← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وليكافئ على الهدية ونحوها، فإن لم يستطع ولا أقل من أن يقول لصاحبها: جزاك الله خيراً. روى أبو داود، والنسائي - واللفظ له - وابن حبان، والحاكم - وصححاه - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَعاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَجارَ بِاللهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ" (١). وينبغي أن يوفي الدين ويكافئ عن الصنيعة من أجود ما عنده وأحسنه، ويمشي إلى تأدية الدين، ولا يكلف الدائن أن يمشي إليه، وليتلطف به وبالصانع في الخطاب شاكراً له، داعياً له بخير. ومهما عجز عن الوفاء [فليقضه] (٢) متى أمكنه، وليلجأ إلى الله تعالى في قضاء الدين. وقد ذكرت أحكام الاستدانة وآدابها مستوفاة في "منبر التوحيد" بما ليس عليه مزيد. * وهنا تنبِيهانِ: الأَوَّلُ: مَدَحَ الشرعُ وأهلُه، وأربابُ الحكمةِ [و] العقلِ القناعةَ؛

стр. 5252

لأنها تجزئ العبد عن عبودية الطمع والحاجة إلى الناس وعن سؤالهم. وقيل: العبد حر ما قنع، والحر عبد ما طمع. وروى البزار، والطبراني بسند جيد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "اسْتَغْنُوا عَنِ النَّاسِ وَلَوْ بِشَوْصِ السِّواكِ" (١). وروى الإمام أحمد عن ابن أبي مليكة رحمه الله تعالى قال: ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فيضرب بذراع ناقته، فينيخها فيأخذه. قال: فقالوا له: أفلا أمرتنا فنناولكه؟ فقال: إن حبيبي رسول الله ﷺ أمرني أن لا أسأل الناس شيئاً (٢). وروى عند ذلك عن ثوبان، وأبي بكر، وغيرهما رضي الله تعالى عنهم. ولعل هؤلاء بعض النفر الذين بايعهم رسول الله ﷺ على ذلك كما روى مسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن أبي عبد الرحمن عوف ابن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعة، أو ثمانية، أو سبعة، فقال: "أَلا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ "، وكنا

стр. 5253

حديثي عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعنا رسول الله ﷺ . فقال: "أَلا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ "فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَواتِ الْخَمْس، وَأَطِيعُوا". وأسَرَّ كلمةً خفية: "وَلا تَسْألوا النَّاسَ شَيْئًا". فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدهم أن يناوله إياه (١). وروى الطبراني في "الأوسط" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال: "يا محمدُ! عِشْ ما شئتَ؛ فإنكً ميتٌ، واعمَلْ ما شِئْتَ؛ فإنَّكَ تُجْزَى، وأَحْبِبْ مَنْ شئتَ؛ فإنكَ مُفَارِقٌ، واعلم أن شرفَ المؤمنِ قيامُ الليلِ، وعزَّتَهُ استغناؤه عنِ النَّاسِ" (٢). التَّنْبِيهُ الثَّانِي مِنْ تَشَبُّهِ الأَحْرارِ بِالأَرِقَّاءِ: خدمة الإنسان أكابر الناس بالأجرة، وأقبح هذا النوع خدمة المُرْد الحِسان عند الأجانب

стр. 5254

خصوصاً عند الأجناد؛ فإنهم يعتقدون أن لهم التصرف في الصبي إذا خدم عندهم، وأخذ نوالهم كما يتصرف المالك في مملوكه، فإن تجاوزوا ذلك إلى اللواط ومقدماته فقد هلكوا ولو كان ذلك مع مماليكهم؛ فإن هذا أمر لم يحل في شريعة، وإنما نبهت عليه لكثرة وقوعه من غالبهم. وأولياء المرد إذا رضوا لهم بذلك أثموا، فإن أمروهم بذلك أو حملوهم إلى الجند فأخدموهم إياهم تضاعف إثمهم، وكان ذلك نوعاً من الدياثة والقيادة. ولقد كره العلماء الأولي اء تزويج مولياتهم للفساق؛ لأن النكاح رق والتزوج إرقاق، حتى قال بعض السلف: من زوج موليته من فاسق فقد قطع رحمه (١). ومن هنا منع الأولياء المجبرون من تزويجهن غير الأكفاء، فإن رضيت المرأة العاقلة بالتزوج بالفاسق والظالم، ورضيت صحبته، فقد غسلت اليد منها، ونَبَتِ السعادة والخيرات عنها. * فائِدَتَانِ: الأُولَى: ينبغي للعاقل إذا اضطر إلى تحمل منة تعرض أو سؤال، أن لا يقصد إلا كريماً حسن الوجه يلقاه بوجه بشوش، ولا يقصد

