الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: سبق أن داء الحماقة لا دواء له.
وذكر ابن السبكي في "طبقاته" عن ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة: الحماقة، والطاعون، والهرم (١).
وهل يعارض هذا ما سبق عن الشافعي أنه قال: أربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم؛ فإن زيادة العقل نقصان في ضده من الحماقة، أم لا؟
قلت: لا معارضة؛ فإن العقل إنما يزيد حيث كان، ومن كان فيه قدر من الحمق فلا ينقصه ما زاد من العقل.
أو نقول: إن ما يزيد من العقل ينقص بقدره من الرُّعونة؛ فإنها تحدث من مخالطة ضعفاء العقول على ما تقدم عن بعضهم، فتزول بالأسباب التي تزيد في العقل كالأمور المذكورة في كلام الشافعي، لا من الحماقة التي هي غريزة.
وروى الدينوري في "المجالسة" عن يحيي بن خالد قال: شيئان يُورثان العقل؛ التين اليابس إذا أكل، ودخان اللبان إذا بخر به (٢).
والذي جرى عليه صاحب "الموجز"، وغيره من الأطباء: أن الرعونة والحمق نقصان في الفكر، أو بطلان ناشئ عن برد ساذج
стр. 5217
أو مادي، أو يبس، أو عنهما معاً، وأنه ينفع العلاج منهما والمداواة.
ويؤيده ما صح في الأحاديث: "إِنَّ لِكُلِّ داءٍ دَواءً إِلاَّ السَّام" (١).
وعليه: فمن قال: إنه لا دواء للحكماء، فإنما أراد بذلك التعبير عن عسر زوالها على وجه المبالغة حتى جعل متعذراً، أو غير ممكن.
وروى الدينوري عن ابن قتيبة أن الحكماء قالوا: سبعة أشياء تفسد العقل: الإكثار من البصل، والباقلاء، والجماع، والخمار، وكثرة النظر في المرآة، والاستفراغ في الضحك، ودوام النظر في البحر (٢).
ولأبي العتاهية [من الرجز]:
إِنَّ الشَّبابَ وَالفَراغ وَالْجِدَة ... مَفْسَدَةٌ لِلْعَقْلِ أَيَّ مَفْسَدَة (٣)
وروى ابن أبي شيبة - بإسناد صحيح - عن خَوَّات بن جُبير - وكان بدرياً - رضي الله تعالى عنه أنه قال: نوم أول النهار خرق، وأوسطه خلق، وآخره حمق (٤).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عمرو بمعناه، إلا أنه
стр. 5218
فسر نوم الحمق بالنوم عند حضور الصلاة (١).
وروى ابن أبي شيبة عن مكحول رضي الله تعالى عنه: أنه كان يكره النوم بعد العصر، وقال: يُخاف على صاحبه من الوسواس (٢).
وقال الشاعر [من الطويل]:
أَلا إِنَّ نوماتِ الضُّحَى تُوْرِثُ الفَتَى ... خَبالاً وَنَوْماتِ العُصَيْرِ جُنونُ (٣)
الفائِدَةُ الْخامِسَةٌ: روى أبو نعيم عن وهب رحمه الله تعالى قال: ما عُبِدَ الله بشيء أفضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال:
- حتى يكون الكبر منه مأموناً.
- والرشد فيه مأمولاً.
- يرضى من الدنيا بالقوت.
- وما كان من فضل فمبذول.
- والتواضع فيها أحب إليه من الشرف.
- والذل فيها أحب إليه من العز.
стр. 5219
- لا يسأم من طلب العلم دهرَه.
- ولا يتبرم من طالب الخير.
- يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه.
- والعاشرة، وهي ملاك أمره، بها ينال مجده، وربما يعلوه ذكره، وبها علا في الدرجات في الدراين كليهما.
قيل: وما هي؟
قال: أن يرى جميع الناس خيراً منه وأفضل، وآخر شراً منه وأرذل، فإذا رأى الذي هو خير منه وأفضل كره ذلك وتمنى أن يلحق به، وإذا رأى الذي هو شر منه قال: لعل هذا ينجو وأهلك، ولعل لهذا باطناً لم يظهر لي، وذلك خير له، وترى ظاهراً، ولعل ذلك شر لي.
فهنالك كمل عقله، وساد أهل زمانه، وكان من السباق إلى رحمة الله وجنته إن شاء الله تعالى (١).
الفائِدَةُ السَّادِسَةُ: روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أخيه يزيد قال: لقيت وهب بن منبه في الموسم فقال لي: ألك عهد بالحسن بن أبي الحسن؟ يعني: البصري؟
стр. 5220
فقلت: نعم.
قال: هل أنكرتم من عقله شيئًا؟
فقلت: لا.
فقال وهب: إنا لنتحدث، أو قال: لنجد في الكتب أنه ما أوتي عبد علما، فسلكه في سبيل هدى، فيسلبه الله عقله (١).
قلت: قد يستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥ - ٦]؛ فقد جاء في تفسير: ﴿أَسْفَلَ سَافِلِين﴾ أنه الْخَرَف.
ولا شك أن العلماء العاملين هم خيار الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلا يخرفون، ولا تختلط عقولهم وإن طَعَنوا في السن.
وذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" عن أبي عبد الله الشامي قال: استأذنت على طاوس لأسأله عن مسألة، فخرج عَلَيَّ شيخٌ كبير، وظننت أنه طاوس، فقلت له: أنت طاوس؟
قال: لا، أنا ابنه.
فقلت: إن كنت ابنه فقد خَرِف أبوك.
قال: تقول ذاك؟ إن العالم لا يخرف، وذكر الحديث (٢).
стр. 5221
الفائِدَةُ السَّابِعَةُ: روى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كم لبث نوح ﵇ في قومه؟
قلت: ألف سنة إلا خمسين عاماً.
قال: كان من كان قبلكم كانوا أطول أعماراً، ثم لم يزل الناس ينقصون في الأخلاق والآجال، والأحلام، والأجسام إلى يومهم هذا (١).
