← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

١١٩ - ومنها: لباس الصوف تواضعاً، وقناعة: روى ابن أبي شيبة عن حميد بن إسحاق قال: قيل لهم يوم بدر: تسوموا؛ إن الملائكة قد تسومت، قال: فأول ما جعل الصوف ليومئذ (١). ونص القرطبي على استحباب لبس الصوف تشبها بالملائكة في تسومهم يوم بدر (٢). وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: هبط جبريل ﵇ على النَّبي ﷺ وعليه عباءتان قطوانيتان، فقال النبي ﷺ : "وَإِنَّكمْ لَتلْبَسُوْنَ هَذا؟ " قال: إي وربي، وإنه للباس حملة العرش (٣). ولباس الصوف مشروط استحبابه بالسَّلامة من الرّياء، وطلب الشهرة، وطلب الدُّنيا بلباسه. وأحسن من قال: [من الوافر] لَبِسْتَ الصُّوْفَ مَرْقُوْعَا وَقُلْتا ... أَنَا الصُّوْفِىُّ لَيْسَ كَمَا زَعَمْتا

стр. 562

فَمَا الصُّوْفِيُّ إِلاَّ مَنْ تَصَافا ... مِنَ الأَكْدَارِ وَيْحَكَ لَوْ عَقَلْتا ١٢٠ - ومنها: الائتزار إلى أنصاف السوق: روى الطبراني في "الأوسط"، والديلمي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ائْتَزِرُوْا كَما رَأَيْتُ الْمَلائِكَةَ تَأْتَزِرُ"، قالوا: يا رسول الله! كيف رأيت؟ قال: "إلَىْ أَنْصافِ سُوْقِها" (١). وفي الحديث الصحيح: "إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَىْ أَنْصافِ ساقَيْهِ" (٢). ١٢١ - ومنها: التأذي بالروائح الكريهة، وسائر ما يُتَأذَّى منه: روى مسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّوْمَ، وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تتَأَذَّىْ مِمَّا

стр. 563

يَتَأَذَّىْ مِنْهُ بَنُوْ آدَمَ" (١). وروى أبو نعيم، والخطيب عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث من أجل أن الملائكة تأتيه، وأنه يكلم جبريل ﵇ (٢). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "المنامات" قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: رأيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! ما تقول في الثوم والبصل؟ فقال: "الْمَلائِكَةُ تتَأَذَّىْ بهما" (٣). وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن عبد الله بن يزيد (٤) رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لا يُنْقَعْ بَوْلٌ فِيْ طَسْتٍ فِيْ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتاً فِيْهِ بَوْلٌ مُنْتَقِعٌ، وَلا تَبُوْلَنَّ فِيْ مُغْتَسَلِكَ" (٥). وروى "فيه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّه قال: مر

стр. 564

رسول الله ﷺ بصنم من نحاس، فضرب ظهره بظهر كفه، ثم قال: "خَابَ وَخَسِرَ مَنْ عَبَدَكَ مِنْ دُوْنِ اللهِ"، ثم أتى النبي ﷺ جبريل ﵇ ومعه ملك، فتنحى الملك، فقال النبي ﷺ : "ما شَأْنُهُ تَنَحَّىْ"؟ قال: "إنه وجد منك ريح نحاس، وإنا لا نستطيع ريح النحاس" (١). قلت: ولعل هذا هو السبب في أن الملائكة لا تصحب ركباً فيه جرس ولا جلجل، كما ورد في الحديث، مع كونهما مما يتلهى به، والله الموفق. ١٢٢ - ومنها: الرثاء لحال الفقراء والضعفاء، والتعطف عليهم، ولذلك يفرحون بذهاب الشتاء: روى الطبراني عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لتفْرَحُ بِذَهَابِ الشِّتاءِ رَحْمةً لِمَا يَدْخُلُ عَلَىْ فُقَراءِ الْمُسْلِمِيْنَ مِنَ الشِّدَّةِ" (٢). ورواه الخطيب في "تلخيص المتشابه"، ولفظه: "تَفْرَحُ الْمَلائِكَةُ بِذَهابِ الشِّتاءِ لِما يَدْخُلُ عَلَى فُقَراءِ أُمَّتِيْ".

стр. 565

١٢٣ - ومنها: الفرح بتيسير الطَّاعة على المؤمنين: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن قتادة رحمه الله تعالى قال: إن الملائكة لتفرح بالشتاء للمؤمن؛ يقصر النهار فيصومه، ويطول الليل فيقومه (١). ومثل ذلك لا يقال من قِبَل الرأي، فحكمه حكم المرفوع. * تَنْبِيْهٌ: اختلف السبب في فرح الملائكة بإقبال الشتاء وفرحهم بذهابه، فلا تعارض بينهما. ١٢٤ - ومنها: إدخال السُّرور على قلوب المؤمنين، وتبشيرهم، وتعزية المحزونين، وتسليتهم: قال الله تعالى حكاية عن رسل إبراهيم ﵇ ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾ [الحجر: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبي ﷺ "أَنَّ رَجُلاً زارَ أَخاً لَهُ فِيْ اللهِ، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ مَلَكاً فَقالَ: أَيْنَ تُرِيْدُ؟ فَقالَ: أُرِيْدُ

