نعالكم؛ فإنها مشغلة لقلوب نوكى الرجال (١).
وروى أبو نعيم عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: أنه قام يوماً من مجلسه وتبعه الناس، فقال: يا قوم! لا تطؤوا عقبي، ولا تمشوا خلفي.
ووقف فقال: حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن خفق النعال خلف الأحمق قلَّ ما يبقي من دينه (٢).
وقال بعض القدماء: في العجب بالنعمة تهجين العقل، والعجب مأفون، أي: أحمق.
وقال آخر: ما يعجب إلا امرؤ ليس له عقل ولا دين.
وقال الماوردي في "أدبه": وحكي عن عمر بن حصن: قيل للحجاج: كيف وجدت منزلك بالعراق؟
قال: خير منزل لو كان الله تعالى بلغني أربعة، فتقربت إليه بدمائهم.
قيل: ومن هم؟
قال: مقاتل بن مسمع: ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما عزل دخل مسجد البصرة، فبسط الناس له أرديتهم،
стр. 5182
فمشى عليها، وقال لرجل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون.
وعبد الله بن زياد بن ظبيان التيمي: حزَّب أهل البصرة، أمر فخطب خطبة فيها، فنادى الناس من أعراض المسجد: أكثر فينا مثلك، فقال: لقد كلفتم الله شططاً.
ومعبد بن زرارة: كان يوماً جالساً في طريق، فمرت به امرأة، فقالت: يا عبد الله! كيف الطريق إلى موضع كذا؟
فقال: يا هَنْتاه! مثلي يكون من عَبيد الله؟
وأبو سماك الأسدي: أضلَّ راحلته فالتمسها الناس، فلم يجدوها، فقال: والله لئن لم يرد علي راحلتي لا صليت له أبداً، فالتمسها الناس حتى وجدوها، فقالوا: قد رد الله عليك راحلتك، فصلى، فقال: إن يميني يمين مُصِرٍّ.
قال الماوردي: فانظر إلى هؤلاء كيف أفضى بهم العجب إلى حمق صاروا به نكَالاً في الأولين، ومَثَلاً في الآخرين.
قال: ولو تصور المعجب والمتكبر ما فطر عليه من جبلة، وبلي به من مهنة، لخفض جناح نفسه، واستبدل ليناً من عتوه، وسكوناً من نفوره.
قال الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر (١).
стр. 5183
وقد وقع في كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى إطلاق اسم الجنون على العجب فيما أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سعيد بن أيمن قال: سمعت الحسن يقول: لو أن قول ابن آدم كله حق، وفعله كله صواب لَجُنَّ.
قال سعيد بن أيمن في معناه: يعجب بنفسه (١).
٢ - ومن أحوال الحمقى: أنك إذا صنعت إلى أحد منهم معروفاً حسب أنه حق كان له عليك واجباً فأديته إليه، فلا يشكره لك، وربما طالبك بمثله، فإذا قصرت نسبك إلى الظلم، ومن ثم قيل في المثل: العروس الحمقاء تحسب أن المداعي جوارها.
وقال سعيد بن عمارة: مكتوب في التوراة: من صنع معروفاً إلى أحمق فهو خطيئة تكتب عليه. رواه ابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف".
وقال بعض الحكماء: مؤنة العاقل على نفسه، ومؤنة الأحمق على الناس.
وقال الآخر: متى أعطيت الأحمق حقه طلب أكثر منه (٢).
قلت: والحكمة في ذلك أن الأحمق يرى نفسه أكمل الناس وفوقهم، فيرى على كل أحد حقه وتعظيمه، ولا يرى لأحد على نفسه حقاً.
стр. 5184
٣ - ومن أحوال الحمقى: عدم معرفتهم بعيوب أنفسهم .
روى أبو نعيم عن داود بن أبي هند قال: قال إياس بن معاوية: كل رجل لا يعرف عيبه فهو أحمق.
قالوا له: يا أبا واثلة! ما عيبك؟
قال: كثرة الكلام (١).
٤ - ومنها: الاغترار بمدح من يجهل حاله، أو يمدحه بما ليس فيه .
روى أبو نعيم عن ذي النون ﵀ قال: من فرح بمدحة الجاهل ألبسه الله ثوب الحماقة (٢).
٥ - ومن أحوال المجانين، والحمقى: أنهم يطمعون فيما لا يكون ، ويحاولون المحال أن يكون، ولذلك يطلق الجنون على كل من طلب المحال، وأراد التوصل إلى ما هو بعيد المنال.
روى السلمي في "طبقاته" عن يوسف بن الحسن الرازي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إذا أردت أن تعرف العاقل من الأحمق فحدثه بالمحال، فإن قَبِله فاعلم أنه أحمق (٣).
стр. 5185
وقال رسول الله ﷺ : "الأَحْمَقُ مَنْ أتبَعَ نَفْسَهُ هَواها وَتَمَنَّى عَلى اللهِ" (١).
وذلك لأن الله تعالى لا يعطي الأماني إلا لمن خالف الهوى، أو على وجه الابتلاء كما قال : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من أفتى الناس في كل ما يستفتون فهو مجنون. رواه الدارمي، والبيهقي (٢).
وقال ابن عباس ﵁: من أفتى الناس في كل ما يسألون فهو مجنون. رواه البيهقي (٣).
وإنما كان هذا مجنوناً لأن إفتاءه في كل ما يسأل عنه دليل دعواه أنه يعلم كل شيء، وهذا ليس من صفات الخلق.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
стр. 5186
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
٦ - ومن أحوالهم: كثرة الأماني .
قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم: ٢٤ - ٢٥]؛ أي: ليس للإنسان كل ما يتمناه، ومن طمع فيما ليس له فهو أحمق.
قال أبو طالب المكي: وكان الحسن رحمه الله تعالى يقول: عباد الله! اتقوا هذه الأماني؛ فإنها أردية النوكى يحلون فيها.
قال: وقال بعض العلماء: كلما قل العقل كثرت الأماني (١).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المتمنين" عن رجاء بن أبي سلمة قال: الأماني لنقص (٢) العقل (٣).
وروى الإمام أحمد [عن أبي هريرة] (٤) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ ما تتَمَنَّى؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي ما يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنيَّتِهِ" (٥).
