← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

ومن التشبه المذموم أن يخالط الرجل النساء الأجنبيات، والمرأة الرجال الأجانب، ومن ثم حرمت الخلوة بالأجنبية عليهما خشية الاستجرار إلى المعصية. ولقد قال بعض الحكماء: باعدوا بين أنفاس الرجال وأنفاس النساء (١). وروى الدارقطني في "الأفراد" بسند ضعيف، عن علي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها: "أَيُّ شَيْءٍ خَيْر لِلْمَرْأَةِ؟ "قالت: أن لا ترى رجلًا ولا يراها رجل. فضمها إلى صدره، وقال: "ذُرِّيَّةٌ بَعْضها مِنْ بَعْضٍ" (٢). قال أبو طالب المكي: وكان النبي ﷺ (٣) يقول: "شِرارُ خِصالِ الرِّجالِ خِيارُ خِصالِ النِّساءِ: الْبُخْلُ، وَالْجُبْنُ، وَالزَّهْوُ" (٤). لأن المرأة إذا كانت بخيلة حفظت مال زوجها، وإذا كانت زاهية معجبة استنكفت أن تكلم الرجال، وإذا كانت جبانة فَرَقَت من كل شيء فلم تخرج من بيتها.

стр. 5287

ومن شأن الرجال الخروج والحركة في الكسب وغيره، فإذا أكثرت المرأة من الخروج من بيتها كانت متشبهةً بالرجال. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال رسول الله ﷺ : "الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ". رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وابن حبان في "صحيحه" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (١). واعلم أن الله لما أمر النساء بالتستر بحيث منعهن من أعمال الخير التي لا تتأتى إلا بالاجتماع بالرجال كالجهاد، والقضاء، والإمارة، جعلَ لهن من الأعمال ما أثابهن عليه مكان ما فاتهن. روى البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂: أنها أتت النبي ﷺ وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي! إني وافدة النساء إليك، نفسي لك الفداء! إنه ما من امرأة كانت في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا، أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأي؛ إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشرَ النساء محصوراتٌ مقصوراتٌ، قواعد بيوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشرَ الرجال فُضِّلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج

стр. 5288

بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمرًا، أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله، فقال: "هَلْ سَمِعْتُمْ مَقالَةَ امْرَأَةٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ مُساءَلَتِها فِي أَمْرِ دِينِها مِنْ هَذِهِ؟ " فقالوا: يا رسول الله! ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي ﷺ إليها، ثم قال: "انْصَرِفِي أَيَّتُها الْمَرْأَةُ وَأَعْلِمِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّساءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِها، وَطَلَبَها مَرْضَاتِهِ، وَاتِّباعَهَا مُوافَقَتَهُ تَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ". فأدبرت المرأة وهي تهلِّل وتكبر استبشاراً (١). وقد علمت من هذا الحديث مع حديث: "إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ": أن حسن تبعل المرأة ودخولها في أحوال النسوة الموافقة لشهواتهن إذا أحسنت النية فيه كان عملًا منها صالحاً، وذلك من الرجل أقبح شيء كما لا يحسن من المرأة الترجل. وروى الإمام أحمد بسند ضعيف، عن امرأة كانت قد صلت القبلتين مع رسول الله ﷺ قالت: دخلت على رسول الله ﷺ ، فقال: "اخْتَضِبِي؛ تَتْرُكُ إِحْداكُنَّ الْخِضابَ حَتَّى تَكُونَ يَدُها كَيَدِ رَجُلٍ؟ " فما

стр. 5289

تركت الخضاب وإنها لابنة ثمانين (١). فلو خضب الرجل يديه أو طرفيهما بالحناء، أو نقشهما، أو لبس الحلي الخاص بالنساء، حرم عليه ذلك. وقد علمت أن النبي ﷺ نفى المخنث الذي وجده يخضب يديه ورجليه بالحناء، وإنما نفاه لئلا يفسد غيره من الرجال والنساء. وكذلك لا والله لا يحسن من الرجل تقليد النساء في حركاتهن وكلماتهن ونغماتهن، فإن فعل شيئاً من ذلك تقرباً إلى رجل مثله لتجري الفاحشة بينهما كان ذلك أشد قبحاً، وأولى بأن يوجب لعناً وطرداً، وإبعاداً وسخطاً؛ ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ" - سبعاً - (٢). وقد نطق كتاب الله تعالى بأن اللواط فاحشة مستبشعة. ولو أن امرأة دعت حليلها إلى اللواط - ولو بأدنى قول أو فعل - أو وافقته عليه كانت ملعونة لأنها ضمت إلى هذه الفاحشة قبح التشبه بمخنثي الذكور. وما أقبح قولَ القائل، وأولاه بالذم إذ مدح فيه هذا الوصف القبيح: [من البسيط]

стр. 5290

مِنْ كَفِّ ذاتِ حِرٍ فِي زِيِّ ذِي ذَكَرِ ... لَها مُحبَّانِ لُوطِيٌّ وَزَنَّاءُ ومن ألطف ما وقع ما ذكره الزمخشري في "ربيع الأبرار": أن ريطة بنت العباس سألها زوجها المتوكل أن تضم شعرها وتتشبه بالمماليك، فأبت، فخيرها بين ذلك وبين الفراق، فاختارت الفراق، فطلقها (١). فتأمل كم بين عفتها وطغيانه، وتوفيقها وخذلانه! - ومن تشبه الرجال بالنساء المذموم: كثرة الإرفاه، والمبالغة في تحسين اللحية وغيرها بالتدهن، والتطيب بطيب النسوة، واستعمال الأدوية والأغذية المسمنات. ومن أمثال العرب: الرجال بأعضادها، والنساء بأعجازها؛ كما حكاه ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الإيضاح" (٢). - ومن ذلك: أن المرأة إذا أحبت أفرطت، وإذا قَلَتْ فَرَّطت، وإذا عادت حقدت، ولم تبق للصلح موضعاً، ولا تكاد تفي بعهد، ولا تدوم على ود، إن أحسنت إليها الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيراً قط؛ كما في الحديث (٣). وهذه الأمور - وإن كانت كلها قبيحة من الرجال والنساء - إلا أنها