قلت: وكلام ابن عمر يفهم أن الناس كلما تأخرت أزمنتهم نقصوا فيما ذكر، وهو كذلك كما هو محسوس مشاهدة فإنا شاهدنا أناساً كانوا أحسن خلقاً، وأطول عمراً، وأتم عقلاً وحلماً، وكلما تأخر الزمان غلب على أهله سوء الأخلاق، وسخافة العقول، وسفاهة الأحلام، وبشاعة الصور، وقلة البهاء، وصغر الجثث، وانمحقت أعمارهم، وذهبت البركة من أوقاتهم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون! وروى ابن أبي الدنيا في "العقل " عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: يأتي على الناس زمان تنزع فيه عقول الناس حتى لا تَكاد ترى عاقلاً (٢).
стр. 5222
قلت: وفي هذا الزمان تكون الدولة للحمقى كما سبق في الأثر.
وروى ابن أبي الدنيا أيضا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: اعقل؛ فلا إِخال العقل إلا قد رفع (١).
هذا قول أبي أمامة عن زمانه، فكيف بزماننا؟
وروى السلمي في "طبقاته" عن بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى قال: يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم، ويأتي عليهم زمان تكون الدولة فيه للحمقى على الأكياس (٢).
وروى أبو نعيم عن زبيد اليامي - ويقال: الأيامي - رحمه الله تعالى قال: سئل عيسى بن مريم ﵉ عن أشراط الساعة.
قال: من أشراطها: إذا كانت أمة محمد ﷺ أخف الناس أحلاماً، وأقربهم من الله.
قالوا: يا نبي الله! وما خفة أحلامهم، وقربهم من الله؟
قال: أما خفة أحلامهم فإن أحدهم يلعن البهيمة، وأما قربهم من الله فإن خوان أحدهم يوضع فما يرفع حتى يغفر له لقوله: بسم الله والحمد لله (٣).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن المعتمر بن سليمان، عن
стр. 5223
أبيه رحمهما الله تعالى قال: يأتي على الناس زمان لا يفهمون فيه الكلام (١).
وروى أبو نعيم عن أبي الجلد قال: والذي نفسي بيده ليكونن في آخر الزمان مُخْصِبة ألسنتهم، مُجْدِبة قلوبهم، قصيرة أحلامهم، رقيقة أخلاقهم، يتكافى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، [يتعلمون قول الزور لوناً غير لون] (٢)، فإذا فعلوا فانتظروا النكال من السماء (٣).
وذلك لا يقال رأياً.
الفائِدَةُ الثَّامِنَةُ: مما يتعلق بكون الدولة في آخر الزمان للحمقى ولايةُ الوليد بن عقبة للكوفة، وكان مدمناً فصلى بهم الصبح أربعاً (٤).
وحديثه مشهور، وهو الذي نزلت فيه هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] كما اتفق عليه المفسرون (٥).
فذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب": أن عثمان رضي الله تعالى عنه ولاه الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه - وهو من الأمور التي انتقدها أعداء عئمان رضي الله تعالى عنه عليه -
стр. 5224
فلما قدم الوليد على سعد قال له سعد رضي الله تعالى عنه: والله ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟
فقال: لا تجزعن أبا إسحاق؛ فإنما هو الْمُلك يتغدَّاه قوم ويتعشَّاه آخرون.
فقال سعد رضي الله تعالى عنه: أراكم والله ستجعلونها ملكاً.
قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: لما قدم الوليد بن عقبة أميراً على الكوفة أتاه ابن مسعود ﵁ قال: ما جاء بك؟
قال: جئت أميراً.
فقال: ابن مسعود ﵁: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس؟ (١).
الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ذكر حجة الإسلام في "الإحياء": أن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما كان يتمثل ويقول: [من البسيط]
يا أَهْلَ لَذَّاتِ دُنْيا لا بَقاءَ لَها ... إِنَّ اغْتِراراً بِظِلًّ زائِلٍ حُمْقُ (٢)
ولمَّا ذُكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله تعالى أنشد: [من الكامل]
أَحْلامُ نَوْم أَوْ كَظِلِّ زائِلٍ ... إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِها لا يُخْدَعُ (٣)
стр. 5225
وقريب منه قول المتنبي: [من الكامل]
فَالْمَوْتُ آتٍ وَالنفُوسُ نَفائِسٌ ... وَالْمُسْتَغِرُّ بِما لَدَيْهِ الأَحْمَقُ
وقلت في المعنى [من الرجز]:
إِنَّ الَّذِي أَصْبَحَ مِنْ دنْيـ ... ـاه مَعْ غُرورِها عَلى ثِقَة
مَعْ كَوْنِهِ أَخْرَقَ مِنْ حَما ... مَةٍ أَحْمَقُ مِنْ هَبَنَّقَة
فإن العرب يضربون المثل بالحمامة في الخرق والحمق: أخرق من حمامة وأحمق لأنها لا تحكم عُشَّها، فإذا هبت الريح كان ما يكسر منه أكثر مما يسلم (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى: أن المسيح ﵇ كان يقول لأصحابه: إن استطعتم أن تكونوا بلهاء في مثل الحمام فافعلوا.
قال: وكان يقال: ليس شيء أبله من الحمام؛ إنك تأخذ فرخيه من تحته فتذبحهما، ثم يعود إلى مكانه فيفرخ فيه (٢).
وأما هبنقة: فهو ذو الودعات يزيد بن ثروان، ويقال: ابن مروان [أحد بني قيس بن] (٣) ثعبلة، فإنما ضرب به المثل في الحمق، فقيل: أحمق من هبنقة ومن ذي الودعات؛ لأنه جعل في عنقه قلادة من ودع
стр. 5226
وعظام، وخرق مع طول لحيته، فسئل، فقال: لئلا أضل.
فسرقها أخوه في ليلة وتقلَّدها، فأصبح هبنقة، ورآها في عنق أخيه، فقال: أخي أنت أنا، فمن أنا؟
وأضل بعيراً، فقال: من وجده فهو له.