стр. 5255

لئيماً، ولا من نعمته مستحدثة. وفي الحديث: "اطْلُبوا الْخَيْرَ مِنْ حِسانِ الْوُجُوه" (١)، وهم أهل البشاشة والبِشْر. وكذلك إذا حملته الضرورة على الخدمة فلا يخدم إلا العلماء، وأهل المجد والسماحة الذين لا يتبعون إحسانهم بالمن والأذى، دون السفهاء واللؤماء، والجند الظلمة، ومستحدثي النعمة، ومستذلي الحرفة؛ فإن الخدمة إذا كانت للعلماء والأشراف، والحاجة إذا كانت إليهم فتلك الخدمة التي تنتج الرفعة في الدنيا، والفوز في الآخرة إذا حسنت النية، وتلك الحاجة التي لا تزري بمحتاجها، وهي التي تنجح، ولا تكسر عرض صاحبها. وأنشد ابن أبي الدنيا لمحمود الوراق: [من الوافر] إِذا أَعْطَى الْقَلِيلَ فَتى شَرِيفٌ ... فَإِنَّ قَلِيلَ ما يُعْطِيكَ زَيْنُ وَإِنْ تَكُنِ الْعَطِيَّةُ مِنْ دَنِيِءٍ ... فَإِنَّ كَثِيرَها عارٌ وَشَيْنُ وَلا يَرْضى الْكَرِيْمُ بِيَوْمِ عارٍ ... وَإِنْ أَوْهَى وَهَدَّ قُواهُ دَيْنُ فَعُذْ بِاللهِ وَالجَ إِلَيْهِ إِمَّا ... بَدَتْ لَكَ حاجَةٌ أَوْ كانَ كَوْنُ (٢) وروى الدينوري، والسلفي عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى

стр. 5256

قال: أوحى الله إلى موسى ﵇: لأن تدخل يدك إلى المنكبين في فم التنين خيرٌ من ترفعها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر (١). وأنشد ابن سيده لبعض الأدباء: [من الهزج] لَصَيْدُ اللَّخْمِ (٢) فِي الْبَحْرِ ... وَصَيْدُ الأُسْدِ فِي الْبَرِّ وَقَضْمُ الثَّلْجِ فِي الْقَرِّ ... وَنَقْلُ الصَّخْرِ فِي الْحَرِّ وإِقْدامٌ عَلى الْمَوْتِ ... وَتَحْوِيلٌ إِلَى الْقَبْرِ أَشْهَى مِنْ طِلابِ العرْفِ ... مِمَّنْ عاشَ فِي الْفَقْرِ (٣) وأنشد غيره: [من السريع] مُسْتَحْدَثُ النِّعْمَةَ لا تَرْجُهُ ... فَكَفُّهُ مَمْلُوْءَة فَقْرُ جُنَّ لَهُ الدَّهْرُ فَنالَ الْغِنَى ... يا وَيْلَهُ إِنْ عَقَلَ الدَّهْرُ * الفائِدَةُ الثَّانِيَةُ: كما يحسن من المرء أن لا يدخل تحت منة أحد، يحسن منه أن يعم الناس بنائلة ما أمكنه ذلك، ولا يحسن منه الامتنان به، وقد قال : ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ

стр. 5257

وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وروى أبو الغنائم النرسي في كتاب "قضاء الحوائج" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "عَجِبْتُ لِمَنْ يَشْتَرِي الْمَمالِيكَ بِمالِهِ ثُمَّ يُعْتِقُهُمْ، كَيْفَ لا يَشْتَرِي الأَحْرارَ بِمَعْرُوفِهِ؟ هُوَ أَعْظَمُ ثَواباً" (١). ***

стр. 5258

فَصْلٌ الرق صفة العبد، وقد علمت حكم التشبه به فيه، وله صفات أخرى: ١ - منها: طاعة سيده. فإن أطاعه بسهولة وحسن انقياد كان عبداً طيباً، وإن أطاعه بتخويف وردع وإزعاج كان عبد سوء خبيثاً، فإن كان الغالب عليه العصيان كان أسوأ العبيد. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ﴾ [الأعراف: ٥٨]. وكذلك ينبغي للعبد المكلف أن يكون سلس الانقياد، لين العريكة في طاعة الله تعالى، وإلا كان كعبد السوء كما روى الإمام عبد الله بن المبارك عن وهب بن منبه، قال: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحيي من ربي أن أعبده مخافة النار فأكون كعبد السوء؛ إن رهب عمل، وإن لم يرهب لم يعبد، ولكني أعبده كما هو له أهل.

стр. 5259

وفي رواية: ولكن يستخرج مني حب ربي ما لم يستخرج مني غيره (١). نعم، إن تمرن هذا العبد الذي أطاع رهبة على الطاعة حتى صارت منه عن طيب نفس، وعادت خلقًا من أخلاقه، فهو مرجو، كما أن العبد قد يأبق، ثم يحسن صحبة مواليه، ويتمرن على الطاعة وحسن الخدمة، والحسنة تمحو السيئة، والماء الطهور يغسل الأدران وينظف المكان، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. فأما إذا كانت صفة العبد المعصية الدائمة والتمرد، أو كان الغالب عليه ذلك فإنه لا يكون مرجواً، وقد يجبل العبد على ذلك - خصوصاً الأَسود - فيكون خبيث الطباع، قبيح الأخلاق كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - رواه الطبراني - قيل: يا رسول الله! ما يمنع حبش بني المغيرة أن يأتوك إلا أنهم يخشون أن تردهم. فقال: "لا خَيْرَ فِي الْحَبَشِ - أي: غالباً - إِنْ جاعُوا سَرَقُوا، وإِنْ شَبِعُوا زَنَوْا، وَإِنَّ فِيهِمْ لَخُلَّتَيْنِ حَسَنتَيْنِ؛ إِطْعامُ الطَّعامِ، وَبَأْسٌ عِنْدُ البَأْسِ" (٢).

