وبالٌ على صاحبه، كما روى الطبراني في "الصغير"، وابن عدي، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشَدُّ النَّاسِ عَذاباً يَوْمَ القِيامَةِ عالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ" (١).
ولذلك استعاذ النبي ﷺ من علم لا ينفع، كما رواه مسلم، والترمذي، والنسائي من حديث زيد بن أرقم ﵁ (٢).
وروى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وابن ماجه بإسناد حسن، والأصبهاني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ" (٣).
يجوز أن يراد بالعلم الذي لا ينفع العلم بأمور الدنيا، والتفقه في تحصيلها وتوفيرها، وبالجهل الذي يضر الجهل بأمور الآخرة، وهو أغلب أحوال الناس كما قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧].
وقد روى الحاكم في "تاريخه" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ عالِمٍ بِالدُّنْيا جاهِلٍ بِالآخِرَةِ" (٤).
стр. 5462
وروى الإمام أحمد، والبزار بإسناد صحيح، من حديثه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مَثَلَ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ كَمَثَلِ كَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللهِ" (١).
وهذا فيه إشارة إلى أن العلم النافع هو العلم الذي يدعو صاحبه إلى العمل به، وإلى تعليمه غيره.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه، وفي هديه، وفي صدقه، وفي يده، وفي لسانه، وفي صلاته (٢).
وروى الأصبهاني في "ترغيبه" عن هلال بن العلاء قال: طلب العلم شديد، وحفظه أشد من طلبه، والسلامة منه أشد من العمل به (٣)، ثم أنشأ يقول: [من البسيط]
يَمُوتُ قَوْمٌ وَيُحْيِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ ... وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أَمْواتاً بِأَمْواتِ (٤)
стр. 5463
واعلم أن كل معصية ومخالفة تقع من العالم فهو متشبه فيها بالجاهل، لكنا نشير إلى أمهات الخصال المعدود مرتكبها من الجهال.
١ - فمنها: ترك طلب العلم، وترك الاستزادة منه، والرغبة عن ذلك .
روى الدينوري في "المجالسة" عن ابن دأب قال: جاء رجل إلى أبي ذر رضي الله تعالى عنه فقال: إني أريد أن أطلب العلم، وإنما أخاف أن أضيعه ولا أعمل به.
قال: إنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل.
ثم ذهب إلى أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، فقال له مثل ذلك.
فقال له أبو الدرداء: إن الناس يُبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه، فيبعث العالم عالماً، والجاهل جاهلاً.
ثم جاء إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال له مثل ذلك.
فقال له أبو هريرة: ما أنت بواجد شيئاً أضيع له من تركه (١).
٢ - ومنها: كتمان العلم عند الحاجة إليه .
فإن العالم إذا كتم العلم كان هو والجاهل سواء، فكما لا يستفاد
стр. 5464
من هذا علم لا يستفاد من هذا، ومن هنا قيل في منثور الحكم: من كتم علماً فكأنه جاهل (١).
وفي الحديث: "مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ العِلْمَ ثُمَّ لا يُحَدِّثُ بِهِ كَمَثَلِ الَّذِي يَكْنِزُ الكَنْزَ وَلا يُنْفِقُ مِنْهُ". رواه الطبراني في "الأوسط" (٢).
ورواه الإمام أحمد، والبزار بنحوه، وتقدم (٣).
٣ - ومنها: وضع العلم في غير أهله، ومنعه من أهله .
روى الدارمي عن أبي فروة: أن عيسى بن مريم ﵉ كان يقول: لا تمنع العلم من أهله فتأثم، ولا تنشره عند غير أهله فتجهل، وكن طبيباً رفيقاً يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع (٤).
وروى ابن عساكر عن عمرو بن قيس الملائي قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إن منعت الحكمة من أهلها جهلت، وإن منحتها غير أهلها جهلت، كن كالطبيب المداوي؛ إن رأى موضعاً للدواء، وإلا أمسك (٥).
стр. 5465
وروى البيهقي في "المدخل"، وغيره عن ابن عيينة قال: إن للحكمة أهلاً؛ إن منعتها أهلها كنت جاهلاً، كن كالطبيب العالم؛ يضع دواءه حيث ينفع (١).
٤ - ومنها: ترك العمل بالعلم .
روى أبو الشيخ عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، وَمِلاكُ الدِّينِ الوَرَعُ، وَالعالِمُ مَنْ يَعْمَلُ".
وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قلت، أو قيل: يا رسول الله! ما ينفي عني مذمة الجهل؟
قال: "العِلْمُ".
قال: فما ينفي عني حجة العلم؟
قال: "العَمَلُ" (٢).
وروى الدارمي عنه أنه قال: يا حملة العلم! اعملوا به؛ فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا
стр. 5466
يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حِلَقاً فيباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه؛ أولئك لا تصعد أعمالهم [في مجالسهم] تلك إلى الله (١).
وعن سفيان بن عيينة قال: أجهل الناس من ترك ما تعلم، وأعلم الناس من عمل بالعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله تعالى (٢).
وروى أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَطِعْ رَبَّكَ لُتَسَمَّى عاقِلاً، وَلا تَعْصِهِ فَتُسَمَّى جاهِلاً" (٣).
وروى ابن جهضم عن بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى قال: لأن تكون جاهلاً خير من أن تكون عالماً ولا تعمل.
٥ - ومنها: التكبر بالعلم، والإعجاب به وبغيره مما يخصه ، والتزين بالعمل أو بالعلم، والمباهاة بهما، واستمالة القلوب بهما لنيل المال والجاه.
وروى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اطْلُبُوا العِلْمَ، وَاطْلُبُوا مَعَ الْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْحِلْمَ،
стр. 5467
وَلِيْنوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ وَلِمَنْ تَعَلَّمْتُمْ مِنْهُ، وَلا تَكُونوا مِنْ جَبابِرَةِ الْعُلَماءِ فَيَغْلِبَ جَهْلُكُمْ عِلْمَكُمْ" (١).
وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال لبعض أهل العلم: اتق الله، وارض بدون الشرف من المجلس، ولا تؤذين أحداً؛ فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك الله به إلا سَفَالة ونقصاً (٢).
وروى الدارمي عن مسروق رحمه الله تعالى قال: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه (٣).
وروى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قَلِيلُ الْفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ العِبادَةِ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ فِقْهاً إِذا عَبَدَ اللهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً إِذا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ". الحديث (٤).
وروى ابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُباهوا بِه العُلَماءَ، وَلا تُمارُوا بِهِ السُّفَهاءَ، وَلا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجالِسَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارَ النَّارَ".
стр. 5468
وروى الدارمي عن حبيب بن عبيد رحمه الله تعالى قال: كان يقال: تعلموا العلم وانتفعوا به، ولا تعلموه لتجملوا به؛ فإنه يوشك إن طال بكم عمر أن يتجمل ذو العلم بعلمه كما يتجمل ذو البِزَّة ببزته (١).
وروى عن يحيى بن خالد قال: الشريف إذا تقرى تواضع، والوضيع إذا تقرى تكبر (٢).
وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: يوشك أن تروا جهال الناس يتباهون بالعلم ويتغايرون عليه، كما تتغاير النساء على الرجال (٣).
٦ - ومنها: إنكار فضل ذوي الفضل، وتجهيلهم في علمهم، والإعراض عما يجيئون به من الحق مع العلم بأنه حق .
قال الله تعالى في حق اليهود: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١].
ذمهم بأنهم تجاهلوا ما جاءهم النبي ﷺ وهو الصادق المصادوق، وأنكروه عليه، وعاملوه معاملة الجاهلين بأمره.
стр. 5469
وفي الحديث: "إِنَّما يَعْرِفُ الفَضْلَ لِذَوِي الفَضْلِ أَهْلُ الفَضْلِ".
أخرجه الخطيب عن أنس، وابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها (١).
٧ - ومنها: أن لا يُنزل الناس منازلهم؛ كأن يكرم السفيه والوضيع من غير ضرورة، ويهين العالم والحكيم والشريف .
روى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد أقبل علي رضي الله تعالى عنه، فسلم، ثم وقف ينظر موضعاً يجلس فيه، فنظر النبي ﷺ في وجوه أصحابه أنهم يوسعوا له، وكان أبو بكر ﵁ عن يمينه، فقال: هاهنا يا أبا الحسن، فجلس علي ﵁ بين النبي ﷺ وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فعرف السرور في وجه النبي ﷺ ، فقال: "يا أبا بَكْرٍ! إِنَّما يَعْرِفُ الفَضْلَ لأَهْلِ الفَضْلِ ذُو الفَضْلِ" (٢).
وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أبا بكر فعل ذلك بالعباس رضي الله تعالى عنهما، فقال النبي ﷺ .
الحديث، وقد ذكرناه آنفاً، وهذا سببه (٣).
стр. 5470
وفي الإتيان بـ (إنما) الدالة على الحصر بدليل المقام، إشارة إلى أن من لم يعرف الفضل لأهله وينزلهم في منازلهم فليس من أهل الفضل، بل هو من أهل الجهل.
والمراد بالفضل هنا العلم، أو ما يشمله.
وفي الحديث: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنازِلَهُمْ" (١).
واعلم أن في التواضع في المجلس، ومعرفة الفضل لأهله، وإنزالهم منزلتهم كما فعل أبو بكر ﵁ إدخال السرور على صاحب المجلس، وعلى الجلساء، وعلى المتواضع له، والسلامة من إيقاع الوحشة بينهم، وتكدير المجلس، ووقوع أهله فيه لو نافس في المجلس من ضرب المثل به بعد ذلك، وانتشار قصته في الناس الموجودين ومن بعدهم كما يتفق الآن بين المتصدرين، وهو من غلبة جهلهم على علمهم إن سُلِّم لهم علم.
٨ - ومنها: المماراة والمجادلة بالعلم، والمناظرة بغير إظهار الحق .
روى الدارمي، وأبو نعيم عن مسلم بن يسار رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إياكم والمِراء؛ فإنه ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زَلَّته (٢).
стр. 5471
ولجدي شيخ الإسلام رضي الدين رحمه الله تعالى: [من مجزوء الرجز]
يا جاهِلاً وَهْوَ لأَهْـ ... ـلِ الْعِلْمِ لا يُسَلِّمُ
ارْجِعْ إِلَى الْحَقِّ وَإِنْ ... سُئِلْتَ قُلْ لا أَعْلَمُ
٩ - ومنها: الدعوى لغير غرض صحيح، وتزكية النفس، والرضا عنها، واحتقار الناس دونها .
روى الطبراني عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - قال: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قالَ: أَنا عالِمٌ فَهُوَ جاهِلٌ" (١).
وروى ابن أبي الدنيا في "العقل" عن بعض الحكماء أنه قال: من ظن أنه عاقل والناس حمقى كَمُل جهله (٢).
وروى الطبراني في "الأوسط"، والبزار بإسناد حسن، عن عمر ابن الخطاب، وهما وأبو يعلى عن العباس قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "يَظْهَرُ الإِسْلامُ حَتَّى يَخْتَلِفَ التُّجَّارُ فِي البَحْرِ، وَحَتَّى تَخُوضَ الْخَيْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَومٌ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ يَقُولُونَ: مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا؟ مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا؟ مَنْ أَفْقَهُ مِنَّا؟ ".
стр. 5472
ثم قال لأصحابه: "هَلْ فِي أُوْلَئِكَ مِنْ خَيْرٍ؟ "
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: "أُوْلَئِكَ مِنْكُم (١) مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ" (٢).
وأنشد الأستاذ أبو القاسم القشيري في "عيون الأسئلة": [من مجزوء الرمل]
وَمِنَ البَلْوَى الَّتِي لَيْـ ... ـسَ لَها فِي النَّاسِ كُنْهُ
أَنَّ مَنْ يَعْرِفُ شَيْئاً ... يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الإسكندري في "حِكَمِهِ": لأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه، خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه؛ فأي علم لعبد يرضى عن نفسه، وأي جهل لعبد لا يرضى عن نفسه (٣)؟
١٠ - ومنها: أن يكون عالماً بفن من العلم، فيُطْري ذلك الفن مع الغلو في ذم غيره وذم أهله .
كالفقيه يطعن على المحدث، والمحدث على الفقيه، أو المنطقي يطعن على المتفقه مطلقاً، أو على من يتفقه، أو يشتغل بالعلوم وبالمنطق
стр. 5473
قبل إتقان المنطق، والنحوي على المشتغل بغير النحو مطلقاً أو قبل إتقان النحو، أو نحو ذلك مهما كان منشؤه الهوى ومحبة ما النفس عليه؛ فإن منشأ ذلك الجهل، وأكثر ما يحمل الإنسان على ذم علم أو فن جهله به.
وقد قيل: الناس أعداء ما جهلوا (١).
وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
وإذا كان العلم الذي يذمه من العلوم الشرعية؛ كالفقه والتفسير، والذي عني به وأطراه من غيرها؛ كالطب، والشعر، والتاريخ وإن كانت لا تخلو من شرف، كان حاله أسوأ.
وقد أخرج ابن الأخضر في "مناقب الشافعي" رحمه الله تعالى قال: العلم جهل عند أهل الجهل، كما أن الجهل جهل عند أهل العلم (٢)، ثم أنشد الشافعي فيه: [من الوافر]
وَمَنْزِلَةُ الفَقِيهِ مِنَ السَّفِيهِ ... كَمَنْزِلَةِ السَّفِيهِ مِنَ الفَقِيهِ
فَهَذا زاهِدٌ فِي عِلْمِ هَذا ... وَهَذا فِيهِ أَزْهَدُ مِنْهُ فِيهِ (٣)
وأنشد ابن الصلاح في "طبقاته" عن أقضى القضاة الماوردي: أنه أنشد لابن دريد: [من الطويل]
стр. 5474
جَهِلْتَ وَعادَيْتَ العُلُومَ وَأَهْلَها ... كَذاكَ يُعادِي العِلْمَ مَنْ هُوَ جاهِلُه
وَمَنْ كانَ يَهْوَى أَنْ يُرَى مُتَصَدِّراً ... وَيَكْرَهُ لا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقاتِلُه (١)
أشار بالبيت الأول إلى معنى الآية: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، وعقد في البيت الثاني قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا ترك العالم (لا أدري) أُصيبت مقاتله. رواه البيهقي (٢).
١١ - ومنها: الإجابة عن كل ما يسأل عنه إلا أن يقول: لا أعلم، أو: لا أدري فيما لا يدري .
لأن في طي ذلك الدعوى بالإحاطة بكل علم، وهذا إنما هو لله تعالى.
ولقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ومن ثم كان الكامل عند العلماء من لا يستحيي أن يقول: لا أدري، أو: لا أعلم.
وروى البيهقي في "المدخل" عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ مِنَ البَيانِ سِحْراً، وإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلاً، [وإنَّ من الشعرِ حكماً]، وإِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالاً".
فقال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله ﷺ .
стр. 5475
أما قوله: "إِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلاً" يتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلمه فيجهله ذلك.
وأما قوله: "وَإِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالاً" [فعرضك كلامك] (١) وحديثك على من ليس من شأنه، ولا يريده (٢).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن المدائني قال: قال بعض الحكماء: لا تقل فيما لا تعلم؛ فتتهم فيما تعلم (٣).
وقال ابن عطاء الله في "حِكَمِهِ": من رأيته مجيباً عن كل ما يسأل، ومعبِّراً عن كل ما شهد، وذاكرًا كلَّ ما عدم، فاستدل بذلك على وجود جهله (٤).
وتقدم قول الجد رحمه الله تعالى: [من مجزوء الرجز]
يا جاهِلاً وَهْوَ لأَهـ ... ـلِ الْعِلْمِ لا يُسَلِّمُ
ارْجِعْ إِلَى الْحَقِّ وإِنْ ... سُئِلْتَ قُلْ لا أَعْلَمُ
١٢ - ومنها: الاشتغال بما ينكره الشرع من العلوم؛ كالسحر، والفلسفة، والتوغل في المنطق، أو فيما لا فائدة فيه كالكيمياء ،
стр. 5476
والعزائم، وكتب الأدب التي تخالف آداب الشريعة.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وروى أبو نعيم عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله تعالى قال: من تعلم طُرف الحديث لِيُسِرَّ به قلوب الناس لم يَرَح رائحة الجنة (١).
١٣ - ومنها: أن يطمع العالم فيما لا يكون، أو يشاء ما لم يشأ الله، أو يريد أن يكون ما لم يقدره الله؛ وهذا غاية الجهل .
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا﴾ أي سرباً ﴿فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾؛ أي: فافعل ولست مستطيعاً ذلك لأنَّا لم نشأه.
قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]؛ أي: الذين يريدون، أو يحاولون ما لم يشأ الله .
١٤ - ومنها: أنْ لا يخشى العالم الله تعالى، ولا يخاف منه، والاغترار به ولإملائه، ويتجرأ عليه، ويأمَن من مكره .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
قال الربيع بن أنس في هذه الآية: من لم يخش الله فليس بعالم.
стр. 5477
نقله الثعلبي، وغيره (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كفى بخشية الله تعالى علماً، وكفى بالاغترار بالله تعالى جهلاً (٢).
وروى الإمام أحمد، والدارمي عن عباس العَمِّي قال: بلغني أن داود ﵇ كان يقول في دعائه: سبحانك اللهم! أنت ربي تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض، فأقرب خلقك منك منزلة أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك؟ أو ما حكمةُ من لم يطع أمرك (٣)؟
وروى الدارمي عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: أول علم رفع من الناس الخشوع؛ يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعًا (٤).
سمى الخشوع علماً لأنه ينشأ عن الخشية، وعن معرفة الله
стр. 5478
تعالى، وقد تعوذ رسول الله ﷺ من قلب لا يخشع (١).
وروى ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنه قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] قال: غرَّه واللهِ جهلُه (٢).
وروي من غير طريق عمر مرفوعاً (٣).
والغرور أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة.
وأخرجه ابن جرير، وغيره عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى.
١٥ - ومنها: كثرة الضحك والمزاح .
روى الدارمي عن علي بن الحسين ﵄ قال: من ضحك ضحكة مج من العلم مجة (٤).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عمران الكوفي قال: قال عيسى ﵇ للحواريين: لا تأخذوا من الناس على ما تعلمون إلا مثل ما أعطيتموني، ويا مِلْح الأرض! لا تفسدوا؛ فإن كل شيء إذا فسد فلا دواء له إلا الملح، واعلموا أن فيكم خصلتين
стр. 5479
من الجهل: الضحك من غير عجب، والصبحة من غير سهر (١).
والصبحة: النوم بعد الصبح، وقد سبق أنها من الحمق، وهو أخو الجهل، أو هو منه.
وروى ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عبد الأعلى التيمي رحمه الله تعالى قال: إن من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه؛ لأن الله تعالى نعت أهل العلم فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] (٢).
وروى أبو نعيم عن موسى بن أعين قال: قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: يا أبا سعيد! كنا نمزح ونضحك، فأما إذ صرنا يقتدى بنا ما أرى يَسَعُنا التبسم (٣).
وعن خالد بن دينار: أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنه وعن آبائه كان إذا ضحك قال: اللهم لا تمقتني (٤).
نعم، لا بأس بقليل التبسم والمزح لثبوت ذلك عن النبي ﷺ
стр. 5480
ترويحاً للنفس، واستجماماً للقلب.
قال مالك بن مِغْوَل: مزح الشعبي رحمه الله تعالى في بيته، فقيل له: يا أبا عمرو! تمزح؟
قال: قرأ داخل، وقرأ خارج، نموت من الغم! (١)
١٦ - ومنها: أن يتجاوز إلى السخف وتضحيك الناس .
وهذا مستقبح من الجهلاء، فهو من عالم أقبح.
روى أبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أنه مر بالغاضري وهو يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال: يا شيخ! أما علمت أن لله يوماً يخسر فيه المبطلون؟
فما زالت تعرف في وجه الغاضري حتى لقي الله (٢).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحذر" عن وهب بن الورد رحمه الله تعالى قال: كان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يتمثل كثيراً: [من الطويل]
يُرَى مُسْتَكِيناً وَهْوَ لِلَّهْوِ ماقِتٌ ... بِهِ عَنْ حَدِيثِ القَوْمِ ما هُوَ شاغِلُهْ
وَأَزْعَجَهُ عِلْمٌ عَنِ الْجَهْلِ كُلِّهِ ... وَما عالِمٌّ شَيْئاً كَمَنْ هُوَ جاهِلُهْ
стр. 5481
عَبُوسٌ عَنِ الْجُهَّالِ حِينَ يَراهُمُ ... فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُمْ خَدِيْنٌ يُهازِلُهْ
تَذَكَّرَ ما يَبْقَى مِنَ العَيْشِ آجِلاً ... فَأَشْغَلَهُ عَنْ عاجِلِ العَيْشِ آجِلُهْ
١٧ - ٢٢ - ومنها: ست خصال رواها أبو نعيم عن محمد بن منصور الطوسي، وعن محمد بن الفضل البلخي، فقالا رضي الله تعالى عنهما: ست خصال يعرف بها الجاهل: الغضب في غير شيء، والكلام في غير نفع، والعظة في غير موضعها، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد، ولا يعرف صديقه من عدوه (١).
فالعالم أحق الناس باجتناب هذه الخصال المذمومة عقلاً وشرعاً.
٢٣ - ومنها: كثرة الكلام .
وفي المثل: لا يخلو مِهْذار (٢) من عِثار.
