← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

وروى الإمام أحمد ورجاله ثقات، والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: "إِيَّاكَ وَالتَنَعُّمَ؛ فَإِن عِبادَ اللهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ" (١). قلت: ومن هنا كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يَطْعم طعام الإمارة، ويصوم ويفطر على ما تيسر. وسبق أن سليمان ﵇ كان يطعم طعام الملوك، ويصوم ويفطر على خبز الشعير والملح الجريش (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كونوا جُدُدَ القلوب خُلْقان الثياب، ينابيع العلم، مصابيح الليل، أَحلاس البيوت، كونوا خلقان الثياب يعرفكم أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض (٣). وروى [عبد الّه ابن الإمام أحمد] (٤) في "زوائده" عن عبد الله بن

стр. 5427

شوذب قال: قال عيسى بن مريم ﵉: جودة الثياب خيلاء القلب (١). وروى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن طلحة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ التَّواضُعِ الرِّضا بِالدُّونِ مِنَ الْمَجْلِسِ" (٢). ومن هذا القبيل مساواة الفقراء في المجلس ونحوه، والتسوية بينهم وبين الأغنياء في الإكرام والاحترام، بل تقديمهم وتفضيلهم إذا كان لهم فضيلة لم تكن في الأغنياء. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. وتقدم أن سليمان بن داود ﵉ كان يدخل المسجد فيرى أغمص مجلس من بني إسرائيل فيجلس إليهم، ويجلس مع المساكين، ويقول: مسكين بين مساكين؛ مع ما أوتي من الملك. وروى ابن أبي شيبة عن سلمان بن عامر الشيباني قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "أَرَأَيْتُمْ سُلَيمانَ وَما أَعْطاهُ اللهُ مِنْ مُلْكِهِ؟ وَإِنَّهُ لَمْ

стр. 5428

يَكُنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّماءِ تَخَشُّعاً لِلّهِ حَتى قَبَضَهُ اللهُ" (١). وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "ما شَدَّ سُلَيْمانُ طَرْفَهُ إِلَى السَّماءِ تَخَشُّعاً حَيْثُ أَعْطاهُ اللهُ ما أَعْطاهُ" (٢). والثاني: وهو تشبه الغني بالفقير المذموم . ١ - فمنه: أن يتشبه بالفقير في التبذُّل والتقلُّل في المأكل والملبس ، ونحوهما بخلاً وشحاً على نفسه، أو ليظن الناس أنه فقير فيعطى، وذلك كله قبيح، فإن تشبه بالفقير السائل في المسألة كان أقبح. روى الترمذي، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي

стр. 5429

الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن الأحوص، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: رآني النبي ﷺ ، فقال: "هَلْ لَكَ مِنْ مالٍ؟ " قلت: نعم. قال: "مِنْ أَيِّ الْمالِ؟ " قلت: قد آتاني الله من الشَّاء والإبل. قال: "فَلْتُرَ نِعْمَتُهُ وَكَرامَتُهُ عَلَيْكَ" (٢). وروى مسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّراً فَإِنَّما سَأَلَ جَمْراً؛ فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ" (٣). وروى الإمام أحمد بسند جيد، والطبراني، والبزار عن عمران ابن حصين رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ شَيْنٌ فِي وَجْهِهِ يَومَ القِيامَةِ". زاد البزار: "وَمَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ نارٌ؛ إِنْ أُعْطِيَ قَلِيلاً فَقَلِيلٌ، وَإِنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ" (٤).

стр. 5430

٢ - ومن التشبه المذموم من الأغنياء بالفقراء: أن ينفق الموسر على عياله نفقة المعسر أو المتوسط؛ فإن ما يوفره من ذلك لنفسه ظلم فيه غيره من المستحقين، وخالف فيه سنن الشريعة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]. ومن هذا القبيل إمساك الغني عما يطلب منه شرعاً إما على وجه الإيجاب عليه، أو الندب إليه مما لا يطلب من الفقير كمنع الزكاة، والقعود عن الحج مع الاستطاعة، وعن الجهاد مع تعيُّنه، وسائر ما يجب على الغني، وكالامتناع من الضيافة، والأفضال، وسائر النفقات المطلوبة، والصدقات المندوبة. ولقد ذم الله تعالى أغنياء المنافقين وأقوياءهم [المتشبهين] بالفقراء والضعفاء من المؤمنين وغيرهم، وأشار إلى أنهم في ذلك يتخلقون بأخلاق النساء، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾؛ أي: أهل الغنى. ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ عن النساء المتخلفات بن الحرب والنفقة في الجهاد. ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٦ - ٨٧]؛ أي:

стр. 5431

لا يفهمون ما في الجهاد والنفقة في سبيل الله، والشجاعة من السعادة، وما في القعود رغبة من العار في الدنيا، والنار في الآخرة. وإنما طبع على قلوبهم بسبب حبهم الدنيا، ولذلك قال عيسى بن مريم، ونبينا عليهم الصلاة والسلام: "حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ" (١). ثم بين الله تعالى ذوي الأعذار المقبولة فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]؛ أي: بإرادة الخير له ولمن معه، والدعاء لهم لأن ذلك ما في قدرتهم ووسعهم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوية: ٩١ - ٩٢]. وهم سبعة من الأنصار سألوا النبي ﷺ أن يحملهم بالزاد والماء فقط، أو أن يحملهم على البغال لا على الدواب، فأَسِفوا لذلك. أو من الأشعريين سألوه ظهراً يعتقبون عليه، فبيَّن الله تعالى أن ذوي الأعذار - وإن حبسهم العذر عن الجهاد والخروج مع النبي ﷺ فإنهم محسنون بقلوبهم وألسنتهم، وبطاعة الله تعالى في حال تخلُّفهم (٢).