стр. 5187
٧ - ومن أحوال المجانين، والحمقى: الإخبار بالأشياء المعلومة ضرورة كالسماء فوق الأرض ، والنار محرقة، أو بأضدادها، والتصديق بذلك كالأرض فوق السماء، والسؤال عما هو ظاهر لكل أحد، أو عن ما ليس بمعقول، فإذا وقع مثل ذلك من العاقل ألحق بالمجانين، وضحك منه.
كما حكي أن أحمق سأله بعض العلماء: متى يفطر الصائم؟
قال: إذا غربت الشمس.
قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل (١).
وحكي أن رجلاً قال لولده - وكان الولد أحمق -: اشتر لنا حبلاً فَي طول كذا كذا ذراعاً.
فقال: في عرض كم؟
فقال: في عرض مصيبتي فيك (٢).
ومن هذا القبيل ما يتفق في كل عام لكثير من العوام أن يسألوا العلماء في تاسع عشري شعبان: غداً يكون صوم أو فطر؟
وقد اتفق لشيخ الإسلام الوالد أنه سئل عن هذه المسألة فقال [من المجتث]:
قِيلَ صْومٌ غَداً ... فَقُلْتُ هَذا جُنُونُ
стр. 5188
إِنْ رَأَوْهُ كانَ أَوْ ... ما رَأَوْا لا يَكُونُ
ومن هذا القبيل: البلاهة في الدين، وهي مذمومة كما روى ابن أبي الدنيا في "العقل" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كانَ رَجُلٌ فِي صَوْمَعةٍ فَمَطرَتِ السَّماءُ وَأَعْشَبَتِ الأَرْضُ، فَرَأى حِماراً لَهُ يَرْعى، فَقالَ: يا رَبِّ! لَوْ كانَ لَكَ حِمارٌ رَعَيْتُهُ مَعَ حِمارِي، فَبَلَغَ ذَلِكَ نبِيًّا مِنَ أَنْبِياءِ بَنِي إِسْرائِيلَ، فَأرادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى: إِنَّما أَجْزِي عِبادِي علَى قَدْرِ عُقُولهِمْ" (١).
وأخرجه عن عطاء، ولم يرفعه؛ قال: كان ممن كان قبلكم راهب أشرف، فرأى الأرض مخضرة ذات نبات، فقال: يا رب! ما عندي ما أتصدق به، فلو كان لك حمار فأرعاه مع حماري، فأراد النبي الذي في عصره أن ينهاه، فأوحى الله تعالى إليه أن دعه؛ فإنما أجزي عبادي على قدر ما قسمت لهم من العقل (٢).
وروى أبو نعيم عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: إن نبياً من الأنبياء ﵈ أمر قومه أن يقرضوا ربهم ، فقال رجل منهم: يا رب! ليس عندي إلا تبن حماري، فإن كان [لك] حمار
стр. 5189
علفته من تبن حماري هذا.
قال: فكان يدعو بهذا في صلاته، قال: فنهاه نبيه عن ذلك.
فأوحى الله تعالى إليه: لأي شيء نهيته؟ قد كان يضحكني في اليوم كذا وكذا مرة.
وفي رواية متصلة عن النبي ﷺ كما قال أبو نعيم: "فَإِنِّي إِنَّما أُجازِي عِبادِيَ عَلى قَدْرِ عُقُولهِمْ" (١).
قلت: لعل وجه معاتبة الله تعالى هذا النبي على نهي هذا الأبله عن ذلك لأن البله أمر خلقي فلا يفيد صاحبه النهي شيئاً، بل ربما أوقعه البله بالنهي في أعجب منه.
وقوله: إنه كان يضحكني: الضحك من الله تعالى بمعنى الرضا؛ كأنه يقول: أنا طبعته على البله، ومنعته الفطنة، فرضيت بما يصدر منه؛ فإنه على وفق ما أردت منه (٢).
وقوله في الرواية الأخرى: "إنما أجازي عبادي على قدر عقولهم"؛ فيه إشارة إلى أن العبد المؤمن كلما كان أتم عقلاً كان أوسع علماً ومعرفة، وأكثر عملاً وتقوى، فيكثر ثوابه، فيرجع المعنى إلى أن الثواب بقدر العقول الكاملة، وليس للعبد الذي خلقه الله تعالى كامل
стр. 5190
العقل، وافر الفطنة، ثابت اللب أن يتشبه بالنُّوكى والبُلْهِ في الأفعال الخارجة عن استحسان العقل لأنه يكون كافراً لنعمة العقل والفطانة.
٨ - ومن أقبح أنواع البله، والحمق والجنون، وأشدها ضرراً على أصحابها: الوسوسة، والانتهاء فيها إلى حد إنكار الأمور اليقينية، والحقائق .
قال ابن الجوزي في "الأذكياء": حدثني أزهر بن عبد الوهاب قال: جاء رجل إلى ابن عقيل فقال: إني أنغمس في النهر غمستين أو ثلاثاً، ولا أتيقن أنه قد عمني الماء، ولا أني تطهرت، فكيف أصنع؟
فقال له: لا تصلي.
فقيل له: كيف قلت هذا؟
قال: لأن النبي ﷺ قال: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ" (١)، ومن ينغمس في البحر مرتين أو ثلاثاً، ويظن أنه ما اغتسل، فهو مجنونٌ (٢).
٩ - ومن أحوال المجانين، والحمقى، والمعتوهين: الولع بالشيء، والعبث به، وكثرة الحركة والالتفات لغير فائدة ظاهرة، واستحسان ما يضر أو يؤول إلى الضرر .
ولذلك قال رسول الله ﷺ : "أَكْلُ الطِّينِ، وَقَلْمُ الأَظْفارِ بِالأَسْنانِ،
стр. 5191
وَقَرْضُ اللِّحْيَةِ مِنَ الوَسْواسَ".
رواه الديلمي عن علي رضي الله تعالى عنه (١).
وقال علي بن سهل الأصبهاني رحمه الله تعالى: لا يعدمك من الأحمق كثرة الالتفات وسرعة الجواب.
رواه السلمي في "طبقاته" (٢).
وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان كما حكاه عنه ابن الجوزي في "الحمقى والمغفلين": وعلامة الأحمق سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار.