وقال أبقراط: الجاهل الساكت فيلسوف الجهلة.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الأحنف بن قيس قال: قال لي عمر رضي الله تعالى عنه: يا أحنف! من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استُخِفَّ به، ومن أكثر من شيء عُرِف به، ومن كثُر كلامه كثر سَقَطُه، ومن كثر سقطه قلَّ حياؤه، ومن قل حياؤه قل
стр. 5482
رَوْعُه، ومن قل روعه مات قلبه (١).
وفي الحديث: "الصَّمْتُ حِكْمَةٌ أَيُّ حِكْمَةٍ، وَهِيَ لُبابُ العِلْمِ" (٢).
وروى أبو الشيخ في "الثواب" عن محرز (٣) بن زهير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّمْتُ زَيْنٌ لِلْعالِمِ وَسِتْرٌ لِلْجاهِلِ" (٤).
وسبق عن إياس بن معاوية أنه عاب نفسه بكثرة الكلام.
٢٤ - ومنها: ما رواه البيهقي عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى قال: يقال: ما شر شيء ؟
قال: البطالة في العالم (٥).
والذي يليق بالعالم أن يكون في عدة معاده، أو مرمة معاشه.
٢٥ - ومنها: محبة الدنيا، وتمنيها، وتعظيمها، وإيثارها على الآخرة ، والطمع، وأخذ العوض منها على شيء من العلم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ
стр. 5483
الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٥ - ٩٦].
وعهد الله المأخوذ على العلماء هو أن يبينوا الحق للناس ولا يكتموه، وإن كتموه لغرض أو عَرَض قليل، أو بينوا خلافه لذلك فقد اشتروا بعهد الله ثمنا قليلاً، وكانوا بمنزلة الجاهلين الذين تركوا ما عند الله وهو باق بما عرض لهم من عرض الدنيا وهو فان نافد.
وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠].
جعل الله تعالى مقالة أهل العلم في معارضة مقالة أهل الدنيا إشارة إلى جهلهم، كالجاهل يرى الدنيا عظيمة، ويرى أن من كثرت لديه قد أوتي حظاً عظيماً، فيتمنى مثله، والدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فمن يستعظمها في غاية الجهل، والمتمني لها إنما يتمنى الهموم في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، فهو في غاية الجهل أيضاً.
وروى أبو نعيم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لا يكون العالم عالماً حتى لا يحسد من فوقه، ولا يحقر من دونه، ولا يأخذ على علمه ثمناً (١).
стр. 5484
٢٦ - ومنها: إيثار الدنيا على الآخرة، والطمع في الدنيا ، وسخط ما رزق منها، وعدم الرضا بما قسم له منها، واحتقار منزلته منها، والحسد عليها.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
ولا شك في جهل من آثر الدُّون على الخير.
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، وأبو نعيم من طريقه عن شميط بن عجلان رحمه الله تعالى قال: يَعْمَدُ أحدهم فيقرأ القرآن، ويطلب العلم حتى إذا علمه أخذ الدنيا يضمها إلى صدره، وحملها فوق رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا، لو لم ير في الدنيا خيره ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها.
قال عبد الله بن شميط: وكان أبي يقول: فمثله كمثل الذي قال الله : ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] (١).
وروى الدارمي عن عبيد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: مَنْ أرباب العلم؟
قال: الذين يعملون بما يعلمون.
قال: فما ينفي العلم من صدور الرجال؟
стр. 5485
قال: الطمع (١).
وعن هشام صاحب الدَّستوائي: أنه قرأ في كتاب بلغه أنه من كلام عيسى ﵇: كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟
كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضى شيئاً أصابه؟
كيف يكون من أهل العلم مَنْ دنياه آثرُ عنده من آخرته وهو في الدنيا أفضل رغبة؟
كيف يكون من أهل العلم من مصيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أشهى إليه - أو قال: أحب إليه مما ينفعه -؟
كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به، ولا يطلب ليعمل به؟
وأخرجه أيضاً الإمام أحمد في "الزهد" بزيادة (٢).
وروى ابن أبي شيبة، والدارمي عن ابن عمر ﵄ قال: لا يكون الرجل عالماً حتى لا يحسد من فوقه، ولا يحقر من دونه، ولا يبغي بعلمه ثمناً (٣).
стр. 5486
وتقدم من رواية أبي نعيم نحوه (١)، وثمت نحوه عن أبي حازم (٢).
وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: سبعة يهلكون بسبعة: أهل البادية بالجفاء، وأهل القرى - أي: غير المدن الكبيرة - بالجهل، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والسلاطين بالظلم، والعلماء بالحسد.
وروى البيهقي بمعناه حديثاً عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سَبْعَةٌ يُعَذِّبُهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ يَومَ القِيامَةِ: الأُمَراءُ بالْجَوْرِ، وَالْعُلَماءُ بِالْحَسَدِ، وَالعَرَبُ بِالعَصَبِيَّةِ، وَأَهْلُ الأَسْواقِ بِالْخِيانَةِ، وَالدهاقِين بِالْكِبْرِ، وَأَهْلُ الرَّساتِيقِ بِالْجَهْلِ" (٣).
وروى أبو نعيم عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: الحسد إنما يكون من لؤم العنصر وتعادي الطباع، واختلاف التركيب، وفساد مزاج البنية، وضعف عقد العقل، والحاسد طويل الحسرات، عادم الراحات (٤).
وقد علمت فيما تقدم أنَّ أولَ مَنْ حَسَدَ إبليسُ اللعين؛ حَسَدَ آدمَ
стр. 5487
عليه السلام، فإبليس أجهل الجاهلين وأحمق الحَمِقين.