стр. 5432

وروى الإمام أحمد، والبخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ لما قفل من تبوك أشرف على المدينة، فقال: "لَقَدْ تَرَكْتُمْ فِي الْمَدِينَةِ رِجالاً ما سِرْتُمْ مِنْ سَيْرٍ، وَلا أنفَقْتُمْ مِنْ نفَقَةٍ، وَما قَطَعْتُمْ مِنْ وادٍ إِلاَّ كانوا مَعَكُمْ فِيهِ". قالوا: يا رسول الله! كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حَبَسَهُمُ العُذْرُ" (١). أي: كانوا معكم بالقلوب، فأثيبوا ثواب من كان معكم حقيقة بالأجساد والقلوب. وروى الإمام أحمد، ومسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ رِجالاً ما قَطَعْتُمْ وادِياً، وَلا سَلَكْتُمْ طَرِيقاً إِلاَّ شَرَكُوكُمْ فِي الأَجرِ؛ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ" (٢). وأين هؤلاء من المُخَفَلَّين من أهل الثروة والقوة والصحة، فإنهم مؤاخذون بتخلفهم؛ إذ لا عذر لهم وإن اعتذروا بما ليس عذرًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ

стр. 5433

الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٣ - ٩٤]. ٣ - ومن التشبه المذموم من الأغنياء بالفقراء: أن يكون للرجل طَول وسعة، ولا يتزوج رغبة عن السنة، أو شحاً، أو بخلاً، لا للانقطاع عن العبادة. روى النسائي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنته، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ كانَ ذا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لا فَالصَّوْمُ لَهُ وِجاءٌ" (١). وبالجملة فكل من وجد سعة، وتأخر عن عمل بر يمكنه التوصل إليه بسعته، وقصَّر عنه شحاً أو بخلاً، أو خوفاً من الفقر، فهو داخل في هذا الباب، غير واثق بوعود الله تعالى، مأخوذ بغرور الشيطان؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. وقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾؛ أي: يخوفكم منه حين تنفقون، فيقول لكم: لا تنفقوا، أو: لا تكثروا الإنفاق؛ فإن الزمان طويل، فتصرفون ما معكم، ولعلكم لا تكسبون غيره فتبقوا فقراء. وأكثر ما يؤثر وعده الفقر فيمن كان معدمًا ثم وجد، ولذلك ترى الأغنياء الذين غناهم حادث أشد إمساكاً وحرصاً على ما بأيديهم، وإذا صرفوا شيئًا كانوا أشد أسفاً وحرصاً على ما بأيديهم، وإذا صرفوا شيئًا

стр. 5434

كانوا أشد أسفاً عليه من غيرهم، وأكثر منًّا به وذكراً له. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: ألا أخبركم بأفضل الحسرات؛ يعني: بأشدها؟ رجلٌ جمع درهماً إلى درهم، وقيراطاً إلى قيراط، ثم مات وورثه غيره، فوضعه في حقه، أو أمسكه في حقه (١). وبالجملة فالسخاء محمود من الغني والفقير لأن عمدة السخي في حالة الثقة بالله تعالى وبموعوده؛ فإنه سبحانه يخلف نفقة المنفقين. والبخل مذموم من الغني والفقير؛ لأن أصل إمساك البخيل خوف الفقر، وهو من وحي الشيطان ووعده. ولقد أحسن القائل: [من البسيط] لا تَبْخَلَنَّ بِدُنْيا وَهْيَ مُقْبِلَةٌ ... فَلَيْسَ يُنْقِصُها الإِنْفاقُ وَالسَّرَفُ وَإِنْ تَوَلَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِها ... فَإِنَّ مِنْها إِذا ما أُنْفِقَتْ خَلَفُ (٢) ***

стр. 5435

(٦) بَابُ تَشَبُّه أهْلِ الحَضَرِ بِأِهْلِ البَدْوِ وَعَكْسِهِ

стр. 5436

(٦) بَابُ تَشَبُّه أهْلِ الحَضَرِ بِأِهْلِ البَدْوِ وَعَكْسِهِ فالحضر، والحضرة، والحاضرة، والحضارة - وتفتح -: خلاف البادية. والحضارة: الإقامة في الحضر؛ قاله في "القاموس" (١). قال فيه: والبدو، والبادية، والباداة، والبداوة: خلاف الحضر. وتبدى: أقام بها. وتبادى: تشبه بأهلها (٢). وقال في "الصحاح": البداوة: الإقامة [في البادية]. والبادية - بفتح، وبكسر -: وهو خلاف الحاضرة. قال ثعلب: لا أعرف البداوة - بالفتح - إلا عن أبي زيد وحده (٣). وقال صاحب "المصباح المنير": الحضر - بفتحين -: خلاف

стр. 5437

البدو، والنسبة إليها: حضري على لفظه. وحضر: أقام بالحضر. والحضارة - بفتح الحاء، وكسرها -: سكون الحضر (١). فأما تشبه أهل الحضر بأهل البدو، فإنه في الأصل مكروه لما فيه من الجفاء. روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ : "مَنْ سَكَنَ البادِيَةَ جَفا وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ" (٢). وروى أبو داود، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بَدا جَفا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتى أَبْوابَ السُّلْطانِ افْتُتِنَ، وَما ازْدادَ أَحدٌ مِنَ السُّلْطانِ قُرْباً إِلاَّ ازْدادَ مِنَ اللهِ بُعْداً" (٣). قال في "الصحاح" في قوله ﷺ : "مَنْ بَدا جَفا": أي: من نزل البادية صار فيه جفاء (٤).

стр. 5438

وقال الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧]. الأعراب: أهل البدو من العرب. الواحد: أعرابي، وهو الذي يكون صاحب نجعة، وارتياد للكلأ؛ كما قاله أبو زيد وغيره. زاد الأزهري فقال: سواء كان من العرب أو من مواليهم؛ قال: فمن نزل بالبادية، وجاور البادين، وظعن بظعنهم، فهم أعراب، ومن ترك بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء (١). قال القاضي البيضاوي في قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]: لتوحشهم، وقساوتهم، وعدم مخالطتهم لأهل العلم، وعدم استماعهم للكتاب والسنة (٢). وهذه الأمور بعينها هي السبب في كراهة التبادي. وتشبه الحضري بالبدوي انحطاط في الرتبة، ونزول إلى حضيض الجهل، وذلك سكنى البادية، ومخالطة البادين خصوصاً قبل التعلم والتفقه في الدين، ولذلك يدخل في التشبه بالأعراب من عازل أهل العلم والأدب، واشتغل عن تعلم القرآن والسنة بالبطالة والملاهي

стр. 5439

[ ... ] (١) وعشرة أهل الجهل - وإن كان ساكنًا في الحضر -. وهذا غالب أحوال الناس الآن، حتى إنهم إذا سمعوا شيئًا من صغار المسائل العلمية وأقربها إلى كل متدين، عجبوا منه كما يعجب أهل البادية وأشد. نعم، لا يكون من التشبه المذموم بأهل البدو أن يخرج العالم الفقيه إلى البدو ليعلمهم ويفقههم، لا ليجبي أموالهم وصدقاتهم، [ ... ] (٢) كما يفعله جهلة الصوفية وغيرهم. فقد روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩]، وقد كان تخلف عنه؛ أي: عن النبي ﷺ ، أو عن النفر معه ناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المنافقون: قد بقي ناس في البوادي، هلك أهل البوادي، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] (٣). وفي الآية دليل على استحباب السفر لتعلم العلم ولتعليمه كيفما صح لذلك السفر من البادية إلى الحاضرة للتعلم، أو من الحاضرة إلى

стр. 5440

البادية للتعليم. ومن هنا يحسن تشبه أهل البدو بأهل الحضر في سكنى الحاضرة لأجل التعلم والتأدب، لا لأجل التنعم والترفُّه، والتطاول في البنيان كما اتفق في هذه الأزمنة لكثير من أهل البدو؛ إذ صار منهم مترفون تركوا باديتهم، ورغبوا في سكنى المدن، وتطاولوا فيها في البنيان، وذلك من أمارات الساعة التي أخبر عنها ﷺ في حديث سؤال جبريل ﵇ المروي من حديث عمر، وأبي هريرة ﵄ (١). فتشبه أهل البادية بأهل الحاضرة لأجل هذه الأمور مذموم مكروه، وقد ينتهي إلى التحريم. ويختلف حكم تشبههم بهم بالقصد والنية كما يختلف حكم عكس ذلك، وهو تشبه أهل الحاضرة بأهل البادية بالنية؛ فإنه مكروه على الوجه الذي ذكرناه، وقد يكون محموداً [ ... ] (٢) من يفر بدينه من الفتن بعد تمام حاله، وكمال أمره من التعلم، والتفقه، والتأدب. وروى الإمام مالك، والبخاري، وأبو داود [ ... ] (٣) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "يُوْشِكُ أَنْ

стр. 5441

يَكُونَ خَيْرُ مالِ الْمُسْلِمِ غَنمًا تتْبعُ بِها شَعَفَ الْجِبالِ وَمَواقِعَ القَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ" (١). وروى أبو نعيم، والبيهقي في "الزهد" (٢)، وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمانٌ لا يَسْلَمُ لِذِي دِينٍ دِينُهُ إِلَّا مَنْ فَرَّ مِنْ شاهِقٍ إِلَى شاهِقٍ، أَوْ مِنْ جُحْرٍ إِلَى جُحْرٍ كَالثَّعْلَبِ بِأَشْبالِهِ" (٣). وذلك في آخر الزمان حين لا تنال المعيشة إلا بمعصية الله تعالى، فإذا كان كذلك حلت الغربة، يكون في ذلك الزمان هلاك الرجل على يدي أبويه إن كان له أبوان، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده، فإن لم يكن له ذلك فعلى يدي الأقارب والجيران؛ يعيرونه بضيق المعيشة، ويكلفونه ما لا يطيق حتى يورد

стр. 5442

[نفسه] (١) الموارد التي يهلك فيها (٢). وأقرب الناس إلى التشبه بأهل البادية أهل القرى الصغيرة الضواحي دون المدن لأنهم أقرب إلى مخالطة أهل البوادي، وهم الأنباط، والأكَّارون، والفلاحون، والفدَّادون، وهم جمع فداد؛ وهو في الأصل: الصَّيِّت الجافي، من الفديد، ومنه سمي الرعيان الجمالون، والبقارون، والحمارون، والفلاحون، وأصحاب الوبر والمدر [ ... ] (٣) في حروثهم، ومواشيهم، والمكثرون من الإبل، ومالكوا المئتين منها إلى الألف فدادين. وقال رسول الله ﷺ : "الْجَفاءُ، وَغِلَظُ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنابِ الإِبِلِ وَالبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرٍ". رواه البخاري من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه (٤). وأهل الوبر: أهل البادية؛ كما أن أهل المدر أهل الحاضرة. وفي الحديث الآخر: "هَلَكَ الفَدَّادونَ". ذكره ابن الأثير في "النهاية" (٥).

стр. 5443

وهو يتناول الفدادين بالمعاني المذكورة كلها. ومعنى: هلكوا: عَرَّضوا أنفسهم للهلاك، أو: قاربوا أن يهلكوا لأنهم يشتغلون بمواشيهم عن الجمعة والجماعات، والتفرغ للتعلم والتفقه، والعبادة. لِما قررناه من غلبة الجفاء، وغلظ القلوب على أهل البادية لم يبعث الله تعالى رسولاً من أهل البادية كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وأما قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقال مجاهد وغيره: إنهم كانوا أهل بادية يملكونها، وهم كانوا يسكنون المدر، ويخرجون إلى البادية في أوقات دون أوقات، وحين قصدوا إلى يوسف ﵇ بمصر كان ابتداء قصدهم من البدو (٢). ولا بأس بالخروج إلى البادية في بعض الأحيان لأجل التفكر والاعتبار، وبالخصوص عند إخراج الأشجار، ونمو الزروع في زمن

стр. 5444

الربيع، وعند ذبولها في زمن الخريف. وروى أبو داود، والبيهقي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يبدو التلاع. وفي رواية: لهذه التلاع (١). وهي جمع تلعة - بالفتح -: وهي ما انحدر من الأرض، وما أشرف منها ضد. وقيل: التلاع: مسائل الماء من علو إلى سفل. وروى الترمذي عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يستحب الصلاة في الحيطان (٢). وهي جمع حائط: وهو البستان إذا كان عليه حائط، وهو الجدار. وكفى دليلاً على استحباب الخروج إلى البوادي والبراري، والصحاري للنظر، والتأمل والاعتبار قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. ولقد كانوا يضربون في الأرض، ويسيرون في القفار، ويقطعون

стр. 5445

البلاد والأقطار لأغراض أخرى غير الاعتبار والاستبصار، فدعاهم للسير لهذه الفائدة لا للأغراض الفاسدة. واعلم أن النظر والاعتبار لا يختص بالبوادي، بل هو مطلوب في الحواضر؛ فإن في المسير من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية تذكراً لمن عمرها وسكنها، ثم ذهب عنها وتركها كما وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢]. واعلم أنه لا يهتدى إلى ما وقع الإرشاد إليه في الآيات الكريمة من الاعتبار والاستبصار إلا بالعلم، وأهل العلم في الناس قليل، وكلما تأخر الزمان كانوا أقل، فالأكثرون لا يهتدون لذلك لغلبة الجهل والهوى عليهم كما قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ

стр. 5446

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ [الروم: ٧ - ٩] الآية. أرشدهم إلى التفكر في أنفسهم أولًا لأن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، فهي أولى بأن يتفكر في خلقها، ويتبصر فيها أولًا، فينظر آيات الله تعالى في نفسه؛ فإن لله تعالى في خلق الإنسان آيات عظيمات للموقنين كما قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١]. ثم دعاهم إلى المسير في الأرض، والنظر في عواقب من سكنها من قبله. وهذه الحقائق والحكم لا تظهر للعبد إلا بالعلم، وتتجلى لكل عالم بقدر عليه، وكلما ازداد علمًا ازداد بصيرة، وكلما ازداد بصيرة ازداد من الله تعالى قرباً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. ***

стр. 5447

(٧) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَبُّهِ العَالِمِ باِلجَاهِلِ

стр. 5448

(٧) بَابُ النَّهي عَنْ تَشَبُّهِ العَالِمِ باِلجَاهِلِ اعلم أن العلم صفة مناقضة للجهل، فلا يجتمعان ويستحيل أن يكون الشيء معلوماً مجهولاً لإنسان واحد، فالمراد نهي العالم عن التشبه بالجاهل في مقتضى الجهل، لا في نفسه إلا أن يتوارد العلم والجهل على شيء واحد من وجهين، أو يترك العالم تعهد عليه حتى ينساه فيعود إلى الجهل بعد العلم، فإذا تشبه العالم بالجاهل على وجهين؛ في مقتضى الجهل وفي نفسه، فكلاهما مذموم. فالكلام في هذا الباب من فصلين. ***

стр. 5449

الفَصْلُ الأَوَّلُ في تَشَبُّهِ العَالِمِ باِلجَاهِلِ في مُقْتَضَى الجَهْلِ وهو أن يجري أفعاله وأقواله على خلاف ما يعلم من الحكم. مثلًا: العلم بتحريم الغيبة يقتضي تركها، والجهل به يقتضي أن لا يتركها، فإذا اغتاب العالم الغيبة المحرمة فقد أشبه الجاهل في فعل ما علم تحريمه وجهله الجاهل، فالجاهل معذور في الجملة - وإن كان غير معذور في نفس الجهل - بخلاف العالم فإنه غير معذور مطلقًا، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "يُعافَى الأُمِّتُّونَ ما لا يُعافَى الْعُلَماءُ". رواه أبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه (١). فتشبه العالم بالجاهل قبيح جداً. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨].

стр. 5450

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]. أي: بالحرص على ما لا يكون، والجزع في مواطن الصبر؛ فإن ذلك من دأب الجهلة. وقال تعالى لنوح ﵇: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. وقال تعالى لموسى، وهارون ﵉ وقد دعيا على فرعون وقومه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩]؛ أي: طريق الجهلة في الاستعجال، وعدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى. وقال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]. وقال تعالى في حق علماء أهل الكتاب: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]؛ أي: لا نطلب صحبتهم، ولا نرغب في أمرهم. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]. إنما يتبعون آباءهم ولو كان آباؤهم جاهلين لا يعلمون شيئًا مما

стр. 5451

يؤول إليه عاقبتهم مع إمكانهم أن يتوغلوا إلى العلم النافع لهم. قال أبو طالب المكي: وكان سهل؛ يعني: التستَري رحمه الله تعالى يقول: ما عصي الله بمعصية أعظم من الجهل. قيل: يا أبا محمد! هل تعلم شيئًا أشد من الجهل؟ قال: نعم، الجهل بالجهل. قال: وكان سهل يقول: قسوة القلب بالجهل أشد من قسوة القلوب بالمعاصي؛ لأن الجهل ظلمة لا ينفع البصر معه شيئًا، والعلم نور يهتدي به القاصد وإن لم يمش (١). وقيل: [من الطويل] وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لأَهْلِهِ ... فَأَجْسادُهُمْ حَتَّى القُبورِ قُبورُ وَإِنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... وَلَيْسَ لَهُ قَبْلَ النُّشورِ نُشورُ وقد جاء القرآن العظيم بأن الجهل قد يؤدي بصاحبه إلى ما هو أشد من قسوة القلب التي أشار إليها سهل رحمه الله تعالى، وهو الطبع على القلب. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ

стр. 5452

جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨ - ٦٠]. وأيضاً فإن العلم ينهض بصاحبه عن منازل الذل إلى مراقي العز والشرف كما قال رسول الله ﷺ : "الْحِكْمَةُ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفاً، وَتَرْفَعُ العَبْدَ الْمَمْلُوكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجالِسَ الْمُلوكِ". رواه ابن عدي، وأبو نعيم من حديث أنس (١). وروى ابن النجار عن أبي هريرة ﵁: ما استرذل الله عبدًا إلا حظر الله عليه العلم والأدب (٢). وأخرجه عبدان في "الصحابة"، وأبو موسى المديني في "الذيل" عن بشير بن النهاس العبدي رضي الله تعالى عنه، ولفظه: ما استرذل الله عبدًا إلا حرم العلم (٣).