قال: والأحمق إن أعرضت عنه اغتم، وإن أقبلت عليه اغتر، وإن حلمت عنه جهل عليك، وإن جهلت عليه حلم عليك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، وإن أسأت إليه أحسن إليك، وإذا ظلمته انتصفت منه، ويظلمك إذا أنصفته، فمن ابتلي بصحبة الأحمق فليكثر من حمد الله على ما وهبه مما حرمه ذاك (٣).
وقد اشتمل كلامه على جملة من أخلاق الحمقى يجمعها وضع الشيء في غير محله، واستحسان ما يستقبحه العقلاء.
١٠ - ومن أحوال الحمقى: ما ذكره ابن الجوزي عن بعض الحكماء قال: يعرف الأحمق بست خصال:
стр. 5192
- الغضب في غير شيء، والإعطاء في غير حق.
- والكلام في غير منفعة.
- والثقة بكل أحد.
- وإفشاء السر.
- وأن لا يفرق بين صديقه وعدوه.
- ويتكلم بما يخطر على قلبه، ويتوهم أنه أعقل الناس (١).
وذكر ابن عبد ربه في "العقد" عن سفيان رحمه الله تعالى قال: حمقاء العُوَّاد أشد على أهل المريض من مريضهم، يجيئون في غير وقت العيادة، ويطيلون الجلوس (٢).
١١ - ومنها: أن أحدهم يجمع بين اعتقاد أنه أكمل من غيره، فيزعم الكمال لنفسه ، وبين انتقاص الناس، فيعاملهم بالسَّفَه وبذاذة اللسان، ويطلق لسانه ولا يخاف العقوبة، ويكثر الصَّخَب.
ومثل هذا التهور لا ينبغي أن يجارى فيه ويقابل بمثله، بل يقابل بالتأدب على وجهه، أو بالإعراض عن صاحبه والإغضاء عنه كما قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وروى عبد بن حميد في "مسند" عن خليد بن الحكم عن أبي المجبر قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعُ خِصالٍ مُفْسِدَةٍ لِلْقَلْبِ: مُجاراةُ
стр. 5193
الأَحْمَقِ؛ فَإِنْ جاريتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ، وَإِنْ سَكَتَّ عَنْهُ سَلِمْتَ مِنْهُ، وَكَثْرَةُ الذُّنوبِ مُفْسِدَة لِلْقُلوبِ، وَقَدْ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، وَالْخَلْوَةُ بِالنِّساءِ، وَالاسْتِماعُ مِنْهُنَّ، وَالْعَمَلُ بِرَأْيِهِنَّ، وَمُجالَسَةُ الْمَوْتَى".
قيل: يا رسول الله! وما الموتى؟
قال: "كُلُّ غَنِيٍّ أَبْطَرَهُ غِناهُ" (١).
وقال عبد الله بن حبيق رحمه الله تعالى: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: لا تغضب على الحمقى فيكثر غَمُّك (٢).
وقال الحسن رحمه الله تعالى: هجران الأحمق قربة إلى الله. رواهما أبو حاتم بن حبان (٣).
١٢ - ومنها: قلة الأدب، والتهور المانع من حسن المجالسة، ولطف المعاشرة .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجر ات: ٤].
نزلت في جفاة الأعراب من بني تميم، نادوا النبي ﷺ من وراء حجراته، وقالوا: يا محمد! اخرج إلينا؛ فإنَّ مَدْحَنَا زَين، وذمنا شين،
стр. 5194
ونحن أكرم العرب. والقصة في كتب التفسير (١).
قال أبو حاتم بن حبان: أنشدني أبو محمد الشامي [من السريع]:
لَنا جَلِيسٌ تارِكٌ لِلأَدَبْ ... جَلِيسُهُ مِنْ تَرْكِهِ فِي تَعَبْ
يَغْضَبُ جَهْلاً عِنْدَ حالِ الرِّضا ... عَمْداً وَيَرْضَى عِنْدَ حالِ [الغضب] (*) (٢)
١٣ - ومنها: أن الأحمق متى سمع حديثاً صدقه وإن لم يتبين حقيقته ولم يتصور إمكانه ، وربما خاصم من يعارضه فيه، ويمدح من لا يعرف خيره ولا فضله، ويذم من لم يعرف شره ولا جهله.
وروى ابن أبي الدنيا عن ابن جريج: أن بعض الحكماء قال: ليس من العقل أن تذم من لم تخبر إساءته، أو تمدح من لم تخبر إحسانه (٣).
وقال الأصمعي: إذا أردت أن تعرف عقل الرجل في مجلس واحد فحدثه بما لا يكون، فإن رأيته قد أصغى إليه وقبله فاعلم أنه أحمق، وإن أنكره فهو عاقل (٤).
قلت: ومن أقبح أحوال الحمقى في هذا الباب أن يحدث أحد
стр. 5195
صاحبه في المجلس بخبر، أو مدح رجل أو ذمه، أو نحو ذلك، فيعارضه صاحبه فيه ويأتي بضده، فيتعارضان فيه، ويتجادلان فيه، وكل واحد يستدل لصحة خبره أو قوله، وربما أدى ذلك بهما إلى الشقاق، والتشاتم، والتقاذف، وتكاشف العيوب، وتثور بينهما الحمية الجاهلية، وأكثر ما يتفق ذلك للبطَّالين والبَطِرِين.
١٤ - ومنها: الخروج كل ساعة في طور غير الطور المتقدم من حيث الأخلاق ، أو من حيث الحركة، أو من حيث الزي؛ فتارة يلبس لباس الأجناد، وتارة لباس الفتيان، وتارة لباس الفقهاء، وتارة يتكلم بالشيء ويناقضه في المجلس، ويقوم ويقعد في المجلس كثيراً، ويخرج منه ويعود كثيراً، إلى غير ذلك من الاختلافات والتطورات.
روى ابن أبي الدنيا عن عامر بن عبد قيس رحمه الله تعالى قال: إذا عَقْلُك [عَقَلَك] عما لا ينبغي فأنت عاقل (١).
وعن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: لا تنظر إلى عقل الرجل في كلامه، ولكن انظروا إلى عقله في مخارج أموره ومداخلها (٢).
ومن هذا القبيل ما رواه أبو عبد الله الحسين بن محمد بن زنجويه في كتاب "سنن الخواتيم" عن معاوية ﵁ أنه قال: اعتبروا الرجل في طول لحيته، وكنيته، ونقش خاتمه.
