← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

وطلب الزهد فراراً من العمل بطالة، ولبس الصوف من قبل إماتة شهوة النفس جهالة، وترك المكاسب مع الحاجة إليها كسل، والكسب مع وجود الاستغناء عنه كلفة، والصبر على العزلة علامة وجود الطريق، والتعبد على تضييع العيال جهل (١). ٣٥ - ومنها: الاشتغال بحديث الدنيا، ووقائع الوقت، وتُرَّهات الزمان، وما لا يعنيه . لأن ذلك تضييع لأيام العمر بلا فائدة، والعلم لا يقتضي ذلك، بل يقتضيه الجهل، وأكثر المتوسمين بالعلم الآن هذه مجالسهم، وهذه أوقاتهم مصروفة فيما لا يجديهم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال مالك بن أبي فروة: كنا نجالس عبد الله بن أبي الهذيل، فإن جاء إنسان فألقى حديثاً من حديث الناس قال: يا عبد الله! ليس لهذا جلسنا (٢). وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ قيلَ وَقالَ" (٣). ولا ينبغي لمن علم ما كره الله تعالى والنبي ﷺ لنا أن نرتكبه، فنساوي الجاهلين. وأنشد العسكري في "المواعظ والزواجر": [من الخفيف]

стр. 5497

يَأْمَلُ الْمَرْءُ أَبْعَدَ الآمالِ ... وَهْوَ رَهْنٌ بِأَقْرَبِ الآجالِ أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتَ يا عارِفاً بِاللَّـ ... ـهِ لِلْمُمْتَرِينَ وَالْجُهَّالِ نَحْنُ نَلْهُو وَنَحْنُ يُحْصَى عَلَيْنا ... حَرَكاتُ الإِدْبارِ وَالإِقْبالِ (١) ٣٦ - ومنها: أن يكره الذم، ويحب الحمد لغير فضيلة . واللائق بالعالم أن يستوي عنده حامِدُه وذامُّه. روى الدارمي عن عميرة رحمه الله تعالى قال: إن رجلاً قال لابنه: اذهب اطلب العلم، فخرج، فغاب عنه ما غاب، ثم جاء فحدثه بأحاديث، فقال له أبوه: يا بني! اذهب فاطلب العلم، فغاب عنه أيضاً زماناً، ثم جاء بقراطيس فيها كتب، فقرأها عليه، فقال: هذا سواد في بياض، فاذهب فاطلب العلم، فخرج فغاب عنه ما غاب، ثم جاءه فقال لأبيه: سلني عما بدا لك. فقال له أبوه: أرأيت لو أنك مررت برجل يمدحك، ومررت برجل يغيبك؟ قال: إذاً لَمْ أَلُمِ الذي يذمُّني، ولم أحمد الذي يمدحني. قال: أرأيت لو مررت بصحيفة من ذهب - أو قال: من ورق -؟ قال: إذا لم أهيجها، ولم أقربها.

стр. 5498

قال: اذهب فقد علمت (١). ٣٧ - ومنها: العجلة، والطيش، والتهور لاسيما إذا نُمَّ إليه . ومن شأن العالم التأني، والحلم، والاحتمال. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ تأَنَّىَ أَصابَ أَوْ كادَ، وَمَنْ عَجِلَ أَخْطَأَ أَوْ كادَ". رواه الطبراني في "الكبير" عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه (٢). وقال ﷺ : "الأَناةُ مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ". رواه الترمذي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما (٣). فإنَّ عجلة (٤) العالِمِ تُؤثر مزلةَ الخطأ وما هو من الشيطان، على مطية الصواب وما هو مِنَ الله تعالى.

стр. 5499

وروى أبو نعيم عن طاوس رحمه الله تعالى: ما حمل العلم في أفضل من جراب الحلم (١). ٣٨ - ومنها معاشرة الجهلاء منهم، ورعاية مودتهم ، وصحبتهم تقرباً لخواطرهم لا لتعليمهم، والأخذ على أيديهم. روى أبو نعيم عن عبد الله بن طاوس رحمهما الله تعالى قال: قال لي أبي: يا بني! صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن عقله (٢). ومن المعلوم أن أحسن الناس عقولاً العلماء. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي عثمان شيخ من أهل البصرة: أن لقمان ﵇ قال لابنه: يا بني! لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تتهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك (٣). وروى الأصبهاني في "ترغيبه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال لقمان لابنه: يا بني! جالسِ العلماء؛ فإنك إن لم

стр. 5500

تعمل بعلمهم أخذت من أخلاقهم، وإن لم تأخذ من أخلاقهم نزلت النقمة وأنت فيهم. وكأنه جعل الأشرار هم الجهال؛ فإنه قابلهم بالعلماء. وفي حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: "العالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكانِ فِي الْخَيْرِ، وَسائِرُ النِّاسِ لا خَيْر [فيه] " (١). ٣٩ - ومنها: معاشرة العلماء بالجهل، والسفه، وقلة الأدب، ومعاشرة العوام بالعلم، والأدب، والاحترام . وهو من حيث الطبيعة عكس الحكمة. قال معاوية بن قرة رحمه الله تعالى: مكتوب في الحكمة: لا تجالس بعلمك السفهاء، ولا تجالس بسفهك العلماء. ذكره الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" (٢).