стр. 5453

ولبعض المتقدمين: [من الطويل] تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُخْلَقُ عالِمًا ... وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جاهِلُ وَإِنَّ كَبِيرَ القَوْمِ لا عِلْمَ عِنْدَهُ ... صَغِيرٌ إِذا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْمَحافِلُ وقال وهب بن منبه: يتشعب من العلم الشرفُ وإن كان صاحبه دنيئًا، والعزُّ وإن كان مهينًا، والقربُ وإن كان قصيًا، والغنى وإن كان فقيرًا، والنبلُ وإن كان حقيرًا، والمهابةُ وإن كان وضيعًا، والسلامةُ وإن كان سقيمًا. نقله والدي في "الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد" (١). ولقد قلت في معناه: [من الرجز] يَظْفَرُ ذُو الْعِلْمِ بِه كَرامَة ... بِالْعِزِّ وَالشَّرَفِ وَالسَّلامَة وَالنُّبْلِ وَالْهَيْبَةِ وَالْغِنَى مَعًا ... وَالْقُرْبِ وَالرِّفْعَةِ وَالْمَقامَة وإذا تشبه العالم بالجاهل في أحواله وأعماله فقد أعرض عن هذه المقاصد، وتعرض لزوال هذه الفوائد. وفي "تهذيب الكمال" للحافظ المزي في ترجمة صالح بن مهران الشيباني أبي سفيان الأصبهاني، وكان يقال له: الحكيم، وكان إذا تكلم يكتب حديثُه فيقال: إنه كان يتكلم في التوحيد. قال أبو نعيم الحافظ: كان من الورع بمحل، كان يقول: كل

стр. 5454

صاحب صناعة لا يقدر أن يعمل في صناعته إلا بآلته، وآلة الإسلام العلم (١). قلت: أراد بالإسلام ما يشمل الإيمان؛ فإنه لا يتصور إلا بالعلم. ومن ثم [وضع] (٢) النبي ﷺ [المؤمن] في مقابلة الجاهل فيما رواه الطبراني في "الكبير"، وابن عبد البر في "العلم"، [والسجزي] في "الإبانة" -وقال: غريب - عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "قَلِيلُ الفِقْهِ خَيْر مِنْ كَثيرِ العِبادَةِ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ فِقْهاً إِذا عَبَدَ اللهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً إِذا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ، وإِنَّما النَّاسُ رَجُلانِ: مُؤْمِن وَجاهِلٌ؛ فَلا تُؤْذِ الْمُؤْمِنَ، وَلا تُجاوِرِ الْجاهِلَ" (٣). وإنما نهى عن مجاورة الجاهل لأن للمجاورة تأثيراً، فربما أدت مجاورته بالمؤمن إلى التشبه به في خصال الجهل. وقد تقدم في أوائل الكتاب قول علي رضي الله تعالى عنه: [من الهزج] وَلا تَصْحَبْ أَخا الْجَهْلِ ... وَإِيَاكَ وَإِيَّاهُ فَكَمْ مِنْ جاهِلٍ أَزْرَى ... حَكِيماً حِينَ ما شاهُ

стр. 5455

وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وابنه في "زوائد" عن أبي عثمان الجعد البصري قال: قال لقمان لابنه ﵇: لا ترغب في وُد الجاهل؛ فيرى أنك ترضى عمله، ولا تتهاون بمَقْت الحكيم؛ فيزهد فيك (١). وليس فيما ذكرت معارضة لما رواه الدينوري في "المجالسة" عن مصعب الزبيري قال: لقي حكيم حكيماً فقال له: من أدبك؟ قال: نظرت إلى جهل الجاهل فاجتنبته (٢). فإنه لا يلزم أن ينظر إلى جهل الجاهل إلا من جاوره، أو جالسه، أو صحبه، بل أقرب الناس إلى نظر جهله، وقبح أعماله من يأنف من صحبته، ويستنفر من مجاورته ورفقته. وروى ابن السني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ : "قَلْبٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحِكْمَةِ لَبَيْتٌ خَرِبٌ؛ فتَعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا، وَتَفَقَّهُوا، وَلا تَمُوتُوا جُهَّالاً؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَعْذُرُ عَلى الْجَهْلِ" (٣). ولا يهتم أن العلم بكل حكم شرعي يقتضي إجراء ذلك الحكم على مقتضى الشرع إباحة، أو ندباً، أو وجوباً، أو كراهةً، أو تحريماً، والجاهل بذلك الحكم يجريه كيف اتفق، فقد يصادف الحق في

стр. 5456

إجرائه، وقد يكون على الباطل، فلا يؤجر في الأول ويأثم في الثاني، ويعاتب على الجهل على كل حال، أو يعاقب عليه. ومقتضى الحديث: "الْقُضاةُ ثَلاثَهٌ: اثْنانِ فِي النَّارِ وَواحِدٌ فِي الْجَنَّةِ؛ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ - وفي رواية: وَقاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُوَ فِي النَّارِ - وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَجارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ" [رواه] (١) الأربعة، والحاكم وصححه، من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه (٢): أن الجاهل آثم وإن وافق الحق. وسبق عن سهل التستري رحمه الله تعالى: أن الله لم يعص بمعصية أعظم من الجهل (٣)، ومن ثَمَّ ذم الله تعالى من يعبده على حرف؛ أي: جهل. فإذا أجرى العالم ذلك الحكم على خلاف الشرع فقد خالف مقتضى العلم، ووافق مقتضى الجهل، فعقابه أشد من عقاب الجاهل؛ إذ يسوغ للجاهل أن يقول لمن قال له: لم أجريت ذلك على خلاف الشرع؟ أن يقول: لم أكن عالماً به، فإذا قيل له: لم لم تتعلم؟ انقطعت حجته؛ فإن الله لا يعذر على الجهل كما في الحديث، إلا أن