стр. 5196
فبينا هو جالس إذا أقبل رجل طويل اللحية فسلم عليه، فقال له معاوية رضي الله تعالى عنه: ما نقش خاتمك؟
فقال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠].
فقال: وما كنيتك؟
فقال: أبو الكوكب الدري.
قال معاوية: هذا منه (١).
وأخرج فيه عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اعْتَبِروا عَقْلَ الرَّجُلِ بِثَلاثٍ؛ بِطُولِ اللِّحْيَةِ، وَكُنْيَتِهِ، وَنَقْشِ خاتَمِهِ".
قلت: أما الأولى فليس للرجل فيه فعل ولا كسب، وإنما ذلك من الأمارات الصورية التي تدل على عقل الرجل.
وقد حكي أنه مكتوب في التوراة: إن اللحية مخرجها من الدماغ، فمن أفرط عليه طولها قل دماغه، ومن قل دماغه قل عقله (٢).
وقال عبد الملك بن مروان: من طالت لحيته تكوسج عقله (٣).
وقال بعض الشعراء [من المتقارب]:
إِذا عَرَضَتْ لِلْفَتَى لِحْيَةٌ ... وَطالَتْ وَصارَتْ إِلَى سُرَّتِهْ
стр. 5197
فَنُقْصانُ عَقْلِ الفَتَى عِنْدَنا ... بِمِقْدارِ ما طالَ مِنْ لِحْيَتِهْ (١)
وقال بعض أهل الفراسة: إذا كان الرجل طويلاً طويل اللحية فاحكم عليه بالحماقة، وإذا انضاف إلى ذلك أن يكون رأسه صغيراً فلا تشك في حمقه.
زاد بعضهم: إذا كان معلماً، أو حائكاً، أو قطَّاناً فقد تمَّ حمقُه (٢).
وأما الكنية؛ فإن كان المكني له غيره فليس له في ذلك كسب أيضاً، وقد يكون إنما كني بتلك الكنية لما رآه المكني له بها فيه من الحماقة ونحوها، وهذا عمدة من يكني الناس، أو يلقبهم بالألقاب المهملة.
وإما أن يكون هو المختار لتكنية نفسه، فالكنية الدالة على حمقه، وكفى بذلك دليلاً عليه.
وكذلك لو لقب نفسه بلقب هو قاصر عن الاتصاف به والقيام بأمره كالقاصر في العلم يلقب نفسه بشيخ الإسلام، أو العلاَّمة، أو النحرير، أو يفرح بتلقبه بذلك، والبخيل أو الجبان يفرح بوصفه بالكرم أو الشجاعة، أو لقب نفسه بلقب مكروه، أو مضحك.
وأما نقش الخاتم؛ فللإنسان فيه كسب، فينبغي للعاقل أن لا يتشبه فيه.
стр. 5198
ولا يختص ذلك بنقش الخاتم، بل قد تظهر الحماقة والرعونة في الزي، والعمامة، وركوب الدابة التي لا تليق به، وغير ذلك من الهيئات والعادات كالخروج بين الناس راكباً على قصبة، أو على دابة منكسة، أو لابساً زي النساء، ومشاركة الصبيان والرعاع في ملاعباتهم أو محاوراتهم، ونحو ذلك؛ فافهم!
ومن ذلك محاكاة الناس وتقليدهم في أمورهم الخلقية أو العادية كتعويج الفم، وتحويل العين، وغير ذلك؛ فإن ذلك يشعر برقاعة المرء وخفة عقله.
ومن لطائف هذا الباب ما رواه الخطابي في "الغريب" عن الأصمعي قال: حدثني خلف قال: أقبل أعرابي إلى قوم من أهل البصرة على غدير البحيت يشربون شراباً لهم، ومغن لهم يتغنى، فجعل يكسر عينيه، ويمط خديه، ويثنى أصابعه، فلما سكت قال للأعرابي: كيف رأيت؟ فقال [من الطويل]:
أَراكَ صَحِيحا قَبْلَ شَدْوُكِ سالِماً ... فَلَمَّا تَغَنَّيْتَ اسْتَفاءَ لَكَ الْخَبَلْ
فَإِنْ كانَ تَرْجِيعُ الغِناءِ مُوَرّثاً ... جُنونًا فَأَخْزى اللهُ ذَلِكَ مِنْ عَمَلْ
قال الخطابي: قوله: استفاء - يعني: بالسين المهملة، والفاء معناه -: استجلبه عليك، واستدعاه إليك (١).
стр. 5199
١٥ - ومن أحوال المجانين، والحمقى: أنهم ربما أتلفوا شيئاً من أموالهم لحفظ مال غيرهم كالذي يحمل اللحم وغيره لغيره في ثوبه وهو جديد نفيس نظيف .
ومن ثم كان أحمق الناس من باع دينه بدنيا غيره كما روى الإمام أحمد في "الزهد" عن ميمون بن مهران قال: قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لجلسائه: أخبروني بأحمق الناس.
قالوا: رجل باع آخرته بدنياه.
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أفلا أخبركم بأحمق منه؟
قالوا: بلى.
قال: رجل باع آخرته بدنيا غيره (١).
وفي معنى ذلك قول أبي حازم سلمة بن دينار رحمه الله تعالى: إن أحمق الناس رجل اغتاظ في هوى أخيه.
اتفقت له هذه الحكمة في قصة وقعت له ينبغي ذكرها هنا: روى أبو نعيم عن خالد بن كثير رحمه الله تعالى قال: دخل سليمان بن عبد الملك المدينة حاجاً فقال: هل بها رجل أدرك عدة من الصحابة؟
قالوا: نعم، أبو حازم.
فأرسل إليه، فلما أتاه قال: يا أبا حازم! ما هذا الجفاء؟
قال: وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟
стр. 5200
قال: وجوه الناس أتوني ولم تأتني.
قال: والله ما عرفتني قبل هذا ولا أنا رأيتك، فأي جفاء رأيت مني؟
فالتفت سليمان إلى الزهري، فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا.
فقال: يا أبا حازم! ما لنا نكره الموت؟
فقال: عَمَرْتم الدنيا وخَرَبْتُم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب.
قال: صدق.
قال: يا أبا حازم! ليت شعري ما لنا عند الله غداً؟
قال: اعرض عملك على كتاب الله .
قال: وأين أجده من كتاب الله ؟
قال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤].
قال سليمان: فأين رحمة الله؟
قال: قريب من المحسنين.