стр. 5291

تحتمل منهن ما لا تحتمل منهم، فلا ينبغي للرجل أن يلحقها في ذلك بالنساء. وقد ألمَّ بذلك المتنبي في قوله: [من الطويل] إِذا غَدَرَتْ حَسْناءُ أَوْفَتْ بِعَهْدِها ... وَمِنْ عَهْدِها أَنْ لا تَدُومَ عَلى عَهْدِ وَإِنْ حَقَدَتْ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِها رِضا ... وَإِنْ رَضِيَتْ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِها حِقْدُ وَإِنْ عَشِقَتْ كانَتْ أَشَدَّ صَبابَةً ... وَإِنْ فَركَتْ فَاذْهَبْ فَما فَرْكُها قَصْدُ كَذَلِكَ أَخْلاقُ النِّساءِ وَرُبَّما ... يَضِلُّ بِها الْهادِي وَيَخْفَى بِها الرُّشْدُ (١) - ومن ذلك: الجبن، والوهن، والخَوَر عند ملاقاة الرجال ومقارعة الأبطال. ولقد ذم الله تعالى المنافقين بذلك، وشنع عليهم بقوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧]. قال السدي رحمه الله تعالى معناه: رضوا بأن يقعدوا عن الجهاد كما قعدت النساء. رواه ابن أبي حاتم (٢).

стр. 5292

وأخرج نحوه هو وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١). وقال الشاعر: [من الخفيف] كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتالُ عَلَيْنا ... وَعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيولِ (٢) واعلم أن وصف الشجاعة في الرجل من أكمل صفاته وأفضلها، وربما دعته إلى كل خير، وأنقذته من كل سوء. وتعجبي شجاعة أبي محجن الثقفي رضي الله تعالى عنه إذ أنقذته آخراً مما كان عليه من معاقرة الخمر، وأمرُه في معاقرتها مشهور. وقد ذكر قصته الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب"، وذكر أنه أسلم حين أسلمت ثقيف، وسمع من النبي ﷺ ، وروى عنه. قال ابن عبد البر: وكان أبو محجن هذا من الشجعان الأبطال في الجاهلية والإسلام، ومن أولي البأس والنجدة، ومن الفرسان البهم، وكان شاعرًا مطبوعا كريماً، إلا أنه كان منهمكاً في الشراب، لا يكاد يقلع عنه، ولا يردعه حد ولا لوم لائم، وكان أبو بكر الصديق ﵁ يستعين به، وجلده عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الخمر

стр. 5293

مراراً، ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلًا، فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص ﵁ بالقادسية وهو محارب للفرس، وكان قد هَمَّ بقتل الرجل الذي بعثه معه عمر، فأخبره الرجل بذلك، وخرج فاراً، فلحق بعمر وأخبره خبره، فكتب عمر إلى سعد رضي الله تعالى عنهما بحبس أبي محجن، فحبسه، وكانت بالقادسية أيام مشهورة؛ منها يوم الناطف، ويوم أرمات، ويوم الموات، ويوم الكتائب وغيرها، فلما كان يوم الناطف أو غيره، والتحم القتال، رآهم أبو محجن يقتتلون، وكأنه رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل إلى أم ولد سعد - أي: امرأته - يقول لها: إن أبا محجن يقول لك: إن خليت سبيله، وحملته على هذا الفرس، ودفعت إليه سلاحاً، ليكونن أول من يرجع إليك إلا أن يقتل. وأنشأ يقول: [من الطويل] كَفَى حَزَناً أَنْ تردِيَ الْخَيْلُ بِالقَنا ... وأُتْرَكَ مَشْدُوداً عَلَيَّ وثاقِيا إِذا قُمْتُ عَنَّانِيَ الْحَدِيدُ وَغُلِّقَتْ ... مَصاريعُ دُونِي قَدْ تُصِمُّ الْمُنادِيا وَقَدْ كُنْتُ ذا مالٍ كَثِيرٍ وَإِخْوَةٍ ... فَقَدْ تَرَكُونِي واحِداً لا أَخا لِيا وَقَدْ شَفَّ جِسْمِي أَنَّنِي كُلَّ شارِقٍ ... أُعالِجُ كَبْلاً مُصْمَتاً قَدْ بَرانِيا فَلِلَّهِ دَرِّي يَوْمَ أترَكُ مُوْثَقاً ... وَتَذْهَلُ عَنِّيَ أُسْرَتي وَرِجالِيا حُبِسْنا عَنِ الْحَرْبِ الْعوانِ وَقَدْ بَدَتْ ... وَأعْمالُ غَيْرِي يَوْمَ ذاكَ الْعَوالِيا فَلِلَّهِ عَهْدٌ لا أَخِيسُ بِعَهْدِهِ ... لَئِنْ فُرِّجْتُ أَنْ لا أَزُورَ الحوانيا

стр. 5294

فخلت سبيله وأعطته الفرس، فقاتل وأبلى بلاءً حسناً، ثم عاد إلى محبسه (١). وروى عبد الرزاق عن ابن سيرين: أن أبا محجن لما قال ذلك لامرأة سعد حلت عنه قيوده، وحملته على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحاً، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق صلبه، فنظر إليه سعد، فجعل يتعجب، ويقول: من ذلك الفارس؟ قال: فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى هزمهم الله تعالى، ورجع أبو محجن، ورد السلاح، وجعل رجليه في القيود كما كان، فجاء سعد فقالت له امرأته وأم ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها: لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلًا على فرس أبلق، لولا أني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبي محجن. فقالت: والله إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، فقصت عليه قصته، فدعا به وحل قيوده، وقال: لا أجلدك على الخمر أبدًا. قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدًا؛ كنت آنف أن أَدَعها من أجل حَدِّكُم. قال: ولم يشربها بعد ذلك (٢).