فقيل له: فلم تنشده؟
قال: فأين حلاوة الوجدان (١)؟
الفائِدَةُ العاشِرَةُ: روى الدينوري في "المجالسة" قال: حدثنا أحمد بن خالد الآجري قال: سمعت ابن عائشة يقول: قيل لبعض الحكماء: ما كمال الحمق؟
قال: طلب منازل الأخيار بأعمال الأشرار، وبغض أهل الحق، وصحبة أهل الباطل.
قيل: فما علامة الجهل؟
قال: حب الغنى، وطول الأمل، وشدة الحرص.
قيل: فما علامة العمى؟
قال: الركون إلى من لا تأمن غشه، والمن مع الصدقة، والعبادة مع البخل (٢).
قال: وقال ابن قتيبة: قرأت في كتب الهند: من الحمق التماس
стр. 5227
الرجل الإخوان بغير وفاء، وطلب الآخرة بالرياء والسمعة، ومودة النساء بالغِلْظة، وينفع نفسه بضر غيره، وطلب العلم والفضل بالدَّعَة (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال لأصحابه: يا ابن آدم! إلى متى؟
يا أهلاه! غَدُّوني، يا أهلاه! عَشّوني، يوشك والله يغدى بك، يوشك والله يراح بك؛ إما هولاً أكلاً بلعاً بلعاً، وسرطاً سرطا أحمق، إنما تجمع مالك لامرأة تذهب إلى زوجها، أو لرجل يذهب بمالك إلى زوجته؛ فإن استطعت أن لا تكون آخر الثلاثة فافعل (٢).
وقوله: أحمق: منادى حذف منه حرف النداء؛ أي: يا أحمق.
والمراد: أن من جمع المال ولم ينفقه في سبيل الله، أو فيما ينتفع به في الدارين خلَّفه لمن يتمتع به، ولا يشكر له يداً فيه، وتبقى عهدته عليه، عليه تبعته، ولغيره متعته.
ولنا في المعنى: [من البسيط]
حَمَق تُجَمِّعُ مالاً ثُمَّ تَتْرُكُه ... لِزَوْجَةٍ أَمْتَعَتْهُ بَعْدَكَ الرَّجُلا
الفائِدَةُ الْحادِيَةَ عَشْرَةَ: روى الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد؛ كلاهما في "الزهد" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
стр. 5228
لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يرى الناس كأنهم حمقى في دينهم (١).
وبيانه: أن الناس الذين تراهم إما طائع وإما عاص، فالعاصي أحمق لأنه عبد ترك طاعة مولاه ولا غنى له عنه، ولا بد له منه، ولا قوام له إلا به.
والطائع إما مُراءٍ، وإما مخلص.
فالمرائي أحمق لأنه أراد بطاعته غير من هي له، فوضع الشيء في غير محله، وأعطى الحق لغير مستحقه.
والمخلص لا يخلو من تقصير وإن أفرغ جهده، والتقصير في حق من رزقه دائم عليه حمق؛ إذ كان ينبغي أن تكون طاعته له دائمة كما أن رزقه عليه دائم.
نعم، هذا الحمق أسهل هذه الأنواع كلها، وشره يذهب بالاعتراف والاستغفار كما قالت الملائكة ﵈: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك (٢).
وقال النبي ﷺ : "سُبْحانَكَ وَبِحَمْدِكَ! لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَما أثنَيْتَ عَلى نفسِكَ" (٣).
ومن هنا كان ﷺ يقول: "إِنَةُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ فِي اليَوْمِ
стр. 5229
أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً" (١).
ومن لزم الطاعة، وداوم معها على الاستغفار سلم من هذه الحماقة لأنه اقتدى بأعقل الخلق ﷺ .
وهل ما ذكرناه هنا هو معنى قول مطرف ﵁: ما من الناس أحد إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه، غير أن بعض الحمق أهون من بعض؟ رواه ابن المبارك، وأحمد أيضاً (٢).
ورواه أبو نعيم، ولفظه: لو حلفت لرجوت أني أَبَرُّ: أنه ليس أحد من الناس إلا وهو أحمق فيما بينه وبين الله (٣).
وروى النقاش عن سعيد بن المسيب قال: تلا عمر رضي الله تعالى عنه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ [الانفطار: ٦]؛ قال: الحمق يارب (٤).
ونقل ابن الجوزي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: كلنا
стр. 5230
أحمق في ذات الله (١).
وقلت مقتبساً لكلام أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: [من الرمل]
كُلُّنا أَحْمَقُ فِي ذاتِ الإِلَهِ ... لَوْ عَقِلْنا لَمْ نَحُمْ حَوْلَ الْمَناهِي
لَوْ عَقِلْنَا لأَطَعْنا ما نَرى ما ... قَد أَطَعْنَا لا نُرائِي لا نبُاهِي
رُبَّما أَحْمَقُ كُلُّ النَّاسِ إِذْ هُمْ ... بَيْنَ مَهْمُوم بِدُنْياهُ وَلاهِي
رُبَّ مَنْ جَمَّعَ دنْياهُ وَأَوْعى ... ثُمَّ لَمْ يَبْقَ لَها كَلاَّ وَلا هِي
خُذْ مِنَ الدُّنْيَا كَفافًا ثُمَّ أَقْصِرْ ... لا تَكُنْ بِاللهِ مِنْ أَهْلِ الْمَلاهِي
الفائِدةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: ذكر ابن الجوزي عن علي ﵁ أنه قال: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش (٢).
وعن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: خلق الله تعالى آدم ﵇ أحمق، ولولا ذلك ما هنَّأه العيش (٣).
وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعني: غِرًّا بأمر الله
стр. 5231
تعالى. رواه المفسرون، وابن الأنباري في كتاب "الأضداد" (١).
وقال ابن جريح: ظلم نفسه في خطيئته، جهولاً بعاقبة ما تحمل.
رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري (٢).