стр. 566

أَنْ أَزُوْرَ أَخِيْ فُلاناً، قالَ: لِحاجَةٍ لَكَ عِنْدَهُ؟ قالَ: لا، قالَ: لِقَرابَةٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟ قالَ: لا، قالَ: فِيْمَه؟ قالَ: أُحِبُّهُ فِيْ اللهِ، قالَ: فَإِنَّ اللهَ تَعالَىْ أَرْسَلَنِيْ إِلَيْكَ يُخْبِرْكُ بِأَنَّهُ يُحِبُّكَ لِحُبِّكَ إِيَّاهُ، وَقَدْ أَوْجَبَ لَكَ الْجَنَّةَ" (١). وروى ابن أبي الدّنيا، والطَّبرانيُّ عن العِرباض بن سارية ﵁: أنه كان يحب أن يقبض، فكان يقول: اللهم كَبُرْ سني، ووَهَنَ عظمي، فاقبضني إليك، قال: فبينما أنا يوماً في مسجد دمشق وأنا أصلي، وأدعو أن أقبض إذ أنا بفتى شاب من أجمل الرجال، وعليه رداء أخضر، فقال: ما هذا الذي تدعو به؟ قلت: وكيف أدعو؟ قال: اللهم حسن العمل، وبلغ الأجل، قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا روقيائيل (٢) الذي يسل الحزن من صدور المؤمنين، ثم التفتّ فلم أر أحدا (٣).

стр. 567

وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النَّبى ﷺ "أَنَّ مُشَيِّعِيْ الْجَنازَةِ قَدْ وَكَّلَ اللهُ بِهِمْ مَلَكا وَهُمْ مُهْتَمُّوْنَ مَحْزُوْنُوْنَ، حَتَّىْ إِذا أَسْلَمُوْهُ فِيْ ذَلِكَ القَبْرِ، وَرَجَعُوْا راجِعِيْنَ أَخَذَ كَفَّا مِنْ تُرابِ فَرَمَىْ بِهِ وَهُوَ يَقُوْلُ: ارْجِعُوْ إِلَىْ دُنْياكُمْ، أنساكُمُ اللهُ مَوْتاكُمْ، فَيَنْسَوْنَ ميِّتَهُمْ وَيَأْخُذُوْنَ فِيْ شَرابِهِمْ وَبَيْعِهِمْ كَأنهمْ لَمْ يَكُوْنُوْا مِنْهُمْ" (١). والمعنى: أن هذا الملك موكل بتسلية النَّاس عن مصائبهم ليرجعوا إلى معاشهم، فتظهر مظاهر أسمائه تعالى فيهم أمراً ونهياً، ووعداً ووعيداً، وثواباً وعقاباً، فيبرز كل شيء سبق به القضاء على وفق ما قضى؛ إذ لولا الأمل لخربت الدَّنيا، والدُّنيا مزرعة الآخرة. وقد روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزُّهد" عن الحسن قال: لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: إن الأرض لا تسعهم، قال: إني جاعلٌ موتاً، قالوا: إذاً لا يهنؤهم عيش، قال: إني جاعل أملاً (٢). وقد قلت: [من الخفيف] مَا سَلا مَنْ سَلا بَعْدَ مَوْتٍ نَزَلْ ... وَأَتَىْ الْمَرْءَ مِنْ بَعْدِ زُهدٍ أَمَلْ

стр. 568

لِسِوَىْ حِكْمَةٍ ذَاقَهَا مَنْ عَقَلْ ... وَلِنَيْلِ الْمُنَىْ أَمْرُهَا قَدْ كَمَلْ لَوْ تَمَادَىْ بِنَا حُزْنُنُا وَالْوَجَلْ ... ظَهَرَ النَّقْصُ فِيْ أَمْرِنَا أَوْ بَطَلْ عَزَّ مَنْ أَحْكَمَ الصُّنعَ فِيْنَا وَجَلْ ... رَبَّنَا الْطُفْ بِنَا لانْتِهَاءِ الأَجَلْ ١٢٥ - ومنها: تفقد الإخوان، ومعاونتهم، وعيادة مرضاهم: روى البيهقيُّ عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: إن للمساجد أوتاداً هم أوتادها، وإن لهم جلساً من الملائكة تفقدهم الملائكة إذا غابوا، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة عاونوهم (١). وقد سبقت الإشارة في هذا المعنى في لزوم المساجد، وذكرنا ثَمَّ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فيه. * تَنْبِيْهٌ: روى أبو الشيخ عن العُتبي قال: إذا مرض العبد، ثم عوفي فلم يزدد خيراً، قالت الملائكة: داويناه فلم ينفعه الدَّواء (٢).

стр. 569

وقد قلت: [من السريع] قَدْ يَمْرَضُ الْعَبْدُ فِيْ دائِهِ ... أَدْوِيةٌ لِلْقَلْبِ لَوْ يَعْقِلُ نَضجُّ مِنْ أَدْوائِنَا وَهِيَ مِنْ ... أَدْوِيةِ الأَدْوَاءِ لَوْ نَعْقِلُ لَكِنْ دَوَاءُ الْفَاسِد الطَّبْعِ لَوْ ... تُؤْتِيهِ مَا شِئْتَ لا يَفْعَلُ ١٢٦ - ومنها: الأمر بالتداوي خصوصاً بالحجامة: روى الترمذي وحسَّنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مَرَرْتُ بِمَلأٍ مِنَ السَّماءِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ بملإ من الملائكة إِلاَّ قالَ: عَلَيْكَ بِالْحِجامَةِ" (١). وروى ابن ماجه بسند حسن، عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النَّبي ﷺ قال: "ما مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ بِمَلأٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِلاَّ قالُوْا: مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجامَةِ" (٢). ١٢٧ - ومنها: مداواة المرضى، ومباشرة علاجهم، ومؤانستهم: وسبق في ذلك قصة عمران بن حصين مع الملائكة ﵈ (٣).