стр. 5457

يكون قريبَ عهدٍ بالإسلام، أو قد نشأ ببادية بعيدة عن الإسلام. وأما العالم فلا يسعه أن يقول: لم أكن عالماً، بل إذا قيل له: أمَا كنت عالماً؟ لم يسعه إلا أن يقول: نعم، فيقال له: ضيعت العلم، فهو مسيء من ثلاثة أوجه: الأول: فعله للمعصية. الثاني: إضاعته للعلم. الثالث: كفرانه لنعمة العلم. والجاهل مسيء من الوجهين الأولين فقط أيضاً؛ فإن العالِمَ بأنَّ هذا معصية لا يرضى الله بها، ثم يفعلها أعظمُ جرأة على الله تعالى ممن جهل أنها معصية، فلعله لو عرف أنها معصية امتنع منها، فلذلك عَظُم إثم العالم في معصيته. قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]؛ أي: لا يستويان في الشرف، ولا في المؤاخذة. وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠]. ثم بين سبب تضعيف العذاب عليهن لو أتين بما يوجبه بقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]: ٣٢]؛ أي: في الشرف والفضل. والشريف في نفسه إذا تنزل إلى فعل لا يليق بشرفه من سفساف

стр. 5458

الأمور استوجب العتاب أو العقاب. أو: لستن كأحد من النساء في العلم لأنكن أعلم النساء بالأحكام الشرعية لأنكن أقربهن إلى النبي ﷺ ، وغيركن من النساء إنما يأخذن العلم عنكن، أو عن غيركن من الوسائط، أو عن النبي ﷺ ، لكن لهن من الحياء ما يمنعهن من استيفاء الأحكام منه خصوصاً ما يختص بالنساء من الأحكام، وليس من النساء أقرب إلى الرجل من أهله؛ فإنهن أعلم النساء بالأحكام خفياتها وجلياتها، وبالحلال والحرام، فلذلك تتضاعف العقوبة عليكن لو عصيتن الله تعالى. وروى الطبراني في "الصغير"، وابن عدي في "الكامل"، والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - الله عليه وسلم -: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذاباً يَوْمَ القِيامَةِ عالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ" (١). وروى الطبراني، وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الزَّبانِيَةَ أَسْرَعُ إِلَى فَسَقَةِ القُرَّاءِ مِنْهُمْ إِلَى عَبَدَةِ الأَوْثانِ، فَيَقُولُونَ: يُبْدَأُ بِنا قَبْلَ عَبَدَةِ الأَوْثانِ؟ فَيُقالُ لَهُمْ: لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لا يَعْلَمُ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" بإسناد جيد، عن جندب بن عبد الله الأزدي رضي الله تعالى عنه - وكان من الصحابة رضي الله تعالى عنهم -

стр. 5459

عن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَينْسَى نَفْسَهُ كَمَثَلِ السِّراجِ؛ يُضِيْءُ لِلنَّاسِ، وَيُحْرِقُ نَفْسَهُ" (١). وأراد بالسراج فتيلته، أو هو على حذف مضاف؛ أي: كمثل فتيلة السراج. وقد روى البزار، والطبراني الحديث بنحوه من حديث أبي برزة رضي الله تعالى عنه، وقال فيه: "مَثَلُ الفَتِيلَةِ؛ تُضِيْءُ لِلنَّاسِ، وَتُحْرِقُ نَفْسَها" (٢). وروى عن عمار ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى حي من قيس أعلمهم شرائع الإسلام، فإذا قوم كأنهم الإبل الوحشية، طامحة أبصارهم، ليس لهم همٌّ إلا شاة أو بعير، فانصرفت إلى رسول الله ﷺ [فقال]: "ما عملت"، فقصصت عليه قصة القوم، وأخبرته بما فيهم من السهوة، فقال: "يا عَمَّارُ! أَلا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْهُمْ؟ قَوْمٌ عَلِمُوا ما جَهِلَ أُوْلَئِكَ ثُمَّ سَهُو كَسَهْوِهِمْ" (٣). وروى ابن عساكر نحوه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي ﷺ : أتيتك من عند قوم هم وأنعامهم سواء.

стр. 5460

فقال النبي ﷺ : "يا سَعْدُ! أَفلا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَومٌ عَلِمُوا ما جَهِلَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ جَهِلُوا كَجَهْلِهِمْ" (١). وروى الطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَقَدِ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُوْحَى إِلَيْهِ، وَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَداً أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ ما صَغَّرَ اللهُ، وَصغَّرَ ما عَظَّمَ اللهُ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِصاحِبِ القُرْآنِ أَنْ يَجِدَّ مَعَ مَنْ جَدَّ، وَلا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ وَفِي جَوْفِهِ كَلامُ اللهِ" (٢). والمعنى: لا ينبغي له أن يجد مع من جد؛ أي: فيما عليه الناس من العادات المخالفات للقرآن. وروى الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ ضَرَّهُ جَهْلُهُ، اقْرَأِ القُرْآنَ ما نهَاكَ، فَإِذا لَمْ يَنْهَكَ فَلَسْتَ تَقْرَأُهُ" (٣). وقوله: "ضَرَّهُ جَهْلُهُ"؛ أي: جهله بأن العلم الذي لا ينفع صاحبه