стр. 5501

٤٠ - ومنها: معاداة العلماء، وبغض الأولياء ولاسيما الصحابة ﵃ -. قال علي رضي الله تعالى عنه: [من البسيط] وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ ما كانَ يُحْسِنُه ... وَالْجاهِلُونَ لأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْداءُ (١) وروى أبو نعيم عن محمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنه وعن آبائه قال: من لم يعرف قدر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقد جهل السنة (٢). وأي جهل أبلغ من جهل من أبغض واحداً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد قوله ﷺ : "اللهَ اللهَ فِي أَصْحابِي! لا تتَّخِذُونَهُمْ غَرَضاً بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبى أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذاهُمْ فَقَدْ آذانِي، وَمَنْ آذانِي فَقَدْ آذى اللهَ، وَمَنْ آذى اللهَ يُوْشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ". رواه الترمذي عن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه (٣). وقوله ﷺ : "احْفَظُونِي فِي أَصْحابِيَ وَأَصْهارِي، فَمَنْ حَفِظَنِي فِيهِمْ حَفِظَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْنِي فِيهِمْ تَخَلَّى اللهُ مِنْهُ، وَمَنْ تَخَلَّى اللهُ مِنْهُ أَوْشَكَ أَنْ يَأْخُذَه". رواه أبو القاسم البغوي، والطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"، وابن عساكر

стр. 5502

عن عياض الأنصاري رضي الله تعالى عنه (١). ٤١ - ومنها: أن يتتبع عورات الأقران وعيوبهم، ويطعن عليهم، فيسخر بمن دونه، ويَهْزَأ بمن فوقه . وكل ذلك من الجهل. قال مطر الورَّاق: سألت الحسن عن مسألة، فقال فيها، فقلت: يا أبا سعيد! يخالفك فيها الفقهاء. قال الحسن: ثكلتك أمك يا مطر! هل رأيت فقيهاً قط، وهل تدري ما الفقيه؟ الفقيه: الورع الزاهد، الذي لا يسخر ممن أسفل منه، ولا يهزأ بمن فوقه، ولا يأخذ على علم علمه الله تعالى حطاماً (٢). وروى أبو نعيم عن أبي حازم رحمه الله تعالى قال: لا تكون عالماً حتى يكون فيك ثلاث خصال: لا تبغي على من فوقك، ولا تحقر من دونك، ولا تأخذ على علمك دنيا (٣). وعنه قال: إن العلماء كانوا فيمن مضى من الزمان إذا لقي

стр. 5503

العالم من هو فوقه في العلم كان يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله ذاكره، وإذا لقي من هو دونه لم يَزْهُ عليه حتى كان هذا الزمان هلك الناس (١). وتقدم أثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في هذا الباب (٢). ٤٢ - ومنها: أن يكون اهتمامه حين يسأل خلاص السائل في الدنيا وإن ضر نفسه، وأتلف دينه، وضر السائل في دينه كأن يرتب للسائل حيلة . تخلصه من حقه، أو توصله إلى باطل. وهذا جهل عظيم. قال ربيعة بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى: وقف عليَّ أبو خلدة رحمه الله تعالى قاضياً كان علينا فقال: يا ربيعة! إن الناس قد أطافوا بك؛ همك إذا أتاك السائل أن تخلص قلبك، ولا تخلصه. رواه أبو نعيم (٣). ورواه البيهقي، ولفظه: قال لي أبو خلدة: يا ربيعة! أراك تفتي الناس، فإذا جاءك الرجل يسألك فلا تكن همتك أن تخرجه مما وقع فيه، ولتكن همتك أن تتخلص مما يسألك عنه (٤).

стр. 5504

٤٣ - ومنها: الجرأة على الفتوى، والمبادرة إليها من [غير] تثبت، والتلبيس فيها، والتكلف فيها . وكل ذلك من الجهل، وقلة العقل، وضعف الرأي. روى الدارمي عن عبيد الله بن أبي جعفر مرسلاً، عن النبي ﷺ قال: "أَجْرَؤُكُمْ عَلى الفُتْيا أَجْرَؤُكُمْ عَلى النَّارِ" (١). وروى الشيخان، وغيرهما عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ العُلَماءِ حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٢). وروى الدارمي، والنحاس في "ناسخه" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن من منسوخه، وذلك عمر رضي الله تعالى عنه، ورجل قاض لا يجد من القضاء بداً، ورجل أحمق متكلف، فلست بالرجلين الأولين، وأكره أن أكون الثالث (٣). وروى سعيد بن منصور، والدارمي، والبيهقي في "المدخل" عن