وقال مجاهد: ما كان بين أن تحمل الأمانة إلى أن خرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر. رواه ابن أبي حاتم (٣).
فمعنى الحمق والجهل الموصوف به الإنسان في الآية والأثر: هو اغتراره بما تتعلق به آماله من الخير، فعجل في ذلك الأمر، ولا يمعن لنفسه النظر في عاقبته، وذلك في طباع كل إنسان.
ومن هنا قيل: لا بد لكل عاقل من زلة.
بل قال رسول الله ﷺ : "لا حَكِيمَ إِلاَّ ذُو تَجْرِبَةٍ، وَلا حَلِيمَ إِلاَّ ذُو عَثْرَةٍ". رواه الحاكم من حديث دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٤).
стр. 5232
الفائدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: روى ابن أبي الدنيا في "العقل" عن أيوب ابن القرية أنه قال: الرجال ثلاثة؛ عاقل، وأحمق، وفاجر، فالعاقل إن كلم أجاب، وإن سمع وعى، وإن عمل خشع.
والأحمق إن تكلم عجل، وإن حدث ذَهَلَ، وإن حمل على القبيح فعل.
والفاجر إن ائتمنته خانك، وإن حادثته شانك (١).
قال الماوردي في "أدب الدين والدنيا": وقد وصف بعض الأدباء العاقل بما فيه من الفضائل، والأحمق بما فيه من الرذائل، فقال: العاقل إذا والى بذل في المودة نصره، وإذا عادى رفع عن الظلم قدره، فيسعد مواليه بعقله، ويعتصم معاديه بعدله، إن أحسن إلى أحد ترك المطالبة بالشكر، وإن أساء إليه مسيءٌ سبب له أسباب العذر، أو منحه الصفح والعفو.
والأحمق ضالٌّ مُضِلٌّ، إن أونس تكبر، وإن أوحش تكدر، وإن استنطق تخلف، وإن ترك تكلف، مجالسته مهنة، ومعاتبته محنة، ومجاورته تغر، وموالاته تضر، ومقارنته عمى، ومقاربته شقاء.
قال الماوردي: وكانت ملوك الفرس إذا غضبت على عاقل حبسته مع جاهل.
قال: والأحمق يسيء إلى غيره ويظن أنه قد أحسن إليه، فيطالبه
стр. 5233
بالشكر، ويحسن إليه ويظن أنه قد أساء إليه، فيطالبه بالوتر، فمساوئ الأحمق لا تنقضي، وعيوبه لا تتناهى، ولا يقف النظر منها إلى غاية إلا لوحت بما وراءها مما هو أدنى منها، وأردى مما مر وأدهى، وفي أكثر العبر لمن نظر، وأنفعها لمن اعتبر.
قال: وقال الأحنف بن قيس: من كلٍّ يُحفَظ الأحمق إلا من نفسه، انتهى (١).
وروى ابن الجوزي عن ابن عائشة قال: قال جعفر بن محمد رحمهما الله تعالى: الأدب عند الأحمق كالماء في أصول الحنظل؛ كلما ازداد رِيًّا زاد مرارة (٢).
وقلت: [من مجزوء الكامل]
فِعْلُ الْحَماقَةِ فِي الأَدَبْ ... فِعْلُ الْمَرارَةِ فِي الضَّربْ
وَالْعَقْلُ يُصْلِحُ مِنْ ذَويـ ... ـهِ فَسادَهَمُ وَيَقِي العَطَبْ
الفائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبزى قال: قال داود ﵇: خطيئة الأحمق في نادي القوم كمثل الذي يتغنى عند رأس الميت (٣).
стр. 5234
والمعنى أن الأحمق إذا وقعت منه الخطيئة تجاهر به حتى يضرب المثل به وبخطيئته، ويتضاحك القوم منه، ولا يبالي بهم، ولا باطلاعهم على عيبه، ولا يستحيي منهم كأنهم أموات عنده، وكأنه ميت عندهم لا يبالون بخطيئته أن يتذاكروها، ويضحكوا منه في حضرته لأنه لا يتأثر منها، بل ربما ضحك معهم.
الفائِدَةُ الْخامِسَةَ عَشْرَةَ: روى ابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" عن سعيد بن عمارة قال: مكتوب في التوراة: من صنع معروفًا إلى أحمق فقد تكتب عليه خطيئة (١).
ووجه ذلك أن فعل المعروف إلى الأحمق قد يقوى به على معصية، وقد يدعوه إلى التِّيه والكِبر، وربما حسب أن فعل المعروف إليه أداء من الفاعل لحق له وجب عليه بمعروف آخر، ثم يحمله الحمق إلى أن الفاعل قصر في حقه، فقد يطالبه بغيره فيترقى عن كفران النعمة إلى نسبة ذلك المحسن إلى الظلم والإساءة، فيظهر خطأ المحسن إذن، وربما دعاه هذا الكفران والطغيان إلى الامتنان والندم على ما كان.
والعاقل يرى هذا المعروف لو فعل إليه إحساناً من الله تعالى، ثم يحمله العقل على شكر هذا المحسن لأنه -وإن كان واسطة في إيصال إحسان الله إليه- فقد أمرنا بشكر الواسط.
стр. 5235
وقال المبلِّغ عن الله تعالى ﷺ : "لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ" (١).
ثم لا يرى العاقل أن هذا الإحسان سيق إليه لحق له عند المحسن، ولا لفضيلة استوجب بها ذلك، بل هو مجرد فضل من الله تعالى، فإذا ابتلي لم يلم من سيق البلاء إليه على يديه، بل شهد البلاء من الله تعالى لحكمة فيه كما يشهد الإحسان منه، كما روى ابن جهضم عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان - يعني: الداراني - رحمه الله تعالى يقول: تدري لِمَ أزال العاقل الملامة عن من أساء إليه؟
قلت: لا أدري.
قال: لأنه علم أن الله تعالى ابتلاه بذلك.
الفائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: من قبح الحماقة أن العلم - مع أنه أشرف الصفات وأكملها - لا يصلح من فسادها شيئاً.