стр. 5295

وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي قال: قال أبو محجن في تركه الخمر: [من الوافر] رَأَيْتُ الْخَمْرَ صالِحَةً وَفِيها ... مَناقِبُ تُهْلِكُ الرَّجُلَ الْحَلِيما فَلا وَاللهِ أَشْرَبُها حَياتِي ... وَلا أَشْفِي بِها أَبَداً سَقِيما (١) * وهنا لَطِيفَةٌ: هي أن العبد المسلم متى كان فيه خلق كريم وصدق في الإيمان، فقد يُصْلِح الله تعالى بذلك الخلق كثيرًا من مفاسده، وليس من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ومن شأن العبد المؤمن تأول أحوال أخيه المسلم التي يراها مخالفة، ومعرفة حقه في أحواله الموافقة، وحمله أخيه على أحسن الأحوال، واتهام نفسه واحتقارها دون أخيه، وقصة أبي محجن شاهد عجيب على صدق ما قررته. وقد قال ابن عبد البر: ومن رواية أهل الأخبار أن ابنًا لأبي محجن الثقفي دخل على معاوية رضي الله تعالى عنه، فقال له معاوية:

стр. 5296

أبوك الذي يقول: [من الطويل] إِذا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عِظامِي بَعْدَ مَؤْتِيَ عُروقُها وَلا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلاةِ فَإِنَّنَي ... أَخافُ إِذا ما مِتُّ أَنْ لا أَذُوقَها فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره. قال: وماذا؟ قال: قوله: [من البسيط] لا تَسْأَلِ النَّاسَ عَنْ مالِي وَكَثْرتِهِ ... وَسائِلِ النَّاسَ عَنْ حَزْمِي وَعَنْ خُلُقِي القَوْمُ أَعْلَمُ أَنِّي مِنْ سَراتِهِمُ ... إذا تطيشُ يدُ الرِّعْديدة الفَرِقِ قَدْ أَرْكَبُ الْهَوْلَ مَسْدُولاً عَساكِرُهُ ... وَكتُمُ السِّرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ الْعُنُقِ أُعْطِي السِّنانَ غَداةَ الرَّوْعِ حِصَّتَهُ ... وَعامِلَ الرُّمْحِ أَرْويهِ مِنَ الْعَلَقِ وَأَطْعَنُ الطَّعْنَةَ النَجْلاءَ قَدْ عَلِمُوا ... وَأَحْفَظُ السِّرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ الْعُنُقِ عفُّ الْمَطالِبِ عَمَّا لَسْتُ نائِلَهُ ... وَإِنْ ظُلِمْتُ شَدِيدُ الْحِقْدِ وَالْحَنَقِ وَقَدْ أَجُودُ وَما مالِي بِذِي قَنَع ... وَقَدْ أَكِرُّ وَراءَ الْمُحْجِبِ الْفَرِقِ وَالقَوْمُ أَعْلَمُ أَنَّي مِنْ سَراتِهِمُ ... إِذا سَما بَصَرُ الرِّعْدِيدِ لِلشَّفَقِ فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: لئن أسأنا القول لنُحسننَّ الصِّلة. ثم أجزل جائزته، وقال: إذا ولدت النساء فلتلد مثلك. قال ابن عبد البر: وزعم الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر

стр. 5297

أبي محجن بأذربيجان، أو قال: في نواحي جرجان، وقد نَبَتَ عليه ثلاث أصول كرم، وقد طالت وأثمرت، وهي معرشة على قبره، مكتوب على القبر: هذا قبر أبي محجن. قال: فجعلت أتعجب، وأذكر قوله: إِذا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عِظامِي فِي الْمَماتِ عُروقُها (١) وإنما استوفيت هنا أخبار أبي محجن رضي الله تعالى عنه بعض الاستيفاء لما في قصته من تهييج نفوس الرجال إلى آثار الرجولية في محازها؛ فإن الشجاعة والكرم من أفضل أحوال الرجال دون النساء. نعم، لو أريدت المرأة على بُضْعها، أو على نفسها من قبل غير حليلها لشجعت، ودفعت عنها، فليس ذلك من الشجاعة التي تختص بالرجال، ولا تكون مذمومة منها. وكذلك لو خرجت المرأة الكبيرة مع المجاهدين لمداواة الجرحى ونحو ذلك لم يضر؛ كما صح ذلك عن نساء الأنصار وغيرهن، وذلك حيث الضرورة، وأما الغالب فأحسن أحوال المرأة أن تكون بعيدة التشبه من الرجال؛ ألا ترى أن الشرع فرَّق بين الرجال والنساء في كثير من العبادات، ولذلك تضم أعضاءها في السجود، وتلصق بطنها بفخذيها،

стр. 5298

وكذلك تضم في الركوع، والرجل يجافي يديه عن جنبيه، ويقل بطنه عن ركبتيه، وهو يسبح إذا نابه في صلاته وهي تصفق، كما روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله تعالى عنه: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ" (١). والمرأة تستر جميع بدنها في الصلاة إلا الوجه والكفين، والرجل لا يجب عليه إلا ستر السرة والركبة وما بينهما. ولا يطلب من المرأة الجهر في القراءة، ولا يسن لها الأذان بخلاف الرجل. والرجل يؤم الرجل، والمرأة لا تؤم الرجل، وتؤم النساء وتقف وسطهن، والرجل يقف أمام الرجال وغيرهم. وأفضل صلاة المرأة في قعر بيتها، وأفضل صلاة الرجل في المسجد إلا النوافل. وزيارة القبور للرجال سنة، وهي للنساء مكروهة. ولا تلي المرأة الخلافة، ولا السَّلْطنة، ولا الإمارة، ولا القضاء، ولا عقد النكاح عند الأكثرين، ولا تملك الطلاق، ولا الرجعة إلى غير ذلك. فهذه الأحكام ليس لكل من الرجل والمرأة أن يتشبه بالآخر فيما اختص به منها. وفي الحديث: "طاعَةُ النساءِ نَدامَةٌ" (٢).