قال سليمان: ليت شعري! كيف العرض على الله غداً؟
قال أبو حازم: أما المحسن كالغائب يقدم على أهله، قال: وأما المسيء كالآبق يقدم على مولاه.
فبكى سليمان حتى علا نحيبُه واشتد بكاؤه، فقال: يا أبا حازم! فكيف لنا أن نصلح؟
قال: تدعون عنكم الصَّلَف، وتمسكون بالمروءة، وتقسمون
стр. 5201
بالسوية، وتعدلون القضية.
قال: وكيف المأخذ من ذلك؟
قال: تأخذه بحقه، وتضعه بحقه في أهله.
قال: يا أبا حازم! من أفضل الخلائق؟
قال: أولو المروءة والنُّهى.
قال: فما أعدل العدل؟
قال: كلمة صدق عند من يرجوه أو يخافه.
قال: فما أسرعُ الدعاء إجابة؟
قال: دعاء المحسن.
قال: فما أفضل الصدقة؟
قال: جهد المقل إلى البائس الفقير لا يتبعها مَن ولا أذى.
قال: يا أبا حازم! من أكيس الناس؟
قال: رجل ظفر بطاعة الله فعمل بها، ثم دلَّ الناس عليها.
قال: من أحمق الخلق؟
قال: رجل اغتاظ في هوى أخيه، فهو ظالم باع آخرته بدنياه.
قال: يا أبا حازم! هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟
قال: كلا.
قال: ولِمَ؟
قال: أخاف أن أركن إليكم شيئاً قليلاً فيذيقني ضعف الحياة
стр. 5202
وضعف الممات، ثم لا يكون لي معك نصيراً.
قال: يا أبا حازم! ارفع إلينا حاجتك.
قال: نعم: تدخلني الجنة وتخرجني من النار.
قال: ذاك ليس إلي.
قال: فما لي حاجة سواها.
قال: يا أبا حازم! ادع الله لي.
قال: نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك فيسره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان من أعدائك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى.
قال سليمان: قط؟
قال أبو حازم: قد أكثرت وأطنبت إن كنت من أهله، وإن لم تكن أهله فما حاجتك أن ترمي عن قوس بلا وَتَر؟
قال: يا أبا حازم! ما تقول فيما نحن فيه؟
قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟
قال: بل نصيحة تلقيها إلي.
قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر فأخذوه عَنْوة بالسيف، عن غير مشورة ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة وارتحلوا، فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم.
قال رجل من [جلساء] سليمان: بئس ما قلت.
قال أبو حازم: كذبت، إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق:
стр. 5203
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
قال: يا أبا حازم! أوصني.
قال: نعم سوف أوصيك وأوجز: نزِّهِ اللهَ تعالى، وعَظِّمه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.
ثم قام، فلما ولى قال: يا أبا حازم! هذه مئة دينار أنفقها، ولك عندي أمثالها كثير.
فرمى بها، وقال: والله ما أرضاها لك، فكيف أرضاها لنفسي؛ إني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هَزْلاً، وردي عليك بَذْلاً.
إن موسى بن عمران ﵇ لما ورد ماء مدين قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]؛ سأل موسى ربه ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان ولم يفطن الرعاء لما فطنتا له، فأتيا أباهما وهو شعيب ﵇، فأخبرتاه خبره، فقال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعاً، ثم قال لإحداهما: اذهبي ادعيه لي، فلما أتته أعظمته، وغطَّت وجهها، ثم قالت: إن أبي يدعوك، فلما قالت: ليجزيك أجر ما سقيت لنا كره ذلك موسى ﵇، وأراد أن لا يتبعها، ولم يجد بداً من أن يتبعها لأنه كان في أرض مَسْبعة وخوف، فخرج معها وكانت امرأة ذات عَجُز، فكانت الرياح تضرب ثوبها، فتصف لموسى ﵇ عجيزتها، فيغض بصره ويعرض أخرى، فقال: يا أمة الله! كوني خلفي، فدخل إلى شعيب ﵉ والعشاء مهيأ، فقال: كُلْ.
فقال موسى: لا.
стр. 5204
قال شعيب: ألست جائعاً؟
قال: بلى، ولكني من أهل بيت لا نبغي شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، وأخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما.
قال شعيب: لا يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي؛ قِرى الضيف وإطعام الطعام.
قال: فجلس موسى فأكل.
فإن كانت هذه المئة دينار عوضاً مما حدثتك، فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلُّ منه، وإن كانت من مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء؛ إن وازنتهم وإلا فلا حاجة لي فيها.
إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى حيث كانت أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلما نكسوا وتعسوا وسقطوا من عين الله ، وآمنوا بالجِبْت والطاغوت، وكان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم يشاركونهم في دنياهم، ويشركوا معهم في فتنتهم.
قال ابن شهاب - يعني: الزهري -: يا أبا حازم! إياي - يعني: أبي تعرض؟ - قال: ما إياك اعتمدت، ولكن هو ما تسمع.
قال سليمان: يا ابن شهاب! تعرفه؟
قال: نعم، جاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته كلمة قط.
قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أحببت الله لأحببتني.
قال ابن شهاب: يا أبا حازم! تشتمني؟
стр. 5205
قال: ما شتمتك، ولكن شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقاً كحق القرابة؟
فلما ذهب أبو حازم قال رجل من حلفاء سليمان: يا أمير المؤمنين! تحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم؟
قال: لا (١).
أخرج هذه القصة الدارمي في "مسنده" عن الضحاك بن موسى بنحوه (٢)، وقد أوردتها بتمامها لأنها من أنفع القصص للعلماء والعقلاء.