ومن هنا ينبغي أن يختار العالم للتعليم من يعجبه عقله، ويدل على تمام عقل الطالب حسن نيته في الطلب، وقد سبق ما في فعل المعروف إلى الأحمق، وتعليم العلم أفضل المعروف.
قال أرسطاطاليس: زيادة العلم في الرجل الأحمق كزيادة الماء في أصول الحنظل؛ كلما ازداد علمًا ازداد حماقة (٢).
стр. 5236
وتقدم نظيره عن جعفر الصادق في "الأدب".
ووجه ذلك أن الأحمق طائش العقل متكبر، والعلم أعظم ما يتكبر به؛ فإذا تعلم على حماقته ازداد طيشاً، فلا ينتفع بالعلم.
ومن [هنا] استعاذ النبي ﷺ من علم لا ينفع (١)؛ فإنه لا ينفع إلا مع العقل.
وقيل: [من الكامل]
العِلْمُ لِلرَّجُلِ اللَّبِيبِ زِيادَةٌ ... وَنَقِيضُهُ لِلأَحْمَقِ الطَّيَّاشِ
مِثْلُ النَّهارِيَزِيدُ إِبْصارَ الوَرَى ... نُورًا وَيُعْشِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ
الفائدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: روى ابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكُمْ وَرَضاعَ الْحَمْقَى" (٢).
والحكمة في ذلك أن العادة جارية أن من ارتضع من لبن امرأة غلب عليه أخلاقها.
وأفصح عن ذلك ما رواه أبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والقضاعي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "الرَّضاعُ يغَيرُ الطَّباعَ" (٣).
стр. 5237
الفائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: روى الدينوري عن ابن عائشة قال: ذكر أعرابيٌّ رجلاً فقال: كأنه أحلم من فرخ طائر، ثم أنشد لبعض الشعراء: [من البسيط]
إِنِّي لأُعْرِضُ عَنْ أَشْياءَ أَسْمَعُها ... حَتَّى يَظُنَّ رِجالٌ أَنَّ بِي حَمَقا
أَخْشَى جَوابَ سَفِيهٍ لا حَياءَ لَهُ ... فَسَلْ يَظُنَّ أُناسٌ أَنَّهُ صَدَقا (١)
ونقل ابن عبد ربه في "العقد" عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول: كان سنان بن أبي حارثة أحلم من فرخ طائر.
قلت: وما حلم فرخ الطائر؟
قال: إنه يخرج من بيضة في رأسه نبق، فلا يتحرك حتى ينبت ريشه ويقوى على الطيران (٢).
وأنشد ابن عبد ربه لبعضهم: [من الطويل]
وَفِي الْحِلْمِ رَدْع لِلسَّفِيهِ عَنِ الرَّدَى ... وَفِي الْخَرْقِ إِغْراءٌ فَلا تَكُ أَخْرَقا
стр. 5238
فَتَنْدَمَ إِذْ لا تَنْفَعَنْكَ نَدامَةٌ ... كَما نَدِمَ الْمَغْبُونُ لَمَّا تَفَرَّقا (١)
الفائِدةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قال ابن عبد ربه: قيل لعدي بن حاتم ﵁: ما السؤدد؟
قال: السيد الأحمق في ماله، الذليل في عرضه، المطرح لحقده (٢).
قال: وقيل لعرابة الأوس: لِمَ سوَّدك قومك؟
قال: بأربع خلال: أنخدع لهم في مالي، وأذل لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد كبيرهم (٣).
فالمرء إذا انخدع في ماله فأنفقه في وجوه الخير ووقاية العرض - وإن بالغ في ذلك حتى يعده كثير من الناس في ذلك أحمق - كان ذلك تماماً لسيادته، واستوجب الحمد به، وانقلب حمقه عقلاً.
ولعل تسمية ذلك حمقا على وجه المشاكلة دالًّا فقد قالوا: إنما يسود الرجل بأربعة أشياء: بالعقل، والأدب، والعلم، والمال (٤).
стр. 5239
الفائِدَةُ الْمُتَمِّمَةُ عِشرِينَ فائِدَةً: روي عن وهب رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: إني أرزق الأحمق ليعلم العاقل أن الرزق ليس باحتيال (١).
وقال: أنشدني أحمد بن عباد التميمي قال: أنشدني أبي:
وَالغَيْثُ يُحْرَمُهُ أُناسٌ سُغَّبٌ ... وَيَبِيتُ يَهْمِلُ فِي بِلادِ جِلّقِ
وَالرِّزْقُ يُخْطِئُ بابَ عاقِلِ قَوْمِهِ ... وَيَبِيتُ بَوَّاباً لِبابِ الأَحْمَقِ (٢)
ومن محاسن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ما رواه أبو نعيم في "الحلية"، ومن طريقه ابن السبكي في "الطبقات" عن أبي حيان النيسابوري قال: بلغني أن عباساً الأزرق دخل على الشافعي يوماً فقال: يا أبا عبد الله! قد قلت أبياتاً إن أنت أجزت لي بمثلها لأتوبن أني لا أقول شعراً أبداً.