٢٧ - ومنها: أن يأكل العالم بدينه .
فإن العلم شرف، والأكل بالدين سَفالة عوضاً عن الشرف، فهو في غاية الجهل.
ذكر أبو طالب المكي، وغيره: أن ابن المبارك سئل: من الناس؟
فقال: العلماء.
قيل: فمن الملوك؟
قال: الزهاد.
فيل: فمن السفلة؟
قال: الذين يأكلون بدينهم (١).
وقال بعض الحكماء: طلب الدنيا بالدف والمزمار خير من طلبها بالعلم أو بالدين (٢).
وروى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: لو أن العلم صانوا علمهم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل زمانهم، ولكن بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم، فهانوا على أهلها؛ سمعت رسول الله ﷺ : "مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا واحِداً كَفاهُ اللهُ هَمَّ آخِرَتِهِ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ
стр. 5488
لَمْ يُبالِ اللهُ فِي أَيِّ أِوْدِيَتِها وَقَعَ" (١).
وصحح الحاكم نحو المرفوع منه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٢).
٢٨ - ومنها: إطالة الأمل .
وسببه كما قال في "الإحياء": الجهل وحب الدنيا (٣).
قلت: وهو من الجهل أيضاً.
روى الدينوري عن ابن عائشة قال: قيل لبعض الحكماء: ما كمال الحمق؟
قال: طلب منازل الأخيار بأعمال الأشرار، وبغض أهل الحق، وصحبة أهل الباطل.
قيل: فما علامة الجهل؟
قال: حب الغنى، وطول الأمل، وشدة الحرص.
قيل: فما علامة العمى؟
قال: الركون إلى من لا يؤمن غشه، والمن بالصدقة، والعبادة
стр. 5489
مع البخل (١).
٢٩ - ومنها: اهتمام العالم بالبناء، وتعليته وزخرفته .
وهو من طول الأمل، وقد علمت أنه من الجهل، ولا يؤجر فيما صرفه فيه إلا ما لا بد منه، وليس من العلم أن يصرف ما لا ثواب فيه.
وروى الطبراني بإسناد صحيح، عن خباب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ نَفَقَةٍ يُنْفِقُها العَبْدُ يُؤْجَرُ فِيها إِلاَّ البُنْيانَ" (٢).
وأخرجه الترمذي بنحوه، وصححه (٣).
وأنشد: [من البسيط]
لَوْ كُنْتَ تَعْقِلُ يا مَغْرُورُ ما رَقَأَتْ ... دُموعُ عَيْنِكَ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ حَذَرِ
ما بالُ قَوْمٍ سِهامُ الْمَوْتِ تَخْطَفُهُمْ ... يُفاخِرُونَ بِرَفْعِ الطينِ وَالْمَدَرِ (٤)
٣٠ - ومنها: كثرة الحركة في أمور الدنيا، وفيما لا يعنيه .
بل الأولى به السكون مع الاشتغال بالعلم مذاكرة، ومراجعة،
стр. 5490
وتفكُّراً، وعملاً بموجبه.
روى أبو نعيم عن محمد بن عمران قال: قال رجل للشعبي رحمه الله تعالى: إن فلاناً عالم.
قال: ما رأيت عليه بهاء العلم.
قيل: وما بهاؤه؟
قال: السكينة؛ إذا علم لا يعنف، وإذا علم لا يأنف (١).
وعن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى قال: إن الله تعالى يبغض القارئ إذا كان لَبَّاساً، رَكَّاباً، وَلاَّجاً، خَرَّاجاً (٢).
٣١ - ومنها: الخبرة بأمور الدنيا ، وتدقيق النظر في تحصيلها، وفي تحسينها، وتنويعها، والتأنق في مطاعمها، ومشاربها، وملابسها، ومراكبها، ومساكنها مع الغفلة عن أمور الآخرة.
وهذا حال أكثر علماء الروم الآن، ومن حذا حذوهم.
قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠].
قال البيضاوي: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: أمر الدنيا، أو كونها شهية
стр. 5491
﴿مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: لا يتجاوزه علمهم (١).
ومن ثم قلَّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلسه حتى يدعو بهذه الدعوات لأصحابه: "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنا مِنْ خَشْيَتِكَ ما يَحُولُ بَيْنَنا وَبَيْنَ مَعاصِيكَ، وَمِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ ما تُهَوِّنُ عَلَيْنا مُصِيباتِ الدُّنْيا، وَمَتِّعْنا بِأَسْماعِنا وَأَبْصارِنا وَقُوَّتنا ما أَحْيَيْتَنا، وَاجْعَلْهُ الوارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثأْرَنا على مَنْ ظَلَمَنا، وَانْصُرْنا على مَنْ عادانا، وَلا تَجْعَلْ مُصِيَبَتَنا فِي دِيْنِنا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيا أَكْبَرَ هَمِّنا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنا وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنا مَنْ لا يَرْحَمُنا". رواه الترمذي، وحسنه (٢).
٣٢ - ومنها: التردد إلى السلاطين والأمراء والأغنياء، وخدمتهم، والتملق لهم لأجل حصول شيء من الإرفاق .
روى ابن ماجه بإسناد رواته ثقات، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ ناساً مِنْ أُمَّتِي يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَؤُونَ القُرْآنَ يَقُولُونَ: نَأْتِي الأُمَراءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْياهُمْ وَنَعْتَزُّ لَهُمْ بِدِينِنا، وَلا يَكُونُ ذَلِكَ؛ كَما لا يُجْتَنَى مِنَ القَتَادِ إِلاَّ الشَّوْكُ، لا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِم إِلاَّ الْخَطايا" (٣).