стр. 5505

ابن عباس ﵄ قال: من أفتى بفتيا وهو يعمي فيها كان إثمها عليه (١). وقال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق؛ كان يقال: التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما عجل امرؤ فأصاب، واتأد آخر فأصاب، إلا كان الذي اتأد أصوب رأيًا، ولا عجل امرؤ فأخطأ، واتأد آخر فأخطأ إلا كان الذي اتأد أشد خطأ. رواه الدارمي (٢). وروى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: نُهينا عن التكلف (٣). وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى"، والبيهقي في "المدخل" عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى قال: لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما أحد منهم يحدث حديثاً إلا وَدَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتوى إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا (٤). وقال ابن حُصين: إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على

стр. 5506

عمر بن الخطاب لجمع لها أهل (١). وقال ابن المنكدر: إن العالم بين الله وبين خلقه؛ فلينظر كيف يدخل بينهم. وفي رواية: فليطلب لنفسه المخرج (٢). رواهما الدارمي. وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لولا الفَرَق من الله أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المَهْنأ وعليَّ الوزر (٣). وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحداً جَمَع الله فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه على الفتيا (٤). نقلها والدي رحمه الله تعالى في "الدر النضيد". ٤٤ - ومنها: أن يعين صديقه أو حميمه ، أو غيرهما على باطل ولو بحيلة، ولو بجاهه، أو خطه، أو لسانه، أو يده؛ فإن هذا من الجهل والحماقة. روى البيهقي في "سننه" عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يُعِينُ قَوْمَهُ عَلى غَيْرِ الْحَقِّ مَثَلُ بَعِيرٍ تَرَدَّى فَهُوَ يَجُرُّ بِذَنبِهِ" (٥).

стр. 5507

ما اكتفى ﷺ بتمثيله بالبعير في الجهل حتى وصفه بالتردي، ثم بجر ذنبه طلباً للنجاة، فحسب أنه بجر ذنبه ينجو. ٤٥ - ومنها: ترك الأفضل والمستحب ، وفعل خلف الأولى والمكروه. روى الإمام أحمد عن دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! أحمل لك حماراً على فرس فتنتج بغلاً؟ فقال: "إِنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" (١)؛ أي: الجاهلون. وذلك أن في حمل الحمار على الفرس تنغيص لذة الحيوانين؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن الرَّمكة إذا نتجت فرساً أولى من أن تنتج بغلاً لأن الفرس أشرف، والإعراض عن الأشرف إيثاراً للأدون نوعُ من الجهل. قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: لا ينبغي للمؤمن أن يرضى لنفسه إلا بخير المنزلتين. ٤٦ - ومنها: التجاوز من المكروهات إلى ارتكاب المعاصي والموبقات، وفعل المكروه مقدمة فعل المحرم . قال الله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي

стр. 5508

كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، أي: الذين يحملهم الجهل على فعل الفاحشة، أو: من الجاهلين بالصبا إلى ما لا يحل لهم. وقال تعالى حكاية عن قوم لوط في خطاب قومه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]. وروى أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ابْنَ آدَمَ! أَطِعْ رَبَّكَ تُسَمَّى عاقِلاً، وَلا تَعْصِهِ تُسَمَّى جاهِلاً" (١). ٤٧ - ومنها - وهو من جنس ما قبله -: قطيعة الرحم، وأوغل منه في الجهل: عقوق الوالدين . قال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩]. ثم انظر كيف عاملهم بمقتضى العلم، ولم يقابلهم بمثل جهلهم بالحلم والشفقة، فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]. ثم تأمل جهلهم حين قالوا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، وعلمه حين رفع أبويه على العرش. ٤٨ - ومنها: الهجوم في الفتنة، وعدم النظر في العواقب . روى أبو نعيم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: إن الفتنة إذا

стр. 5509

أقبلت عرَّفها العالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل (١). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الفِتْنَةَ تَجِيْءُ بِهِ فَتَنْسِفُ العُبَّادَ نَسْفاً وَيَنْجُو العالِمُ مِنْها بِعِلْمِهِ" (٢). ٤٩ - ومنها: الثقة بالنفس ودعاويها . وربما حمله الجهل والطيش على الإقسام على نجاز مواعيدها، وربما حملها دعوى الوفاء على التزام ما تعمد به بالنذر ونحو ذلك، وأكثر ما ينتهي الأمر في ذلك إلى الندم. قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١]. نعم، ينبغي للعبد إذا وعد نفسه بفعل شيء من الطاعات، أو من المكارم أن يقول: إن شاء الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. وإذا أخل العالم بهذا الأدب كان أسوأ حالاً من الجاهل.