فقال له الشافعي: إيهِ، فأنشأ يقول: [من الكامل]
ما هِمَّتِي إِلاَّ مُقارَعَةُ العِدا ... خَلَقَ الزَّمانُ وَهِمَّتِي لَمْ تَخْلَقِ
وَالنَّاسُ أَعْيُنُهُمْ إِلَى سَلَبِ الْفَتَى ... لا يَسْألونَ عَنِ الْحِمَى وَالأَولق
لَوْ كانَ بِالْحِيَلِ الغِنَى لَوَجَدْتَنِي ... بِنُجُومِ أَقْطارِ السَّماءِ تَعَلُّقِي
стр. 5240
فقال له الشافعي رضي الله تعالى عنه: هلا قلت كما أقول استرسالاً: [من الكامل]
إِنَّ الَّذِي رُزِقَ اليَسارَ فَلَمْ يُصِبْ ... حَمْداً وَلا أَجْراً لَغَيْرُ مُوَفَّقِ
فَالْجِدُّ يُدْنِي كُلَّ أَمْرٍ شاسِعٍ ... وَالْجِدُّ يَفْتَحُ كُلَّ بابٍ مُغْلَقِ
وإِذا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَجْدُوداً حَوى ... عُودًا فَأَثْمَرَ فِي يَدَيْهِ فَحَقِّقِ
وإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَحْرُومًا أتى ... ماءً لِيَشْرَبَهُ فَغاضَ فَصَدِّقِ
وَأَهَمُّ خَلْقِ اللهِ بِالْهَم امْرُؤٌ ... ذُو نِعْمَةٍ يَبْلَى بِعَيْشٍ ضَيِّقِ
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وَكَوْبهِ ... بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيْبُ عَيْشِ الأَحْمَقِ (١)
وأكثر الناس لم تكشف لهم حقيقة الأمر كما كشفت للشافعي وأمثاله من أن إفاضة الرزق وكثرة العرَض لكثيرٌ من أهل الحماقة والجهالة؛ إنما هي ليعلم العاقل أن الأرزاق مقسومة بأقضية محتومة وأقدار معلومة، لا بحيلة عاقل محتال، ولا بجهد فعال عامل، فمنهم من نسب ذلك إلى جور الزمان، ومنهم من حمل ذلك على التنزل من العقل إلى حال أهل الجهل، حتى قيل كما أنشده ابن عبد ربه عن الجاحظ عمرو بن بحر: [من الطويل]
تَحامَقْ مَعَ الْحَمْقَى إِذا ما لَقِيتَهُمْ ... وَلاقِهِمُ بِالْجَهْلِ فِعْلَ أَخِي الْجَهْلِ
стр. 5241
وَخَلِّطْ إِذا ما كُنْتَ (١) يَوْماً مُخَلِّطاً ... تُخَلِّطُ (٢) فِي قَوْلٍ صَحِيحٍ وَفِي هَزْلِ
فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَرْءَ يَشْقَى بِعَقْلِهِ ... كَما كانَ قَبْلَ اليَوْمِ يَسْعَدُ بِالعَقْلِ (٣)
وروى ابن السمعاني بإسناده عن أبي الحسين محمد بن محمد بن جعفر بن الحكم: [من الوافر]
زَمان قَدْ تَفَرَّغَ لِلفُضولِ ... يُسَوِّدُ كُلَّ ذِي جَهْلٍ جَهُولِ
إِذا أَحْبَبْتُمْ فِيهِ ارْتفاعاً ... فَكُونُوا جاهِلِينَ بِلا عُقُولِ (٤)
وقلت: [من مجزوء الرمل]
إِنَّما الإِمْلاقُ أَوْلَى ... إِنْ يَفُزْ بِالْمالِ أَحْمَقْ
إِنَّما الْحِلْمُ بِأَنْ ... يَبْلُغَهُ الإِنْسانُ أليَق
لا أَرَى الْحُمْقَ وإنْ كَا ... نَ بِهَذا الوَقْتِ ألبَقْ
فَارْضَ بِالْمَيْسُورِ وَالْعَقْلِ ... وَبِالصَّبْرِ تَمَنْطَقْ
إِنَّما تُحْمَدُ عُقْبَى الصَّ ... ـبْرِ يَوماً فِيْهِ يُفْرَقْ
فَفَرِيقٌ فِي نَعِيمٍ ... وَفَرِيق يَتَحَرَّقْ
(٢) باب النَّهْيِ عَنْ تَشَبُّهِ الحُرِّ بِالرَّقِيقِ وَعَكْسِهِ
стр. 5244
(٢) باب النَّهْيِ عَنْ تَشَبُّهِ الحُرِّ بِالرَّقِيقِ وَعَكْسِهِ
أما الحر بالرقيق فهو على قسمين:
القسم الأوَّلُ: أن يُرِقَّ الْحُرُّ نفسه ؛ بأن يصادق غيره أنه عبدُه , وهو كبيرةٌ من الكبائر.
روى الإسماعيلي في "معجمه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَومَ القِيامَةِ؛ حُرٌّ باعَ حُرًّا، وَحُرٌّ باعَ نَفْسَهُ، وَرَجُلٌ أَبْطَلَ كِراءَ أَجِير حِينَ جَفَّ رَشْحُهُ" (١).
وأما مصادقة الخضر ﵇ للمسكين الذي باعه بأربع مئة درهم وانتفع بها، فليس ذلك من شريعتنا، بل هو من قبيل ما اتفق له مع موسى ﵇ من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار بغير قول، وهو من العلم الذي قال فيه الخضر لموسى عليه
стр. 5245
السلام: "إني على علم عَلَّمنيه الله تعالى لا تعلمه"، كما في "البخاري"، وغيره (١).
روى الطبراني - ورجاله موثوقون - عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "أَلا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الْخَضِر ﵇؟ ".
قالوا: بلى.
قال: "بَيْنَما هُوَ ذاتَ يَومٍ يَمْشِي فِي سُوقِ بَنِي إِسْرائِيلَ أَبْصَرَهُ رَجُلٌ مُكاتبٌ فَقالَ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ بارَكَ اللهُ فِيكَ.
فَقالَ الْخَضِرُ: آمَنْتُ بِاللهِ، ما شاءَ اللهُ مِنْ أَمْرٍ يَكُونُ، ما عِنْدِي شَيْء أعْطِيكَهُ.
فَقالَ الْمِسْكِينُ: أَسْألكَ بِوَجْهِ اللهِ لَما تَصَدَّقْتَ عَلَيَّ؛ فَإِنيِّ عَرَفْتُ السَّماحَةَ فِي وَجْهِكَ، وَرَجَوْتُ البَرَكَةَ عِنْدَكَ.
فَقالَ الْخَضِرُ ﵇: آمَنْتُ بِاللهِ! ما عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيكَهُ إِلاَّ أَنْ تأْخُذَنِي وَتَبِيعَنِي.