١٦ - ومن أحوال الحمقى: ما رواه المعافى بن زكريا في "الجليس والأنيس " عن الهيثم بن عدي قال: قال وهب بن منبه: الأحمق إذا تكلم فضحه حمقه، وإذا سكت فضحه عيه، وإذا عمل أفسد، وإذا ترك أضاع، لا علمه يغنيه، ولا علم غيره ينفعه، تود أمه لو أنها أثكلته، وتود امرأته لو أنها عدمته، ويتمنى جاره منه الوحدة، وتأخذ جليسه منه الوحشة، وأنشد لمسكين الدارمي [من الرمل]:
اتَّقِ الأَحْمَقَ لا تَصْحَبَهُ ... إِنَّما الأَحْمَقُ كَالثَّوْبِ الْخَلَقْ
كُلَّما أَرْقَعْتَ مِنْهُ جانِباً ... حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ وَهْناً فَانْخَرَقْ
أَوْ كَصدْعٍ فِي زُجاجٍ فاحِشٍ ... هَلْ تَرى صَدْعَ زُجاجٍ يَتَّفِقْ
وإِذا جالَسْتَهُ فِي مَجْلِسٍ ... أَفْسَدَ الْمَجْلِسَ مِنْهُ بِالْخَرَقْ
стр. 5206
وَإِذا نَهْنَهْتَهُ كَيْ يَرْعَوِي ... زَادَ جَهْلاً وَتَمادَى فِي الْحُمُق (١)
وزاد فيه غيره: كَحِمارِالسُّوءِ إِنْ أَشْبَعْتَهُ ... رَمَحَ النَّاسَ وَإِنْ جاعَ نهقْ
أَوْ كَعَبْدِ السُّوء إِنْ أتعَبْتَهُ ... سَرَقَ النَّاسَ وَإنْ يَشْبَعْ فَسَقْ (٢)
وروى ابن السمعاني عن أبي الحسين محمد بن محمد بن جعفر ابن الحكم: [من الوافر]
زَمانٌ قَدْ تَضَرَّعَ لِلْفُضُولِ ... فَسَوَّدَ كُلَّ ذِي حُمْقٍ جَهُولِ
إِذا أَحْبَبْتُمْ فِيهِ ارْتفاعاً ... فَكُونُوا جاهِلِينَ بِلا عُقُولِ (٣)
وقرأت بخط البرهان بن جماعة: وكان أبو عمر القاضي يقول: إعظام من لا دين له ولا دنيا عنده حمق.
قلت: وإعظام من عنده دنيا لا ينالك منها شيء، بل لمجرد كونه غنياً حمقٌ، بل أشد الحمق.
стр. 5207
فَصْلٌ
التشبه بالمجانين تارة يكون مذموماً لما يعود على المتشبه به كمن يحاكي المجانين في حركاتهم وسكناتهم، وأقوالهم وأفعالهم، وأحوالهم تهكُّماً واستهزاءً بهم، وهذا حرام لما فيه من الأذية وانتهاك الحرمة، وإن كان المجنون لا يتأذى بذلك في نفسه فقد يتأذى به قريبه أو صديقه، ولو كان عاقلاً فذكر ذلك له لتأذى به وتألم.
وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأَمْواتَ فَتُؤْذَى الأَحْياء" (١).
والمجنون لا أقل من أن ينزل منزلة الميت، بل هو أولى بأن لا يسب من الميت، فقد يعافى ويذكر له ذلك، فيتأذى به.
وقد سمعت بعض مشايخنا يقول: ما اعتاد أحد محاكاة المجانين إلا جن ولو قبل موته بيوم.
وفي الحديث: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (٢)، وهو لا يحب لنفسه أن يحاكى، أو يسب.
стр. 5208
وكذلك من يحاكي المجانين ليضحك الجلساء ويعللهم، وهذا حرام أيضًا لأنه غيبة؛ فإن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، ولو كان المجنون عاقلاً يكره ذلك منك.
ولما ذكر العلماء المواضع التي تباح فيها الغيبة لم يذكروا غيبة المجنون منها، فبقيت على أصلها من التحريم، والتمسخر لإضحاك الناس حرام.
وروى ابن أبي الدنيا - بسند جيد - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لِيُضْحِكَ بِها جُلَساءَهُ يَهْوِي بِها أَبْعَدَ مِنَ الثُّرَيَّا" (١).
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩] الآية: الصغيرة: التبسم بالاستهزاء بالمؤمن، والكبيرة: القهقهة بذلك (٢).
قال الغزالي: وهو إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم والذنوب (٣).
نعم، قد يحتاج العاقل إلى مشاكلة المجنون ومقابلته بمثل عمله
стр. 5209
كان ضرب رأسه عبثاً وجنوناً، فيضرب رأسه تأديباً وزجراً له عن جنونه، أو يسبه المجنون ويشتمه فينتهره ويزجره، فهذا غير مذموم لصحة القصد فيه، ومتى صح القصد في المشاكلة أبيحت.
ومن هذا القبيل ما أسنده ابن السبكي في "طبقاته" عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: [الطويل]
وَأَنْزَلَنِي طُولُ النَّوَى دارَ غُرْبَةٍ ... يُجاوِرُني مَنْ لَيْسَ مِثْلِي يُشاكِلُهْ
أُحامِقُهُ حَتَّى يُقالَ: سَجِيَّةٌ ... وَلَوْ كانَ ذا عَقْلٍ لَكُنْتُ أُعاقِلُهْ (١)
وتارة يكون التشبه بالمجانين مذموماً لما يعود على نفس المتشبه، وهذا يختلف باختلاف الأغراض.
وتارة أن يكون عليه حقوق شرعية وهو قادر على أدائها، فيتجنن لئلا يطالب بها، فهذا حرام لأنه مِنْ أكل أموال الناس بالباطل، فأما لو أريد أن يقهره على أخذ ماله منه، أو يسطي عليه في عرضه أو في حريمه، أو حمل على فتنة في دينه، فإن أمكنه التخلص من ذلك بحيلة غير التجانن فهو أولى، وإلا فلا يكره في حقه التحامق والتجانن كما وقع لمِسْعر بن كدام - رحمه الله تعالى - لما دعاه السلطان إلى ولاية القضاء تحامق عليه، فتركه ولم يوله، وقال: هذا لا يصلح للقضاء.
ووقع مثل ذلك لسفيان الثوري.
стр. 5210
مات قاض من قضاة بني إسرائيل، فخرج بعض علمائهم راكباً على قصبة يتأله ويتجانن لئلا يولوه القضاء كما تقدم ذلك في باب النهي عن التشبه ببني إسرائيل (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار أنه قال لمسلم بن قتيبة: ويحك يا مسلم! إياك وأبواب الملوك، ويحك يا مسلم! تحامق لهم، وقد تحلفنا حتى عرفنا.
قال له مالك: تجان يا مسلم! إني أخاف أن يلقوك في ورطة لا تقوم لها ولا تخرج منها (٢).