стр. 5510

٥٠ - ومنها: أن يحمله حب الدنيا والعيش فيها على ترك المعروف والنهي عن المنكر . وهذا حال العلماء الآن إلا من وفقه الله تعالى، وقليل ما هم. روى الأصبهاني في "ترغيبه" عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّكُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ما لَمْ تَظْهَرْ فِيكُمْ سَكْرَتانِ: الْجَهْلُ، وَحُبُّ العَيْشِ، وَأَنَتُمْ تأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَسَتُحَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ إِذا ظَهَرَ فِيكُمْ حُبُّ الدُّنْيا، فَلا تَأْمُرُونَ بِمَعْرُوفٍ وَلا تَنْهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ، وَلا تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَالقائِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِالكِتابِ وَالسُّنَّةِ كَالسَّابِقينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالأَنْصار" (١). * تَنْبِيهٌ: مما يجري مجرى الأمثال قول عمرو بن كلثوم التغلبي: [من الوافر] أَلا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجاهِلِينا (٢) وهذا إنما يستحسن إذا كان على وجه المشاكلة والمقابلة ممن يظلم

стр. 5511

فينتصر من بعد ظلمه من غير مجاوزة إلى ما يمنع شرعاً كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. والقصاص في نفسه ليس بعدوان، وإنما أطلق عليه اسم الاعتداء على وجه المشاكلة كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤]. وفي قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. وإطلاق الجهل على الانتصار مجاز، وليس بجهل حقيقة. وفي مثل ذلك ما في "المجالسة" للدينوري قال: ثنا أحمد بن علي المروزي قال: أنشدني المازني لبعضهم: [من الطويل] لَئِنْ كُنْتُ مُحْتاجاً إِلى الْحِلْمِ إِنَّنِي ... إِلَى الْجَهْلِ فِي بَعْضِ الأَحايِينِ أَحْوَجُ فَلِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ ... وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالْجَهْلِ مُسْرَجُ فَمَنْ شاءَ تَقْوِيْمِي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ ... وَمَنْ شاءَ تَعْوِيْجِي فَإِنِّي مُعَوَّجُ وَما كُنْتُ أَرْضى الْجَهْلَ خِدْناً وَلا أَخاً ... وَلَكِنَّنِي أَرْضَى بِهِ حِينَ أُحْوَجُ

стр. 5512

أَلا رُبَّما ضاقَ الفَضاءُ بِأَهْلِه ... وَأَمْكَنَ مِنْ بَيْنِ الأَسِنَّةِ مَخْرَجُ وَإِنْ قالَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ سَماجَةً ... فَقَدْ صَدَقُوا وَالذُّلُّ بِالْحُرِّ أَسْمَجُ (١) وأنشد ابن دريد عن أبي حاتم: [من الطويل] إِذا أَمِنَ الْجُهَّالُ جَهْلَكَ مَرَّةً ... فَعِرْضُكَ لِلْجُهَّالِ غُنْمٌ مِنَ الْغُنْمِ فَعَمِّ عَلَيْهِ الْحِلْمَ وَالْجَهْلَ وَالْقَهُ ... بِمَنْزِلَة بَيْنَ العَداوَةِ وَالسَّلْمِ إِذا أَنْتَ جازَيْتَ الْمُسِيْءَ كَما جَرَى ... فَأَنْتَ سَفِيهٌ مِثْلُهُ غَيْرُ ذِي حِلْمِ فَلا تُفْضِيَنَّ (٢) عِرْضَ السَّفِيهَ وَدارَهُ ... بِحِلْمٍ وَإِنْ أَعْيَى عَلَيْكَ فَبِالصَّرْمِ فَيَرْجُوكَ تاراتٍ وَيخْشاكَ مَرَّةً ... وَتَأْخُذُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ بِالْحَزْمِ

стр. 5513

فَإِنْ لَمْ تَجِدْ أَمْراً مِنَ الْحَزْمِ (١) فَاسْتَعِنْ ... عَلَيْكَ بِجُهَّالٍ فَذاكَ مِنَ الْعَزْمِ (٢) وقد تقدم نظير ذلك في الحمقى والمجانين. * تَتِمَّةٌ: روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون. وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً، حكيماً، سكيتاً، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون لا صخاباً، ولا صيَّاحاً، ولا حديداً (٣). وروى الدينوري أن محمد بن فضالة أنشده: [من الطويل] يُرى مُسْتكيناً وَهْوَ لِلَّهْوِ ماقِتاً ... بِهِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ما هُوَ شاغِلُهْ يَبِيتُ إِذا نامَ الْخَلِيُّونَ ساهِراً ... كَثِيراً تَشَكِّيهِ كَثِيراً بِلابِلُه تأوَّه ذي بَثٍّ أُصِيبَ حَمِيمُهُ ... بِهِ وَلَعٌ تَحْتَ الشَّراسِيفِ قاتِلُه تَذَكَّرَ ما يَبْقَى مِنَ العَيْشِ آجِلاً ... فَأَزْعَجَهُ مِنْ عاجِلِ العَيْشِ آجِلُه