فَقالَ الْمِسْكِينُ: وَهَلْ تَسُومُ هَذا؟
قالَ: نعمْ، أقولُ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي بِأَمْر عَظِيم، أَما إِنِّي لأُجِيْبَنَّكَ بِوَجْهِ رَبِّي، بِعْنِي.
قالَ: فَقَدَّمَهُ، فَباعَهُ بِأَرْبَعِ مِئَةِ درْهَم، فَمَكَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي زَماناً
رَقَبَتِي، فَباعَنِي.
وَأُخْبِرُكَ أَنَّهُ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللهِ فَرَدَّ سائِلَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ وُقِفَ يَوْمَ الْقِيامَةِ جِلْدُهُ وَلا لَحْمَ لَهُ، عَظْمٌ يَتَقَعْقَعُ.
فَقالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِاللهِ، شَقَقْتُ عَلَيْكَ يا نبَيَّ اللهِ وَلَمْ أَعْلَمْ.
قالَ: لا بَأْسَ، أَحْسَنْتَ وَاتَّقَيْتَ.
فَقالَ الرَجُلُ: بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا نبِى اللهِ! احْكُمْ فِي أَهْلِي وَمالِي بِما شِئْتَ، أَوِ اخْتَرْ فَأُخَلِّيَ سَبِيلَكَ.
قالَ: أُحِبُّ أَنْ تُخَلِّيَ سَبِيلِيَ فَأَعْبُدَ رَبِّي، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَذِي أَوْثَقَنِي فِي الْعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ نَجَّانِي مِنْها" (١).
* تَنْبِيهٌ:
من ابتلي بالرق قهراً عليه، أو الأسر، فينبغي له أن يعامل سيده معاملة العبيد لسادتهم حتى يحكم الله له بالخلاص كما فعل يوسف والخضر ﵉.
стр. 5248
وقد قدمنا في التشبه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه يحتج يوم القيامة على الأرقاء بيوسف ﵇.
ومهما أمكنه الانفلات من الرق أو الأسر بدعوى أو هرب، ولم يخف على نفسه ضرراً، تعيَّن عليه بخلاف المرقوق بحق؛ فإن تفلته من رق سيده إباق، وهو كبيرة.
القِسْمُ الثَّانِي مِنْ تَشَبُّهِ الْحُرِّ بِالرَّقِيقِ:
أن يُدخل الإنسان نفسه تحت ذل الديون من غير ضرورة، أو تحت مِنَّةِ الرجال.
وإلى ذلك أشار الشافعي رضي الله تعالى عنه حين قال له رجل: أوصني.
قال: إن الله خلقك حراً؛ فكن كما خلقك (١).
وقد أشار النبي ﷺ إلى تسمية الدين رِقًّا فيما رواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: "أَقِلَّ مِنَ الذُّنُوبِ يَهُنْ عَلَيْكَ الْمَوْتُ، وَأَقِلَّ مِنَ الدَّيْنِ تَعِشْ حُرًّا" (٢).
وروى الإمام أحمد، وغيره، وصححه الحاكم، وسنده جيد، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تُخِيفُوا
стр. 5249
أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِها".
قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟
قال: "الدَّيْنُ" (١).
وصحح الحاكم أيضاً عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "الدَّيْنُ رايَةُ اللهِ فِي الأَرْضِ؛ فَإِذا أَرادَ اللهُ أَنْ يُذِلَّ عَبْداً وَضَعَهُ فِي عُنُقِهِ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن حذيفة، والإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي عن ابن عمر، وعن علي رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ".
وفي رواية: قيل: كيف يذل نفسه؟
قال: "يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلاء لِما لا يُطِيقُ" (٣).
قلت: ولا شك أن في تحمل مِنَنِ الناس ذلاَّ ظاهراً.
وقال الماوردي: أنشدني عن الربيع للشافعي رحمه الله تعالى:
стр. 5250
[من مجزوء الكامل المرفَّل]
لا تَحْمِلَنَّ مِنَ الأَنامِ ... لمن يَمُنُّ عَلَيْكَ مِنَّةْ
وَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ حَظَّها ... وَاصْبِرْ فَإِنَّ الصبْرَ جُنَّةْ
مِنَنُ الرِّجالِ عَلى الْقُلُو ... بِ أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ الأَسِنَّةْ (١)
ومن اللطائف في هذا الباب ما ذكره عبد الكريم بن السمعاني فقال: أنشدنا أبو محمد بن طوق الرقي قال: أنشدنا أبو البركات بن الوكيل المقرئ لرافع الحمال: [من مجزوء الرمل]
كُدَّ كَدَّ العَبْدِ إِنْ أَحْـ ... بَبْتَ أَنْ تُحْسب حُرَّا
وَاقْطَعِ الآمالَ عَنْ فَضـ ... ـل بَنِي آدَمَ طُرَّا
لا تَقُلْ ذا مَكْسَبٌ يُزْ ... ـري فَفَضْلُ النَّاسِ أَزْرى
أَنْتَ ما اسْتَغْنَيْتَ عَنْ ... مِثْلِكَ أَعْلَى النَّاسِ قَدْرا (٢)
وإذا قدر الله تعالى على العبد أن يدخل تحت رق الدين أو المنة لم يبق إلا الاحتيال في الخروج عن العهدة بالوفاء في الدين، وبالمكافأة في المنة، ومهما كان لأحد عليه من دين أو نعمة فينبغي أن يشكر فضله لقوله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ تَعالَى" (٣)،
стр. 5251
وليكافئ على الهدية ونحوها، فإن لم يستطع ولا أقل من أن يقول لصاحبها: جزاك الله خيراً.
روى أبو داود، والنسائي - واللفظ له - وابن حبان، والحاكم - وصححاه - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَعاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَجارَ بِاللهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ" (١).
وينبغي أن يوفي الدين ويكافئ عن الصنيعة من أجود ما عنده وأحسنه، ويمشي إلى تأدية الدين، ولا يكلف الدائن أن يمشي إليه، وليتلطف به وبالصانع في الخطاب شاكراً له، داعياً له بخير.