ومن هذا القبيل تستر أولياء الله تعالى بما يشبه أفعال المجانين من غير ترتب لوم عليهم من حيث الشرع إيثاراً للخمول ليصفو لهم وقتهم في طاعة الله تعالى، وتخلص قلوبهم من الأشغال المكدرة لها عن مراقبة الله تعالى، ومشاهدة قدرته وعظمته.
قال سفيان رحمه الله تعالى: يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من تحامق. رواه أبو نعيم (٣).
وروى الديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمانٌ تُقْتَلُ فِيهِ الْعُلَماءُ كَما تُقْتَلُ
стр. 5211
الْكِلابُ؛ فَيا لَيْتَ الْعُلَماءَ فِي ذَلِكَ الزَّمانِ تَحامَقُوا" (١).
أي: لغرض النجاة، فالتحامق بالقصد الصحيح مأذون فيه شرعاً، مستحسن مقبول.
ومن التشبه المذموم بالمجانين لما يعود على نفس المتشبه ضرره أمران عظيمان يلحقان العبد بالمجانين فعلاً وصورة، وبالهالكين مالاً وحكماً: الأول، وهو من الأفعال: السكرة سواء كان بشرب الخمر والمسكر، أم بأكل الحشيش والأفيون، وغيرهما من أنواع الكيف؛ فإن السكران يعرض له ما يعرض للمجنون من كشف العورة، والتضمخ بالنجاسة، والكلام الفاحش، والأفعال المضحكة، والسكران أسوأ حالاً من المجنون؛ لأن السكران مؤاخذ بأفعاله وأقواله من طلاق وعتاق وإقرار، مطالب بما يفوته من الفرائض، معاقب على ما يقع منه من الذنوب كالقذف، والشتم، والقتل، والضرب، وكشف العورة بخلاف المجنون، وذلك لأن السكران عاص بتغييب عقله.
قال الحسن: جاء الخمر إلى أحب خلق الله إليه، فأتلفه؛ يعني: العقل (٢).
لما رواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه،
стр. 5212
والطبراني عن أبي أمامة ﵁، وأبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا: قال رسول الله ﷺ : " أَوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ الْعَقْلَ، فَقالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَاَقْبَلَ، ثُمَّ قالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قالَ: وَعِزَّتي وَجَلالِي ما خَلَقْتُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ أُثِيبُ وَبِكَ أُعاقِبُ" (١).
والثاني، وهو من الأخلاق: الغضب، والإفراط فيه؛ إذ به يخرج المرء عن سياسة العقل والدين كما نص عليه في "الإحياء"، فلا يبقى له معه بصيرة، ولا نظر، ولا فكرة (٢)، ويتغير لونه، وترتعد فرائصه، وتخرج أفعاله عن الترتب، ويضطرب كلامه وحركته، وينطلق لسانه بالفحش وقبيح الكلام الذي يستحيى منه ذوو العقول، وربما يبطش بالمغضوب عليه ويريد قتله وقد يقتل، فإذا غاب عنه أو حيل بينه وبينه فقد يعود أثر غضبه على نفسه باللطم وتمزيق الثياب، ونتف اللحية، وكسر الآنية، وقد يعدو عدو الواله السكران، وربما يسقط فلا يستطيع النهوض، وقد يغشى عليه، وربما طلق الزوجة ثلاثًا في غضب، وربما دعاه الغضب إلى النميمة وكشف الأسرار، وربما حصل له ضرر بذلك،
стр. 5213
ويندم آخراً، ولذلك نهى رسول الله ﷺ عن الغضب، وكون النهي عنه حسماً لهذه المواد كما رواه أبو داود، وغيره (١).
وهذه فوائد وتتمات لهذا الباب:
الأُولَى: ينبغي التحرز عن مجالسة المجانين والحمقى، ومسايرتهم لما قررناه من أن الطباع تسرق، وللمجالسة تأثير.
روى أبو نعيم عن عبد الله بن طاوس رحمهما الله تعالى: قال لي أبي: يا بني! صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن عقله (٢).
وقال شعبة: عقولنا قليلة، فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلاً منا ذهب ذلك القليل، واني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلاً منه فأمقته. نقله ابن الجوزي، وغيره (٣).
وفي حديث أبي المجبر ﵁: "أَرْبَعُ خِصالٍ مُفْسِدَة لِلْقَلْبِ؛ مُجاراةُ
стр. 5214
الأَحْمَقِ، وإنْ جاريتَهُ كُنْتَ مِثْلَهُ" الحديث؛ وسبق (١).
وقال مسكين الدارمي في أبياته السابقة [من الرمل]:
اتَّقِ الأَحْمَقَ لا تَصْحَبَه ... إِنَّما الأَحْمَقُ كَالثَّوْبِ الْخَلَقْ
وإِذا جالَسْتَهُ فِي مَجْلِسٍ ... أَفْسَدَ الْمَجْلِسَ مِنْهُ بِالْخَرَقْ
الثَّانِيَةُ: كما لا ينبغي أن تجالس الأحمق لا ينبغي أن تتخذ منه صديقًا؛ وأولى.
روى ابن الجوزي عن عبد الله بن داود الحربي قال: كل صديق ليس له عقل فهو أشد عليك من عدوك (٢).
قال: وقال علي رضي الله تعالى عنه: لا تؤاخ الأحمق؛ فإنه يشير عليك ويجهد نفسه فيخطئ، وربما يريد أن ينفعك فيضرك، وسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته (٣).
ولصالح بن عبد القدوس [من الكامل]:
الْمَرْءُ يَجْمَعُ وَالزَّمانُ يُفرِّقُ ... وَيَظَلُّ يَرْتعُ (٤) وَالْخُطوبُ تُمَزِّقُ
стр. 5215
وَلأَنْ يُعادِي عاقِلاً خَيْرٌ لَهُ ... مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَدِيقٌ أَحْمَقُ (١)
الثَّالِثة: لا ينبغي معاداة الأحمق أيضًا؛ فإنه كما لا ينفع صديقاً فهو أضر ما يكون عدواً، وإذا عاديته حمله الخَرَق على ما لا تطيق مقابلته بمثله، وسبق أن مجاراة الأحمق مفسدة للقلب.
روى ابن الجوزي عن سلمان بن موسى، وعن الأحنف بن قيس قالا: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وشريف من دنيء، وبر من فاجر (٢).