стр. 5514

وَأَزْعَجَهُ عِلْمٌ نَفى الْجَهْلَ كُلَّهُ ... وَما عالِمٌ أَمْراً كَمَنْ هُوَ جاهِلُه (١) وروى الطبراني في "الأوسط" عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ أَخِي مُوسَى ﵇: يا رَبِّ! أَرِني الَّذِي كُنْتَ أَرَيْتَنِي فِي السَّفِينَةِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ: يا مُوسَى! إِنَّكَ سَتَراهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ يَسِيراً حَتَّى رَأَى الْخَضِرَ ﵇ فِي طَيّبِ رِيحٍ، وَحُسْنِ ثِيابِ البَياضِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُوسَى بْنَ عِمْرانَ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، فَقالَ مُوسى ﵇: وَهُوَ السَّلامُ، وَمِنْهُ السَّلامُ، وَإِلَيْهِ السَّلامُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ الَّذِي لا أُحْصِي نِعَمَهُ، وَلا أَقْدِرُ عَلى شُكْرِهِ إِلاَّ بِمَعُونَتِهِ. ثُمَّ قالَ مُوسَى ﵇: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُوْصِيَنِي بِوَصِيَّةٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِها بَعْدَكَ. قالَ الْخَضِرُ ﵇: يا طالِبَ العِلْمِ! إِنَّ القائِلَ أقلُّ مَلالةً مِنَ الْمُسْتَمعِ؛ فَلا تُمِلَّ جُلَساءَكَ إِذا حَدَّثْتَهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَلْبَكَ وِعاءٌ؛ فَانْظُرْ ماذا تَحْشُو بِهِ وِعاءَكَ، وَاعْزُفْ عَنِ الدُّنْيا، وَانْبِذْها وَراءَكَ؛ فَإِنَّها لَيْسَتْ لَكَ بِدارٍ، وَلا لَكَ فِيها مَحَلُّ قَرارٍ، وَإِنَّها جُعِلَتْ بلِغةً لِلعِبادِ لِيَتَزَوَّدُوا مِنْها لِلْمَعادِ. وَيا مُوسَى! وطِّنْ نَفْسَكَ عَلى الصَّبْرِ تَلْقَى الْحُكْمَ، وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ بِالتَّقْوى تَنَلِ العِلْمَ، وَرَضِّ نَفْسَكَ عَلَى الصَّبْرِ تَخْلُصْ مِنَ الإِثْمِ.

стр. 5515

يا مُوسَى! تَفَرَّغْ لِلْعِلْمِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُهُ؛ فَإنَّ العِلْمَ لِمَنْ تَفَرَّغَ لَهُ، وَلا تَكُونَنَّ مِكْثاراً بِالْمَنْطِقِ مِهْذاراً؛ إِنَّ كَثْرَةَ الْمَنْطِقِ تَشِينُ الْعُلَماءَ، وَتُبْدِي مَساوِئَ السُّخَفاءِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِذي اقْتِصادٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّوفِيقِ وَالسَّدادِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجِدالِ وَاحْلُمْ عَنِ السُّفَهاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فَضْلُ الْحُكَماءِ وَزينُ العُلَماءِ. إِذا شَتَمَكَ الْجاهِلُ فَاسْكُتْ سِلْماً، وَجانِبْهُ حَزْماً؛ فَإِنَّ ما بَقِيَ مِنْ جَهْلِكَ عَلَيْكَ، وَشَتْمَهُ إِيَّاكَ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ. يا ابْنَ عِمْرانَ! لا تَفْتَحْ باباً لا تَدْرِي ما غَلَقُهُ، وَلا تُغْلِقْ باباً لا تَدْرِي ما فَتْحُهُ. يا ابْنَ عِمْرانَ! إِنَّ مَنْ لا تَنْتَهِي مِنَ الدُّنْيا نَهْمَتُهُ، وَلا تَنْقَضِ فِيها رَغْبَتُهُ كَيْفَ يَكُونُ عابِداً؟ مَنْ يَحْقِرُ حالَهُ وَيَتِّهِمُ اللهَ فِيما قَضى لَهُ كَيْفَ يَكُونُ زاهِداً؟ هَلْ يَكُفُّ عَنِ الشَّهَواتِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَواهُ؟ وَيَنْفَعُهُ طَلَبُ العِلْمِ وَالْجَهْلُ قَدْ حَوَّلَهُ لأَنَّ سَفَرَهُ إِلَى آخِرَتهِ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلى دُنْياهُ. يا مُوسَى! تَعَلَّمْ ما تَعَلَّمُ لِتَعْمَلَ بِهِ، وَلا تَعَلَّمْهُ لِتُحَدِّثَ بِهِ فَيَكُونَ عَلَيْكَ بَورُه، [ويكون لغيركَ نُورُهُ]. يا ابْنَ عِمْرانَ! اجْعَلِ الزُّهْدَ وَالتَّقْوى لِباسَكَ، وَالْعِلْمَ وَالذِّكْرَ كَلامَكَ، وَأَكْثِرْ مِنَ الْحَسَناتِ فَإِنَّكَ مُصِيبٌ السَّيِّئاتِ، وَزَعْزِعْ بِالْخَوْفِ