стр. 5461

وبالٌ على صاحبه، كما روى الطبراني في "الصغير"، وابن عدي، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشَدُّ النَّاسِ عَذاباً يَوْمَ القِيامَةِ عالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ" (١). ولذلك استعاذ النبي ﷺ من علم لا ينفع، كما رواه مسلم، والترمذي، والنسائي من حديث زيد بن أرقم ﵁ (٢). وروى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وابن ماجه بإسناد حسن، والأصبهاني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ" (٣). يجوز أن يراد بالعلم الذي لا ينفع العلم بأمور الدنيا، والتفقه في تحصيلها وتوفيرها، وبالجهل الذي يضر الجهل بأمور الآخرة، وهو أغلب أحوال الناس كما قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧]. وقد روى الحاكم في "تاريخه" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ عالِمٍ بِالدُّنْيا جاهِلٍ بِالآخِرَةِ" (٤).

стр. 5462

وروى الإمام أحمد، والبزار بإسناد صحيح، من حديثه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مَثَلَ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ كَمَثَلِ كَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللهِ" (١). وهذا فيه إشارة إلى أن العلم النافع هو العلم الذي يدعو صاحبه إلى العمل به، وإلى تعليمه غيره. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه، وفي هديه، وفي صدقه، وفي يده، وفي لسانه، وفي صلاته (٢). وروى الأصبهاني في "ترغيبه" عن هلال بن العلاء قال: طلب العلم شديد، وحفظه أشد من طلبه، والسلامة منه أشد من العمل به (٣)، ثم أنشأ يقول: [من البسيط] يَمُوتُ قَوْمٌ وَيُحْيِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ ... وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أَمْواتاً بِأَمْواتِ (٤)

стр. 5463

واعلم أن كل معصية ومخالفة تقع من العالم فهو متشبه فيها بالجاهل، لكنا نشير إلى أمهات الخصال المعدود مرتكبها من الجهال. ١ - فمنها: ترك طلب العلم، وترك الاستزادة منه، والرغبة عن ذلك . روى الدينوري في "المجالسة" عن ابن دأب قال: جاء رجل إلى أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: إني أريد أن أطلب العلم، وإنما أخاف أن أضيعه ولا أعمل به. قال: إنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل. ثم ذهب إلى أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، فقال له مثل ذلك. فقال له أبو الدرداء: إن الناس يُبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه، فيبعث العالم عالماً، والجاهل جاهلاً. ثم جاء إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال له مثل ذلك. فقال له أبو هريرة: ما أنت بواجد شيئاً أضيع له من تركه (١). ٢ - ومنها: كتمان العلم عند الحاجة إليه . فإن العالم إذا كتم العلم كان هو والجاهل سواء، فكما لا يستفاد

стр. 5464

من هذا علم لا يستفاد من هذا، ومن هنا قيل في منثور الحكم: من كتم علماً فكأنه جاهل (١). وفي الحديث: "مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ العِلْمَ ثُمَّ لا يُحَدِّثُ بِهِ كَمَثَلِ الَّذِي يَكْنِزُ الكَنْزَ وَلا يُنْفِقُ مِنْهُ". رواه الطبراني في "الأوسط" (٢). ورواه الإمام أحمد، والبزار بنحوه، وتقدم (٣). ٣ - ومنها: وضع العلم في غير أهله، ومنعه من أهله . روى الدارمي عن أبي فروة: أن عيسى بن مريم ﵉ كان يقول: لا تمنع العلم من أهله فتأثم، ولا تنشره عند غير أهله فتجهل، وكن طبيباً رفيقاً يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع (٤). وروى ابن عساكر عن عمرو بن قيس الملائي قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إن منعت الحكمة من أهلها جهلت، وإن منحتها غير أهلها جهلت، كن كالطبيب المداوي؛ إن رأى موضعاً للدواء، وإلا أمسك (٥).

стр. 5465

وروى البيهقي في "المدخل"، وغيره عن ابن عيينة قال: إن للحكمة أهلاً؛ إن منعتها أهلها كنت جاهلاً، كن كالطبيب العالم؛ يضع دواءه حيث ينفع (١). ٤ - ومنها: ترك العمل بالعلم . روى أبو الشيخ عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، وَمِلاكُ الدِّينِ الوَرَعُ، وَالعالِمُ مَنْ يَعْمَلُ". وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قلت، أو قيل: يا رسول الله! ما ينفي عني مذمة الجهل؟ قال: "العِلْمُ". قال: فما ينفي عني حجة العلم؟ قال: "العَمَلُ" (٢). وروى الدارمي عنه أنه قال: يا حملة العلم! اعملوا به؛ فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا
следующие страницы →