стр. 5260

وأخرجه البزار بسند حسن نحوه (١). وروى الطبراني عن أم أيمن رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ : "إِنَّما الأَسْوَدُ لِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ" (٢). ونقل السخاوي في "المقاصد الحسنة" أن الشافعي رحمه الله تعالى اعتمد هذا الحديث (٣). وفي حديث ابن عباس دليل أن في الحبشان، وكذا السودان طباعاً طيبة، وطباعاً خبيثة وإن كانت الخبيثة أغلب، وليست منحصرة فيما ذكر، وإنما نبه ﷺ على أمهات أخلاقهم. فلا ينبغي للحر أن يتشبه بالأرقاء منهم في الأخلاق المذمومة كالأشر، والبطر، وكفران الإحسان، وسرعة التقلب والتلون، وخفة الحلم والدمدمة. وما أحسن قول القائل: [من مجزوء الكامل المرفل] الْعَبْدُ يُرْدَعُ بِالعَصا ... وَالْحُرُّ تَكْفِيهِ الْمَلامَة (٤)

стр. 5261

وقال آخر معاتباً: [من السريع] ما أَنْتَ بِالْحُرِّ فَتلْحَى وَلا ... بِالعَبْدِ يُرْجَى رَدْعُهُ بِالعَصا ولا شك أن الذم إنما يعود على طباع العبد الخبيث، لا على لونه، كما في الحديث الصحيح: "لا فَضْلَ لأَبْيَضَ عَلى أَسْوَدَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى" (١). ٢ - ومن صفات العبد اللازمة له: أنه لا يتصرف في نفسه، ولا فيما بينه مستقلًّا إلا بإذن سيده أو أمره. قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]. قيل: هذا مثل للمعبود بحق، والمعبود بالباطل كالصنم الذي لا يتصرف في شيء. وقيل: مثل للمؤمن الكريم، والكافر البخيل. وروى البيهقي في "السنن" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه سئل عن المملوك يتصدق، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ

стр. 5262

﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]: لا يتصدق بشيء (١). قلت: هذه الآية بينت كمال الفرق بين العبد المملوك والحر المنفق رزقاً حسناً، وهو أن العبد ممنوع من الإنفاق إلا بإذن سيده، وكل شيء أنفقه دون إذن سيده فهو آثم فيه، وما تصرف فيه مرجوع فيه، فينبغي للحر أن لا يتشبه به في أخذ مال غيره والتصدق به أو التكرم به، وكذلك لا ينبغي له أن يجعل نفسه مع زوجته، أو مع غلامه أو غيرهما كالعبد الممنوع من التصرف لا يتصرف في ماله إلا بإذن زوجته، أو بإذن من يهواه، كما يتفق كثيرًا لكثير من الناس يصرف في هوى زوجته، أو ولده، أو معشوقه ما قل وكثر، وإذا أراد عمل خير من صلة رحم، أو صدقة امتنع منه طلباً لرضاهم، أو عملًا برأيهم. وفي مثل ذلك قال الحسن رحمه الله تعالى: ما أصبح رجل يطيع زوجته إلا كَبَّه الله في النار (٢). وأقبح من ذلك أن يصرف في الهوى الشيطاني الألوف، ويمنع الحقوق التي أمر الله تعالى بها، وهو دليل مكر الله تعالى بالعبد، ومن كان على هذا الوصف فهو ممكور به؛ والعياذ بالله تعالى!

стр. 5263

٣ - ومن صفات العبد اللائقة به: التواضع، واحتقار النفس، وامتهانها. والتشبه به في هذه الصفات محمود لكل أحد إذا صحت النية فيه. وفي الحديث: "مَنْ تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ". رواه البيهقي عن عمر ﵁، وأبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). وقال ﷺ : "آكُلُ كَما يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وأَجْلِسُ كَما يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَإِنَّما أَنا عَبْدٌ". رواه أبو يعلى عن عائشة رضي الله تعالى عنها (٢). وروى أبو نعيم عن أبي الجلد قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعًا مطمئناً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى

стр. 5264

بالذم، وناجني حين تناجيني بقلب وَجِل ولسان صادق (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عياش، عن عبد الله بن دينار، أو غيره: أن المسيح ﵇ قال: ويلكم علماءَ السوء! لا تنظروا في عيوب الناس أمثال الأرباب، ولكن انظروا في عيوب أنفسكم أمثال العبيد، إنما أنتم أحد رجلين: إما رجل فيه عيب، وإما رجل معافى، فليس ينبغي للذي فيه العيب أن يعيب على غيره، ولا ينبغي لمن عوفي أن يعيِّر أخاه، ولكن يرحمه (٢). أما التواضع للدنيا والأغراض الفاسدة فإنه مذموم. وقد ورد: من تضعضع لغني لأجل عناه ذهب ثلثا دينه. رواه الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه، وقال: إنه مكتوبٌ في التوراة (٣). وروى الديلمي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لَعَنَ اللهُ فَقِيراً تَواضَعَ لِغَنِيٍّ مِنْ أَجْلِ غِناهُ؛ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَدْ ذَهَبَ ثُلُثا دِينهِ" (٤). واعلم أن أصل إتعاب النفس وإذلالها للناس طلبًا لنوالهم إنما