стр. 5516

قَلْبَكَ، وَاعْمَلْ خَيْراً فَإِنَّكَ لا بُدَّ عامِلٌ سِواهُ. قَدْ وَعَظْتُ إِنْ حَفِظْتَ. فَتَوَلَّى الْخَضِرُ، وَبَقِيَ مُوسى حَزِيناً مَكْرُوباً؛ عَلَيْهِما الصَّلاةُ وَالسَّلام" (١). وقول الخضر ﵇: وأعرض عن الجهال ... إلى آخره، فهو موافق لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ولا شك أن الإعراض أفضل من مقابلة الجهل بالانتقام. وفي هذا المعنى ما رواه المعافى بن زكريا في "الجليس والأنيس" عن النضر بن شُميل: أن المأمون قال له: أنشِدْني أحسن ما قالته العرب في الحلم، فأنشده: [من الطويل] إِذا كانَ دُونِي مَنْ بُلِيتُ بِجَهْلِهِ ... أَبَيْتُ لِنَفْسِي أَنْ أُقابَلَ بِالْجَهْل وَإِنْ كانَ مِثْلِي فِي مَحَلٍّ مِنَ العُلا ... هَوَيْتُ إِذاً حِلْماً وَصَفْحاً عَنِ الْمِثْلِ

стр. 5517

وَإِنْ كُنْتُ أَدْنَى مِنْهُ فِي الفَضْلِ وَالْحِجَى ... رَأَيْتُ لَهُ حَقَّ التَّقَدُّمِ وَالفَضْلِ (١)

стр. 5518

الفَصْلُ الثَّانِي فِي تَشَبُّهِ العَالِمِ بِالجَاهِلِ في نَفْسِ الجَهْلِ وهو على وجهين: الوجه الأول: أن يقعد عن طلب الزيادة في العلم ، أو ينبغي للمؤمن أن لا يرضى إلا بخير المنزلتين. وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم؛ فإنه إذا ظن أنه علم فقد جهل. رواه الدينوري في "المجالسة" (١). لكن طلب الزيادة في العلم إنما يحسُن بعد العمل بما علم والخروج من عهدته، ولذلك ورد في الدعاء: "اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وَزِدْنا عِلْماً" (٢).

стр. 5519

وليس من مقتضى العلم أن يترك العمل به ليزداد من العلم؛ فإن العلم إنما يراد للعمل به. وكان داود الطائي رحمه الله تعالى يقول: العلم آلة العمل، فإذا أفنيت عمرك في جمع الآلة فمتى تعمل (١)؟ وفي معناه ما قاله بعض العلماء المتقدمين لطلبة الحديث: [من المتقارب] إِذا كُنْتُمْ تَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ ... نَهاراً وَفِي لَيْلِكُمْ تَرْقُدُونَ وَقَدْ بانَ مِنْكُمْ زَمانُ الشَّبابِ ... فَبِاللهِ قُولُوا مَتَى تَعْمَلُونَ وقال عبد الله بن جعفر المكنى بأبي بكر من أصحاب الإمام أحمد: سمعت أحمد بن حنبل رضي الله تعالى وسئل عن الرجل يكتب الحديث فيكثر، قال: ينبغي أن يكثر العمل به على قدر زيادته في الطلب، ثم قال: سبيل العلم مثل المال؛ إن المال إذا ازداد زادت زكاته. قلت: وكما أن المال ينمو بالزكاة ويتضاعف بالنص، فكذلك العلم، والعلم نعمة كالمال، وشكرها المستزيد لها العمل به. ولذلك قال النبي ﷺ : "مَنْ عَمِلَ بِما عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ". رواه أبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه (٢). فكيف يوفق للزيادة من نعمة من لم يوفق لشكرها؟

стр. 5520

وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن إبراهيم بن أدهم رضي الله تعالى عنه قال: خرج رجل في طلب العلم فاستقبله حجر، فإذا فيه منقور: أنت بما تعلم لا تعمل، كيف تطلب علم ما لم تعلم (١)؟ فإذا قام العالم بحق ما علمه من العلم بالعمل به والرعاية له دون الاقتصاد على روايته فقط، أو على روايته والمجالسة به، فليطلب الازدياد من العلم، وليس من المعقول أن يطلب الإنسان ما لا يحتاج إليه من العلم، ويدع ما يحتاج إليه منه، أو من العمل به كحال أهل العصر الذين أقبلوا على المنطق، والعربية، والبلاغة، وغرائب العلوم، والمسائل، والتبحر فيها، وأعرضوا عن علوم الشريعة المؤدية إلى تزكية النفس ونجاتها في الدار الآخرة. على أننا لم نذم ولا نذم تلك العلوم، بل نرشد إلى قدر الحاجة منها، وإنما نذم الإيغال فيها، والاشتغال بتكرير مسائلها في الخَلْوة والجَلْوة عن الاشتغال بالأحكام الشرعية خصوصاً ما يتعلق بالعبادات والمعاملات، وأخص منه ما يتعلق بتهذيب النفوس، وإصلاح القلوب، ولا شك أن ذلك من الجهل بما يكون أعود عليهم نفعاً في الدار الآخرة. ومن كلام بعض السلف: إن من أوتي من العلم ما لا يحزنه لحريٌّ أو لا يكون أوتي علماً ينفعه (٢).