стр. 5492
أشار ﷺ إلى جهل من أراد أن ينتفع من قرب الملوك متجنباً لضررهم بأن من أراد ذلك حاول ما لا يكون كمن يحاول جني الثمر من القتاد، والقتاد لا يجنى منه إلا الشوك، ومحاول ما لا يكون جاهل، وأشار إلى أنهم فيما هم فيه مجتهدون، لكن الخطأ في اجتهادهم ظاهر.
ولقد أصاب محمد بن الفضل البلخي رحمه الله تعالى حيث قال: خطأ العالم إضرار على نفسه وعلى غيره من خطأ الجاهل. رواه أبو عبد الرحمن السلمي (١).
وذلك أن الجاهل يعرفه الناس بالجهل فلا يتبعونه، ويعلم من نفسه أنه غير عالم فيفعل وهو خائف أن لا يوافق فعله الصواب.
ولنا أرجوزة عظيمة في التحذر من الدخول على الملوك، نظمت فيها "ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين" للسيوطي.
وروى ابن السمعاني في "أماليه"، وغيره عن علي بن عبد العزيز الجرجاني القاضي أنه أنشد لنفسه: [من الطويل]
يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِباضُ وَإِنَّما ... رَأَوا رَجُلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَما
إِذا قِيلَ هَذا مَنْهَلٌ قُلْتَ قَدْ أَرى ... وَلَكِنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّما
وَما كُلُّ بَرْقٍ لاحَ لِي يَسْتَفِزُّنِي ... وَما كُلُّ أَهْلِ الأَرْضِ أَرْضاهُ مُنْعِما
стр. 5493
وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ العِلْمِ مُهْجَتِي ... لأَخْدِمَ مَنْ لاقَيْتُ لَكِنْ لأُخْدَما
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صانُوهُ صانهمْ ... وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعَظَّما
وَلَكِنْ أَذَلُّوهُ فَهانَ وَدَنَّسُوا ... مُحَيَّاهُ بِالأَطْماعِ حَتَّى تَجَهَّما
أَأَغْرِسُهُ عِزًّا وَأَجْنِيهِ ذِلَّةً ... إِذاً فَاتِّباعُ الْجَهْلِ قَدْ كانَ أَسْلَما (١)
* تَنْبِيهٌ:
اختلف السلف والخلف في القبول من السلاطين:
- فمنهم من كان يقبل.
- ومنهم من كان لا يقبل، وهو الورع.
ومحل الخلاف فيما لا يعلم مالكه فلا يقبله إلا من يأخذه ليرده على مالكه.
وروى ابن أبي الدنيا في "العقوبات" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال له: يا أبا الدرداء! كنا نأخذ القليل من المال فنجد منه البركة، وإنا نأخذ اليوم الكثير من المال فلا نجد فيه ما ينفعنا ولا نجد فيه بركة؟
فقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: لأنه مال جمع من القلوب؛ يعني: من الظلم.
وبيانه: أنه من أخذ منه ماله مظلوماً في أخذه يتعلق قلبه بماله
стр. 5494
وتَتْبعه عينه، بخلاف ما خرج عنه مالكه بطيب نفس وانشراح صدر.
٣٣ - ومنها: التلبس بالمعصية في صورة الطاعة، وقصد الطاعة بالمعصية أو في المعصية ، كما يفعله جهلة الصوفية إذا مر بهم صورة جميلة من المرد، فيقول قائلهم: سبحان الخلاق! يوهم الناظر إليه الطاعة وهو يتوسع في النظر، فإن اعتقد في تلك الصورة حُلولاً كان كفراً.
وكما يفعل جهلتهم، ومن يأخذ عنهم من التعبد بسجود مجرد عن الشكر والتلاوة، وخصوصاً عند مشاهدة الصورة الحسنة.
وكذا لو مر بظالم مطلوب له وهو يستخفي منه، فيسرع عند مفاجأته لئلا يراه، فيسبح مسبح، أو يهلل مهلل تنبيهاً لذلك الظالم عليه، فهذا كله قبيح، وهو من المتحلي بالعلم أقبح.
روى الدينوري في "المجالسة" عن الجرمي قال: سمعت الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول: قال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: إذا أراد الله بعبد خيراً زهَّده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصَّره عيوبه.
قال: ثم التفت الفضيل إلينا، وقال: ربما قال الرجل: لا إله إلا الله، فأخشى عليه النار.
قيل: وكيف ذلك؟
قال: يغتاب بين يديه رجل فيعجبه، فيقول: لا إله إلا الله،
стр. 5495
وليس هذا موضعها، إنما هذا موضع أن ينصح له في نفسه، ويقول له: اتق الله (١).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى: كان لقمان يقول لابنه ﵉: يا بني! اتق الله، ولا تر الناس أنك تخشى الناس ليكرموك بذلك وقلبك فاجر (٢).
قلت: وما أقرب هذا الحال والخلق من علماء السوء.
والعالم الصالح مَنْ سريرته مثل علانيته جميلة، أو أحسن من علانيته.
٣٤ - ومنها - وهو من أغلاط كثير ممن يدعي العلم والزهد -: تضييع العيال اشتغالاً بالعلم، أو بالعبادة من التطوعات .
وفي الحديث: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ" (٣).