стр. 570

وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "المنامات" عن محمَّد بن المُنْكَدر قال: دخل رسول الله ﷺ على أبي بكر ﵁ فرآه ثقيلاً - يعني: في المرض - فخرج من عنده، ودخل على عائشة رضي الله تعالى عنها فإنه ليخبرها بوجع أبي بكر ﵁ إذ جاء أبو بكر يستأذن، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أبي -والله -، فدخل فجعل رسول الله ﷺ يتعجب لما عجل الله تعالى له من العافية، فقال: ما هو إلا أن خرجت من عندي فغفوت، فأتاني جبريل ﵇ فسعطني سعطة، فقمت وقد برئت" (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الرضا" عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: قال لقمان لابنه ﵉: يا بُنَيَّ! لا ينزلن بك أمر -رضيته أو كرهته - إلا جعلت في الضمير منك أن ذلك خير لك، قال: أما هذه فلا أعطيكها دون أن أعلم ما قلت كما قلت، قال: يا بُنَيَّ! فإن الله قد بعث نبيًّا هلم حتى نأتيه فنصدقه، قال: اذهب يا أبه، فخرج على حمار وابنه على حمار، وتزودا، ثم سارا أياماً وليالي حتَّى لقيتهما مفازة، وأخذا أُهبتهما لها، فدخلا فسارا ما شاء الله حتَّى ظهرا وقد تعالى النهار واشتد الحر، ونفِدَ الماء والزاد، واستبطآ حماريهما، فنزلا، فجعلا يشتدان على مرقهما، فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه، فإذا هو بسواد ودخان، فقال في نفسه: السواد الشجر، والدخان العمران والنَّاس، فبينما

стр. 571

هما كذلك يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم ناتئ على الطريق، فخر مغشياً عليه، فوثب لقمان فضمه إلى صدره، واستخرج العظم بأسنانه، ثم نظر إليه فذرفت عيناه، فقال: يا أبه! أنت تبكي وأنت تقول: هذا خير لي؟ فكيف يكون هذا خيراً لي ونَفِدَ الطعام والماء، وبقيت أنا وأنت في هذا المكان، فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت، وإن أقمت معي متنا جميعاً؟ فقال: يا بُنَيَّ! أما بكائي فَرِقَّةُ الوالدين، وأما ما قلت: كيف يكون هذا خياراً لي؟ فلعل ما صُرف عنك أعظم ما ابتليت به، ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم ير ذلك الدخان والسواد، وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بياض وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحاً، فلم يزل يرمُقُه بعينه حتى كان منه قريبا، فتوارى عنه، ثم صاح به: أنت لقمان؟ قال: نعم، قال: أنت الحكيم؟ قال: كذلك يقال، قال: ما قال لك ابنك؟ قال: يا عبد الله! من أنت؟ أسمع كلامك ولا أرى وجهك، قال: أنا جبريل؛ أمرني ربي بخسف هذه المدينة ومن فيها، فأخبرت أنكما تريدانها، فدعوت ربي أن يحبسكما عني بما شاء، فحبسكما بما ابتلى به ابنك، ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسف، ثم مسح جبريل يده على قدم الغلام فاستوى قائماً، ومسح يده على الذي كان فيه الماء فامتلأ، ثم حملهما وحماريهما فرحل بهما كما يرحل الطير، فإذا هما في الدار [التي خرجا منها] (١)

стр. 572

بعد أيام وليالي (١). ولا شك أن مسح جبريل ﵇ على قدم الغلام علاج ومداواة لو لم يكن إلا أناله بركة يده، وكان ذلك قائماً مقام التكميد، ومن هنا يستحب لعائد المريض أن يضع يده عليه. كما روى الترمذي، وابن السُّنِّي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَمامُ عِيادَةِ الْمَرِيْضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ، فَيَسْأَلَهُ: كَيْفَ هُوَ؟ " (٢). ولفظ ابن السُّنِّي: "مِنْ تَمامِ الْعِيادَةِ أَنْ تَضَعَ يَدَكَ عَلَىْ الْمَرِيْضِ فَتَقُوْلَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ وَكَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ " (٣). ويلوح لي أن وضع اليد على المريض إنما شرع لينال المريض بركة يد المؤمن. وقول لقمان لابنه (٤): "لعل ما صرف عنك أعظم ما ابتليت به" هو أصل ما هو دائر على ألسنة الناس من قولهم: (ما دفع الله كان أعظم)، ولم أجده في الحديث المرفوع.

стр. 573

١٢٨ - ومنها: الرقية بذكر الله تعالى، وأسمائه، وكلامه: روى ابن ماجه، وغيره، وصححه الحاكم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَلا أَرْقِيْكُمْ بِرُقْيَةٍ رَقانِيْ بِها جِبْرِيْلُ ﵇؟ يَقُوْلُ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيْكَ، وَاللهُ يَشْفِيْكَ، مِنْ كُلِّ داءٍ آتِيْكَ، مِنْ شَرِّ النَّفاثاتِ فِيْ الْعُقَدِ، وَمِنْ شَر حاسِدٍ إِذا حَسَدَ؛ يَرْقِيْ بِها ثَلاثَ مَرَّاتٍ" (١). وروى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله ﷺ رقاه جبريل ﵇؟ قال: "بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، من شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين" (٢). وعن أبي سعيد: أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: "يا محمد! اشتكيت؟ " فقال: "نَعَمْ"، قال: "بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك" (٣). وأخرجه الترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة، وصححه الترمذي (٤).

стр. 574

١٢٩ - ومنها: حضور العبد المؤمن عند وفاته، وتسليته ، وتبشيره، وتطييب خاطره، وتحسين ظنه بربه، وتلقينه كلمة الشهادة، وتحريفه إلى القبلة، وتغميضه: وأدلة ذلك كثيرة جداً. منها قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] الآية. قال مجاهد: ذلك عند الموت. رواه البيهقي (١). وروى عنه ابن أبي حاتم، وغيره أنه قال في الآية: أي: لا تخافوا مما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أمر الدُّنيا من ولد أو أهل، أو دَينٍ؛ فإنه سيخلفكم الله تعالى في ذلك كله (٢). وروى الطَّبراني في "معجمه الكبير"، وأبو نعيم في "معرفة الصَّحابة" عن جعفر بن محمَّد، [عن أبيه، عن الحارث بن الخزرج، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ ] (٣): أن ملك الموت يتصفح وجوه أهل البيت عند مواقيت الصَّلاة، فإذا نظر عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصَّلاة

стр. 575

دنا منه الملك، وطرد عنه الشَّيطان، ويلقنه الملك: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، في ذلك الحال العظيم (١). وروى ابن أبي شيبة، وغيره عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: احضروا موتاكم، ولقنوهم: لا إله إلا الله؛ فإنهم يرون، ويقال لهم (٢). وروى سعيد بن منصور، وغيره عن مكحول قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله، واعقلوا ما تسمعون من المطيعين منكم؛ فإنه تجلى لهم أمور صادقة (٣). وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: إن الملائكة وجَّهوا آدم حين حضره الموت، ثم غَمَّضوه (٤). * تَنْبِيْهٌ: قال رسول الله ﷺ : "إِن الْمَلائِكَةَ لا تَحْضُرُ الْجُنُبَ، وَلا الْمُتَضَمِّخَ بِالْخَلُوْقِ حَتَّىْ يَغْتَسِلا". رواه الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس ﵁ (٥).

стр. 576

وقالت ميمونة بنت سعد رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله! هل يرقد الْجُنُبُ؟ قال: "ما أُحِبُّ أَنْ يَرْقُدَ حَتَّىْ يَتَوَضَّأَ فَإِنِّيْ أَخافُ أَنْ يُتَوَفَّى وَلا يَحْضُرَهُ جِبْرِيْلُ". رواه في "الكبير" أيضاً (١). وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن عمَّار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَحْضُرُ جَنازَةَ الْكافِرِ بِخَيْرٍ، وَلا الْمُتَضَمّخِ بِالزَّعْفَرانِ، وَلا الْجُنُبِ" (٢). وفي قوله: "بخير" إشارة إلى أن الملائكة تحضر جنازة الكافر بشرٍّ. وقد ذكرنا فيما سبق أن ملائكة العذاب تتبع جنازة الكافر، وملائكة الرحمة تتبع جنازة المؤمن، والله الموفق. ١٣٠ - ومنها: زيارة قبور الصالحين، وحَمَلَة القرآن: روى أبو نعيم عن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يا عَلِيُّ! تَعَلَّمِ الْقُرْآنَ وَعَلِّمْهُ النَّاسَ؛ فَلَكَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَإِنْ

стр. 577

مِتَّ مِتَّ شَهِيْداً، يا عَلِيُّ! تَعَلَّمِ الْقُرْآنَ وَعَلِّمْهُ النَّاسَ، فَإِنْ مِتَّ حَجَّتِ الْمَلائِكَةُ إِلَىْ قَبْرِكَ كَما يَحُجُّ النَّاسُ إِلَىْ بَيْتِ الله" (١). والمراد بالحج هنا قصد قبور حملة القرآن بالزيارة، والاستغفار لهم. ١٣١ - ومنها: طرد الشَّياطين: ومن الأمثال السَّائرة: إذا حضرت الملائكة فرت الشَّياطين. وقد تقدم في كلام جعفر بن محمَّد رضي الله تعالى عنه: أن الملائكة تطرد الشَّياطين عن المحافظ على الصلوات عند الموت. وروى الإمام ابن الإمام، عبد الله بن أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهما في "زوائد الزهد" عن يحيى بن سليم الطَّائفي، عن من ذكره قال: الكلمة التي تزجر بها الملائكة الشياطين حين يسترقون السمع: ما شاء الله (٢). وقال الله تعالى - حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩]. قال ابن عباس: كانت الجن قبل أن يبعث النبي ﷺ يستمعون من السَّماء، فلما بعث حُرِسَتْ، فلم يستطيعوا أن يستمعوا، فجاؤوا إلى قومهم يقولون للذين لم يستمعوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ

стр. 578

حَرَسًا شَدِيدًا﴾ [الجن: ٨] الملائكة, ﴿وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] وهي الكواكب، ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، يقول: نجماً قد أرصد له يرمى به. رواه ابن مردويه (١). وقال ابن جريح في قوله: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا﴾ [الجن: ٩]، قال: من النجوم، ﴿رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]: من الملائكة. رواه ابن المنذر (٢). وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وآخرون عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: كان رسول الله ﷺ جالساً في نفر من أصحابه، فرمي بنجم، فاستنار، قال: "ما كُنتُمْ تَقُوْلُوْنَ إِذا كانَ مِثْلُ هَذا فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ؟ " قالوا: كنا نقول: يولد عظيم، أو يموت عظيم، قال: "فَإِنَّها لا يُرْمَىْ بِها لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا حَياتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنا إِذا قَضَىْ أَمْراً يَهِيْجُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ يُسَبِّحُ أَهْلُ السَّماءِ، فَيَقُوْلُ الَّذِيْنَ يَلُوْنَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: ما قالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُوْنَهُمْ، وَيُخْبِرُ أَهْلُ كُلِّ سَماءٍ سَماءً حَتَّىْ يَنتهِيَ الْخَبَرُ إِلَىْ هَذهِ السَّماءِ، وَيَخْطِفَ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيُرْمَوْنُ، فَما جاؤُوْا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُوْنَ وَيزِيْدُوْنَ فِيْهِ" (٣).

стр. 579

قال معمر: قلت للزهري (١): أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال معمر: قال: أرأيت: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٩]، قال: غُلِّظَت، وشدد أمرها حين بعث رسول الله ﷺ (٢). ١٣٢ - ومنها: تعظيم جلال الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأمره: روى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: أن النبي - صلى الله عليه - قال: "إِذا قُضِيَ الأَمْرُ فِيْ السَّماءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَىْ الصَّفْوانِ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ... "، الحديث (٣). وفي حديث خرجه أبو نصر السِّجْزِي في "الإبانة" عن عائشة رضي الله تعالى عنها [قالت: قال رسول الله ﷺ ] (٤): "فَإِذا أَرادَ ذُوْ الْعَرْشِ أَمْراً سَمِعْتِ الْمَلائِكَةُ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَىْ الصَّفا فَيُغْشَىْ عَلَيْهِمْ، فَإِذا قامُوْا: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] قالَ مَنْ شاءَ اللهُ:

стр. 580

﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] " (١). وروى الطَّبراني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ كِتابِ يُلْقَىْ بِمَضْيَعَةٍ مِنَ الأَرْضِ إِلاَّ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِ مَلائِكَةً يَحُفُّوْنَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، وُيقَدِّسُوْنَهُ حَتَّىْ يَبْعَثَ اللهُ إِلَيْهِ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيائِهِ يَرْفَعُهُ مِنَ الأَرْضِ، وَمَنْ رَفَعَ كِتاباً فِيْهِ اسْمٌ مِنْ أَسْماءِ اللهِ رَفَعَ اللهُ اسْمَهُ فِيْ عِلِّيِّيْنَ، وَخَفَّفَ عَنْ وَالِدَيْهِ الْعَذابَ وإِنْ كانا كافِرَيْنِ" (٢). ١٣٣ - ومنها: الحياء، وغض البصر: روى ابن أبي شيبة، عن الحسن بن عبيد الله قال: مررت إلى الحمام فرآني أبو صادق، فقال: معك إزارٌ؟ فإن عليا كان يقول: من كشف عورته أعرض عنه الملَك (٣). وروى عبد الرزاق عن عطاء قال: لا تشهدك الملائكة وأنت على الخلاء (٤). وعن مجاهد قال: يجتنب الملك الإنسان في موطنين: عند

стр. 581

غائطه، وعند جِماعِهِ. وروى البزار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَنْهاكُمْ عَنِ التَّعَرِّيْ؛ فَاسْتَحْيُوْا مِنْ مَلائِكَةِ اللهِ الَّذِيْنَ مَعَكُم، الْكِرامِ الْكاتِبِيْنَ الَّذِيْنَ لا يُفارِقُوْنكُمْ إِلاَّ عِنْدَ إِحْدَىْ ثلاثِ حاجاتٍ: الْغائِطِ، وَالْجَنابَةِ، وَالْغُسْلِ" (١). ١٣٤ - ومنها المبادرة إلى الطاعة: قال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٧]. * لَطِيْفَةٌ: روى أبو نعيم عن عكرمة قال: قال جبريل ﵇: إن ربي ليبعثني إلى شيء لأمضيه فأجد الكَونَ قد سبقني إليه (٢). أراد بالكون المشار إليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].

стр. 582

فإن قلت: إذا كان الكون سبق جبريل إلى ذلك الشيء، فما الحكمة في إرسال جبريل إليه؟ قلت: الحكمة فيه حصول جبريل ﵇ على ثواب الطاعة، وإظهار عجائب القدرة الإلهية له ليسبح الله تعالى ويمجده، ويعترف له بالقدر. ١٣٥ - ومنها: استدلال النفوس في طاعة الله، وعدم الاستكبار والاستنكاف عنها: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وروي أن أُويس القَرني رحمه الله تعالى قال: والله لأعبدن الله عبادة الملائكة، وكان ليلة يَقْطَعُها قائماً، وليلة يقطعها ساجداً (١). وفي ذلك إشارة إلى أن أولياء الله من بني آدم تَرَبَأُ هممُهم إلى التشبه بالملائكة، والاقتداء بهم، والتساوي معهم في الطَّاعات.

стр. 583

١٣٦ - ومنها: التبري من الحول والقوة في الطَّاعة وغيرها ، والاعتراف بالعجز عن القيام بحق الله تعالى وعدم الإعجاب بالطَّاعة، والنظر إليها: روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن سفيان، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن أبي عيسى شيخ قديم قال: إن ملكاً لما استوى الرب ﵎ على كرسيه سجد، فلم يرفع رأسه ولا يرفعه حتى تقوم الساعة، فيقول يوم القيامة: رب لم أعبدك حق عبادتك إلا أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ من دونك ولياً (١). وروى أبو نعيم عن صفوان بن سليم قال: ما نهض ملك من الأرض حتَى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله (٢). وأخرجه الديلمي من طريقه -مرفوعا - بسند ظريف تقدم (٣). وروى ابن منده في "الصَّحابة" عن جرير رضي الله تعالى عنه قال: خرجت إلى فارس فقلت: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فسمعني رجل فقال: ما هذا الكلام الذي لم أسمعه من أحد منذ سمعته من السماء؟ فقلت: ما أنت وخبر السماء؟ قال: إني كنت مع كسرى فأرسلني في بعض أموره، فخرجت ثم قدمت، فإذا شيطان خلفني في أهلي على

стр. 584

صورتي، فبدا لي، فقال: شارطني على أن يكون لي يوم ولك يوم وإلا أهلكتك، فرضيت بذلك، فصار جليسي يحادثني وأحادثه، فقال لي ذات يومٍ: إني ممن يسترق السمع والليلة نوبتي، قلت: فهل لك أن أختبئ معك؟ قال: نعم، فتهيأ، ثم أتاني، فقال: خذ بمعرفتي، وإياك أن تتركها فتهلك، فأخذت بمعرفته، فعرج حتى لمست السماء، فإذا قائل يقول: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فسقطوا بوجوههم، فسقطت، فرجعت إلى أهلي، فإذا أنا به يدخل بعد أيام، فجعلت أقول: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: فيذوب بذلك حتى يصير مثل الذباب، ثم قال لي: قد حفظتَه فانقطعْ عنَّا (١). ١٣٧ - ومنها: شدة التحرز عن المعصية، وفرط الانبعاث إلى الطاعة، وشدة المبادرة إلى الامتثال والاعتصام بالله تعالى: قال الله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. ١٣٨ - ومنها: التوبة، كما تقدم في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أنهم حين أعرض الله عنهم لقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] طافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك

стр. 585

لبيك، اعتذاراً إليك، لبيك لبيك، نستغفرك ونتوب إليك (١). والملائكة -وإن كانوا معصومين على أحد القولين - فإن لهم توبةً تليق بهم كما في توبة الأنبياء، واستغفارهم مع أنهم معصومون أيضا. وقد قال ذو النون وغيره من العارفين: حسنات الأبرار سيئات المقربين (٢). ولذلك خاطب الله تعالى جميع المؤمنين بالتوبة، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] مع أن هذا الخطاب شامل للمعصومين. وقال رسول الله ﷺ : "يا أَيُّها النَّاسُ! تُوْبُوْا إِلَىْ رَبِّكُمْ؛ فَوَاللهِ إِنِّي لأتُوْبُ إِلَىْ اللهِ فِيْ الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ". رواه أحمد، ومسلم (٣). قيل: توبته ﷺ من تنزله إلى أوطان الرخصة لأجل التشريع. أو من إقامته في طَور من أطوار الشريعة في نظرة، أو خطرة، أو

стр. 586

نحو ذلك دون الترقي في مدارج الكمال، وسائر الأطوار والأحوال. وقيل غير ذلك. وكذلك تنزل توبة الملائكة على ما يليق بهم، فقد يكون توبة الملك حذراً من تقصير بفرض في وقت من الأوقات أو مخالفة لما هو من شأنهم من المداومة على الطَّاعة من غير فتور. وقد روى الدينوري في "مجالسته" عن يوسف بن أسباط قال: سمعت الثوري يقول: بلغني أن الله تعالى يأمر الملك من الملائكة بالأمر فيقصر الطيران، فيقص جناحه، فلا يصعد إلى السَّماء إلى يوم القيامة (١). وقد تكون توبة الملائكة من رؤية النفس، أو من سؤال عن وجه الحكمة كما في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ﴾ [البقرة: ٣٠]. روى ابن جرير عن الحسن، وقتادة رحمهما الله تعالى قالا: لما أخذ الله في خلق آدم همست الملائكة فيما بينها، فقالوا: لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه، فلما خلقه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيراً منه فنحن أعلم منه لأنا كنا قبله، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١]، فعُلِّمَ اسم كل شيء، [و] جعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضوا عليه أمة أمة، ثم عرضهم على الملائكة فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 587

صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، ففزعوا إلى التوبة فقالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] الآية (١). ١٣٩ - ومنها: شدة الخوف من الله تعالى مع أنهم على قدم الاستقامة كما يظهر لك من هذه الآية: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٥٠] إذا جعلت الواو في قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ واو الحال؛ أي: يخافون ربهم خوف العبد الذليل المفتقر من الرَّب العظيم المقتدر، كما يفهم من قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ إذ هي فوقية العظمة والاقتدار؛ أي: هذا شأنهم، والحال أنهم يفعلون ما يؤمرون بفعله على حد المبادرة إلى الامتثال، وعدم التأخر والتأمل بدليل أنه قال: ﴿مَا يُؤْمَرُونَ﴾ , ولم يقل: ما أمروا، فخوف الملائكة مع الاستقامة والجد في الطَّاعة لا مع الانحراف والتقصير؛ ولذلك يقولون لأهل الإيمان والاستقامة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١]؛ فالحالة الجامعة بين الملائكة وبينهم هي الإيمان والاستقامة، وهي سبب الولاية التي بينهم. وقد أثنى الله تعالى على من تشبه بالملائكة في هذه الخصلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].