стр. 5521

وقد روى [ابن السني] وأبو نعيم كلاهما في "رياضة المتعلمين"، عبد البر عن عبد الله بن المِسور -مرسلاً -: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: علِّمني من غرائب العلم. قال: "ما صَنَعْتَ فِي رَأْسِ العِلْمِ؟ " قال: وما رأس العلم؟ قال: "هَلْ عَرَفْتَ الرَّبَّ؟ " قال: نعم. قال: "وَما صَنَعْتَ فِي حَقِّهِ؟ " قال: ما شاء الله. قال: "هَلْ عَرَفْتَ الْمَوْتَ؟ " قال: نعم. قال: "ما أَعْدَدْتَ لَهُ؟ " قال: ما شاء الله. قال: "اذْهَبْ فَأحْكِمْ ما هُنالِكَ، ثُمَّ تَعالَ نُعَلِّمْكَ غَرائِبَ الْعِلْمِ" (١). وروى ابن عبد البر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: مر رسول الله ﷺ برجل والناس مجتمعون عليه، فقال: "ما هَذا؟ " قالوا: رجل علاَّمة.

стр. 5522

فقال: "ماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب. فقال: "عِلْمٌ لا يَنْفَعُ وَجَهْلٌ لا يَضُرُّ". وقال: "وَإِنَّما العِلْمُ آيةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، أَوْ فَرِيضةٌ عادِلةٌ" (١). فانظر كيف بيَّن النبي ﷺ أن علم الشعر والنسب ونحوهما يلحق بالمباحات، وأن العلم الذي يهتم به ويعتنى بشأنه إنما هو علم الكتاب والسنة والأحكام الشرعية، فإذا أخذ الإنسان حظه منها فلا عليه إذا ظَفِرَ في غيرها من العلوم التي لم تكن بمثابتها. وإنما سمَّى النبي ﷺ علم الشعر والنسب جهلًا مَع تسميته إياه علماً؛ لأن الإنسان إذا اشتغل بهذا العلم في زمان فاته قدر صالح من العلم النافع في ذلك الزمان، وكل زمان يمضي فلا يعود، فاشتغاله بعلم النسب والشعر أدى إلى جهله بذلك القدر من العلم النافع. وأيضاً فإن أوقات العمر في غاية النفاسة، وهي رأس مال العبد من الدنيا، فإذا صرفها فيما هو نافع، أو فيما هو أكثر نفعًا، فقد جهل مقدار تلك الأوقات حيث بخسها، وبذلها فيما لا يجدي. ومن هنا يتبين لك معنى الحديث الآتي: "إِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا" (٢).

стр. 5523

قال أبو عبيد: هو أن يتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلمه. قال: وقال الأزهري: هو أن يتعلم ما لا يحتاج إليه كالكلام، والنجوم، وكتب الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه لدينه كعلم القرآن والشريعة، انتهى (١). نعم، مهما أخذ الإنسان بحظه من العلوم النافعة فلا بأس بترويح نفسه بشيء من علم التاريخ، والنسب، والشعر، والأدب، ونحو ذلك. فقد روى أبو داود عن الزهريّ مرسلاً، والقضاعي متصلاً، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "رَوِّحُوا القُلُوبَ ساعَةً وَساعَة" (٢). واستنشد رسول الله ﷺ أمية بن الصلت وغيره. وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه من أعرف الناس بعلم الأنساب. وكان شيخ الإسلام والدي رحمه الله تعالى - ولم يمض له وقت منذ سن التمييز إلا في علم أو خير - كان في آخر أمره ينظر في علوم الشرع تفسيراً، وحديثاً، وفقهاً، وأصولاً في سائر أيام الجمعة إلا يوم الجمعة، فيقسمه على وظيفتين:

стр. 5524

إحداهما: قراءة القرآن والعبادة. والثانية: النظر في سائر العلوم عربية، وبلاغة، وتاريخاً، وغير ذلك. وبالجملة: فكل فن من العلم صار للعالم فيه ملكة كان في أهله غنياً، فإذا تفنن في العلوم، فأي مكان جلس فيه كان فيه ملياً، بخلاف ما لو جلس في أهل فن خالياً عنه فإنه يكون كالمفلس في الواجدين، والمعدم في المتمولين. ومن ثم قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: ضالة الجاهل غير موجودة، ومال العالم معه حيثما توجه. رواه ابن جهضم. * تَنْبِيهٌ: روى أبو داود عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ البَيانِ سِحْراً وَإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلاً، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْر حِكَماً" (١). وهو محمول على ما تقدم في تسميته ﷺ علم النسب والشعر جهلاً. وأشار بقوله في الحديث: "وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكماً" إلى أن الشعر الذي هو علم لا ينفع، وجهل لا يضر ليس كل الشعر، ولكن منه ما هو حكمة، وإن كان الغالب في المقصود منه اللهو واللغو.