стр. 5299

وفي الحديث الآخر: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْم تَمْلِكُهُمُ امْرَأةٌ" (١). وفي لفظ: "وَلَّوْا أَمْرَهَمُ امْرَأةً" (٢). وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. ومن ثم كان الطلاق، والظِّهار، والإيلاء من قبل الرجل دون المرأة، وكانت الرجعة للرجل دون المرأة، فلو دخل الرجل تحت طاعة المرأة فقد عكس الحكمة، وخالف الشريعة. وقال الحسن: ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تشتهي إلا أكبَّه الله في النار. رواه الإمام أحمد، وغيره (٣). وأما قول القائل: الرجال عند أغراضهم نساء، فهو من أمثال العامة لا يؤخذ به ولا يلتفت إليه، وإن وقع ممن يعتد به، فمعناه أن الرجل إذا كان له غرض صحيح في شيء أظهر من أخلاقه خلاف ما هو مطلوب منه [ ... ] (٤) ذلك المطلوب من غير إثم. * تَنْبِيهٌ: كما لا يتشبه بالنساء في الزي لا يتبعن في الرأي، ومن ثم جاء

стр. 5300

في الحديث: "طاعَةُ النِّساءِ نَدامَةٌ". أخرجه الديلمي، والعسكري، والقضاعي عن عائشة رضي الله تعالى عنها (١). وله شاهد من حديث زيد بن ثابت، وطريقة القضاعي جيدة، ومن ثم كان إدخال ابن الجوزي له في الموضوعات ليس بجيد كما قاله السخاوي، وغيره (٢). وروى الإمام أحمد عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "هَلَكَتِ الرِّجالُ حِينَ أَطاعَتِ النِّساءَ" (٣). وقد قيل: شاوروهن وخالفوهن (٤). وروى ابن قال في "مكارم الأخلاق" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَفْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ أَمْراً حَتَّى يَسْتَشِيرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَشِيرُهُ فَلْيَسْتَشِرِ امْرَأةً ثُمَّ يُخالِفْها؛ فَإِنَّ فِي خِلافِها البَرَكَةَ". وروى العسكري في "الأمثال" عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: خالفوا النساء؛ فإن في خلافهن البركة (٥).

стр. 5301

وعن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: عَوِّدوا (١) النساءَ [لا]؛ فإنها ضعيفة إن أطعتها أهلكتك (٢). [ ... ] (٣) تقتدي بالنساء، وهن أكثر أهل النار، وهن نواقص عقل ودين. وقد ورد: [أنهن أول من] (٤) يتبع الدجال. روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم مرفوعاً: " [لا ينزلُ الدَّجَّالُ المَدِينةَ، ولكنَّهُ ينزِلُ الخَنْدَقَ، وَعَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلاَئَكَةٌ يَحْرُسُونها] (٥)، فَأَوَّلُ مَنْ يَتْبعُهُ النِّساءُ وَالإِماءُ" (٦). وعطف الإماء على النساء من عطف الخاص على العام، [فإنه قد] (٧) اجتمع فيهنَّ نقص الأنوثة، ونقص الرق، ونقصان عقول الأرقاء - ولا سيما الإماء - مشهور مشهود.

стр. 5302

ومن هذا القبيل رغبة النساء في المنجِّمين، وأصحاب المنادل، والفالاتية، والكهان، والسحرة، والمشعبذين، والمطالبية. وأقل الرجال عقولاً من يوافقهن في ذلك، وهو من قبيل التعلق بالأماني، وكم ضاعت أموال أهل الجهل في هذا الباب، وهو من قبيل المثل: رزق الكلاب على المجانين. نعم، لو فرض وجود امرأة صالحة عارفة، وهي أعز من الغراب الأعصم كما في الحديث (١)، فلا بأس باستشارتها في بعض الأمور خصوصاً ما يرجع فيه إلى رأيهن كأمر بناتهن، ولذلك جاء في الأثر: آمروا النساء في بناتهن (٢)؛ أي: ذوات الصلاح الكاملات. وفي الحديث: "كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ أَرْبعٌ" (٣). وهذا مستثنى مما تقدم، والدليل عليه استشارة النبي ﷺ أم سلمة رضي الله تعالى عنها في صلح الحديبية كما هو مأثور في السير، وغيرها لفضلها ووفور عقلها، وهو أمر غريب في النساء حتى قال إمام

стр. 5303

الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أمَّ سلمة. واستدرك عليه إشارة بنت شعيب في أمر موسى ﵈ (١). ومن وهن آراء النساء أنهن لا يستقمن على أمر يبرمْنَه من عمل، أو بيع، أو نحوه، بل مهما لاح لهنَّ هوى في مخالفة ما فعلته بادرن، وطلبن نقضه، وكَلَّفن الوكلاء والوسائط ذلك. وروى ابن أبي شيبة عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: إنما يرجع في المواهب النساء، وشرار الأقوام (٢). وما أقرب النساء من خلف الوعد، ونقض العهد، والفجور في الخصومة، فإذا اجتمعن بجماعتهن غير مباركة حتى كأن جماعتهن مستثناة من الحديث: "الْجَماعَةُ رَحْمَةٌ" (٣). وانفراد المرأة في بيتها أقرب إلى الخير من اجتماعها بالنساء؛ فإنها ترى ما ليس لها مثله، فيؤول بها ذلك إلى كفران العشير، ومناكدة الزوج، وتكليفه ما لا يطيق، ومن ثم قال عمر رضي الله تعالى عنه: اعروا النساء يلزمن الحجال (٤).