стр. 588

وروى الحاكم وصححه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: يا رسول الله! قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أهو الرجل يزني، ويسرق، ويشرب الخمر وهو مع ذلك يخاف الله ؟ قال: "لا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُوْمُ، وَيُصَلِّيْ، وَيَتَصَدَّق وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخافُ اللهَ " (١). وأما الأحاديث، والآثار الواردة في خوف الملائكة ﵈ فكثيرة نذكر منها نبذة هنا. روى ابن عساكر في "تاريخه" عن عليِّ رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ما شِئْتُ أَنْ أَرَىْ جِبْرِيْلَ ﵇ مُتَعَلِّقاً بِأَسْتارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُوْلُ: يا واحِدُ! يا ماجِدُ! لا تُزِلْ عَنِّيْ نِعْمَةً أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ، إِلاَّ رَأَيْتُهُ" (٢). وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب "الصَّلاة"، والبيهقي في "الدلائل" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ وَجِبْرِيْلُ بِالْمَلأِ الأَعْلَىْ كَالْحِلْسِ الْبالِيْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ" (٣).

стр. 589

والحلس هو: الكساء الذي يلقى على ظهر البعير مما يلي ظهره. وروى أبو الشيخ الأصبهاني عن ابن عباس لهما قال: إن جبريل ﵇ يوم القيامة لَقائمٌ بين يدي الجبار ترتعد فرائصه فَرَقاً من عقاب الله (١)؛ أي: خوفاً منه. وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدُّنيا بسند جيد، عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه - سأل جبريل ﵇: "ما لِيَ لا أَرَىْ مِيْكائِيْلَ يَضْحَكُ؟ " فقال جبريل: "ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار" (٢).

стр. 590

وروى البيهقي مثل ذلك في حق إسرافيل ﵇ (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الخائفين" عن رباح بن زيد رحمه الله تعالى: أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: " ... ما لَكَ لا تَأْتِيْنِيْ إِلاَّ وَأَنْتَ صارٌّ بَيْنَ عَيْنَيْكَ؟ " قال: "إني لم أضحك منذ خلقت النار" (٢). وروى "فيه" عنه، عن أبي فضالة، عن أشياخه قال: إن لله تعالى ملائكة لم يضحك أحدهم منذ خلقت النار مخافة أن يغضب الله عليهم فيعذبهم (٣). وروى "فيه" عن بكر العابد قال: قلت لجليس لابن أبي ليلى - يعني: أبا الحسن -: أتضحك الملائكة؟ قال: ما ضحك مَنْ دُوْنَ العرش منذ خلقت جهنم (٤). وروى "فيه" عن محمد بن المُنْكَدر قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها، فلما خُلِقت بنو آدم عادت (٥). وروى أبو نعيم عن طاوس رحمه الله تعالى قال: لما خلقت النار

стр. 591

طارت أفئدة الملائكة، فلما خلق آدم ﵇ سكنت (١). وقال الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد": أخبرنا عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، قال: إن من دعاء الملائكة ﵈: اللهم ما لم تبلغه قلوبنا من خشيتك يوم نقمتك من أعدائك فاغفره لنا، أو نحو ذلك (٢). وروى الدِّينوري في "المجالسة" عن شعيب بن سليمان قال: أتى ذو القرنين مغرب الشمس، فرأى ملكا من الملائكة كأنه يترجح في أرجوحة من خوف الله تعالى فهاله ذلك، فقال له: علمني علماً لعلي أزداد إيمانا، قال: إنك لا تطيق ذلك، قال: لعل الله أن يُطَوِّقَنِي ذلك، فقال له الملك: لا تغتم لغدٍ، واعمل في اليوم لغد، وإذا آتاك الله من الدنيا سلطاناً فلا تفرح به، وإذا صرفه عنك فلا تأسَ عليه، وكن حسن الظن بالله، وضع يدك على قلبك، فما أحببت أن تصنع لنفسك فاصنع بأخيك، ولا تغضب؛ فإن الشيطان أغضب ما يكون على ابن آدم حين يغضب، فَرُدَّ الغضب بالكظم، وسكِّنه بالتؤدة، وإياك والعجلة؛ فإنك إذا عجلت أخطأت، وكن سهلاً لينا للقريب والبعيد، ولا تكن جباراً عنيداً (٣).

