← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

داود ﵉ لابنه: يا بني! إن أردت أن تغيظ عدوك فلا تبعد عصاك عن ابنك (١). وبيان ذلك أنك إذا قربت العصا من ابنك، وعرضتها عليه، وضربته بها، وأدبته حتى تأدب بآدابه وكماله [اغتاظ] عدوك؛ لأن عدو المرء يحب أن يرى فيه وفي ولده السوء، ويكره أن يراه، أو يرى ولده على حال التوفيق، ونعت الكمال. وذكر جار الله الزمخشري في "الفائق": أن النبي ﷺ خرج إلى طعام دعي له فإذا حسين رضي الله تعالى عنه يلعب مع صبية في السكك، فاستل رسول الله ﷺ أمام القوم، فبسط إحدى يديه، فطفق الغلام يفر هاهنا وهاهنا، ورسول الله ﷺ يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى في فأس رأسه، ثم أقنعه فقبله (٢). قال الزمخشري: الصبوة والصبية: جمع صبي، والواو هي القياس. واستل: تقدم ليأخذ. وفأس الرأس: طرف القمحدوة المشرف على القفا. وأقنعه: رفعه (٣).

стр. 5357

ولا بأس بالإغضاء عن الصبي في بعض الأحيان وهو في لهوه ولعبه، ولا تقام عليه حدود التأديب ولاء؛ لئلا ينفر طبعه عن التأدب، ويَسْأم من الخير. وقد روى أبو داود في "مراسيله" عن الزهري رحمه الله تعالى: أن النبي ﷺ قال: "رَوِّحُوا القُلُوبَ ساعَةً وَساعَةً" (١). وهذا في حق عموم الناس، فكيف بالصبي وضعف طبعه، وقلة احتياله؟ نعم، لا يُمَكَّن من لعبٍ فيه قمار، ولا من اللعب بالكلاب والقاذورات. وقد روى ابن أبي شيبة عن طاوس: أنه كان يكره القمار، ويقول: إنه من الميسر؛ حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب (٢). وعن ابن سيرين: أنه مر على غلمان يوم العيد وهم يلعبون بالمِرْبد، وهم يتقامرون بالجوز، فقال: يا غلمان! لا تقامروا؛ فإن القمار من الميسر (٣).

стр. 5358

وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "البر والصلة" عن إبراهيم - يعني النخعي - رحمه الله تعالى قال: كانوا يرخصون للصبيان في اللعب كله إلا في الكلاب (١). ومراده اللعب المباح. ومن السلف من كان يرى صيانة الولد عن اللعب مطلقًا. وروى ابن المبارك، وابن أبي شيبة عن بكر بن ماعز: أن الربيع ابن خُثيم رحمه الله تعالى أتته ابنة له فقالت: يا أبتاه! أذهب ألعب أبي؟ فسكت عنها، فلما أكثرت عليه قال له بعض جلسائه: لو أمرتها تذهب. قال: لا يكتب عليَّ اليوم أني أمرتها تلعب (٢). فانظر كيف تورع عن قوله لصغيرة لا حرج عليها: اذهبي العبي؛ لئلا يوجد ذلك في صحيفته. وأين هذا ممن يحمل الصبي على اللعب واللهو، وإطالة اليد واللسان إليه وإلى غيره؟ ومثل ذلك من الإفراط، ولا يليق. ومن ثم قال محمد بن المكندر رحمه الله تعالى: لا تمازح

стр. 5359

الصبيان فتهون عليهم، ويستخفوا بحقك. رواه أبو نعيم (١). وهذا لا يعارض ما سبق من استحباب الممازحة مع الفتيان؛ لأن ذلك محمول على القليل من ذلك، وعلى الصغار جداً الذين لا يخشى من ممازحتهم الجرأة والوقاحة بأن كانوا غير مميَّزين. وعليه يحمل ما رواه ابن أبي الدنيا في "المداراة"، وابن عساكر - وقال: إنه غريب جداً - عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا دخل عليه فرأى صبياً على ظهره وهو يحبو على أربع، فقال: يا أمير المؤمنين! إن الناس لو رأوك على هذه الحالة لازدروك. قال: اسكت؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ كانَ لَهُ صَبِيٌّ فَلْيتَصابَ لَهُ" (٢). وروى أبو يعلى: أن النبي ﷺ كان يدلع لسانه للحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما، فيرى الصغير لسانه، فيهش إليه (٣). وهذا ظاهر أن الحسين رضي الله تعالى عنه كان صغيراً جداً لا يدرك شيئًا أبلغ من البشاشة للسان.

стр. 5360

وروى ابن أبي الدنيا عن ابن أبي نجيح رحمه الله تعالى قال: كان الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما يركبان فوق ظهر رسول الله ﷺ ، ويقولان: حل حل. فقال النبي ﷺ : "نِعْمَ البَعِيْرُ بَعِيْرُكُما" (١). وروى أبو يعلى، وأبو حفص بن شاهين في "السنة" عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: رأيت الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما على عاتقي رسول الله ﷺ فقلت: نعم الفرس تحتكما. فقال رسول الله ﷺ : "وَنِعْمَ الفارِسانِ هُما" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن أبي جعفر رحمه الله تعالى قال: مرَّ رسول الله ﷺ بالحسن والحسين وهو حاملهما على مجلس من مجالس الأنصار، فقالوا: يا رسول الله! نعم المطيَّة. قال: "وَنعْمَ الرَّاكِبانِ" (٣). وعنه قال: اصطرع الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، فقال رسول الله ﷺ : "هِيْ حُسَيْنُ! "

стр. 5361

فقالت فاطمة رضي الله تعالى عنها: كأنه أحب؟ قال: "لا، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ يَقُولُ: هِي حُسَيْنُ! " (١). قلت: فيه دليل على أنه لا بأس بنصرة الصغير في مثل ذلك. وفي "الصحيح" من حديث أنس ﵁ رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ كان يقول لابن أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه: "يا أَبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُغَيْرُ؟ " (٢). ومحل ذلك كله فيمن هو دون سن التمييز، فأما بعد التمييز فقد أنكر رسول الله ﷺ على الحسن ﵁ أخذَه التمرة من الصدقة، وقال له: "كخ كخ! أَلْقِها" (٣) كما سبق. على أنه يحتمل أنه قال لأبي عمير ما قاله وهو مميز لأنه علم أن ذلك لا يضر. والقول الفصل في ذلك: أن ممازحة الصبي والتنزل لعقله إنما يترخص فيها حيث علم أنها لا تضره ولا تجرئه، بل إنما تروح خاطره وتستعطفه. ***

стр. 5362

فَصْلٌ يجوز ويحسن أن يتولى الإنسان تأديب ولده وتعليمه بنفسه، لكن إذا دفع ولده إلى مؤدب أو معلم غيره كان ذلك أنفع له، وأقرب إلى أن يخاف الصبي منه؛ لأنه لا يخاف من أبيه ما يخاف من المؤدب والمعلم، لأنه يَعْهَد من والده من المودة والشفقة والتنزل إلى عقله بخلاف المؤدب والمعلم. وقد روى أبو نعيم عن المزني قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: لولا أن الله تعالى أعان على عرامة الصبيان مخافة المؤدبين ما انكسرت (١). وليختر الإنسان لولده معلماً دَيِّناً، عفيفاً، صالحاً، ملازماً للصلاة في أول وقتها، وَقوراً لا يمازح الصبيان، ولا يحادثهم بغير التعليم؛ فإنهم يقتدون بأفعاله أكثر مما يستفيدون من أقواله. روى اللالكائي في "السنة" عن أيوب رحمه الله تعالى قال: إن

стр. 5363

من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى للعالم من أهل السنة (١). وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه لمؤدبِ أولاد الرشيد وقد التمس منه أن يوصيه، فأقبل عليه فقال له: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك؛ فإنَّ أعينَهم معقودة بعينك، فالحَسَن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تستقبحه، علِّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه، ولا تتركهم منه فيهجرونه، ثم رَوِّهم من الشعر أعَفَّهُ ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه؛ فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم. رواه أبو نعيم (٢). ومن اللطائف: ما رواه أيضًا عن شريح القاضي رحمه الله تعالى: أنه كان له ولد يدع الكتاب ويُهارش الكلاب، فدعا بقرطاس ودواة، وكتب إلى مؤدبه: [من الكامل] تَرَكَ الصَّلاةَ لأَكْلُبٍ يَسْعَى بِها ... طَلَبَ الْهراشَ مَعَ الغُواةِ الرُّجَّسِ فَإِذا أَتاكَ فَخُصَّهُ بِمَلامَةٍ ... وَعِظَنْهُ مَوْعِظَةَ الأَدِيبِ الأَكْيَسِ وَإِذا هَمَمْتَ بِضَرْبِهِ فِبِدِرَّةٍ ... وَإِذا ضَرَبْتَ بِها ثَلاثاً فَاحْبِسِ وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ ما أَتيَتَ فَنَفْسُهُ ... مَهْما يُجْرِ عَنَّي أَعَزُّ الأَنْفُسِ (٣)

стр. 5364

وروى الخطيب في كتاب "الزهد والرقائق" عن أبي العباس بن مسروق قال: أنشدني بعض الأصحاب: اجْعَلْ تِلادَكَ فِي الْمُهِمِّ ... مِنَ الأُمُورِ إِذا اقْتَرَب حَسَنَ التَّبَصُّرِ ما اسْتَطَعْـ ... ـتَ فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّبَب لا تَلْهُ عَنْ أَدَبِ الصَّغِيرِ ... وَإِنْ شَكا ألمَ التَّعَب وَدعِ الكَبِيرَ لِشَأْنِهِ ... كَبُرَ الكَبِيرُ عَنِ الأَدَب لا تَصْحَبِ النطفَ الْمُرِيبَ ... فَقُرْبُهُ إِحْدى الرِّيَب وَاعْلَمْ بِأَنَّ ذُنُوبَه ... تُعْدِي كَما يُعْدِي الْجَرَب (١) * فائِدَةٌ: روى ابن أبي الدنيا في كتاب "تعليم الصغار" عن عبد الله بن عيسى قال: لا تزال هذه الأمة بخير ما تعلَّمَ أولادُها القرآن (٢). وعن ثابت بن العجلان قال: إن الله ليريد بأهل الأرض العذاب، فإذا سمع أصوات الصبيان يتعلمون الحكمة فيرده عنهم. قال مروان بن محمد - أحد رواته -: الحكمة: القرآن (٣). ***

стр. 5365

فَصْلٌ ومتى راهق الصبي أو بلغ استقل بنفسه في التأدب بالآداب الشرعية، وطلب العلم على الشيوخ المرضية، ووضع كل شيء في محله، ولا يدع تعاهده الأب أو الولي في هذه الحالة، بل يراقبه، فإن بلغ صالحاً لدينه ودنياه كان رشيداً، فتصح معاملاته من البيع والشراء، والسَّلَم، والإجارة، وغير ذلك، وإذا بلغ فعلى وليه أن يعرِّفه، وعليه أن يتعرف أنه قد صار مكلفاً؛ أي: مخاطباً بالأحكام الشرعية، موعوداً بالثواب على طاعاته، والعتاب [أو العقاب] على مخالفاته، وفي هذه الحالة يكون شاباً يحسن منه التشبه بالكهول والشيوخ الكُمَّل، ويبلغ أشده، ويستوفي شبابه ببلوغ ثمان وعشرين سنة. وقال النووي في "شرح مسلم" في كتاب النكاح: الشاب عند أصحابنا هو من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة (١). وينتهي ببلوغ أربعين سنة، فينبغي أن يشغل نفسه بالطاعات من

стр. 5366

الصلاة والصيام، والحج، والعمرة، والتلاوة، وقيام الليل، وقضاء حوائج الناس - ولاسيما الضعفاء والشيوخ - وليكرم الأكابر وذوي الأسنان، ويوقرهم، ويرحم الأصاغير - ولاسيما الأيتام والمساكين والأرامل - ويحسن إليهم، وإلى الجيران والإخوان، وَيعْرِف لهم حقوقهم. روى الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أَكْرَمَ شابٌّ شَيْخاً لِسِنِّهِ إِلاَّ قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ" (١). وروى الدينوري عن الحسن رحمه الله تعالى قال: من أحسن عبادة ربه في شبيبته لقاه الله الحكمة عند كبر سنه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] (٢). وروى أبو نعيم عن شريح القاضي رحمه الله تعالى قال: حدثني البدريون - منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم -: أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ شابٍّ يَدَعُ لَذَّةَ الدُّنْيا وَشَهْوَتَها، وَيَسْتَقْبِلُ بِشَبابِهِ طاعَةَ اللهِ تَعالَى إِلاَّ أَعْطاهُ اللهُ أَجْرَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ صِدِّيقاً". ثم قال: "يَقُولُ اللهُ تَعالَى: يا أَيُّها الشَّابُّ التَّارِكُ شَهْوَتَهُ لِي! أَنْتَ

стр. 5367

عِنْدِي كَبَعْضِ مَلائِكَتِي" (١). وروى أبو بكر بن السني عن طلحة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يُباهِي بِالشَّابِّ العابِدِ الْمَلائِكَةَ؛ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي تَرَكَ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي". وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الله يُحِبُّ الشَّابَّ الَّذِي يُفْنِي شَبابَهُ فِي طاعَةِ اللهِ" (٢). وروى الإمام عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه عن عتبة بن عبد السلمي - وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: إن الشاب المؤمن لو أقسم على الله لأبره (٣). وعن مريح بن مسروق قال: ما من شاب يدع لذة الدنيا وشهوتها، ويعمل شبابه لله تعالى إلا أعطاه الله - والذي نفس مريح بيده - أجر اثنين وسبعين صديقاً (٤). وتقدم في رواية أبي نعيم موصولاً مرفوعًا، وقسم مريح لتحقق الحديث عنده.

стр. 5368

ثم روى ابن المبارك عن يزيد بن ميسرة قال: إن الله تعالى يقول: أيها الشاب التارك شهوته لي، المبتذل شبابه من أجلي! أنت عندي كبعض ملائكتي (١). وقد سبق في رواية أبي نعيم عن شريح نحوه، لكن هذا أتم. وقوله في هذه الرواية: المبتذل - بالذال المعجمة -: الذي يسمح بنفسه فيبذلها في الطاعة، أو الذي يمتهن نفسه في خدمة الله تعالى وطاعته. والبذلة: المهنة؛ من قولهم: ابتذلت الثوب، إذا لبسته في الخدمة ولم تصنه. وروى ابن أبي الدنيا عن حفصة رضي الله تعالى عنها: أن شابًا رأى في منامه أن شيخاً يمشي بين يديه، قال: فجعل يمشي بين يدي ولا ألحقه، قال: فالتفت إلي وقال: إني كنت سريعاً في الشباب. قال ابن أبي الدنيا: قلت لأزهر - يعني: ابن مروان -: ما يعني بذلك؟ قال: يقول: كنت سريعاً في العمل في الشباب. انتهى (٢). قلت: يحتمل هذا الكلام وجهين: أحدهما: أن من كان سريعاً إلى طاعة الله في شبابه حفظ الله

стр. 5369

تعالى عليه قوته، فلا يَهْرَم. ويؤيده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥ - ٦]. والثاني: أن العبد إذا كان مجتهداً في طاعة الله في شبابه أجرى الله تعالى عليه ثواب جَلَدِه وقوته حين يكون ضعيفًا عاجزاً، كما يجري عليه في مرضه وسفره ثوابُ ما كان يعمله من الصالحات في صحته وحضره. وهاتان فائدتان عظيمتان لطاعة الله تعالى في الشباب. ولهما فائدة أخرى عظيمة أيضًا: أن العبد إذا حفظ حق الله تعالى في شبابه، فقام بطاعته، وشكر نعمته، فلم يكفر بها بالمعصية، حفظ الله له حق شيخوخته، وقام بكفايته فيها، ولم يحوِجه إلى سؤال الناس والاستعانة بهم في شيء. روى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته"، والحافظ ابن عساكر في "تاريخه" عن أبي بكر الرازي: أن أبا بكر الكتاني رحمه الله تعالى نظر إلى شيخ أبيض الرأس واللحية يسأل، فقال: هذا رجل أضاع حق الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره (١). ***

стр. 5370

فَصْلٌ وإذا قصر الشاب في طاعة الله تعالى وهو صحيح قوي، فليتعرف أنه مسؤول عن شبابه وقوته وصحته، فينبغي أن يعد لهذا السؤال جواباً. روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَزُولُ قَدما ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيما أَفْناهُ، وَعَنْ شَبابِهِ فِيما أَبْلاهُ، وَعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيما أَنْفَقَهُ، وَماذا عَمِلَ فِيما عَلِمَ" (١). لكن ذكر أبو عبد الله بن حفيف الشيرازي في كتاب "المسائل" عن بعض أهل العلم: أنه ورد في الروايات أن من حج على قدميه لم يسأل يوم القيامة عن شبابه فيما أبلاه. وليعلم الشاب أنه من أوفر الناس نصيباً من نعمتي الصحة والفراغ المغبون فيهما كثير الناس كما في الحديث (٢) حيث كانتا

стр. 5371

محفوظتين عليه لأنهما في الشباب أمتن منهما، وأقوى فيما بعد الشباب؛ فإن صرفهما في الطاعة كان من أولى من يغبط بهما، وإن صرفهما فيما لا يجديه كان أغبن الناس فيهما. وأنشد البيهقي في "الشعب" في عقد الحديث المشار إليه لأبي عصمة محمد بن أحمد السجستاني: [من السريع] أَنْبَأَنا خَيَرُ بَنِي آدَمٍ ... وَما عَلى أَحْمَدَ إِلاَّ البَلاغْ النَّاسُ مَغْبُونونَ فِي نِعْمَةٍ ... صِحَّةِ أَبْدانِهِمُ وَالفَراغْ (١) فعلى الشاب أن يغتنم أيام الشباب والصحة والفراغ، فيصرفها في طاعة الله تعالى دون تُرَّهات الدنيا عملًا يقول ﷺ لرجل وهو يعظه: "اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وَغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ". صححه الحاكم من حديث ابن عباس على شرط الشيخين (٢).

стр. 5372

وروى الطبراني، والحاكم وصححه، وغيرهما، عن قبيصة بن جابر: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال له: يا قبيصة! إني أراك شاباً حديث السن، فصيح اللسان، فسيح الصدر، إنه قد يكون في الرجل سبعة أخلاق صالحة فيغلب خلقه السيئ أخلاقه الصالحة؛ فإياك وعثرات الشباب (١). وروى أبو محمد التكريتي في "معرفة النفس"، والديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "فَضْلُ الشَّابِّ العابِدِ الَّذِي تَعَبَّدَ فِي صِباهُ عَلى الشَّيْخِ الَّذِي تَعَبَّدَ بَعْدَما كَبُرَتْ سِنُّهُ كَفَضْلِ الْمُرْسَلِينَ عَلى سائِرِ النَّاسِ" (٢). ووجه التمثيل أن الشاب العابد في شبابه حفظ في شبابه من أوله كما عصم المرسلون من أول شبابهم. وروى أبو نعيم عن الفريابي قال: كان سفيان الثوري يصلي، ثم يلتفت إلى الشباب فيقول: إذا لم تصلوا اليوم فمتى (٣)؟ وعن أبي المَليح قال: قال لنا ميمون بن مهران رحمه الله تعالى ونحن حوله: يا معشر الشباب! قوتَكم احفظوها في شبابكم، ونشاطَكم في طاعة الله تعالى، يا معشر الشيوخ! حتى متى (٤)؟

стр. 5373

وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري عن الجنيد رحمه الله تعالى قال: سمعت السري رحمه الله تعالى يقول: يا معشر الشباب! جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصُروا كما قصرت. قال: وكان في ذلك الوقت لا تلحقه الشباب في العبادة (١). * فائِدَةٌ: روى المعافى بن زكريا في "الجليس والأنيس" عن المأمون أنه قال: ما أقبح اللجاجة للسلطان، وأقبحُ والله من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهم، وأقبحُ منه سخافة الفقهاء بالدين، وأقبحُ منه البخل بالأغنياء، والمزاح بالشيوخ، والكسل بالشباب، والجبن بالمقاتل (٢). ***

стр. 5374

فَصْلٌ وإذا حصلت من الشاب زلة فلا ينبغي له التمادي في الضلال، و [لا يقل]: بالخير التؤدة، بل يبادر إليها؛ فإنه قد يؤخذ على غرة فجأة، وليعتبر بمن يموت شابًا، فليس كل الأموات شيوخاً، بل أكثرهم غير الشيوخ، ولا شك أن من أهل النار شيوخاً وشباباً. وقد روى الدينوري في "المجالسة" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إذا سكن أهل النار في النار سمعت للنار قعقعة في العظام منهم، فنادت: ما لكم من شباب! ما كان أحسن وجوهكم! وما لكم من شيوخ! ما كان أجملكم! ما أحسن زرعكم لو كان لكم حاسد غيري (١). والتوبة - وإن كانت سبب محبة الله تعالى للعبد كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]- فإن توبة الشاب لها مزية على توبة غيره، وهي أحب إلى الله تعالى من توبة غيره، ولذلك وقع النص على توبته. فيما رواه أبو الشيخ في كتاب "الثواب" عن أنس رضي الله تعالى

стр. 5375

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الشَّابَّ التَّائِبَ" (١). ورواه الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" بلفظ: "ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ شابٍّ تائِبٍ" (٢). وروى أبو المظفر السمعاني في "أماليه" عن سلمان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى اللهِ تَعالَى مِنْ شابٍّ تائِبٍ، وَما مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضَ إِلَى اللهِ مِنْ شَيْخٍ مُقِيمٍ عَلى مَعاصِيهِ، وَما فِي الْحَسَناتِ حَسَنةٌ أَحَبَّ إِلَى اللهِ تَعالَى تُعْمَلُ فِي لَيْلَةِ جُمُعَةٍ أَوْ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَما فِي الذُّنوبِ ذَنْبٌ أَبْغَضَ إِلَى اللهِ تَعالَى مِنْ ذَنْبٍ يُعْمَلُ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ". وإذا كان للشاب مال يفصّل منه شيء يفضل عن كفايته وكفاية عياله وعن دينه، فينبغي أن يجود ويسخو به إفضالاً على الإخوان والجيران لأنه ادخار لهم، وصدقة على اليتامى والأرامل والمساكين؛ فإنه ذخيرة له في الآخرة. ويعوِّد نفسه مكارم الأخلاق، ومتى غلبت عليه حدة الشباب

стр. 5376

حسن منه التشبه بذوي الأسنان في رياضة الأخلاق، ويستحضر حينئذ الحديث: "خَيْرُ شَبابِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِكُهُولكُمْ" (١). وروى الحاكم في "تاريخه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "شابٌّ سَخِىٌّ حَسَنُ الْخُلُقِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ شَيْخٍ بَخِيلٍ عابِدٍ سَيِّئِ الْخُلُقِ" (٢). وينبغي للشاب إذا خوَّله الله تعالى في الأموال أن لا يبطر بها، ولا يغتر بكثرتها فيصرفها في الملاذِّ المحرمة، أو يسرف فيها فيندم عند الحاجة إليها في كبره أو قبل كبره، ويعرض على نفسه أنه مفارق لها، ويبقى ثوابها أو عقابها، فلا يسترسل في هوى نفسه من المآكل والمشارب، والملابس والمراكب، فربما ألهاه ذلك عن ذكر الله تعالى؛ وكفى بذلك خسراناً. وقد قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: كلُّ ما شغلك عن الله من أهل أو مال [أو ولد] فهو عليك شؤم (٣). وإذا ولي ولاية، أو صار له جاه أو سلطان فلا يحمله ذلك على الغرور والتسلط على أموال الناس، أو أعراضهم، أو نفوسهم، ويمنع نفسه مما تدعو إليه نفوس الشبان من ذوي الحداثة والشباب، وأهل

стр. 5377

الجاهات والوجاهات، ومن لباس الحرير، وافتراش الديباج، والركوب على مياثر الإِبْريسم، واستعمال آنية الذهب والفضة، وشرب الخمور، واتخاذ القَينات والقِيان، وغير ذلك مما تذهب لذته وتبقى تبعته؛ فإن هذه الأمور قد تكون سبباً لمحق الأعمار، وخراب الديار، وتعجيل الدمار، والسَّوْق إلى النار. ولقد قيل: [من البسيط] تَفْنَى اللَّذاذَةُ مِمَّنْ نالَ صَفْوَتَها ... يَوْماً (١) وَيَبْقَى عَلَيْهِ الإِثْمُ وَالعارُ (٢) وفي "تاريخ الخلفاء" للسيوطي، وغيره: عن يحيى الغَسَّاني قال: نظر سليمان بن عبد الملك في المرآة، فأعجبه شبابه وجماله، فقال: كان محمد ﷺ نبيًا، وكان أبو بكر صديقاً، وكان عمر فاروقاً، وكان عثمان حيياً، وكان معاوية حليماً، وكان يزيد صبوراً، وكان عبد الملك سائساً، وكان الوليد جباراً، وأنا الملك الشاب، فما دار عليه الشهر حتى مات (٣). فانظر كيف غر سليمان شبابه وسلطانه حتى ألحق نفسه في التمثيل بالنبي ﷺ وبخلفائه الراشدين، وأسقط اسم علي رضي الله تعالى عنهم منهم، ثم لوح لنفسه بطول المدة من حيث إنه في ريعان شبابه وفَورة سلطانه، وكان مماته أقرب شيء إلى ما تلفظ به.

стр. 5378

وأين هذا من يقظة عمر بن عبد العزيز في شبابه، واتصافه في سلطانه بالخوف من الله تعالى والاستقامة في نفسه، والعدالة في رعيته؟ ذكر الحافظ المزي في "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" عن صالح بن حسين (١) الصدئي الشامي الطبراني كاتب عمر بن عبد العزيز على الخراج والجند، وكان كتب ليزيد بن معاوية قال: ربما كلمت عمر بن عبد العزيز فيغضب، فأذكر ما في الكتاب: اتق غضب الملك الشاب، فلا أزال أرفق به حتى يذهب غضبه، فيقول لي بعد ذلك: ما يمنعك يا صالح ما ترى مني أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته؟ وقال عمر بن عبد العزيز: وجدنا صالح بن حسين كاسْمِهِ (٢). ولا ينبغي لمن وجد الشاب من أهله وهو أسن منه على غروره وبطره أن يخليه من رأيه ونظره، ويغفل عن نصيحته لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. ورأى طاوس رحمه الله تعالى فتية من قريش وهم يرفُلُون في مشيتهم، فقال: إنكم لتلبسون لبسة ما كان آباؤكم يلبسونها، وتمشون مشية ما يحسن الزفافون (٣) يمشونها. وقال ابن طاوس: قلت لأبي: إني أريد أن أتزوج فلانة.

стр. 5379

قال: اذهب فانظر إليها. قال: فذهبت فلبست من صالح ثيابي، وغسلت رأسي وادَّهنت، فلما رأى مني تلك الهيئة قال: اقعد ولا تذهب. رواهما أبو نعيم (١). وإنما منعه من الذهاب بعد ما أمره به لأنه لو ذهب في تلك الهيئة كانت هيئته غارَّة للمرأة وأوليائها لو رأوه في تلك الهيئة؛ إذ يظنون فيه فوق ما هو عليه؛ فانظر هذا الحذر، وتأمل هذا الورع! ***

стр. 5380

فَصْلٌ وينبغي للشاب أن يكون حريصاً على طلب العلم ولو ما يحتاج إليه فقط، وخصوصاً إذا قصَّر وليه في تعليمه في صغره، فإن طلب العلم يحتاج سلامة الطبيعة، وجَودة القريحة، وأكمل ما يكون ذلك في سن الشباب؛ فإن الشاب أخلى بالاً، وأصفى فكراً، وأفرغ قلباً. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما أوتي عالم علماً إلا وهو شاب (١). وليحذر كل الحذر طالب العلم في شبابه مما يطمس بصيرته، ويجمد قريحته، ويبدِّد فكره من الإكثار من الترفهات، وإيثار الدعات. وإياه، ثم إياه من استعمال ما يغمر عقله، ويفرق فكره من المسكرات والمصطلات؛ فإنها مصائب ابتلي بها أهل هذه الأعصار في سائر الأمصار، وهي تعجل للشاب الهرَم قبل الهرم، وتلحقه في

стр. 5381

صحته بأهل السقم بل بالعدم، وتمنعه من طلب العلم وفهمه، ولا اعتبار لما يزينه الشيطان اللعين لبعضهم من أن استعمال الكيف يشحذ الخواطر، وأن هذا محال وغلط وضلال. وهذه الأمور التي حذَّرنا منها هنا وفيما سبق هي التي شغلت كل الناس إلا أقل قليل في هذه الأزمنة عن طلب العلم، واستمالتهم إلى معاشرة أهل الجهل، ونشأ شبابهم على ما عليه كهولهم وشيوخهم، فكانوا جميعًا من الهالكين إلا غرباء منهم قليلين. وقد روى الإمام أبو الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري في كتاب "اعتقاد الشافعي" عن أبي عبد الله الفقيه المراغي: أنه أنشد للشافعي رضي الله تعالى عنه: [من البسيط] إِذا رَأَيْتَ شَبابَ الحَيِّ قَدْ نشَؤُوا ... لا يَنْقُلُونَ قِلالَ الحبْرِ وَالوَرقا وَلا تَراهُمْ لَدى الأَشْياخِ فِي حِلَقٍ ... يَعونَ مِنْ صالِحِ الأَخْبارِ ما اتَّسَقا فَدَعْهُمُ عَنْكَ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ هَمَجٌ ... قَدْ بُدِّلوا بِعُلُوِّ الْهِمَّةِ الْحَمَقا (١) وليعلم أنه متى أخر العلم والتعلم إلى وقت الكبر، وقد مثل النبي ﷺ من يتعلم في كبره كمن يكتب على الماء (٢)، ومحال أن يرتسم له على الماء خط، وكذلك بعد على الكبير أن يتعلم العلم.

стр. 5382

وروى الدينوري عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنه قال في قصصه: ما أشد فطام الكبير. وأنشد: [من الكامل] أَتُروْضُ غَرْسَكَ بَعْدَما كَبِرَتْ ... وَمِنَ العَناءِ رِياضَةُ الْهَرِمِ (١) وروى الرامهرمزي في كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" عن أبي إسحاق قال: كان يختلف شيخ معنا إلى مسروق رحمه الله تعالى، وكان يسأله عن الشيء فيخبره، فلا يفهم، فيقول له: أتدري ما مثلك؟ مثل بغل هَرِمٍ حَطِمٍ جَرِبٍ دفع إلى رائض. فقيل له: عليه الهملجة (٢). ومتى حصل الشاب رأس مال من العلم فلا يكتفي به ويمل من طلبه، ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]؟ ولا يبادر إذا ما وجد من نفسه قوة التعليم فيتصدر حتى يمرَّن على العلم، وتشهد له الأكابر. فقد سبق عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أن الحَدَث إذا تصدر فاته علمٌ كثير (٣).

стр. 5383

وقال بعض الحكماء: من طلب الرياسة قبل وقتها حُرِمها إذا جاء وقتُها. ومن أمثالهم: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وقال المروزي: كان المزي رحمه الله تعالى يقول: [قال الشافعي رحمه الله تعالى]: آفة المتعلم الملل، وقلة صبره على الدرس. وكان [أبو حامد] يقول: سبيل الحدث أن يدرس، وسبيل الشاب أن يتفهم، وسبيل الكهل أن يناظر، وسبيل الشيخ أن يعلم (١). وليستعن على طلب العلم بالتقوى والعمل بما يتعلمه أولًا فأولاً. قال الحسن كما تقدم: من أحسن عبادة الله في شبيبته لقَّاه الله الحكمةَ عند كبر سنه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] (٢). وروى ابن جهضم عن السري السَّقطي رحمه الله تعالى قال: يا معشر الشباب! اعملوا؛ فإن العمل في الشبيبة، ما يفوتني ورد فأقدر على إعادته (٣). وقلت: [من الرجز]

стр. 5384

احْرِصْ عَلى عُمْرِكَ أَنْ تُضَيِّعَهْ ... فِي غَيْرِ طاعَةٍ وَعِلْمٍ وَدَعَةْ ما فاتَ مِنْهُ لا يَعُودُ لا وَلا ... دامَتْ لِعَبْدٍ راحَةٌ وَلا دَعَةْ طُوبَى لِمَنْ يَغْتَنِمُ الوَقْتَ إِذا ... نالَ شَباباً وَفَراغاً وَسَعَةْ * تَنْبِيهٌ: من تأمل في نَشْءِ هذا الزمان يرى لهم من العقول والأفكار ما لم يكن يراه لمن قبلهم، فتراهم يتأنقون في مآكلهم ومشاربهم، وملابسهم، وسائر أحوالهم بحيث تراهم أقوى إبداعاً، وأبلغ اختراعاً، وأتم وضعاً، وأليق زياً، غير أن عقولهم مصروفة إلى أحكام دنياهم، وفي أمور عاجلتهم، وهم عن الآخرة غافلون، وعما ينفعهم أو يضرهم ثَمَّ معرضون. وعلى ذلك يحمل ما ورد من نقص الأحلام والعقول عند قيام الساعة، فعقول أكثر الناس أو كلِّهم إلا الشاذ النادر بالنسبة إلى أمور الآخرة عارية ذاهبة، وبالنسبة إلى أمور الدنيا حاضرة باهرة، بل ترى الأطفال يبدو فيهم من بواده الإدراك والتمييز ما يحير العقول، ويبهر الأبصار. وقد روى أبو نعيم عن الشعبي رحمه الله تعالى قال: رُزِق صبيان هذا الزمان من العقل ما نقص من أعمارهم (١).

стр. 5385

ومعناه أن الزمان كما تأخر نقصت أعمار أهليه، لكن الله تعالى عوضهم عما نقص من أعمارهم ما تراه يزيد في عقولهم حتى ترى الأطفال الصغار ينجم فيهم التمييز والإدراك قبل إِبَّانه من أسلافهم، ثم كما شبوا كانت الفطنة والذكاء أتم فيهم من ذوي أسنانهم من السلف، لكن ترى أكثر ذكاء الشبان في هذه الأزمان مصروفة إلى اللهو واللعب، وسائر أمور الدنيا، وما لا يجدي منها إلا من شذ منهم ممن وفقه الله تعالى، والموفق في هذه الأزمنة وإن كان عزيزاً قليلاً فإن ثوابه كثير جليل؛ إذ صح الحديث بأن للعامل في زمان الصبر أجر خمسين من السلف، وهذا الزمان هو زمان الصبر والقبض على الجمر (١)، صبيهم عارم، وشابهم ظالم صارم، وشيخهم جهول، لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، بل الآباء والأولياء يرضون ممن في حجرهم وولايتهم بما هم فيه، لا يرشدونهم إلى صرف عقولهم فيما ينفعهم في آخرتهم.

стр. 5386

وهنا انتهى ما تيسر لنا من بيان ما يحسن من الشاب أن يتشبه فيه بالكهول والشيوخ. ***

стр. 5387

فَصْلٌ في نَهْيِ الكُهُولِ والشُّيُوخِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالشُّبَّانِ وَالصِّبْيانِ فإذا بلغ العبد سن الكهولة، فالكهل كما في "القاموس": من وخطه الشيب؛ أي: من فشا فيه، أو استوى سواده وبياضه، أو من جاوز الثلاثين، أو أربعاً وثلاثين، أو (١) إحدى وخمسين (٢). وقيل: إذا بلغ أربعين فهو كهل؛ نقله الفيومي في "المصباح المنير" (٣). فلا ينبغي له التشبه بالشاب ومقتضياته التي أشرنا إليها. قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥].

стр. 5388

نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كما رواه أبو بكر ابن مردويه، وابن عساكر، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١). فانظر كيف أثنى الله تعالى عليه بما كان من خلقه ﵁؛ فإنه أسلم في هذا السن، وأسلم أبواه، فقال ما حكاه الله تعالى فيه، وطلب من الله سبحانه أن يوفقه ويلهمه الشكر على ما أنعم عليه وعلى والديه من نعمة الإسلام، وأن يوفقه للعمل بما يرضاه من الأعمال الصالحة، وأن يصلح له في ذريته، فأسلموا. ثم قال الله تعالى - مشيراً إلى من هذه أخلاقهم، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أولهم -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. فهذه وظيفة الكهل لأنه في سن كمل فيه عقله، وصفا فيه جوهره، ومن ثم بعث النبي ﷺ وأكثر النبيين على رأس الأربعين، وهو سن الكمال للصديقين والصالحين، فمن بلغ هذا السن وانحرف عن هذا السنن، فقد عاكس الحكمة، وخالف أهل الكمال، ودخل في سلك الضلال. ومن ثم جاء عن النبي ﷺ : "مَنْ أَتَى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ سَنَة فَلَمْ يَغْلِبْ

стр. 5389

خَيْرُهُ عَلى شَرِّهِ فَلْيَتَجَهَّزْ إِلَى النَّارِ". رواه أبو الفتح (١) الأزدي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق رحمه الله تعالى: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: [إذا] بلغتَ الأربعين، فخذ حذرك (٣). ويروى عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل ﵊ إلى النبي ﷺ فقال: إن الله تعالى أمر الحافظَين ﵉، فقال لهما: ارفقا بعبدي في حداثته، حتى إذا بلغ الأربعين فاحفظا وحقِّقا (٤). فأما إذا استقام على الطريقة الشرعية لتمام الأربعين فقد وافق الحكمة. أو من الحكمة أن يستوي في الْخُلُق من استوى خَلْقه. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ

стр. 5390

ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. قوله: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾؛ أي: ابتدأكم ضعفاء. وقال قتادة: من ضعف: من نطفة. وكأن معنى قول قتادة من ذات ضعف؛ إذ أصلها ماء مهين. وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾: الهرم، ﴿شَيْبَةً﴾: التعمر. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). ففي الآية إشارة إلى أن ضعف الإنسان الذي ابتدئ خلقه عليه يستصحبه ينتهي إلى قوة، وهي بلوغ الأشد بالإدراك، أو ببلوغ ثمان عشر سنة، أو ثمانية وعشرين سنة، أو ثلاثين على الأقوال في الأَشُدِّ. ثم قوته هذه تنتهي بعد استوائها ببلوغ ثلاثين سنة، أو أربعين إلى إحدى وخمسين على الخلاف أيضًا إلى ضعف، وهو الشيب والهرم. فسن الكهولة سن الكمال، فإذا لم يكمل فيه المرء في طريق آخرته فمتى يكون كماله؟ وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧].

стр. 5391

أَفردَ طفلاً على إرادة الجنس، أو على تأويل كل واحد منكم، واللام متعلقة بمحذوف تقديره: ثم يبقيكم بعد الإخراج لتبلغوا أشدكم؛ أي: يبقي من شاء منكم بدليل قوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل أن يكون شيخاً. قال: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾: الشاب والشيخ. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عن ربكم أنه يحييكم كما يميتكم؛ أي: ليجازيكم. قال: وهذه لأهل مكة؛ كانوا يكذبون بالبعث. رواه ابن المنذر (١). والمعنى: وليبلغ كل واحد منكم أجلاً له مسمى، فكل واحد منكم لا يتقدم أجله ولا يتجاوزه. وقال الشعبي: يثغر الغلام لسبع، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين، وينتهي عقله لثمان وعشرين، ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين. رواه ابن أبي حاتم (٢).

стр. 5392

وهذا الذي ذكره الشعبي حكم الغالب. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. بيَّن الله تعالى في هذه الآية تقلُّب الإنسان في أطواره وأحواله من نشأته إلى بعثته ليوقن بأنه مبعوث للحساب والجزاء، وبين فيها ما تنتهي إليه الشبيبة والشيخوخة المجملتان في الآيتين السابقتين، وهو الهرم والخرف، وإذا انتهى العبد إلى هذه النهاية فَقَدَ العلم والإحساس فضلاً عن القيام بحق العمل والطاعة، فالحزم ممن بلغ الأشد وتناهى في الكهولة أن يسعى في تدارك ما ينتفع به من ذلك قبل أن يحال بينه وبينه بالهرم والخرف، أو بالموت والوفاة. ولا يتشبه بالصبيان والشبان؛ فإن الصبا والشباب إن كانا نوماً أو جنوناً أو سكراً فينبغي أن تكون الكهولة والشبيبة يقظة وإفاقة وصحواً. وما أحسن قولَ العتبي الشاعر الأديب كما حكى ابن خلكان أن

стр. 5393

ابن قتيبة في "المعارف"، وابن المنجم في "التاريخ" (١) أورداه له: [من البسيط] لَمَّا رَأتنِي سُلَيْمى قاصِراً بَصَرِي ... عَنْها وَفِي الطَّرْفِ عَنْ أَمْثالِها زَوَرُ قالَتْ عَهِدْتُكَ مَجْنُوناً فَقُلْتُ لَها ... إِنَّ الشَّبابَ جُنونٌ بُرْؤُهُ الْكِبَرُ (٢) وفي الحديث المتقدم: "الشَّبابُ شُعْبةٌ مِنَ الْجُنونِ" (٣). من محاسن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد الجرجاني قاضي البصرة أحد أصحاب الإمام الشافعي ما أنشده له النووي (٤) في "طبقاته": [من الطويل] تَصَرَّمَ أَيَّامُ الشَّبِيبَةِ مِنْ عُمُرِي ... وَلَمْ أَشْفِ مِنْ أَطْرابِها لَوْعَةَ الصَّدْرِ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ رَيْعانِها وَطَرَ الصِّبَى ... لِكَثْرَةِ ما لاقَيْتُ مِنْ نُوَبِ الدَّهْرِ وَلَمْ أَدَّخِرْ حَمْداً يُخَلَّدُ ذِكْرُهُ ... عَلى الدَّهْرِ إِنَّ الْحَمْدَ مِنْ أَنْفَسِ الدُّخْرِ وَلا صالِحِ الأَعْمالِ قَدَّمْتُ راجِياً ... بِتَقْدِيْمِها قَبْلُ الْمَثُوبَةَ وَالأَجْرِ وَلَوْ كُنْتُ أَدْرِي كَيْفَ حالِيَ بَعْدَها ... لَهَوَّنْتُ ما أَلْقَى وَمَنْ لِي بِأَنْ أَدْرِي فَإِنْ يَكُ حالِيَ فِي الْمَشِيبِ عَلى الَّتِي ... عَهِدْتُ شَبابِيَ فَالْعَفاءُ عَلى عُمْرِي (٥)

стр. 5394

فأول شيء يطلب من الشيخ إذا أفاق من جنون الشباب وسكره أن يتوب إلى الله تعالى؛ فإن باب التوبة مفتوح لكل تائب ولو لشائب، وتقبل توبة العبد - وإن شاخ - إن لم يُغَرْغِر بروحه. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطاياكُمُ السَّماءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ لَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ" (١). وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ فِي النَّهارِ لِيتُوبَ مُسِيْءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها" (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم وصححه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وَعِزَّتكَ يا رَبِّ! لا أَزالُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أَرْواحُهُمْ فِي أَجْسادِهِمْ، فَقالَ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي وَجَلالِي! لا أَزالُ أَغْفِرُ لَهُمْ ما اسْتَغْفَرُنِي" (٣).

стр. 5395

ولا يُسَوف بالتوبة؛ فإن التسويف بالتوبة قبيح، ومن الشيخ أقبح. فقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأمل" عن بعض السلف أنه قال: إن أكثر صياح أهل النار من التسويف (١). وما أحسن قولَ عبد الله بن المعتز: [من الطويل] نسِيرُ إِلَى الآجالِ فِي كُلِّ ساعَةٍ ... وَأَيَّامُنا تُطْوَى وَهُنَّ مَراحِلُ وَلَمْ نَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا فَإِنَّهُ ... إِذا ما تَخَطَّتْهُ الأَمانِيُّ باطِلُ وَما أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبا ... فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ فِي الرَّأْسِ نازِلُ تَرَحَّلْ مِنَ الدُّنْيا بِزادٍ مِنَ التُّقَى ... فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلائِلُ (٢) وإذا تاب فليَدُم على التوبة، وليُقبل على الطاعة، ولا يتعبد على حرف ويتطوع على جهل، بل حيث فاتت منه أيام الشباب ولم يطلب العلم ولم يتعلم، فلا ينبغي أن ييأس من رَوح الله، وتشبُّه الشيوخ بالشبان مذموم إلا بالنشاط في الطاعة وطلب العلم؛ فإنه محمود. وروى البخاري في "تاريخه" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَطْلُبِ الْعِلْمَ صَغِيراً، فَطَلَبَهُ كَبِيراً، فَماتَ، ماتَ شَهِيْداً" (٣).
следующие страницы →