стр. 5265

هو لتعلقها بما تهوى من الشهوات والمستلذات؛ فإنها لا تتوصل إليها إلا بأغراض الدنيا، وهي تحتاج إلى التحيل بالإكساب؛ حلت أو حرمت، عزت النفس فيها أو ذلت، فلا ينقذ العبد من تلك الورطات إلا قلع تلك الشهوات من القلب، وتركها بالكلية من النفس، وإلا آلت به إلى الهلاك والتعس. ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتكَسَ، وَإِذا شِيكَ فَلا انتُقَشَ". الحديث رواه البخاري، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ (١). ***

стр. 5266

فَصْلٌ وأما تشبه الرقيق بالحر فبأن يتغلب على مالكه، أو يجحد رقه، ويدَّعي أنه حر أو محرر، أو يأبق منه وينفي الحرية، أو يصادق غير سيده على رقه، وكل هذا حرام من الكبائر. وفي الحديث: "مَلْعُون مَنِ انتُمَى إِلَى غَيْرِ مَوالِيهِ" (١) بأن يشمخ ويتكبر وهو حرام، ويلبس زي الرغادة، وذلك مكروه أو خلاف الأولى، بل الأولى في حقه أن يكون في المنزلة التي أنزله الله تعالى فيها حتى يكون الله تعالى هو الذي ينقله منها إلى أرفع منها. وقد روي: أن عمر رضي الله تعالى عنهما رأى أمة متقنعة، فقال لها: أتتشبهين بالحرائر يا لَكَاع (٢)؟ قال ابن أبي عصرون: إن عمر رضي الله تعالى عنه قصد نفي الأذى عن الحرائر؛ لأن الإماء بن يقصدن بالزنا حينئذ؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وكانت الحرائر

стр. 5267

يعرفن بالتستر، فخشي عمر إذا تسترت الإماء أن يتشبهن بالحرائر فيؤذين بتشبههن (١). ولهذا صحح صاحب "المهذب"، والروياني، والرافعي حِلَّ النظر بلا شهوة إلى أمة الغير إلا ما بين سرتها وركبتها. قال الرافعي: لكن يكره. والذي صححه النووي، وهو مقتضى كلام الأكثرين، وهو أرجح دليلاً: أن الأمة في النظر إليها كالحرة (٢). قال السبكي: ولعل كلام عمر رضي الله تعالى عنه كان في واقعة خاصة، أو في الإماء المبتذلات البعيدات عن الشهوة، وإلا ففي الإماء التركمان ونحوهن من خوف الفتنة أشدُّ من كثير من الحرائر. انتهى (٣). وأثر عمر المذكور هكذا أورده أهل العربية مستشهدين به وغيرهم (٤). وقد أخرجه البيهقي عن صفية بنت أبي عبيد قالت: خرجت أمة مختمرة متجلببة، فقال عمر: من هذه المرأة؟

стр. 5268

فقيل: جارية بني فلان. فأرسل إلى حفصة رضي الله تعالى عنها، فقال: ما حملك على أن تخمري هذه المرأة، وتجلببيها، وتشبهيها بالمحصنات حتى هممت أن أقع بها لا أحسبها إلا من المحصنات؟ لا تشبهوا الإماء بالمحصنات (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي قلابة رحمه الله تعالى قال: كان عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه لا يدع في خلافته أمة تتقنع، ويقول: إنما القناع للحرائر لكي لا يؤذين (٢). قلت: ولا يلزم أن يكون أذاهن بالتعرض للعُهر ونحوه، بل يجوز أن يكون الأذى بالامتهان وعدم التوقير، وهذا كان اجتهاد من عمر رضي الله تعالى عنه. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. قال: متجلببين بها، فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة. رواه ابن أبي شيبة، والمفسرون (٣). وروى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن أنس ﵁: رأى عمر

стр. 5269

رضي الله تعالى عنه جارية متقنعة، فضربها بدَرَّته، وقال: ألق القناع؛ لا تتشبهين بالحرائر (١). وروى ابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] قال: أخذ الله تعالى عليهن إذا خرجن أن يقذفنها على الحواجب، وهو أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، قال: قد كانت المملوكة [إذا مرت تناولوها بالإيذاء] (٢)، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء (٣)؛ أي: ذلك كان قبل أن تنزل: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]. واستنبط عمر ﵁ من قوله تعالى في الآية: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]: أن الأمة تمنع من زي الحرة لئلا تساوي الإماء الحرائر بأي أذى كان؛ وإن زال قصدهن بالزنا. وروى أبو داود، وغيره عن أم سلمة ﵂ قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها (٤).

стр. 5270

وروى ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رحم الله تعالى نساء الأنصار! لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] الآية؛ شققن مروطهن فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله ﷺ كأن على رؤوسهن الغربان (١)؛ أي: من سواد القناعات. شبهت رؤوسهن بما عليها من سواد القناعات بالغربان. ووقع في كلام أم سلمة هذا المعنى، وأشارت إلى معنى آخر في قولها: كأن على رؤوسهن الغربان، وهو إيثار السكينة في مشيهن كما تقول: كان فلان يمشي في سكينة كأن على رأسه الطير؛ إن كان يخاف أن يطير طائر هذا على رأسه من حركته، فهو يتحرك حركة لطيفة بسكينة. * تَنْبِيهٌ: ما وقع في أثر أم سلمة، وعائشة رضي الله تعالى عنهما من تشبيه رؤوس النساء في سواد القناعات بالغربان دليلٌ على استحباب مبالغة المرأة في التستر؛ فإن نساء الأنصار إنما آثرن القنع السود لأن السواد أبلغ في الستر، ونساء مكة والمدينة وما والاهما إلى الآن يتلفعن بالسواد، ويرتدين به لذلك، وليس في الأثر دليل على جواز ما تعتاده النسوة من إلقاء القناع الأسود فوق أرديتهن البيض الآن عند المصيبة

стр. 5271

لأنهن لا يفعلن ذلك الآن للتستر، بل لإظهار الحزن والجزع، وهو بهذا القصد حرام؛ حيث لم يأذن فيه في الحداد الشرع لأنه من أفعال الجاهلية؛ فافهم! ***

стр. 5272

فَصْلٌ لا يدخل في كراهية تشبه الرقيق بالحر سعي العبد في فكاك نفسه بالمكاتبة ونحوها؛ فإنه أمر محمود. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣]. قال سعيد بن جبير: يعني: الذين يطالبون المكاتبة من المملوكين. رواه بن أبي حاتم (١). ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]؛ أي: كسباً وأمانة. وأكثر العلماء يرون أن الأمر في الآية للندب (٢). وروى عبد الرزاق، وغيره عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأقبل علي بالدَّرَّة، وقال: كاتِبْهُ، وتلا: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فكاتَبَه (٣).

стр. 5273

كأن عمر كان يرى الأمر في الآية للوجوب، أو رأى المصلحة في مكاتبته، فأمره بها أمراً منه بمندوب، فوجبت طاعته، فأطاعه أنس رضي الله تعالى عنه. وقد أمر الله تعالى بعون المكاتب بقوله تعالى في الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣]: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب (١). قال: وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أمر الله السيد أن يضع للمكاتب الربع من ثمنه. قال: وهذا تعليم من الله وليس بفريضة، ولكن فيه أجر (٢). وذهب الشافعي، وغيره، وآخرون إلى أن الأمر في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣] للوجوب، فيلزم السيد أن يحط عن العبد جزءًا من المال، أو يدفعه إليه بعد قبضه، ويقوم مقامه غيره، والحط أولى (٣).

стр. 5274

وقال رسول الله ﷺ : "ثَلاثَهٌ حَقٌّ عَلى اللهِ عَوْنهمْ: الْمُجاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُكاتِبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَداءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفافَ". رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). فعلى المكاتب أن يجتهد في وفاء سيده؛ فإنه بهذه النية يستحق من فضل الله تعالى المعونة، وكذلك يحمد منه ما لو اجتهد في فكاك رقبته من الرق بالتلطف لسيده، والتقرب لخاطره بإحسان خدمته، وبذل الوسع في مودته ونصيحته مع القصد إلى الله تعالى في قلب سيده إلى إرادة عتقه. وينبغي أن يستعين على ذلك بالأربعة المذكورة فيما أخرجه الدينوري في "المجالسة" قال: حدثنا إبراهيم الحربي: ثنا داود بن رشيد قال: كان يقال: أربع يُسَوِّدْنَ العبد: الأدب، والصدق، والعفة، والأمانة (٢). فإن أريد بالعبد: المخلوقُ للعبادة، فمعنى يسودنه: يجعلنه سيداً إذا اتصف بهن. وإن أريد به: الرقيق، فمعنى يسودنه: يؤول أمره بهن إلى أن يَمُنَّ الله عليه بالعتق ثم بالملك، ولذلك آثرت ذكر هذا الأثر هنا.

стр. 5275

* تَنْبِيهٌ: ذكر الخطابي في "غريبه" عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قالوا: علِّموا أرقاءكم سورة يوسف ﵇ (١). والحكمة في ذلك أن هذه السورة تدعوهم إلى الصبر على ذل الرق، وطاعة السادة، وعدم التقصير في طاعة الله تعالى بسبب الرق، وحسن التأدب مع السادة ونصيحتهم، ومع غير السادة. وقد سبق أن الله تعالى يحتج يوم القيامة بيوسف ﵇ على الأرقاء المقصرين في طاعته . * تَتِمَّةٌ: كما لا ينبغي للعبد الذي هو مملوك الرقبة لمخلوق مثله أن يشاركه في السيادة، بل يلزم منزلته منه، وهي الخدمة وامتثال الأمر، لذلك لا ينبغي للعبد المخلوق للعبادة أن ينازع سيده الذي هو ربه في شيء مما يختص به من العزة والكبرياء وغيرهما كما تقدم في محله، بل يلزم مقام العبودية طاعة وخدمة، وتفويضاً وتسليماً كما ذكر أبو سعيد الحسن بن علي الواعظ في كتاب "الحدائق لأهل الحقائق": أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى اشترى عبداً، فقال له: إيش تأكل؟

стр. 5276

قال: ما تطعمني. قال: إيش تلبس؟ قال: ما تكسوني. قال: إيش اسمك؟ قال: الذي تسميني. قال: إيش تعمل؟ قال: ما تستعملني. قال: وإيش لربك؟ قال: ساعة واحدة مثل ما كان لك هذا العبد في هذه الحالة. وقال الدينوري في "المجالسة": أنشدنا أحمد بن غيلان الأزدي (١) لغيره: [من مجزوء الرمل] أَطِعِ اللهَ بِجَهْدِكَ ... عامِداً أَوْ دُونَ جَهْدِكْ أَعْطِ مَوْلاكَ الَّذِي تَطْـ ... ـلُبُ مِنْ طاعَةِ عَبْدِكْ (٢) ومن أراد الوقوف على تحقق معنى السيادة والعبودية على الطريقة السديدة المرضية فعليه بكتابي "منبر التوحيد". * فائِدَةٌ: روى الشيخان عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذا

стр. 5277

نَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَأَحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ" (١). وروى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرانِ - وفي رواية: يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ -: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتاب آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوك أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرانِ، وَرَجُلٌ كانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَأَدَّبَها فَأَحْسَنَ أَدبَها، ثُمَّ أَعْتَقَها وَتَزَوَّجَها" (٢). وللشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى تأليف فيمن يؤتون أجرهم مرتين. ***

стр. 5278

(٣) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَبُّهِ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ وَعَكْسِهِ

стр. 5279

(٣) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَبُّهِ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ وَعَكْسِهِ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]. تتضمن هذه الآية الإشارة إلى النهي لكل من الرجال والنساء أن تتشبه بالطائفة الأخرى فيما اختصت به. واعلم أن أكثر الناس أماني النساءُ، فهن يتمنين كل شيء يخطر لهن ولا يخشين العواقب، فربما تمنت الواحدة منهن الشيء يكون فيه ضررها أو هلاكها، والرجل إذا أكثر من الأمنيات كان أشبه شيء بهنَّ، والأكمل للرجل والمرأة جميعًا أن يحب كل واحد منهما ما أحب الله له، فإذا تمنى فلينظر ماذا يتمنى من خير لائق به. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم: ٢٤]؛ أي: لا يكون له كل ما يتمناه، فربما يتمنى شيئًا ولم يعطه، فتكتب عليه أمنيته فيما لا يعنيه، ويزداد أسفاً لعدم حصوله، وقد يعطى الأمنية، وتكون عاقبتها وخيمة، فيندم. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].

стр. 5280

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ ما يَتَمَنَّى؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي ما يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيَّتِه" (١). فمن ذلك قول المرأة لولدها: ليتك بك من السوء كذا، أو: ليتني أراك كذا، أو: أرى فيك كذا، فربما أعطيت في نفسها، أو ولدها، أو مالها شيئًا تكلمت به في حال العدة والغضب، وكان عاقبته وخيمة، وهو من عوائد النساء، وهو من الرجال أقبح. فإن تجاوزا ذلك إلى الدعاء كان أشد خطرًا. قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. وقال رسول الله ﷺ : "لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ؛ لا تُوافِقُوا مِنَ اللهِ ساعَةً فِيها إِجابَةٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ". رواه أبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه (٢). وقال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]

стр. 5281

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: هن النساء؛ فرَّقَ بين زيهنَّ وزي الرجال، ونَقَصَهنَّ من الميراث والشهادة، وأمرهن بالقعدة، وسمَّاهن الخوالف؛ أي: في قوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]. رواه عبد بن حميد (١). وقال قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]: قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. رواه ابن جرير، وغيره (٢). وروى البخاري، والأربعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (٣). وروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل (٤).

стр. 5282

وروى الإمام أحمد - قال المنذري: وهو حسن - عنه قال: لعن رسول الله ﷺ مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال؛ قال: وراكب الفلاة وحده (١). وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن امرأة مرت على رسول الله ﷺ متقلدة قوساً، فقال: "لَعَنَ اللهُ الْمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ، وَالْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ" (٢). * تَنْبِيهٌ: اللعن الواقع في هذه الأحاديث ونحوها كلعن السارق، وآكل الربا، وشارب الخمر، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن غَيَّر تُخُوم الأرض، ومن عَقَّ والديه، والراشي، والمرتشي، والرائش، والظالم، والنامصة، والمتنمصة، والنائحة، ونحو ذلك: بمعنى البعد عن حضرة الله تعالى ورحمته. ثم قد تظهر آثار اللعنة على من ارتكب ذنباً لعن مرتكبه في الدنيا بقلة، أو ذلة، أو علة، أو سوء منية، وفي الغالب لا تظهر آثار اللعنة

стр. 5283

مع الإصرار زيادة في الاستدراج، أو لأمر آخر. وقد أخرج ابن أبي الدنيا في "العقوبات" عن حماد بن سلمة رحمه الله تعالى قال: ليست اللعنة بسواد في الوجه يراه الناس، إنما اللعنة الطرد والإبعاد، ولا تخرج من ذنب إلا وقعت في آخر مثله أو شر منه (١). أي: وأنت - والعياذ بالله - مصر على الذنب، غير مستغفر منه ولا تائب عنه، غافل عن التذكرة والتيقظ. فمن هذا القبيل ما نزل الآن بأهل الزمان إلا قليلاً منهم في تشبههم بالنساء، وتشبه نسائهم بهم وهم في أنواع العقوبة، ولا يرون آثار العقوبة، وإنما يشاهدها ذوو الأبصار فيهم، فيرون منهم من الغفلة عن الله تعالى، وعن ذكره وعن طاعته، والاستهلاك في معاصيه وهو يرزقهم، ويكثر لهم من الدنيا ما لا يرونه من أنفسهم؛ فافهم! وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي رسول الله ﷺ : بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال رسول الله ﷺ "ما بالُ هذا؟ "فقالوا: يتشبه بالنساء. فأمر به، فنفي إلى النقيع، فقيل: يا رسول الله! ألا تقتله؟

стр. 5284

فقال: "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ" (١). والنقيع - بالنون، والقاف -: ناحية بالمدينة، وهو غير البقيع - بالموحدة -. والأحاديث في الباب كثيرة. واعلم أن الحكمة في تحريم تشبه الرجل بالمرأة وتشبه المرأة بالرجل أنهما مغيران لخلق الله تعالى، ولأنه متى فعل الواحد منهما القليل من ذلك استجر إلى الكثير، فيكون ذلك سبباً لارتكاب العظائم؛ فإن الرجل إذا لبس الحرير الصِّرف، أو ما في أكثره حرير، وخاطه على مثل زي المرأة، وأرخى الذؤابة على هيئة المرأة، وتضمخ بالغالية، وتأنث في الأقوال والأفعال والحركات، ربما أدى به ذلك إلى فعل الفاحشة. وهذا دأب مخنثي هذه الأعصار، فلقد حكي لنا عنهم ما تمجه الأسماع، وتنفر عنه القلوب والطباع، ولقد ذكر عن بعضهم أن لهم مواشط كمواشط النساء. وكذلك المرأة متى تشبهت بالرجل في اللباس والهيئة والكلام والحركة، ربما أدى بها الحال إلى الخروج بين الرجال في مثل هيئاتهم، وترتب على ذلك أمور قبيحة ما خلا الكون عنها كالسُّحق، فجاء الشرع بحسم هذه المادة، وسد هذا الباب بالكلية.

стр. 5285

ومن ذلك ما يفعله أهل الحباط، والسخرية في الولائم ونحوها في إخراج رجل في صورة امرأة، فيبدي أسرار النساء، ويحكي أحوالهن وعوائدهن، ويتكلم بالخنوثة الكلمات القبيحة، والألفاظ المستهجنة من النساء إلا مع بعولتهن، وهذا حرام ملعونٌ فاعله والراضي به، ويخشى على حاضره أن تعمه اللعنة ما لم ينكره ولو بقلبه. وضد ذلك قبيح أيضًا محرم بأن تقيم مسخرات النسوة بعضهن في صورة رجل، فتفعل بصاحبتها فعل الرجل بالمرأة صورةً بحضرة النسوة لتضحكهن، وكلما أعجب الحاضرين والحاضرات ذلك من أهل السخرية أطروا فيه، فيكون ذلك أدعى للعنة، وأجلبَ للسّخط. وكذلك ما يفعله النسوة بالمرأة في ليلة زفافها أو غيرها - صغيرةً كانت، أو كبيرة - من إلباسها العمامة والخوذة، وتقليدها بالسيف والخنجر، وإمساكها الدبوس على طريقة الرجال، فهو حرام، وفاعلاته ملعونات ممقوتات، وعلى الزوج إنكار ذلك، والإغلاظ عليهن حتى يتركنه ويتنزهن منه، ويستغفرن الله تعالى، ولذلك لو ألبسنها لباس الرجل من فرجية أو [ ... ] (١) أو كشتوان. ومن هذا القبيل ركوب المرأة للخيل، وطرادها مع رجل وامرأة، ومصارعتها رجلًا أو امرأة، ولا يفعل ذلك إلا العاهرات المومسات.

стр. 5286

ومن التشبه المذموم أن يخالط الرجل النساء الأجنبيات، والمرأة الرجال الأجانب، ومن ثم حرمت الخلوة بالأجنبية عليهما خشية الاستجرار إلى المعصية. ولقد قال بعض الحكماء: باعدوا بين أنفاس الرجال وأنفاس النساء (١). وروى الدارقطني في "الأفراد" بسند ضعيف، عن علي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها: "أَيُّ شَيْءٍ خَيْر لِلْمَرْأَةِ؟ "قالت: أن لا ترى رجلًا ولا يراها رجل. فضمها إلى صدره، وقال: "ذُرِّيَّةٌ بَعْضها مِنْ بَعْضٍ" (٢). قال أبو طالب المكي: وكان النبي ﷺ (٣) يقول: "شِرارُ خِصالِ الرِّجالِ خِيارُ خِصالِ النِّساءِ: الْبُخْلُ، وَالْجُبْنُ، وَالزَّهْوُ" (٤). لأن المرأة إذا كانت بخيلة حفظت مال زوجها، وإذا كانت زاهية معجبة استنكفت أن تكلم الرجال، وإذا كانت جبانة فَرَقَت من كل شيء فلم تخرج من بيتها.

стр. 5287

ومن شأن الرجال الخروج والحركة في الكسب وغيره، فإذا أكثرت المرأة من الخروج من بيتها كانت متشبهةً بالرجال. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال رسول الله ﷺ : "الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ". رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وابن حبان في "صحيحه" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (١). واعلم أن الله لما أمر النساء بالتستر بحيث منعهن من أعمال الخير التي لا تتأتى إلا بالاجتماع بالرجال كالجهاد، والقضاء، والإمارة، جعلَ لهن من الأعمال ما أثابهن عليه مكان ما فاتهن. روى البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂: أنها أتت النبي ﷺ وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي! إني وافدة النساء إليك، نفسي لك الفداء! إنه ما من امرأة كانت في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا، أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأي؛ إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشرَ النساء محصوراتٌ مقصوراتٌ، قواعد بيوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشرَ الرجال فُضِّلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج

стр. 5288

بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمرًا، أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله، فقال: "هَلْ سَمِعْتُمْ مَقالَةَ امْرَأَةٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ مُساءَلَتِها فِي أَمْرِ دِينِها مِنْ هَذِهِ؟ " فقالوا: يا رسول الله! ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي ﷺ إليها، ثم قال: "انْصَرِفِي أَيَّتُها الْمَرْأَةُ وَأَعْلِمِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّساءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِها، وَطَلَبَها مَرْضَاتِهِ، وَاتِّباعَهَا مُوافَقَتَهُ تَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ". فأدبرت المرأة وهي تهلِّل وتكبر استبشاراً (١). وقد علمت من هذا الحديث مع حديث: "إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ": أن حسن تبعل المرأة ودخولها في أحوال النسوة الموافقة لشهواتهن إذا أحسنت النية فيه كان عملًا منها صالحاً، وذلك من الرجل أقبح شيء كما لا يحسن من المرأة الترجل. وروى الإمام أحمد بسند ضعيف، عن امرأة كانت قد صلت القبلتين مع رسول الله ﷺ قالت: دخلت على رسول الله ﷺ ، فقال: "اخْتَضِبِي؛ تَتْرُكُ إِحْداكُنَّ الْخِضابَ حَتَّى تَكُونَ يَدُها كَيَدِ رَجُلٍ؟ " فما

стр. 5289

تركت الخضاب وإنها لابنة ثمانين (١). فلو خضب الرجل يديه أو طرفيهما بالحناء، أو نقشهما، أو لبس الحلي الخاص بالنساء، حرم عليه ذلك. وقد علمت أن النبي ﷺ نفى المخنث الذي وجده يخضب يديه ورجليه بالحناء، وإنما نفاه لئلا يفسد غيره من الرجال والنساء. وكذلك لا والله لا يحسن من الرجل تقليد النساء في حركاتهن وكلماتهن ونغماتهن، فإن فعل شيئاً من ذلك تقرباً إلى رجل مثله لتجري الفاحشة بينهما كان ذلك أشد قبحاً، وأولى بأن يوجب لعناً وطرداً، وإبعاداً وسخطاً؛ ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ" - سبعاً - (٢). وقد نطق كتاب الله تعالى بأن اللواط فاحشة مستبشعة. ولو أن امرأة دعت حليلها إلى اللواط - ولو بأدنى قول أو فعل - أو وافقته عليه كانت ملعونة لأنها ضمت إلى هذه الفاحشة قبح التشبه بمخنثي الذكور. وما أقبح قولَ القائل، وأولاه بالذم إذ مدح فيه هذا الوصف القبيح: [من البسيط]

стр. 5290

مِنْ كَفِّ ذاتِ حِرٍ فِي زِيِّ ذِي ذَكَرِ ... لَها مُحبَّانِ لُوطِيٌّ وَزَنَّاءُ ومن ألطف ما وقع ما ذكره الزمخشري في "ربيع الأبرار": أن ريطة بنت العباس سألها زوجها المتوكل أن تضم شعرها وتتشبه بالمماليك، فأبت، فخيرها بين ذلك وبين الفراق، فاختارت الفراق، فطلقها (١). فتأمل كم بين عفتها وطغيانه، وتوفيقها وخذلانه! - ومن تشبه الرجال بالنساء المذموم: كثرة الإرفاه، والمبالغة في تحسين اللحية وغيرها بالتدهن، والتطيب بطيب النسوة، واستعمال الأدوية والأغذية المسمنات. ومن أمثال العرب: الرجال بأعضادها، والنساء بأعجازها؛ كما حكاه ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الإيضاح" (٢). - ومن ذلك: أن المرأة إذا أحبت أفرطت، وإذا قَلَتْ فَرَّطت، وإذا عادت حقدت، ولم تبق للصلح موضعاً، ولا تكاد تفي بعهد، ولا تدوم على ود، إن أحسنت إليها الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيراً قط؛ كما في الحديث (٣). وهذه الأمور - وإن كانت كلها قبيحة من الرجال والنساء - إلا أنها
следующие страницы →