى منه بالتكلم.
والمرء قد يخرج بهذه الصفات عن طباع العقلاء في لباسهم، وحليتهم، ومشيهم، وكلامهم.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] إشارةٌ إلى ذلك؛ لأن من مشى هذه المشية، فكأنه صار له خرق الأرض أو مطاولة الجبال، وهذا مما لا يكون، ومحاولة ما لا يكون جنون.
وقال محمد بن علي الباقر رحمه الله تعالى: ما دخل قلبَ امرئ شيءٌ من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله (١) من ذلك قل ذلك أو كثر. رواه أبو نعيم (٢).
وحكي أن قومًا مشوا خلف علي ﵁ فقال: [كفُّوا] عني خفق
стр. 5181
نعالكم؛ فإنها مشغلة لقلوب نوكى الرجال (١).
وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: أنه قام يوماً من مجلسه وتبعه الناس، فقال: يا قوم! لا تطؤوا عقبي، ولا تمشوا خلفي.
ووقف فقال: حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن خفق النعال خلف الأحمق قلَّ ما يبقي من دينه (٢).
وقال بعض القدماء: في العجب بالنعمة تهجين العقل، والعجب مأفون، أي: أحمق.
وقال آخر: ما يعجب إلا امرؤ ليس له عقل ولا دين.
وقال الماوردي في "أدبه": وحكي عن عمر بن حصن: قيل للحجاج: كيف وجدت منزلك بالعراق؟
قال: خير منزل لو كان الله تعالى بلغني أربعة، فتقربت إليه بدمائهم.
قيل: ومن هم؟
قال: مقاتل بن مسمع: ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما عزل دخل مسجد البصرة، فبسط الناس له أرديتهم،
стр. 5182
فمشى عليها، وقال لرجل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون.
وعبد الله بن زياد بن ظبيان التيمي: حزَّب أهل البصرة، أمر فخطب خطبة فيها، فنادى الناس من أعراض المسجد: أكثر فينا مثلك، فقال: لقد كلفتم الله شططاً.
ومعبد بن زرارة: كان يوماً جالساً في طريق، فمرت به امرأة، فقالت: يا عبد الله! كيف الطريق إلى موضع كذا؟
فقال: يا هَنْتاه! مثلي يكون من عَبيد الله؟
وأبو سماك الأسدي: أضلَّ راحلته فالتمسها الناس، فلم يجدوها، فقال: والله لئن لم يرد علي راحلتي لا صليت له أبداً، فالتمسها الناس حتى وجدوها، فقالوا: قد رد الله عليك راحلتك، فصلى، فقال: إن يميني يمين مُصِرٍّ.
قال الماوردي: فانظر إلى هؤلاء كيف أفضى بهم العجب إلى حمق صاروا به نكَالاً في الأولين، ومَثَلاً في الآخرين.
قال: ولو تصور المعجب والمتكبر ما فطر عليه من جبلة، وبلي به من مهنة، لخفض جناح نفسه، واستبدل ليناً من عتوه، وسكوناً من نفوره.
قال الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر (١).
стр. 5183
وقد وقع في كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى إطلاق اسم الجنون على العجب فيما أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سعيد بن أيمن قال: سمعت الحسن يقول: لو أن قول ابن آدم كله حق، وفعله كله صواب لَجُنَّ.
قال سعيد بن أيمن في معناه: يعجب بنفسه (١).
٢ - ومن أحوال الحمقى: أنك إذا صنعت إلى أحد منهم معروفاً حسب أنه حق كان له عليك واجباً فأديته إليه، فلا يشكره لك، وربما طالبك بمثله، فإذا قصرت نسبك إلى الظلم، ومن ثم قيل في المثل: العروس الحمقاء تحسب أن المداعي جوارها.
وقال سعيد بن عمارة: مكتوب في التوراة: من صنع معروفاً إلى أحمق فهو خطيئة تكتب عليه. رواه ابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف".
وقال بعض الحكماء: مؤنة العاقل على نفسه، ومؤنة الأحمق على الناس.
وقال الآخر: متى أعطيت الأحمق حقه طلب أكثر منه (٢).
قلت: والحكمة في ذلك أن الأحمق يرى نفسه أكمل الناس وفوقهم، فيرى على كل أحد حقه وتعظيمه، ولا يرى لأحد على نفسه حقاً.
стр. 5184
٣ - ومن أحوال الحمقى: عدم معرفتهم بعيوب أنفسهم .
روى أبو نعيم عن داود بن أبي هند قال: قال إياس بن معاوية: كل رجل لا يعرف عيبه فهو أحمق.
قالوا له: يا أبا واثلة! ما عيبك؟
قال: كثرة الكلام (١).
٤ - ومنها: الاغترار بمدح من يجهل حاله، أو يمدحه بما ليس فيه .
روى أبو نعيم عن ذي النون ﵀ قال: من فرح بمدحة الجاهل ألبسه الله ثوب الحماقة (٢).
٥ - ومن أحوال المجانين، والحمقى: أنهم يطمعون فيما لا يكون ، ويحاولون المحال أن يكون، ولذلك يطلق الجنون على كل من طلب المحال، وأراد التوصل إلى ما هو بعيد المنال.
روى السلمي في "طبقاته" عن يوسف بن الحسن الرازي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إذا أردت أن تعرف العاقل من الأحمق فحدثه بالمحال، فإن قَبِله فاعلم أنه أحمق (٣).
стр. 5185
وقال رسول الله ﷺ : "الأَحْمَقُ مَنْ أتبَعَ نَفْسَهُ هَواها وَتَمَنَّى عَلى اللهِ" (١).
وذلك لأن الله تعالى لا يعطي الأماني إلا لمن خالف الهوى، أو على وجه الابتلاء كما قال : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من أفتى الناس في كل ما يستفتون فهو مجنون. رواه الدارمي، والبيهقي (٢).
وقال ابن عباس ﵁: من أفتى الناس في كل ما يسألون فهو مجنون. رواه البيهقي (٣).
وإنما كان هذا مجنوناً لأن إفتاءه في كل ما يسأل عنه دليل دعواه أنه يعلم كل شيء، وهذا ليس من صفات الخلق.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].