стр. 5304

وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ جَماعَةِ النِّساءِ كَمَثَلِ حَدِيدَةٍ أَدْخَلْتَها النَّارَ، ثُمَّ أَخْرَجْتَها فَضَرَبْتَها، فَطارَتْ فَصارَتْ شَرَراً" (١). وروى الدينوري في "المجالسة" عن محمد بن سلام الجمحي قال بعض الحكماء: ثلاثة أشياء تميت القلب: مجالسة الأنذال، ومجالسة الأغنياء، ومجالسة النساء (٢). وهي شاملة لمجالسة الرجل المرأة، والمرأة النساء. وروى حسين المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الرجل خلق من الأرض فنهمته من الأرض، والمرأة خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل؛ فاحبسوا نساءكم (٣). وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "البر والصلة" عن الحسن قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: إنما النساء عورة؛ فاستروا

стр. 5305

عورتهن بالبيوت، وداووا ضعفَهنَّ بالسكوت (١). وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: أما يغار أحدكم؟ يدع امرأته تخرج إلى السوق تزاحم العُلُوج. وأصاب رضي الله تعالى عنه؛ فإن الأسواق إنما تليق بالرجال، فمزاحمة النساء الرجال فيها دخولٌ منهنَّ في غير ما لهن، وتشبه بالرجال وإن صحت معاملتهن. ***

стр. 5306

فَصْلٌ ليس من تشبه المرأة المذموم بالرجال دخول المرأة في شيء من طلب العلم وتعليمه، وتربية المريدين، وإرشاد السائلين ما لم يكن ثَمَّ خلوة أجنبية، بل مع الصيانة وحفظ قوانين الشرع وأحكامه، فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تفيد العلوم، وتورد الإشكالات على علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد استدركت على جماعة منهم في كثير من الأحاديث والأحكام، فاستدركت على عمر، وابنه، وأبي هريرة، وابن عباس، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن الزبير، وزيد بن أرقم، وأبي الدرداء، وسعيد، والبراء، وفاطمة بنت قيس، وغيرهم. وقد ألف في ذلك طائفة من العلماء آخرهم الحافظ جلال الدين السيوطي؛ ألف كتاب "الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة" رضي الله تعالى عنهم. وقال عروة: ما رأيت أحداً أعلم بالحلال والحرام، والعلم، والشعر، والطب من عائشة رضي الله تعالى عنها (١).

стр. 5307

وقال مسروق: لقد رأيت الصحابة ﵃ يسألون عائشة رضي الله تعالى عنها عن الفرائض (١). رواهما الحاكم. وكذلك بقية أزواج النبي ﷺ ، وغيرهن من النساء الصحابيات كأم سليم، وأم الدرداء، وفاطمة بنت قيس، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وأسماء بنت يزيد، وأم حَرام، وغيرهن. وصح عن عائشة رضي الله تعالى عنها: نِعْمَ النساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (٢). وعلى ذلك درج السلف والخلف؛ كانوا يأخذون العلم عن النساء كما يأخذون عن الرجال، وكانوا يتبركون بالنساء الصالحات والعارفات كرابعة العدوية، ورابعة الشامية، وشعوانة، وغيرهن؛ كانوا يحملون الأدب، والزهد، والمعارف عن النساء كما يحملونه عن الرجال، كما يؤخذ ذلك من سيرهم المذكورة في كتب الحديث، والتاريخ. وقد روي من اجتهاد بعض النساء، وتدقيقهن في الورع ما عجزت عنه الرجال بحيث قيل في المعنى: [من الوافر] وَلَوْ كانَ النِّساءُ كَما ذَكَرْنا ... لَفُضِّلَتِ النِّساءُ عَلى الرِّجالِ فَما التَّأْنِيثُ لاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ ... وَلا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلالِ

стр. 5308

نعم، ينبغي أن لا تعلم المرأة الكتابة؛ لأن الكتابة ربما أدت إلى أمور فظيعة، وأحوال قبيحة من إيصال أسرارهن إلى الرجال، وأسرار الرجال إليهن. وقد أخرج الحاكم، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "لا تُنْزِلُوهُنَّ الغُرَفَ، وَلا تُعَلِّمُوهُنَّ الكِتابَةَ، وَعَلِّمُوهُنَّ الغَزْلَ وَسُورَةَ النُّورِ" (١). وقد بلغني أن بعض العلماء كان لا يستحب أن تقرأ سورة يوسف ﵇ على النساء، ويستحب أن تقرأ عليهن سورة النور (٢). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي سعد قال: إن لقمان ﵇ مر بجارية تعلم الكتابة فقال: ليت شعري! من سأل هذا السبب؟ قال: ومر بامرأة معلقة بشعرها في شجرة، فقال: يا ليت الشجر كلها كان ثمرها مثل ثمر هذه الشجرة. واعلم أن في إيثار الرجل الجهل والدَّعَة، والراحة والاشتغال

стр. 5309

بالشهوات، وترك الاشتغال بالعلم والتأدب بالآداب الشرعية تشبهاً بالنساء من حيث إن ذلك خلقهن. وفي الحديث: "إِنَّكُنَّ نَواقِصُ عَقْلٍ وَدِينٍ" (١). ومن ثم قال الزهري لأبي بكر الهذلي: يا هذلي! أيعجبك الحديث؟ قال: قلت: نعم. قال: أما إنه يعجب ذكور الرجال، ويكرهه مؤنثوهم. رواه الخطيب (٢). وفي رواية عن الزهري قال: لا يطلب الحديث من الرجال إلا ذكرانها، ولا يكرهه إلا إناثها (٣). وعندي أن هذا لا يختص بالحديث، بل إلا من حيث إن معظم العلوم يرجع إليه، بل طلب العلم مطلقًا شيبة الرجال، واللهو عنه وعن كل خير لخلق لا يليق إلا بالنساء لو كان لائقاً، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧] الآية. وإذا كانوا لا تلهيهم التجارة والبيع وهما أليق بالرجال، فلأَنْ