стр. 592

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ «وهو كتابٌ فرِيدٌ فِي بَابهِ يشتَمل على بَيَان مَا يتشبَّهُ بهِ المسلمُ وَمَا لَا يتشبَّهُ بهِ» تَألِيف العَلَّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ الغزِّيِّ محمَّدِ بْنِ محمَّدِ العَامِريِّ القُرَشِيِّ الغَزيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعيِّ المولُودِ بِدِمَشق سَنَة ٩٧٧ هـ، وَالمتَوفَّى بِهَا سَنَة ١٠٦١ هـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى تَحقِيقَ وَدِرَاسَة لَجْنَة مختصَّة منَ المحققينَ بِإِشْرَافِ نُورِ الدِّين طَالِب المُجَلَّد الثَّاني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 593

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 594

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ (٢)

стр. 595

جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٧ - ٨٤ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤَسَّسَة دَار النَّوادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللِّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِرِ الكُوَيْتِيَّةِ ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com - info@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م - نُورُ الدِّين طَالِب - المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنْفِيذِي

стр. 596

تَابِع (١) باب التَّشَبُّه بِالمَلاَئِكَةِ عَلَيْهِم السَّلَام

стр. 597

تَابِع (١) بَابُ التَشَبُّه بِالمَلاَئِكَةِ ﵈ ومن أخلاق الملائكة ﵈: ١٤٠ - البكاء من خشية الله تعالى: روى أبو الشيخ عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد قال: نظر الله تعالى إلى جبريل وميكائيل ﵉ وهما يبكيان، فقال الله تعالى: "ما يبكيكما وقد علمتما أني لا أجور؟ " فقالا: "يا رب! إنا لا نأمن مكرك"، قال: "هكذا فافعلا؛ فإنه لا يأمن مكري إلا كلُّ خاسر" (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الرقة والبكاء" عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ -قال: "إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةٌ تُرْعَدُ فَرائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَتِهِ، ما مِنْهُمْ مَلَكٌ يَقْطُرُ دَمْعَةً مِنْ عَيْنِهِ إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ اللهَ، قال: وَلِلَّهِ مَلائِكَةٌ سُجُوْدٌ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوْا رُؤُوْسَهُمْ، وَلا يَرْفَعُوْنَها إِلَىْ يَوْمِ الْقِيامَةِ، فَإِذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ تَجَلَّىْ لَهُمُ اللهُ فَنَظَرُوْا إِلَيْهِ تَبارَكَ

стр. 598

وَتَعالَىْ فَقالُوْا: سُبْحانَكَ! ما عَبَدْناكَ كَما يَنْبَغِيْ لَكَ" (١). وروى "فيه" عن زياد بن أبي حبيب قال: إن من حملة العرش من يسيل من عينيه أمثال الأنهار من البكاء، فإذا رفع رأسه قال: سبحانك! ما نخشاك حق خشيتك، قال الله : لكن الذين يحلفون باسمي كاذبين لا يعلمون ذلك (٢). وروى "فيه" عن أبي عِمْرانَ الجَوني قال: بلغنا أن جبريل ﵇ جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال له رسول الله ﷺ : "ما يُبْكِيْكَ؟ " قال: "أوما تبكي أنت يا محمد؟ ما جفت لي عين منذ خلق الله جهنم مخافة أغضبه فيلقيني فيها" (٣). وروي "فيه" عن يوسف بن يعقوب، ولقمان الحنفي قالا: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لَمَّا عُرِجَ بِيْ وَكُنْتُ فِيْ السَّماءِ الرَّابِعَةِ سَمِعْتُ دَوِيًّا، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيْلُ! ما هَذا الدَّوِيُّ الَّذِيْ أَسْمَعُ؟ قالَ: هَذا بُكاءُ الْكُرُوْبِيِّيْنَ عَلَى أَهْلِ الذُّنُوْبِ مِنْ أُمَّتِكَ" (٤).

стр. 599

وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "ما شَهِدَ الْمَلائِكَةُ مِنْ لَهْوِكُمْ إِلاَّ الرِّهانَ وَالنِّضالَ" (١). قال الأزهري، وغيره من أئمة اللغة: النضال: يقال في المسابقة في الرمي بالسهام، ونحوها (٢). الرهان: في المسابقة على الخيل، ونحوها (٣). والسباق: يقال فيهما (٤). وإنما لم يشهدوا اللهو لأنه يلهي ويضحك، وحالهم الخوف والبكاء -كما علمت -؛ وإنما يشهدون السباق لأنه يعين على الجهاد، ولا يلزم من شهودهم إياه أن يلهوا ويضحكوا. ١٤١ - ومنها: الخضوع، والخشوع: وهو في السمع والبصر كالخضوع في البدن، وأصلهما في القلب. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه - بَلَغَ النبيَّ ﷺ قال: "إِذا قُضِيَ الأَمْرُ فِيْ السَّماءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِها خُضْعانا لِقَوْلهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوانٍ" (٥).

стр. 600

والخضعان -بكسر الحاء المعجمة -: جمع خاضع. وبضمها: المصدر. وروى عبد بن حُميد عن مَيسرة قال: حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم قد حرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها (١). قلت: فيه إشارة إلى أن الخوف على قدر القرب، فكلما كان العبد من الله أقرب كان منه أخوف، وقرب المقربين منه قرب المكانة والإكرام، لا قرب المكان؛ فَافْهَم. ١٤٢ - ومنها: التلطُّف بأهل الشَّام، وإرادة الخير لهم، ودفع السوء عنهم: وهو معنى بسط أجنحة الملائكة عليها المشار إليه في حديث زيد ابن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ يوماً ونحن عنده: "طُوْبَىْ لِلشَّامِ؛ إِنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ باسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهِمْ". رواه الإمام أحمد، والترمذي وصححه هو، وابن حبان، والحاكم (٢).
следующие страницы →