وروى ابن جهضم عن يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: ثمرة البكاء ضحك في الجنان، ومجالس الذكر معادن الثواب، ومجالسة الفقراء علامة الإرادة، وإظهار التوكل بغير صدق عناء،
стр. 5496
وطلب الزهد فراراً من العمل بطالة، ولبس الصوف من قبل إماتة شهوة النفس جهالة، وترك المكاسب مع الحاجة إليها كسل، والكسب مع وجود الاستغناء عنه كلفة، والصبر على العزلة علامة وجود الطريق، والتعبد على تضييع العيال جهل (١).
٣٥ - ومنها: الاشتغال بحديث الدنيا، ووقائع الوقت، وتُرَّهات الزمان، وما لا يعنيه .
لأن ذلك تضييع لأيام العمر بلا فائدة، والعلم لا يقتضي ذلك، بل يقتضيه الجهل، وأكثر المتوسمين بالعلم الآن هذه مجالسهم، وهذه أوقاتهم مصروفة فيما لا يجديهم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال مالك بن أبي فروة: كنا نجالس عبد الله بن أبي الهذيل، فإن جاء إنسان فألقى حديثاً من حديث الناس قال: يا عبد الله! ليس لهذا جلسنا (٢).
وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ قيلَ وَقالَ" (٣).
ولا ينبغي لمن علم ما كره الله تعالى والنبي ﷺ لنا أن نرتكبه، فنساوي الجاهلين.
وأنشد العسكري في "المواعظ والزواجر": [من الخفيف]
стр. 5497
يَأْمَلُ الْمَرْءُ أَبْعَدَ الآمالِ ... وَهْوَ رَهْنٌ بِأَقْرَبِ الآجالِ
أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتَ يا عارِفاً بِاللَّـ ... ـهِ لِلْمُمْتَرِينَ وَالْجُهَّالِ
نَحْنُ نَلْهُو وَنَحْنُ يُحْصَى عَلَيْنا ... حَرَكاتُ الإِدْبارِ وَالإِقْبالِ (١)
٣٦ - ومنها: أن يكره الذم، ويحب الحمد لغير فضيلة .
واللائق بالعالم أن يستوي عنده حامِدُه وذامُّه.
روى الدارمي عن عميرة رحمه الله تعالى قال: إن رجلاً قال لابنه: اذهب اطلب العلم، فخرج، فغاب عنه ما غاب، ثم جاء فحدثه بأحاديث، فقال له أبوه: يا بني! اذهب فاطلب العلم، فغاب عنه أيضاً زماناً، ثم جاء بقراطيس فيها كتب، فقرأها عليه، فقال: هذا سواد في بياض، فاذهب فاطلب العلم، فخرج فغاب عنه ما غاب، ثم جاءه فقال لأبيه: سلني عما بدا لك.
فقال له أبوه: أرأيت لو أنك مررت برجل يمدحك، ومررت برجل يغيبك؟
قال: إذاً لَمْ أَلُمِ الذي يذمُّني، ولم أحمد الذي يمدحني.
قال: أرأيت لو مررت بصحيفة من ذهب - أو قال: من ورق -؟
قال: إذا لم أهيجها، ولم أقربها.
стр. 5498
قال: اذهب فقد علمت (١).
٣٧ - ومنها: العجلة، والطيش، والتهور لاسيما إذا نُمَّ إليه .
ومن شأن العالم التأني، والحلم، والاحتمال.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ تأَنَّىَ أَصابَ أَوْ كادَ، وَمَنْ عَجِلَ أَخْطَأَ أَوْ كادَ". رواه الطبراني في "الكبير" عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه (٢).
وقال ﷺ : "الأَناةُ مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ".
رواه الترمذي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما (٣).
فإنَّ عجلة (٤) العالِمِ تُؤثر مزلةَ الخطأ وما هو من الشيطان، على مطية الصواب وما هو مِنَ الله تعالى.
стр. 5499
وروى أبو نعيم عن طاوس رحمه الله تعالى: ما حمل العلم في أفضل من جراب الحلم (١).
٣٨ - ومنها معاشرة الجهلاء منهم، ورعاية مودتهم ، وصحبتهم تقرباً لخواطرهم لا لتعليمهم، والأخذ على أيديهم.
روى أبو نعيم عن عبد الله بن طاوس رحمهما الله تعالى قال: قال لي أبي: يا بني! صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن عقله (٢).
ومن المعلوم أن أحسن الناس عقولاً العلماء.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي عثمان شيخ من أهل البصرة: أن لقمان ﵇ قال لابنه: يا بني! لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تتهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك (٣).
وروى الأصبهاني في "ترغيبه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال لقمان لابنه: يا بني! جالسِ العلماء؛ فإنك إن لم
стр. 5500
تعمل بعلمهم أخذت من أخلاقهم، وإن لم تأخذ من أخلاقهم نزلت النقمة وأنت فيهم.
وكأنه جعل الأشرار هم الجهال؛ فإنه قابلهم بالعلماء.
وفي حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: "العالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكانِ فِي الْخَيْرِ، وَسائِرُ النِّاسِ لا خَيْر [فيه] " (١).
٣٩ - ومنها: معاشرة العلماء بالجهل، والسفه، وقلة الأدب، ومعاشرة العوام بالعلم، والأدب، والاحترام .
وهو من حيث الطبيعة عكس الحكمة.
قال معاوية بن قرة رحمه الله تعالى: مكتوب في الحكمة: لا تجالس بعلمك السفهاء، ولا تجالس بسفهك العلماء.
ذكره الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" (٢).