стр. 5310

لا تلهيهم الحلي والحلل والألعاب أولى. وقال الخطيب: أنشدني الحسن بن علي بن محمد البلخي بأصبهان قال: أنشدني أبو الفضل [العباس] (١) بن محمد الخراساني: [من البسيط] رَحَلْتُ أَطْلُبُ أَهْلَ الْعِلْمِ مُجْتَهِداً ... وَزِينَةُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيا الأَحادِيثُ لا يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلاَّ بازِلٌ ذَكَرٌ ... وَلَيْسَ يُبْغِضُهُ إِلاَّ الْمَخانِيثُ لا تُعْجَبَنَّ بِمالٍ سَوْفَ تَتْرُكُهُ ... فَإِنَّما هَذِهِ الدُّنْيا مَوارِيثُ (٢) ***

стр. 5311

(٤) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَبُّهِ الرّجَال بِالصِّبيَانِ

стр. 5312

(٤) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَبُّهِ الرّجَال بِالصِّبيَانِ وهو مذموم، وعكسه محمود. اعلم أن تشبه الرجل الكامل - شاباً، أو كهلاً، أو شيخاً - بالصبي الصغير في اللعب واللهو، وما هو شأن الصغار نزولٌ من أفق العقل إلى حضيض الحماقة والجهل، وهو مما يعلم ضرورة. ولقد تكلف بعضهم عن بعض المباحات التي هي بالصغار أليق خشية من الوقوع فيما وراء ذلك، كما روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي: أنه أتي بخبيص فلم يأكله، وقال: هذا طعام الصبيان (١). ومن النهي عن التشبه بالصبي ما أخرجه ابن جرير، والبيهقي عن أسلم رحمه الله تعالى قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: يا أسلم! لا يكن حبك كَلَفاً، ولا بغضك تلفاً. قلت: وكيف؟ قال: إذا أحببت فلا تَكْلَفْ كما يَكْلَف الصبي بالشيء يحبه، وإذا

стр. 5313

أبغضت فلا تبغض بغضاً تحب أن يتلف صاحبك ويهلك (١). قلت: ومحل ذلك في المحبة من الخلق إلى محبة الله تعالى، وكلما زاد العبد حبا لله تعالى كما زاد بها قربا من الله ولو صارت كَلَفاً؛ فإنها تزداد حسناً ويزداد بها صاحبها كمالاً، كما روي أن الله تعالى وصف أولياءه ببعض أنبيائه، فقال: الذين كلفوا بحبي كما يكلف الصبي بالشيء، ويأوون إلى ذكري كما يأوي الطير إلى وَكْره، ويغضبون لمحارمي كما يغضب النمر إذا حرب؛ فإنه لا يبالي أَقَلَّ الناسُ أم كثروا (٢). قال أبو طالب المكي، وأبو حامد الغزالي رحمهما الله تعالى بعد أن ذكرا هذا الأثر: فتدبر هذه الأمثال: إن الصبي إذا كلف بالشيء لم يفارقه، فإن نام فمعه، وإن تحرك فبه، وإن هَبَّ من نومه فعنه، فإن فارقه بكى عليه، وإن وجده ضحك إليه، ومن نازعه فيه أبغضه، ومن أعطاه إياه أحبه، وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا الصياح والبكاء عليه حتى يرد إليه. قالا: وأما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب لنفسه حتى يبلغ من شدة غضبه أن يقتل نفسه (٣).

стр. 5314

وذلك أنه يغيب الخلق عنه حتى نفسه فلا يعقل ما فعل، وعلم من هذا أيضًا من أبغض أحدًا لمعصية الله تعالى جاز له أن يصل في البغضاء إلى التلف إذا كانت معصيته توجب ذلك كبغض الكفار حتى يسعى المسلمون في قتالهم، وإزهاق نفوسهم وأرواحهم، ومن هنا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾] الأنفال: ٦٥]. فالتشبه بالصبيان الأطفال مما تنهى عنه بَوادِهُ العقل إلا فيما استثني من الكَلَف بحب الله تعالى، وحب ما يقرِّب إليه من علم وعبادة، فلا معنى للإطالة في النهي عن ذلك، وإنما نتكلم الآن في هذا الباب في تشبه الشيخ والكهل بالشاب. روى أبو يعلى، والطبراني، والدينوري عن واثلة، وابنُ عدي عن ابن مسعود، والبيهقيُّ في "الشعب" عن أنس، وعن ابن عباس قالوا ﵃: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ شَبابِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِكُهُولكُمْ، وَشَرُّ كُهُولكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشَبابِكُمْ" (١).

стр. 5315

وقلت في معناه: [من الخفيف] إِنَّ خَيْرَ الشَّبابِ مَنْ يَقْتَدِي بِالْكُهُو ... لِ أَوْ بِالشُيُوخِ فِي الإِحْسانِ ثُمَّ شَرُّ الْكُهُولِ كَهْلٌ تَراهُ ... يَتَحَلَّى بِحِلْيَةِ الشُّبَّانِ وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ ابْنَ سَبْعِينَ فِي أَهْلِهِ، ابْنَ عِشْرِينَ فِي مِشْيتِهِ وَمَنْظَرِهِ" (١). وروى الديلمي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ ابْنَ عِشْرِينَ إِذا كانَ شِبْهَ ابْنِ ثَمانِينَ، وَيُبْغِضُ ابْنَ السِّتِّينَ إِذا كانَ شِبْهَ ابْنِ العِشْرين" (٢). وإذا كان المتشبه من الكهول والشيوخ بأبناء العشرين مذموماً مبغضاً إلى الله تعالى، فما ظنك بالمتشبه منهم بأبناء العشر والسبع؟ ومن المعلوم أنه لا رخصة لبالغ عاقل كامل العقل في معصية الله تعالى - سواء كانت صغيرة أم كبيرة، وسواء كان هو شابًا أو كهلاً أو شيخاً - ولكن جرت العادة بأن يقام للشاب من العذر ما لا يقام للكهل

стр. 5316

والشيخ، وجاء الشرع بتقرير هذه العادة، والسبب في ذلك أن بعض الشباب تغلب عليه الحرارة والرطوبة، فتغلب عليه الشهوة ويشتد به الهوى، ومن ثم كان خلاص الشباب من موجبات الهوى أمراً عجيباً حتى قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَة". رواه الإمام أحمد، والطبراني عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه (١). والتعجب من الله تعالى بمعنى الاستحسان والرضا (٢). وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعالَى يُحِبُّ الشَّابَّ الَّذِي يُفْنِي شَبابَهُ فِي طاعَةِ اللهِ تَعالَى" (٣).