ومهما عجز عن الوفاء [فليقضه] (٢) متى أمكنه، وليلجأ إلى الله تعالى في قضاء الدين.
وقد ذكرت أحكام الاستدانة وآدابها مستوفاة في "منبر التوحيد" بما ليس عليه مزيد.
* وهنا تنبِيهانِ:
الأَوَّلُ: مَدَحَ الشرعُ وأهلُه، وأربابُ الحكمةِ [و] العقلِ القناعةَ؛
стр. 5252
لأنها تجزئ العبد عن عبودية الطمع والحاجة إلى الناس وعن سؤالهم.
وقيل: العبد حر ما قنع، والحر عبد ما طمع.
وروى البزار، والطبراني بسند جيد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "اسْتَغْنُوا عَنِ النَّاسِ وَلَوْ بِشَوْصِ السِّواكِ" (١).
وروى الإمام أحمد عن ابن أبي مليكة رحمه الله تعالى قال: ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فيضرب بذراع ناقته، فينيخها فيأخذه.
قال: فقالوا له: أفلا أمرتنا فنناولكه؟
فقال: إن حبيبي رسول الله ﷺ أمرني أن لا أسأل الناس شيئاً (٢).
وروى عند ذلك عن ثوبان، وأبي بكر، وغيرهما رضي الله تعالى عنهم.
ولعل هؤلاء بعض النفر الذين بايعهم رسول الله ﷺ على ذلك كما روى مسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن أبي عبد الرحمن عوف ابن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعة، أو ثمانية، أو سبعة، فقال: "أَلا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ "، وكنا
стр. 5253
حديثي عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعنا رسول الله ﷺ .
فقال: "أَلا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟
"فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟
قال: "أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَواتِ الْخَمْس، وَأَطِيعُوا".
وأسَرَّ كلمةً خفية: "وَلا تَسْألوا النَّاسَ شَيْئًا".
فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدهم أن يناوله إياه (١).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال: "يا محمدُ! عِشْ ما شئتَ؛ فإنكً ميتٌ، واعمَلْ ما شِئْتَ؛ فإنَّكَ تُجْزَى، وأَحْبِبْ مَنْ شئتَ؛ فإنكَ مُفَارِقٌ، واعلم أن شرفَ المؤمنِ قيامُ الليلِ، وعزَّتَهُ استغناؤه عنِ النَّاسِ" (٢).
التَّنْبِيهُ الثَّانِي مِنْ تَشَبُّهِ الأَحْرارِ بِالأَرِقَّاءِ: خدمة الإنسان أكابر الناس بالأجرة، وأقبح هذا النوع خدمة المُرْد الحِسان عند الأجانب
стр. 5254
خصوصاً عند الأجناد؛ فإنهم يعتقدون أن لهم التصرف في الصبي إذا خدم عندهم، وأخذ نوالهم كما يتصرف المالك في مملوكه، فإن تجاوزوا ذلك إلى اللواط ومقدماته فقد هلكوا ولو كان ذلك مع مماليكهم؛ فإن هذا أمر لم يحل في شريعة، وإنما نبهت عليه لكثرة وقوعه من غالبهم.
وأولياء المرد إذا رضوا لهم بذلك أثموا، فإن أمروهم بذلك أو حملوهم إلى الجند فأخدموهم إياهم تضاعف إثمهم، وكان ذلك نوعاً من الدياثة والقيادة.
ولقد كره العلماء الأولي اء تزويج مولياتهم للفساق؛ لأن النكاح رق والتزوج إرقاق، حتى قال بعض السلف: من زوج موليته من فاسق فقد قطع رحمه (١).
ومن هنا منع الأولياء المجبرون من تزويجهن غير الأكفاء، فإن رضيت المرأة العاقلة بالتزوج بالفاسق والظالم، ورضيت صحبته، فقد غسلت اليد منها، ونَبَتِ السعادة والخيرات عنها.
* فائِدَتَانِ:
الأُولَى: ينبغي للعاقل إذا اضطر إلى تحمل منة تعرض أو سؤال، أن لا يقصد إلا كريماً حسن الوجه يلقاه بوجه بشوش، ولا يقصد
стр. 5255
لئيماً، ولا من نعمته مستحدثة.
وفي الحديث: "اطْلُبوا الْخَيْرَ مِنْ حِسانِ الْوُجُوه" (١)، وهم أهل البشاشة والبِشْر.
وكذلك إذا حملته الضرورة على الخدمة فلا يخدم إلا العلماء، وأهل المجد والسماحة الذين لا يتبعون إحسانهم بالمن والأذى، دون السفهاء واللؤماء، والجند الظلمة، ومستحدثي النعمة، ومستذلي الحرفة؛ فإن الخدمة إذا كانت للعلماء والأشراف، والحاجة إذا كانت إليهم فتلك الخدمة التي تنتج الرفعة في الدنيا، والفوز في الآخرة إذا حسنت النية، وتلك الحاجة التي لا تزري بمحتاجها، وهي التي تنجح، ولا تكسر عرض صاحبها.
وأنشد ابن أبي الدنيا لمحمود الوراق: [من الوافر]
إِذا أَعْطَى الْقَلِيلَ فَتى شَرِيفٌ ... فَإِنَّ قَلِيلَ ما يُعْطِيكَ زَيْنُ
وَإِنْ تَكُنِ الْعَطِيَّةُ مِنْ دَنِيِءٍ ... فَإِنَّ كَثِيرَها عارٌ وَشَيْنُ
وَلا يَرْضى الْكَرِيْمُ بِيَوْمِ عارٍ ... وَإِنْ أَوْهَى وَهَدَّ قُواهُ دَيْنُ
فَعُذْ بِاللهِ وَالجَ إِلَيْهِ إِمَّا ... بَدَتْ لَكَ حاجَةٌ أَوْ كانَ كَوْنُ (٢)
وروى الدينوري، والسلفي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى