← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

أَفردَ طفلاً على إرادة الجنس، أو على تأويل كل واحد منكم، واللام متعلقة بمحذوف تقديره: ثم يبقيكم بعد الإخراج لتبلغوا أشدكم؛ أي: يبقي من شاء منكم بدليل قوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل أن يكون شيخاً. قال: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾: الشاب والشيخ. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عن ربكم أنه يحييكم كما يميتكم؛ أي: ليجازيكم. قال: وهذه لأهل مكة؛ كانوا يكذبون بالبعث. رواه ابن المنذر (١). والمعنى: وليبلغ كل واحد منكم أجلاً له مسمى، فكل واحد منكم لا يتقدم أجله ولا يتجاوزه. وقال الشعبي: يثغر الغلام لسبع، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين، وينتهي عقله لثمان وعشرين، ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين. رواه ابن أبي حاتم (٢).

стр. 5392

وهذا الذي ذكره الشعبي حكم الغالب. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. بيَّن الله تعالى في هذه الآية تقلُّب الإنسان في أطواره وأحواله من نشأته إلى بعثته ليوقن بأنه مبعوث للحساب والجزاء، وبين فيها ما تنتهي إليه الشبيبة والشيخوخة المجملتان في الآيتين السابقتين، وهو الهرم والخرف، وإذا انتهى العبد إلى هذه النهاية فَقَدَ العلم والإحساس فضلاً عن القيام بحق العمل والطاعة، فالحزم ممن بلغ الأشد وتناهى في الكهولة أن يسعى في تدارك ما ينتفع به من ذلك قبل أن يحال بينه وبينه بالهرم والخرف، أو بالموت والوفاة. ولا يتشبه بالصبيان والشبان؛ فإن الصبا والشباب إن كانا نوماً أو جنوناً أو سكراً فينبغي أن تكون الكهولة والشبيبة يقظة وإفاقة وصحواً. وما أحسن قولَ العتبي الشاعر الأديب كما حكى ابن خلكان أن

стр. 5393

ابن قتيبة في "المعارف"، وابن المنجم في "التاريخ" (١) أورداه له: [من البسيط] لَمَّا رَأتنِي سُلَيْمى قاصِراً بَصَرِي ... عَنْها وَفِي الطَّرْفِ عَنْ أَمْثالِها زَوَرُ قالَتْ عَهِدْتُكَ مَجْنُوناً فَقُلْتُ لَها ... إِنَّ الشَّبابَ جُنونٌ بُرْؤُهُ الْكِبَرُ (٢) وفي الحديث المتقدم: "الشَّبابُ شُعْبةٌ مِنَ الْجُنونِ" (٣). من محاسن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد الجرجاني قاضي البصرة أحد أصحاب الإمام الشافعي ما أنشده له النووي (٤) في "طبقاته": [من الطويل] تَصَرَّمَ أَيَّامُ الشَّبِيبَةِ مِنْ عُمُرِي ... وَلَمْ أَشْفِ مِنْ أَطْرابِها لَوْعَةَ الصَّدْرِ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ رَيْعانِها وَطَرَ الصِّبَى ... لِكَثْرَةِ ما لاقَيْتُ مِنْ نُوَبِ الدَّهْرِ وَلَمْ أَدَّخِرْ حَمْداً يُخَلَّدُ ذِكْرُهُ ... عَلى الدَّهْرِ إِنَّ الْحَمْدَ مِنْ أَنْفَسِ الدُّخْرِ وَلا صالِحِ الأَعْمالِ قَدَّمْتُ راجِياً ... بِتَقْدِيْمِها قَبْلُ الْمَثُوبَةَ وَالأَجْرِ وَلَوْ كُنْتُ أَدْرِي كَيْفَ حالِيَ بَعْدَها ... لَهَوَّنْتُ ما أَلْقَى وَمَنْ لِي بِأَنْ أَدْرِي فَإِنْ يَكُ حالِيَ فِي الْمَشِيبِ عَلى الَّتِي ... عَهِدْتُ شَبابِيَ فَالْعَفاءُ عَلى عُمْرِي (٥)

стр. 5394

فأول شيء يطلب من الشيخ إذا أفاق من جنون الشباب وسكره أن يتوب إلى الله تعالى؛ فإن باب التوبة مفتوح لكل تائب ولو لشائب، وتقبل توبة العبد - وإن شاخ - إن لم يُغَرْغِر بروحه. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطاياكُمُ السَّماءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ لَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ" (١). وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ فِي النَّهارِ لِيتُوبَ مُسِيْءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها" (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم وصححه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وَعِزَّتكَ يا رَبِّ! لا أَزالُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أَرْواحُهُمْ فِي أَجْسادِهِمْ، فَقالَ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي وَجَلالِي! لا أَزالُ أَغْفِرُ لَهُمْ ما اسْتَغْفَرُنِي" (٣).

стр. 5395

ولا يُسَوف بالتوبة؛ فإن التسويف بالتوبة قبيح، ومن الشيخ أقبح. فقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأمل" عن بعض السلف أنه قال: إن أكثر صياح أهل النار من التسويف (١). وما أحسن قولَ عبد الله بن المعتز: [من الطويل] نسِيرُ إِلَى الآجالِ فِي كُلِّ ساعَةٍ ... وَأَيَّامُنا تُطْوَى وَهُنَّ مَراحِلُ وَلَمْ نَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا فَإِنَّهُ ... إِذا ما تَخَطَّتْهُ الأَمانِيُّ باطِلُ وَما أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبا ... فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ فِي الرَّأْسِ نازِلُ تَرَحَّلْ مِنَ الدُّنْيا بِزادٍ مِنَ التُّقَى ... فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلائِلُ (٢) وإذا تاب فليَدُم على التوبة، وليُقبل على الطاعة، ولا يتعبد على حرف ويتطوع على جهل، بل حيث فاتت منه أيام الشباب ولم يطلب العلم ولم يتعلم، فلا ينبغي أن ييأس من رَوح الله، وتشبُّه الشيوخ بالشبان مذموم إلا بالنشاط في الطاعة وطلب العلم؛ فإنه محمود. وروى البخاري في "تاريخه" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَطْلُبِ الْعِلْمَ صَغِيراً، فَطَلَبَهُ كَبِيراً، فَماتَ، ماتَ شَهِيْداً" (٣).

стр. 5396

ولا يستحي من طلب العلم في الكبر حيث قصَّر في طلبه في الصغر. وحكي أن بعض الحكماء رأى شيخاً يحب النظر في العلم ويستحيي من طلبه، فقال: يا هذا! أتستحيي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله (١). وذكر أن إبراهيم (٢) بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في التفقه، فقال له: يا عم! ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين! شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر. فقال: لم لا تتعلم اليوم؟ فقال: أو يحسن لمثلي طلب العلم؟ قال: نعم، والله لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تعيش قانعاً بالجهل. قال: وإلى متى يحسن لي طلب العلم؟ قال: ما حسنت لكم الحياة (٣).

стр. 5397

ولا يخفى أن طلب العلم إذا كان يفيد فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى، والابتداء بالفضيلة فضيلة، كما قال أبو الحسن الماوردي (١). وروى الخطيب في "شرف أهل الحديث" عن أبي عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى قال: سئل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما عن الرجل يكون له ثمانون سنة يحسن يكتب الحديث؟ قال: إن كان يحسن أن يعيش (٢). وقوله: (يحسن) حَذَفَ منه حرف الاستفهام؛ يعني: أيحسن منه أن يكتب وقد بلغ الثمانين؟ فقال: إن كان يحسن أن يعيش كان من حسن عيشه أن يكتب؛ وأي عيشة أحسن من عيشة العلماء بأحاديث النبي ﷺ ؟ وروى الدينوري في "المجالسة" عن معاوية بن بجير قال: أوحى الله تعالى إلى داود النبي ﵇: يا داود! اتخذ نعلين من حديد، وعصا من حديد، واطلب العلم حتى تنخرق نعلاك وتتكسَّر عصاك (٣). وفي هذا إشارة إلى أن طلب العلم يحسن في الشبيبة وفي الشيبة، ويحسن من العالم كما يحسن من الجاهل بأن يزداد إلى

стр. 5398

عليه؛ فإن العلم لا نهاية له. وفي الحديث المتقدم: إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحال فهو شهيد (١). ومن ثم قال الإمام أحمد ﵁: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر. رواه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث"، وعبد الكريم السمعاني في "ذيل تاريخه" (٢). وروى أبو نعيم عن فَرقد إمام جامع البصرة قال: دخلوا على سفيان الثوري رحمه الله تعالى في مرضه الذي مات فيه، فحدثه رجل بحديث، فأعجبه، وضرب بيده إلى تحت فراشه، فأخرج ألواحاً له، فكتب ذلك الحديث، فقالوا له: على هذه الحالة منك؟ فقال: إنه حسن؛ إن بقيت فقد سمعت حسناً، وإن مت فقد كتبت حسناً (٣). وجرى نحو ذلك لأبي جعفر الطبري، فذكر المعافى بن زكريا في "الجليس والأنيس" الدعاء الذي أسنده إلى جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: يا سابق الفوت! ويا سامع الصوت! وكاسي العظام بعد الموت!

стр. 5399

ثم قال المعافى: وذكر لي بعض بني الفرات عن رجل منهم، أو من غيرهم: أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري قبيل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقل منها، فذكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى بمحبرة وصحيفة، فكتبها، فقيل له: أوفي هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى يموت (١). وروى الخطيب عن ابن المبارك رحمه الله تعالى أنه قيل له: إلى كم تكتب الحديث؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد (٢). ولو لم يستفد الشيخ من التعلم إلا التخلص من وصمة الجهل وعاره، فإنه لا يذم شيخ جاهل بأقبح من جهله. ولقد قدمنا قول عروة بن الزبير: ماذا أقبحُ من شيخ جاهل (٣)؟ وروى الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" - واللفظ له - والطبراني في "الأوسط" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ ثَلاثةً: الْغَنِيَّ الظَّلُومَ، وَالشَّيْخَ الْجَهُولَ، وَالعالِمَ الزَّهُوَّ الْمُحْتالَ" (٤).

стр. 5400

وروى ابن السني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "قَلْبٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنَ الْحِكْمَةِ كَبَيتٍ خَرِبٍ، فتعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا، وَتَفَقَّهُوا، وَلا تَمُوتُوا جُهَّالاً؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَعْذُرُ عَلى الْجَهْلِ" (١). وروى الرامهرمزي، والخطيب من طريق أبي صالح الطرسوسي عن أبي جعفر محمد بن محمد بن عقبة الشيباني: ثنا معروف بن حاتم البزار المقرئ: سمعت غنام بن علي: سمعت الأعمش يقول: إذا رأيت الشيخ لم يقرأ القرآن، ولم يكتب الحديث، فاصفح له (٢)؛ فإنه من شيوخ القراة (٣). قال أبو صالح: قلت لأبي جعفر: ما شيوخ القراة؟ قال: شيوخ مقريون (٤) يجتمعون في ليالي القمر يتذاكرون أيام الناس، ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة (٥).

стр. 5401

وروى الرامهرمزي عن محمد بن عبيد قال: جاء رجل وافر اللحية إلى الأعمش يسأله عن مسألة من مسائل الصلاة يحفظها الصبيان، فالتفت إلينا الأعمش فقال: انظروا لحيته؛ يحتمل حفظ أربعة آلاف حديث، ومسألته مسألة الصبيان (١). وروى الخطيب عن سفيان رحمه الله تعالى: أنه كان إذا رأى شيخاً لم يكتب الحديث قال: لا جزاك الله عن الإسلام خيراً (٢). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الفرج"، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه، والبيهقي عنه، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ تَعالَى؛ فَإِنَّ لِلَّهِ تَعالَى نَفَحاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَاسْأَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْراتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعاتِكُمْ" (٣).

стр. 5402

فإذا لم يطلب العبد الخير والعلم من أفضل الخير في كل دهره فلا ينبغي أن يفوته في شيبته وعند انتهاء أجله؛ فإن الأعمال بالخواتيم. - ومن أحسن أخلاق الشيوخ، وأهم ما يطلب منهم: رقة القلب، ورحمة الخلق لأنهم أحوج الناس إلى رحمة الله تعالى؛ فإنهم أقرب إلى الموت، و"إِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ"، كما في "الصحيحين" عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما (١)، فإذا غلبت الشفقة والرحمة على الشيخ مع الإيمان كانت دليل رحمة الله تعالى، وإذا غلبت القسوة على الشيخ كانت دليل سخط الله تعالى. ومن ثم كان يقال: خمس خصال هن أقبح شيء فيمن بن فيه: العدة في السلطان، والكبر في ذي الحسب، والبخل في الغني، والحرص في العالم، والقسوة في الشيخ. وثلاث أحسن شيء فيمن بن فيه: تؤدة في غير ذل، وجود بغير ثواب، ونَصَب لغير الدنيا. رواه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب" عن زيد الكوفي، عن رجل من أهل العلم (٢). * تَنْبِيهٌ: إذا رزق العبد التوفيق في صغره وشبابه فليستعذ بالله أن يمكر به

стр. 5403

في آخر عمره؛ فَـ: "إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصابعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُها كَيْفَ يَشاءُ" (١) كما في الحديث. واتفق لبعضهم أنه ابتلي بهذه المحنة، فانشد: [من الطويل] أَطَعْتُ الْهَوَى عَكْسَ القَضِيَّهِ لَيْتَنِي ... خُلِقْتُ كَبِيراً وَانْقَلَبْتُ إِلَى الصِّغَرْ ومن هنا تفهم معنى ما رواه الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن [ ... ] (٢) قال: رأى أبو هريرة ﵁ شباباً يتنسكون فقال: ليت الموت ذهب بهؤلاء؛ يعني: قبل أن يفتتنوا بالدنيا. وقد قدمنا ما رواه ابن أبي الدنيا في "الحذر" عن راشد بن سعد رحمه الله تعالى قال: نظر عيسى بن مريم ﵉ إلى غلام لم يدرك قد نَحَلَ جسمه، قال: ما الذي صيرك إلى ما أرى؟ قال: والله ما بي من السقم، ولكني أخاف أن أكبر فأعصي الله (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود ﵉: ما أقبحَ الفقرَ بعد الغنى، وأقبحَ الخطيئةَ مع المسكنة، وأقبحُ من ذلك كله رجلٌ كان عابداً فترك عبادة ربه (٤).

стр. 5404

وقلت في معناه: [من السريع] ما أَقْبَحَ الفَقْرَ عُقَيْبَ الْغِنَى ... وَأَقْبَحَ الذَّنْبَ مَعَ الْمَسْكَنَةْ أَقْبَحُ مِنْ هَذا وَذا مَنْ نَشا ... فِي طاعَةٍ ثُمَّ عَصَى دَيْدَنَهْ ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب: ما رواه أبو نعيم عن مجاهد، وابن عياش: أن الشعبي كانت أخته عند أعشى همدان، وكانت أخت أعشى همدان عند الشعبي. [فقال الأعشى]: يا أبا عمرو! رأيت كأني دخلت بيتاً فيه حنطة وشعير، فقبضت بيميني حنطة، وبيساري شعير، ثم خرجت فنظرت، فإذا في يميني شعير، وإذا في يساري حنطة. فقال: لئن صدقت رؤياك لتستبدل بالقرآن الشعر. فقال الأعشى الشعر بعد ما كبر، وكان قبل ذلك إمام الحي ومقرئهم (١)؛ نعوذ بالله من تحول النعمة! وروى أبو نعيم أيضًا عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: أنه سئل: ما علامة الخذلان؟ قال: أن يستقبح الرجل ما كان يستحسن، ويستحسن ما كان قبيحاً (٢).

стр. 5405

أشار إلى أن العبد إذا كان في شبابه يحذر من محرم أو مكروه، ثم صار في شيخوخته يترخص فيه، فهو مخذول ممكور به؛ والعياذ بالله تعالى! فينبغي للعبد كلما كبر أن يترقب أحواله وأفعاله، وليجتهد أن يكون كلها على السداد، وفي الترقي ليكون من خيار الناس، ويسأل ربه التوفيق لذلك في كل وقت. روح الإمام أحمد في "الزهد" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: قال داود ﵇: يا رب! طال عمري، وكبرت سني، وضعف ركني. فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! طوبى لمن طال عمره وحسن عمله (١). وفي "المسند" بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه", والبيهقي في "الشعب" من حديثه، والحاكم وصححه، من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أُنبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟ " قالوا: نعم. قال: "خِيارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْماراً وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمالاً" (٢).

стр. 5406

وفي رواية عن أبي هريرة عن قوله: "وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمالاً"، "وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلاقاً". رواهما الإمام أحمد، والبزار (١). وروى الترمذي، والحاكم وصححاه، والطبراني بإسناد صحيح، عن أبي بكرة ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ". قال: فأي الناس شر؟ قال: "مَنْ طالَ عُمُرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ" (٢). وروى أبو يعلى بإسناد حسن، عن [أنس ﵁] (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْماراً إِذا سُدِّدُوا" (٤). ومن علامة التوفيق للعبد، وإرادة الخير به عند كبره، وسداد أمره ومرمة (٥) حاله: نشاطُه في الطاعة، وأن يخف جسمه ويرق عظمه. وعلامة ذلك نورانية الوجه، وصحة الذهن، وجودة الرأي، وأكثر ما يكون ذلك لمن حفظ الله وأطاعه في شبابه.

стр. 5407

والذي رأيته واستقريته طول عمري، ولا أراه إلا كذلك أبدًا أنه ما صان ذو جمال جماله، ولا ذو مال ماله، ولا ذو نعمة نعمته في شبابهم، إلا حفظ الله تعالى عليهم ما أنعم به عليهم في كبرهم وشيخوختهم، ولا فرط ذو جمال في حفظ جماله حتى امتهن جماله بالفسق والفاحشة إلا أجرم في كبره، وأظلم وجهه، وقبحت هيئته، ولا ذو مال في حفظ ماله بمنع زكاته والحقوق الشرعية عليه فيه إلا سلبه آخراً، أو كان سبباً لنزول البلاء عليه بسببه ورؤيته الآفات فيه، وكذلك سائر النعم. ولقد صدق عمر رضي الله تعالى عنه في قوله: من اتقى الله وَقَاه؛ كما رواه ابن أبي الدنيا، وغيره (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي حازم رحمه الله تعالى قال: قالت أم الدرداء لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما: يجيء الشيخ فيصلي، ويجيء الشاب فلا يصلي. فقال أبو الدرداء: كُلٌّ في ثواب أُعِدَّ له (٢). فينبغي لمن حصل منه تقصير وتفريط في أوائل عمره أن لا يفرط في أواخره وبقيته؛ إذ لا قيمة لما بقي من عمره كما قيل: [من البسيط] بَقِيَّةُ العُمْرِ عِنْدِي ما لَها ثَمَنُ ... وَإِنْ مَضى غَيْر مَحْمُودٍ مِنَ الزَّمَنِ يَسْتَدْرِكُ الْمَرْءُ فِيها ما أَفاتَ ويُحْـ ... ـيِي ما أَماتَ وَيَمْحُو السُّوْءَ [بالحسنِ] (*) (٣)

стр. 5408

ولقد أحسن الشيخ شهاب الدين الأذرعي في قوله رحمه الله تعالى: [من مجزوء الكامل المرفل] كَيْفَ النَّجاةُ وَهِمَّتِي ... فِي اللَّهْوِ وَالتَّقْصِيرِ دابِي لا أَرْعَوِي بِزَواجِرٍ ... نَطَقَتْ بِها آيُ الْكِتابِ قَدْ صِرْتُ فِي السِّتِّينَ فِي ... مَيادِينِ التَّصابِي (١) شِبْهَ ابْنِ عِشْرِينَ غَدا ... نَشْوانَ مِنْ سُكْرِ الشَّبابِ قَدْ آنَ لِي أَنْ أَسْتَعِدَّ ... لِيَوْمِ عَرْضٍ وَالْمَآبِ وَأَجِدَّ فِي الْعَمَلِ الرَّبيِـ ... ـحِ وَحُسْنِ تَصْحِيحِ الْمَتابِ فَعَسى الكَرِيمُ يَجُودُ لِي ... بِالْعَفْوِ عَنْ سُوءِ اكْتِسابِي يا خَجْلَتا يا حَسْرَتا ... إِنْ ناقَشُونِي فِي الْحِسابِ وَبَدَتْ خَفِيَّاتُ الأُمُو ... رِ وَطالَبُونِي بِالْجَوابِ يا رَبِّ بِالْهادِي البَشِيرِ ... وَصَحْبِهِ خَيْرِ الصَّحابِ ثَبِّتْ عُبَيْدَكَ أَنْ يَزِلَّ ... هُناكَ عَنْ نَهْجِ الصَّوابِ وَاسْتُرْ صَحائِفَ عَيْبِهِ ... عَنْ نَشْرِها يَوْمَ الْحِسابِ ولنختم هذا الفصل بما رواه ابن أبي الدنيا في "الأمل", وابن حبان في "الثقات"، وأبو نعيم عن أبي عبيدة الناجي قال: دخلنا على

стр. 5409

الحسن - يعني: البصري - في مرضه الذي مات فيه فقال: مرحباً بكم وأهلاً، وحياكم الله بالسلام، وأدخلنا وإياكم دار المقام، هذه علانية حسنة، إن صبرتم وصدقتم وأيقنتم، فلا يكن حظكم من هذا الخبر أن تسمعوه بهذه الأذن، وتُخرجوه من هذه الأذن؛ فإنه من رأى مُحمَّد ﷺ فقد رآه غادياً ورائحاً، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له عَلَم فشمَّر إليه، الوَحَاءَ الوَحَاءَ! النَّجَاءَ النَّجَاءَ! على ما تُعَرِّجُون؟ أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معًا، رحم الله عبداً جعل العيش عيشاً واحدًا، وأكل كسرة، وألبس خلقاً، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك (١). * تَتِمَّةٌ: قال الحافظ أبو الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي في "المقاصد الحسنة": روينا في "جزء أبي حامد (٢) الحضرمي" من حديث الأعمش عن إبراهيم قال: كان يعجبهم أن يكون للشاب صبوة (٣).

стр. 5410

قلت: ليس المفتى فيه أن المعصية أو المكروه كان يعجبهم في نفسه من الشاب، ولا أنهم كانوا يرضون منه بذلك، وحاشا لله لا يكون ذلك منهم، ولكن المعنى فيه أمران: الأول: أنهم كانوا يخافون على الشاب إذا كان محفوظًا من كل صبوة، كاملًا من كل وجه أن يعجب بنفسه ويستبد من رأيه، وما أقرب الشاب إلى ذلك فيهلك، فالصبوة تطأ من مَنِّه وتكسر نفسه. ومن هنا ينبغي للشاب إذا كان موفقًا أن لا يزدري غيره لتقصيره عنه، وبذلك يتم توفيقه، ويكمل سواده، بل ينبغي أبدًا أن يرى غيره أكمل منه، ويقيم له العذر في مخالفته، ويتهم نفسه. كما روى الإمام أحمد، وأبو نعيم عن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى: أنه كان إذا رأى شيخاً قال: هذا خير مني، عبد الله قبلي، وإذا رأى شاباً قال: هذا خير مني، ارتكبت من الذنوب أكثر مما ارتكب. وكان بكر يأمر أصحابه بذلك (١). والأمر الثاني: أنهم كانوا يخافون على الشاب إن لم يكن له صبوة من العين؛ فإن العين حقٌّ، كما في الحديث الصحيح (٢).

стр. 5411

وبلغني عن الحافظ أبي الفضل ابن حجر العسقلاني: أنه كان يقول عن تلميذه الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون: ما رأيت في شباب هذا العصر مثله قط، وما رأيت فيه خصلة تدفع عنه العين، فمات الشيخ نجم الدين شاباً بعدما ألف مؤلفاته التي تقف دونها فحولُ الرجال. وينبغي لمن كان له ولد ونحوه فيه مَخَايل الخير والكمال أن يعوِّذه بكلمات الله تعالى التامة، أو يقول عليه: ما شاء الله لا قوة إلا بالله؛ فقد روى البخاري، وأصحاب السنن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وعن أبويهما: "أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ وَهَامَّةٍ، وَكُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ". ثم يقول: "كانَ أَبُوكُمْ إِبْراهِيْمُ ﵇ يُعَوِّذُ بِهِما إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ﵉" (١). وروى أبو يعلى، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أَنْعَمَ اللهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً فِي أَهْلِهِ أَوْ مالِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، إِلاَّ دَفَعَ اللهُ تَعالَى عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتَّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ"، وقرأ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ

стр. 5412

مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] (١). ثم إذا كان الشاب على خلاف ما ذكرناه كالانهماك في الشهوات والإقبال على المعصية، فلا ينبغي أن يقطع باليأس من صلاحه وفلاحه، ولا أن يدعى عليه بالهلاك كما يفعله كثير من الجهلة مع أولادهم وأهلهم وخدمهم، بل ينبغي الدعاء لهم بالهداية، والرشاد والسداد؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. فسَّره الحسن وغيره بالدعاء على الزوجة والأولاد في حال الغضب، ثم يندم الداعي. روى أبو داود عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْعُوا عَلى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلى أَمْوالِكُمْ؛ لا تُوافِقوا مِنَ اللهِ ساعَةً فِيها إِجابَةٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ" (٢). وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تتَمَنَّوْا هَلاكَ شَبابِكُمْ وَإِنْ كانَ فِيهِم

стр. 5413

غَرامٌ؛ فَإِنَّهمْ على ما كانَ فِيهِم إِمَّا أَنْ يَتُوبوا فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِم، وَإِمَّا أَنْ تُرْدِيَهُمُ الآفاتُ، إِمَّا عَدُوًّا فَيُقاتِلُونهُ، وَإِمَّا حريقاً فَيُطْفِؤُونَهُ، وَإِمَّا مَاءً فَيَسُدُّوْنَهُ" (١). ***

стр. 5414

(٥) بَابُ تَشَبُّه الفَقِير بِالغَنِي وَعَكْسِهِ

стр. 5415

(٥) بَابُ تَشَبُّه الفَقِير بِالغَنِي وَعَكْسِهِ أما تشبه الفقير بالغني فقد يكون مستحسناً، وقد يكون مذموماً: فالأول: أن يتشبه بالأغنياء في اللباس ونحوه من غير تكلف ستراً للفقر ، وتعففاً عن السؤال، وهو من آداب الفقراء الصالحين. قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وروى ابن ماجه عن عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبا الْعِيالِ" (١). وروى البزار عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْغَنِيَّ الْحَلِيمَ الْمُتَعَفِّفَ، وَيُبْغِضُ الْبَذِيْءَ الفاحِشَ السَّائِلَ الْمُلِحَّ" (٢). والمراد بالغني هنا الذي نفسه غنيَّة، كما يدل عليه وصفه

стр. 5416

بالتعفف، ومقابلته بالسائل المُلح، فلا معارضة بينه وبين حديث عمران ﵁. وروى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ الْغِنَى غِنَى كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" (١). والعَرَض - بفتحتين -: حطام الدنيا، أو ما كان من مال؛ قلَّ أو أكثر. وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذَرٍّ! تَرَى كَثْرَةَ الْمالِ هُوَ الْغِنَى؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: "أترى قِلَّةَ الْمالِ هِيَ الْفَقْرَ؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: "إِنَّما الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ" (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" - وسنده حسن - عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: "يا محمد! عش ما شئت؛ فإنك ميت، واعمل ما شئت؛ فإنك مَجْزِيٌّ

стр. 5417

به، وأحِبَّ من شئت؛ فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس" (١). والاستغناء عن الناس قد يكون بالحِرفة والاكتساب، وقد يكون بالتقنع بالميسور والإعراض عما وراءه كما قال ﷺ : "اسْتَغْنُوا عَنِ النَّاسِ وَلَوْ بِشَوْصِ السِّواكِ". رواه البزار، والطبراني، والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢). وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أفضل الأعمال التجمل عند المحنة (٣). وقال بعض السلف: ستر الفقر من كنوز البر (٤). وقال أبو مدين رحمه الله تعالى: الفقر نورٌ، فإذا كشفته كسفته. والثاني: أن يتشبه بالأغنياء في اللباس لمجرد الشهوة أو للشهرة ، وفي التوسع في المآكل والمشارب، والمركب، والمسكن، والخدم، وشراء ما ليس معه ثمنه، أو ما يستدين ثمنه، وفي الجود والسخاء بما ليس عنده ولا يتوصل إليه، وربما يكون ذلك بإلجاء

стр. 5418

الزوجة، أو الولد والعيال حيث يريدون التشبه بعيال الأغنياء، وذلك وَبَال على الفقير في الدنيا والآخرة حيث يضيق عليه الأمرُ بطلب الغرماء لأثمان مبيعاتهم له، والديون التي تترتب لهم عليه بسبب ذلك، وربما أدى به الحال إلى الهرب، وتعلق حقوق الناس بذمته، أو الحبس والعقوبة، أو إلى الدخول في مداخل السوء لتحصيل ما يسد أمره به؛ كالسرقة، والغصب، والرشوة، والسعاية إلى الحكام، وخدمة الظلمة، وهو في الأصل مسرف مبذِّر، والإسراف والتبذير منه كلاهما محرَّم، فيكون فاسقاً، فيجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة. وقد روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَشْقَى الأَشْقِياءِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيا وَعَذابُ الآخِرَةِ" (١). وفي "الكبير" - ورواته ثقات - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ اشترى عيراً قدمت، فربح فيها أواقاً من ذهب، فتصدق بها على أرامل عبد المطلب، وقال: "لا أَشْتَرِي شَيْئاً

стр. 5419

لَيْسَ عِنْدِي ثَمَنُهُ" (١). وروى البيهقي، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمانٌ يَكُونُ هَلاكُ الرَّجُلِ عَلى يَدَيْ زَوْجَتِهِ وَأَبَوَيْهِ وَوَلَدِهِ؛ يُعَيِّرُونَهُ بِالفَقْرِ، وَيُكَلِّفُونَهُ ما لا يُطِيقُ، فَيَدْخُلُ الْمَداخِلَ الَّتِي يَذْهَبُ فِيها دِيْنُهُ فَيَهْلَكُ" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود ﵉: ثلاثة لا تكون في بيت إلا نُزعت البركة منه: الخيانة، والزنا، والسرقة (٣). ومن هنا ينبغي للفقير أن لا يخالط الأغنياء، ولا يجالسهم ولا يعاشرهم، ولا ينظر إلى زيهم، ولا يفعل ذلك عيالُه مع عيالهم؛ فإنه يَزدري نعمةَ الله تعالى عليه، ويرى ما لا يطيقه، وتدعوه نفسه وعياله إلى مثل ما عندهم. ولقد روى الترمذي، والحاكم وصححه، عن عائشة رضي الله

стр. 5420

تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائِشَةُ! إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيا كَزادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجالَسَةَ الأَغْنِياءِ، وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْباً حَتَى تُرَقِّعِيهِ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: يا معشر المهاجرين! لا تدخلوا على أهل الدنيا؛ فإنها مَسْخطة للرزق (٢). وصدق رضي الله تعالى عنه؛ فإن مخالطة الفقير لأهل الدنيا تدعوه إلى التشبه بهم في حبها وطلبها؛ إذ تَهُشُّ نفسُه إلى مثل ما لهم من الدنيا، فإن طلبها وحصلت له شَغَلَتْه عن الله تعالى، وعما فيه نجاة نفسه [ ... ] (٣) وإن لم تحصل له بقي ساخطاً ما قسم الله له، محتقراً ما أنعم الله به عليه، ولذلك جاء النهي عن مجالسة الأغنياء كما في حديث عائشة، وعن النظر إليهم وإلى ما شغلوا به. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].

стр. 5421

نزلت تعزيةً للنبي ﷺ عن الدنيا كما رواه ابن أبي حاتم عن سفيان (١)، بل أخرجه بمعناه ابن أبي شيبة، والبزار، وأبو يعلى، والمفسرون عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه (٢). ونقل الشعبي، وغيره عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: من لم يتعز بعزاء الله تعالى تقطَّعت نفسه حسرات، ومن يتبع بصره ما في أيدي الناس تَطُلْ حسرته، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه، وملبسه فقد قل عليه، وحضر عذابه (٣). وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي

стр. 5422

هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ" (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: صحبت الأغنياء فلم يكن أحد أطول غَمًّا مني؛ إنْ رأيتُ رجلًا أحسن ثياباً مني أو أطيب ريحاً مني غمني، فصحبت الفقراء فاسترحت (٢). وروى أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير - مرسلاً -: أن رسول الله ﷺ مر بإبل لحَيٍّ يقال لهم: بنو الملوح، أو: بنو المصطلق، قد عنست في أبوالها من السمن، فتقنع بثوبه، ومر ولم ينظر إليها لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٧ - ٨٨] (٣). والمراد بالأزواج: الأصناف والأمثال. - ومن تشبه الفقير المذموم بالغني: أن يتشبه به في الكبر والخيلاء ، وذلك - وإن كان قبيحاً من كل أحد - فينه من الفقير أقبح، ومنه إذا كان عائلاً أشد قبحاً، ولذلك وقع النص عليه في قوله ﷺ : "ثَلاثَةٌ

стр. 5423

لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ تَعالَى وَلا يُزكِّيهِمْ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعائِلٌ مُسْتكبِرٌ". رواه مسلم، وغيره (١). وروى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي عن سلمان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ثَلاثة لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: أَشْمَطُ زانٍ، وَعائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضاعَتَهُ؛ لا يَشْتَرِي إِلاَّ بِيَمِينِهِ، وَلا يَبِيعُ إِلاَّ بِيَمِينِهِ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" أيضاً عن عصمة بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: [قال رسول الله ﷺ : ] "ثلاثة لا ينظرُ اللهُ إليهم غدًا: شيخٌ زانٍ، ورجلٌ اتخذَ الأيمانَ بضاعةً فحلَفَ في كلِّ حقٍّ وباطلٍ، وفقيرٌ مختالٌ مَزْهوٌ" (٣). - ومن أخلاق الأغنياء المذمومة: أن مترفيهم إذا جلس بعضهم إلى بعض في مجلس أكثر فيه من الثناء على ماله وخدمه ، وخيوله ومواشيه، وملابسه، وعقاراته. ومنشأ هذا من الجهل والإعراض عن الله تعالى، فلا ينبغي للفقير

стр. 5424

أن يتشبه بهم في مدح شيء من ذلك اللائقة به؛ فإن ذلك مستسمج من الغني، وهو من الفقير أسمج وأقبح، وأكثر ما يكون هذا الخلق القبيح ممن غناه عارض وقد كان غريقًا في القِلَّة. وقد روى أبو نعيم عن ماهان الحنفي رحمه الله تعالى قال: ما يستحيي أحدكم أن تكون دابته التي يركب، وثوبه الذي يلبس أكثر ذكرًا لله تعالى منه (١). قلت: وأنا أقول: من هذا خلقه وعادته يجري على لسانه ذكر بزته وملابسه، ومراكبه، وسائر أغراض دنياه أكثر من جريان ذكر الله تعالى عليه، فأين الحياء من هذا؟ وهل ترك من القحة والجفاء شيئاً؟ وإذا تبجح بما لا يملكه وأثنى على شيء من ذلك وهو لا يملكه كان أسوأ حالًا وأعظم ذنباً؛ لأنه ضم إلى ذلك كذبا وزُوراً. وفي الحديث الصحيح: "الْمُتَشَبعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" (٢). فإن كان ثناؤه على مال قريبه أو رفيقه أو جاره، مفتخراً بذلك، ومتكثراً به لانتسابه إليه أو في نسبه، فهذا ضم إلى معصيته حماقة وجهلاً؛ فإنه يفرح بما ليس له، ويقنع نفسه بالجوز الفارغ الخال، ويسكِّن عطشها بالسراب والآل. ***

стр. 5425

فَصْلٌ وأما تشبه الغني بالفقراء فهو على قسمين أيضًا: محمود ومذموم. فالأول: أن يتشبه بهم في خشونة العيش ، والرضا بالدون من المجالس، ولباس ما تيسر تواضعاً وتبذلاً، لا شُحًّا وبخلاً. وأمارة الصدق أن يكون مع ذلك جواداً سخياً، محباً للتصدق والإيثار، والتوسط على العيال، والإفضال على الجيران والإخوان. روى الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن معاذ بن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَرَكَ اللِّباسَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ تَواضُعاً لِلّهِ تَعالَى دَعاهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ عَلى رُؤُوسِ الْخَلائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإِيْمانِ شاءَ يَلْبَسُها" (١). وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَبَذِّلَ الَّذِي لا يُبالِي ما لَبِسَ" (٢).

стр. 5426

وروى الإمام أحمد ورجاله ثقات، والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: "إِيَّاكَ وَالتَنَعُّمَ؛ فَإِن عِبادَ اللهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ" (١). قلت: ومن هنا كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يَطْعم طعام الإمارة، ويصوم ويفطر على ما تيسر. وسبق أن سليمان ﵇ كان يطعم طعام الملوك، ويصوم ويفطر على خبز الشعير والملح الجريش (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كونوا جُدُدَ القلوب خُلْقان الثياب، ينابيع العلم، مصابيح الليل، أَحلاس البيوت، كونوا خلقان الثياب يعرفكم أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض (٣). وروى [عبد الّه ابن الإمام أحمد] (٤) في "زوائده" عن عبد الله بن

стр. 5427

شوذب قال: قال عيسى بن مريم ﵉: جودة الثياب خيلاء القلب (١). وروى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن طلحة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ التَّواضُعِ الرِّضا بِالدُّونِ مِنَ الْمَجْلِسِ" (٢). ومن هذا القبيل مساواة الفقراء في المجلس ونحوه، والتسوية بينهم وبين الأغنياء في الإكرام والاحترام، بل تقديمهم وتفضيلهم إذا كان لهم فضيلة لم تكن في الأغنياء. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. وتقدم أن سليمان بن داود ﵉ كان يدخل المسجد فيرى أغمص مجلس من بني إسرائيل فيجلس إليهم، ويجلس مع المساكين، ويقول: مسكين بين مساكين؛ مع ما أوتي من الملك. وروى ابن أبي شيبة عن سلمان بن عامر الشيباني قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "أَرَأَيْتُمْ سُلَيمانَ وَما أَعْطاهُ اللهُ مِنْ مُلْكِهِ؟ وَإِنَّهُ لَمْ

стр. 5428

يَكُنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّماءِ تَخَشُّعاً لِلّهِ حَتى قَبَضَهُ اللهُ" (١). وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "ما شَدَّ سُلَيْمانُ طَرْفَهُ إِلَى السَّماءِ تَخَشُّعاً حَيْثُ أَعْطاهُ اللهُ ما أَعْطاهُ" (٢). والثاني: وهو تشبه الغني بالفقير المذموم . ١ - فمنه: أن يتشبه بالفقير في التبذُّل والتقلُّل في المأكل والملبس ، ونحوهما بخلاً وشحاً على نفسه، أو ليظن الناس أنه فقير فيعطى، وذلك كله قبيح، فإن تشبه بالفقير السائل في المسألة كان أقبح. روى الترمذي، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي

стр. 5429

الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن الأحوص، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: رآني النبي ﷺ ، فقال: "هَلْ لَكَ مِنْ مالٍ؟ " قلت: نعم. قال: "مِنْ أَيِّ الْمالِ؟ " قلت: قد آتاني الله من الشَّاء والإبل. قال: "فَلْتُرَ نِعْمَتُهُ وَكَرامَتُهُ عَلَيْكَ" (٢). وروى مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّراً فَإِنَّما سَأَلَ جَمْراً؛ فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ" (٣). وروى الإمام أحمد بسند جيد، والطبراني، والبزار عن عمران ابن حصين رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ شَيْنٌ فِي وَجْهِهِ يَومَ القِيامَةِ". زاد البزار: "وَمَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ نارٌ؛ إِنْ أُعْطِيَ قَلِيلاً فَقَلِيلٌ، وَإِنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ" (٤).

стр. 5430

٢ - ومن التشبه المذموم من الأغنياء بالفقراء: أن ينفق الموسر على عياله نفقة المعسر أو المتوسط؛ فإن ما يوفره من ذلك لنفسه ظلم فيه غيره من المستحقين، وخالف فيه سنن الشريعة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]. ومن هذا القبيل إمساك الغني عما يطلب منه شرعاً إما على وجه الإيجاب عليه، أو الندب إليه مما لا يطلب من الفقير كمنع الزكاة، والقعود عن الحج مع الاستطاعة، وعن الجهاد مع تعيُّنه، وسائر ما يجب على الغني، وكالامتناع من الضيافة، والأفضال، وسائر النفقات المطلوبة، والصدقات المندوبة. ولقد ذم الله تعالى أغنياء المنافقين وأقوياءهم [المتشبهين] بالفقراء والضعفاء من المؤمنين وغيرهم، وأشار إلى أنهم في ذلك يتخلقون بأخلاق النساء، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾؛ أي: أهل الغنى. ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ عن النساء المتخلفات بن الحرب والنفقة في الجهاد. ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٦ - ٨٧]؛ أي:
следующие страницы →