стр. 5317

وفي حديث "الصحيحين" المتقدم: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ: إِمامٌ عادِلٌ، وَشابٌّ نَشَأَ فِي عِبادَةِ اللهِ". الحديث (١). ومع هذا فقد جاء التحذير من غوائل الشباب، حتى قال النبي ﷺ : "الشَّبابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ" (٢). شبهه بالجنون تقبيحاً لأمره، وتنفيراً عن العمل بمقتضاه. وقال أبو العتاهية: [من الرجز] إِنَّ الشَّبابَ وَالفَراغَ وَالْجِدَةْ ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيَّ مَفْسَدَة وروى أبو أحمد العسكري في "المواعظ" عن قبيصة بن جابر الأسدي: أنه تكلم بين يدي عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: يا قبيصة! إنك لَسِنُ اللسان، فسيح الصدر؛ فاتق عثرات الشباب، وفلتات الغضب، ونوادر الكلام (٣). وإذا اتقى العبد عثرات الشباب، وطلب المعونة في ذلك من الله تعالى فقد يكون ذلك سبباً لتوفيقه في كهولته وشيخوخته. قال القشيري رحمه الله تعالى في جزء جمع فيه كلام أبي علي الدقاق رحمه الله تعالى: وسمعته يقول: من ملك شهوته في حال شبيبته صيَّره الله تعالى في حال كهولته كيوسف ﵇؛ قال الله

стр. 5318

تعالى: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] (١). وأما سن الكهولة فإنه يكون الإنسان فيه في غاية الاعتدال، ويتم فيه عقله، وترسَخُ فيه طبيعته، ويستوي أشده، ولذلك لم يبعث الله تعالى نبيًا إلا على رأس الأربعين إلا ما كان من عيسى ويحيى ﵉. وقوله ﷺ : "ما بَعَثَ اللهُ نبِيًّا إِلاَّ شابًّا". رواه ابن مردويه، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٢)؛ معناه: كامل الشباب، وذلك في سن الأربعين. و[قال عبد الله بن داود]: كان كثير من السلف في أمر دنياهم، حتى إذا بلغوا أربعين سنة طوى فراشه (٣). وروى أبو أحمد العسكري في "المواعظ" عن هلال بن يساف (٤) قال: كان الرجل من أهل المدينة إذا بلغ أربعين سنة تفرغ لعبادة ربه (٥).

стр. 5319

وعن هذا كني عبد الله بن داود بطَيِّ الفراش. فمن بلغ سن الاعتدال فلم يعتدل في طاعة الله تعالى، فذلك دليل تفريطه في جنب الله تعالى، وغلبة الهوى على عقله، لكنه في وقت التدارك والحذر والخوف. قال الشيخ زين الدين بن رجب في "لطائفه": وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ تَعالَى يَقُولُ لِلْحَفَظَةِ: ارْفَقُوا بِعَبْدِي ما دامَ فِي حَداثَتِهِ، فَإِذا بَلَغَ الأَرْبَعِينَ فَحَقِّقا وَتَحَفَّظا". وكان بعض رواته يبكي عند روايته، ويقول: كبرت السن، ورق العظم، ووقع التحفظ (١). وقال مسروق: إذا بلغت الأربعين فخذ حَذَرَك (٢). وأخرجه أبو أحمد العسكري في "المواعظ" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وأنشد لابن دريد: [من المتقارب] إِذا ما الفَتَى جاوَزَ الأَرْبَعِينَ ... وَلَمْ يَعْقُبِ النَّقْصَ مِنْهُ الكَمالا وَلَمْ يَتْبَعِ الْعُصْبَةَ الزَّاهِدِينَ ... وَينْفِي الْحَرامَ وَيبْغِي الْحَلالا فَلا تَرْجُهُ طُولَ أَيَّامِهِ ... فَلَيْسَ يَزِيدك إِلاَّ خَبالا

стр. 5320

وأما سن الشيخوخة فيغلب على الإنسان فيه البرودة واليبس، فتخف عنه الشهوة وتضعف، فلا يبقى لصاحبه عذر في اتباع الهوى، وهو السن الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً" (١). وروى عبد بن حميد عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا بَلَغَ العَبْدُ سِتِّينَ سَنةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْهِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ" (٢). وروى أبو نعيم عن وهب رحمه الله تعالى قال: قرأت في بعض الكتب: إن لله منادياً ينادي من السماء الرابعة كل صباح: أبناء الأربعين! زَرْعٌ قد دنا حصاده، أبناء الخمسين! ماذا قدمتم وماذا أخرتم؟ أبناء الستين! لا عذر لكم، ليت الخلق لم يخلقوا، وإذا خلقوا علموا لماذا خلقوا، قد أتتكم الساعة فخذوا حذركم (٣).