ومن هنا لا يحسن من العاقل إلا الإعراض عن الأحمق لأن مجاراته تزري بمن يجاريه، وتفسد قلبه، ومعاتبته لا تفيد كما قال الأعمش فيما رواه ابن الجوزي عنه: معاتبة الأحمق نفخُ تليسه؛ أي: في عرامه، أو غفلته؛ من الليس - بالتحريك - وهو الشجاعة، أو الغفلة (٣).
لبعض العرب [من مجزوء الرمل]:
إِنَّ لِلْحُبِّ وَلِلْبُغـ ... ـضِ عَلى الْعَيْنِ عَلامَة
وَجَوابُ الأَحْمَقِ الصَّمـ ... ـتُ وَفِي الصَّمْتِ السَّلامَة (٤)
стр. 5216
الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: سبق أن داء الحماقة لا دواء له.
وذكر ابن السبكي في "طبقاته" عن ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة: الحماقة، والطاعون، والهرم (١).
وهل يعارض هذا ما سبق عن الشافعي أنه قال: أربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم؛ فإن زيادة العقل نقصان في ضده من الحماقة، أم لا؟
قلت: لا معارضة؛ فإن العقل إنما يزيد حيث كان، ومن كان فيه قدر من الحمق فلا ينقصه ما زاد من العقل.
أو نقول: إن ما يزيد من العقل ينقص بقدره من الرُّعونة؛ فإنها تحدث من مخالطة ضعفاء العقول على ما تقدم عن بعضهم، فتزول بالأسباب التي تزيد في العقل كالأمور المذكورة في كلام الشافعي، لا من الحماقة التي هي غريزة.
وروى الدينوري في "المجالسة" عن يحيي بن خالد قال: شيئان يُورثان العقل؛ التين اليابس إذا أكل، ودخان اللبان إذا بخر به (٢).
والذي جرى عليه صاحب "الموجز"، وغيره من الأطباء: أن الرعونة والحمق نقصان في الفكر، أو بطلان ناشئ عن برد ساذج
стр. 5217
أو مادي، أو يبس، أو عنهما معاً، وأنه ينفع العلاج منهما والمداواة.
ويؤيده ما صح في الأحاديث: "إِنَّ لِكُلِّ داءٍ دَواءً إِلاَّ السَّام" (١).
وعليه: فمن قال: إنه لا دواء للحكماء، فإنما أراد بذلك التعبير عن عسر زوالها على وجه المبالغة حتى جعل متعذراً، أو غير ممكن.
وروى الدينوري عن ابن قتيبة أن الحكماء قالوا: سبعة أشياء تفسد العقل: الإكثار من البصل، والباقلاء، والجماع، والخمار، وكثرة النظر في المرآة، والاستفراغ في الضحك، ودوام النظر في البحر (٢).
ولأبي العتاهية [من الرجز]:
إِنَّ الشَّبابَ وَالفَراغ وَالْجِدَة ... مَفْسَدَةٌ لِلْعَقْلِ أَيَّ مَفْسَدَة (٣)
وروى ابن أبي شيبة - بإسناد صحيح - عن خَوَّات بن جُبير - وكان بدرياً - رضي الله تعالى عنه أنه قال: نوم أول النهار خرق، وأوسطه خلق، وآخره حمق (٤).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عمرو بمعناه، إلا أنه
стр. 5218
فسر نوم الحمق بالنوم عند حضور الصلاة (١).
وروى ابن أبي شيبة عن مكحول رضي الله تعالى عنه: أنه كان يكره النوم بعد العصر، وقال: يُخاف على صاحبه من الوسواس (٢).
وقال الشاعر [من الطويل]:
أَلا إِنَّ نوماتِ الضُّحَى تُوْرِثُ الفَتَى ... خَبالاً وَنَوْماتِ العُصَيْرِ جُنونُ (٣)
الفائِدَةُ الْخامِسَةٌ: روى أبو نعيم عن وهب رحمه الله تعالى قال: ما عُبِدَ الله بشيء أفضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال:
- حتى يكون الكبر منه مأموناً.
- والرشد فيه مأمولاً.
- يرضى من الدنيا بالقوت.
- وما كان من فضل فمبذول.
- والتواضع فيها أحب إليه من الشرف.
- والذل فيها أحب إليه من العز.
стр. 5219
- لا يسأم من طلب العلم دهرَه.
- ولا يتبرم من طالب الخير.
- يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه.
- والعاشرة، وهي ملاك أمره، بها ينال مجده، وربما يعلوه ذكره، وبها علا في الدرجات في الدراين كليهما.
قيل: وما هي؟
قال: أن يرى جميع الناس خيراً منه وأفضل، وآخر شراً منه وأرذل، فإذا رأى الذي هو خير منه وأفضل كره ذلك وتمنى أن يلحق به، وإذا رأى الذي هو شر منه قال: لعل هذا ينجو وأهلك، ولعل لهذا باطناً لم يظهر لي، وذلك خير له، وترى ظاهراً، ولعل ذلك شر لي.
فهنالك كمل عقله، وساد أهل زمانه، وكان من السباق إلى رحمة الله وجنته إن شاء الله تعالى (١).
الفائِدَةُ السَّادِسَةُ: روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أخيه يزيد قال: لقيت وهب بن منبه في الموسم فقال لي: ألك عهد بالحسن بن أبي الحسن؟ يعني: البصري؟
стр. 5220
فقلت: نعم.
قال: هل أنكرتم من عقله شيئًا؟
فقلت: لا.
فقال وهب: إنا لنتحدث، أو قال: لنجد في الكتب أنه ما أوتي عبد علما، فسلكه في سبيل هدى، فيسلبه الله عقله (١).
قلت: قد يستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥ - ٦]؛ فقد جاء في تفسير: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِين﴾ أنه الْخَرَف.
ولا شك أن العلماء العاملين هم خيار الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلا يخرفون، ولا تختلط عقولهم وإن طَعَنوا في السن.
وذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن أبي عبد الله الشامي قال: استأذنت على طاوس لأسأله عن مسألة، فخرج عَلَيَّ شيخٌ كبير، وظننت أنه طاوس، فقلت له: أنت طاوس؟
قال: لا، أنا ابنه.
فقلت: إن كنت ابنه فقد خَرِف أبوك.
قال: تقول ذاك؟ إن العالم لا يخرف، وذكر الحديث (٢).