стр. 5321

وروى ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم عن سويد الكلبي: أن زِرَّ بن حُبيش رحمه الله تعالى كتب إلى عبد الملك بن مروان كتاباً يعظه، وكان في آخره: ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول الحياة صحة بدنك، وأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون: [من الرجز] إِذا الرِّجالُ وَلَدَتْ أَوْلادُها ... وَبَلِيَتْ مِنْ كِبَرٍ أَجْسادُها وَجَعَلَتْ أَسْقامُها تَعْتادُها ... تِلْكَ زُرُوعٌ قَدْ دَنا حَصادُها فلما بلغ عبد الملك الكتاب بكى حتى بل طرف ثوبه (١). ويعجبني في هذا الباب قول البهاء زهير: [من مجزوء الكامل] أَتُرِيدُ بَعْدَ الشَّيْبِ مِنِّي شِـ ... ـرَةَ الطَّرَبِ الْخَلِيع لا لا وَحَقِّ اللهِ ما ... أَنا بِالسَّمِيعِ وَلا الْمُطِيعِ إِنْ كُنْتَ تَرْجِعُ أَنْتَ بُعَيْـ ... ـدَ الشَّيْبِ فَايْئَسْ مِنْ رُجُوعِ كَيْفَ الرُّجُوعُ وَقَدْ رَأَيْتَ الـ ... ـرِّيحَ تَلْعَبُ بِالزُّرُوعِ عارٌ رُجُوعُكَ بَعْدَ ... ما عايَنْتَ حِيطانَ الرُّبُوعِ وَحَلَلْتَ فِي ظِلِّ الْجَنا ... بِ الرَّحْبِ وَالْعِزِّ الْمَنِيعِ ومن ثم عظم إثم الشيخ الزاني - وإن كان الزنا من كل أحد عظيمًا - إلا أنه من الشيخ أعظم.

стр. 5322

روى مسلم، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثة لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ تَعالَى يَوْمَ القِيامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعائِلٌ مُسْتكبِرٌ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْظُرُ اللهُ تَعالَى يَوْمَ القِيامَةِ إِلَى الشَّيْخِ الزَّانِي وَالْعَجُوزِ الزَّانِيَةِ" (٢). وروى الطبراني بإسناد حسن، عن ابن عمر ﵄: لا ينظر الله إلى الأشيمط الزاني، ولا العائل الزهو (٣). والأشيمط: تصغير الأشمط، وهو الذي اختلط شعره الأبيض بالأسود، صُغِّرَ تحقيراً للإزراء عليه والتشنيع. وفي الباب أحاديث كثيرة. وروى أبو نعيم عن الربيع بن صبيح رحمه الله تعالى: أنه كان بالأهواز ومعه صاحب له، فنظرت إليهما امرأة، فتعرضت لهما، فدعتهما إلى نفسها، فبكى الشيخ، فقال له صاحبه: ما يبكيك؟

стр. 5323

فقال: إنها لا تطمع في شيخين إلا ورأت شيوخًا مثلهما (١). ولما كان من الشيخوخة بحاله واعظاً لمن طعن فيه خصَّ النبيُّ ﷺ الشباب بالتحذير من الزنا في قوله: "يا شبابَ قُرَيْشٍ! احِفْظَوُا فُرُوجَكُمْ، لا تَزْنُوا؛ أَلاَ مَنْ حَفِظَ اللهُ فَرْجَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ". وفي رواية: "يا فِتْيانَ قُرَيْشٍ! لا تَزْنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ سَلِمَ لَهُ شَبابُهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ". رواه الحاكم، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). ولذلك خصهم بقوله ﷺ : "يا مَعْشَرَ الشَّباب مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجاءٌ" (٣)؛ أي: قاطع لشهوته. وقال ﷺ : "لا يَتِمُّ نُسُكُ الشَّابِّ حَتَّى يَتَزَوَّجَ". رواه أبو نعيم (٤). فلا ينبغي للكهل، ولا للشيخ أن يتشبها بالشبان في مقتضيات الهوى شكلاً، وهيئة، وعملاً وقولاً؛ كأن يقمط العمامة، ويلبس

стр. 5324

مصبغات الثياب مع تظريف تفصيلها، وتظريف خياطتها، أو يضع في رأسه عِرْقاً من الزهر، أو الورد، أو الريحان، أو يختال في مشيته، أو يشتد فيها ويطأ الأرض وطء أهل الشطارة والقوة، أو يغنِّي برفع الصوت بالموال ونحوه. وهذه الأفعال - وإن كانت منكرة من كل أحد - إلا أنها من الكهول والشيوخ أقبح. وكذلك شرب الخمر والزنا واللواط قبائح فواحش من كل أحد، إلا أنها من ذوي الأحلام والعقول أشد قبحاً، وأعظم فحشاً. - ومن التشبه القبيح بالشبان: خضب الشيب بالسواد، وقد تقدم كله. وروى ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الشَّيْخَ الغِرْبِيبَ" (١)؛ أي: الْمُتَشَبِّهَ بِالغُرابِ فِي سَوادِ الشَّعْرِ. واعلم أن الشيخ متى اتبع الهوى، وتشبه في ذلك بأهل الصبا فعصى وطغى، وتمرد وبغى، كان شيطاناً في صورة إنسان؛ فإن الإنسان كلما كبر ازداد خيره، والشيطان كلما كبر ازداد شره. وروى ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" عن مجاهد قال: قال

стр. 5325

إبليس: جعل لنا أنا نرَى ولا نُرى، وأن نخرج من تحت الثرى، وأن يعود كهلُنا فتى (١). وروى الديلمي عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَرْعَوِ عِنْدَ الشَّيْبِ، وَلَمْ يَسْتَحْيِ مِنَ العَيْبِ، وَلَمْ يَخْشَ اللهَ فِي الغَيْبِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حاجَةٌ" (٢). وحيث كان الشيخ بهذه الصفة فلا يصلح للاقتداء به لأنه شيطان في صورة إنسان. ولذلك قال أبو حازم رحمه الله تعالى: لا تقتد بمن لا يخاف الله بظهر الغيب، ولا يعف عن العيب، ولا يصلح عند الشيب. رواه أبو نعيم (٣). ولا يعارض ما قدمناه ما رواه الدينوري في "المجالسة" عن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن قال: لقد رأيت بالمدينة مشيخة في زي الفتيان لهم الغدائر، وعليهم الموردة والمعصفرة، في أيديهم المخاصرة فيها أثر الحناء، ودين أحدهم أبعد من الثريا إذا أريد دينه (٤). فإن ربيعة رضي الله تعالى عنه لم يُرِد بذلك الثناء عليهم بالتشبه
следующие страницы →