стр. 5525

أو يحمل قوله: "وَإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلاً" على العلوم التي تؤدي بصاحبها إلى دعوى علم الغيب، أو إلى فساد الاعتقاد كالسحر، والكهانة، والتنجيم، وعلم النجوم، والفلسفة، والهيئة، أو على تعلم الحيل الفقهية في التوصل إلى أكل الربا وغيره مما لا يحل. وقد حكي لنا: أن فقيهاً عشق امرأة، وأراد أن يتزوجها وهي ذات زوج، وقد غاب زوجها وانقطع خبره، فعلَّمها أن تتكلم بكلمة كفر، أو تفعل فعلاً مكفِّراً، وتدوم عليه إلى انقضاء العدة، ففعلت، وتزوجها آخراً؛ وهل فوق هذا الجهل جهل؟ أو يحمل على علم الخلاف، والقضاء ونحوه من العلوم التي بها يتوصل إلى الولايات والمناصب لنيل ذلك، وخطر هذه الفنون عظيم بحيث أن لو كشف الغطاء لود ذووها أن لو جهلوها. وذكر أبو طالب المكي في "القوت": أن إسماعيل بن إسحاق القاضي كان من سادات القضاة وعقلائهم، وكان مؤاخياً لأبي الحسن ابن أبي الورد، وكان هذا من علماء الباطن (١)، فلما ولي إسماعيل بن إسحاق هجره ابن أبي الورد، ثم اضطر إلى أن دخل عليه، فضرب ابن أبي الورد على كتف إسماعيل القاضي، وقال: يا إسماعيل! علمٌ أجلسك هذا المجلس لقد كان الجهل خيراً منه، فوضع إسماعيل رداءه على وجهه، وجعل يبكي حتى بَلَّه (٢).

стр. 5526

الوجه الثاني من وجهي تشبه العالم بالجاهل في نفس الجهل: أن يترك الإنسان تعاهد معلوماته بالتدريس والمطالعة، ومراجعة لكتب العلم، ومذاكرة أهل العلم حتى ينساها، ويؤول أمره إلى نسيانها والجهل بها. قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦]. وروى أبو داود، والترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذاةُ يُخْرِجُها الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، أَوْ آيَةٍ أُوْتِيَها الرُّجُلُ ثُمَّ نسِيَها" (١). وبهذا الحديث استدل العلماء على تحريم نسيان القرآن بعد تعلمه، وعَدُّوه من الكبائر، والتكليف بالنسيان مرفوع عن هذه الأمة، فحمل ذلك على تهاون الحافظ لما يعرفه من القرآن في محفوظه، وعدم تعاهده بالدراسة، وتعرضه بذلك للنسيان. وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ قال: آفة العلم النسيان (٢).

стр. 5527

وأخرجه الدارمي، ولفظه: إن لكل شيءٍ آفةً، وآفة العلم النسيان (١). ورويا عن الأعمش - معضلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "آفَةُ العِلْمِ النِّسْيانُ وَتَرْكُ الْمُذاكَرَةِ" (٢). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى: تذاكروا الحديث؛ فإن إحياء الحديث مذاكرته (٣). وقال علقمة رحمه الله تعالى: تذاكروا الحديث؛ فإن ذكره حياته (٤). وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: تذاكروا؛ فإن الحديث يهيج الحديث (٥). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تذاكروا هذا الحديث لا يتفلت منكم (٦). وقال: إذا سمعتم منا حديثاً فتذاكروه بينكم (٧).

стр. 5528

وكان الحارث بن يزيد العكلي، وابن شُبْرُمة، والقعقاع بن يزيد ومغيرة رحمهم الله تعالى إذا صلوا العشاء الآخرة جلسوا في الفقه، فلم يفرق بينهم إلا أذانُ الصبح (١). روى هذه الآثار الدارمي، وغيره. وقال الحافظ أبو الحجاج المزي: [من المحدَث] مَنْ حاز الْعِلْمَ وَذاكَرَه ... صَلُحَتْ دُنياهُ وَآخِرَتُهْ فَأَدِمْ لِلْعِلْمِ مُذاكَرَةً ... فَحَياةُ الْعِلْمَ مُذاكَرَتُهْ (٢) وروى ابن السني في "رياضة المتعلمين" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "قَلْبٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْحِكْمَةِ كَبَيْتٍ خَرِبٍ، فَتَعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا، وَتَفَقَّهُوا، وَلا تَمُوتوا جُهَّالاً؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَعْذُرُ عَلى الْجَهْلِ" (٣). وفي "تهذيب الكمال": قيل لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: من أحق الناس بالعلم؟ قال: العلماء؛ لأن الجهل بهم أقبح (٤).

стр. 5529

* فَوائِدُ: الفائدة الأُولَى: روى الطبراني في "الكبير" - ورواته موثقون - عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلمه للخطيئة يعملها (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الضحاك رحمه الله تعالى قال: ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، ونسيان القرآن أعظم المصائب (٢). ونقل والدي رحمه الله تعالى في "الدر النضيد" عن علي بن خشرم قال: شكوت إلى وكيع رحمه الله تعالى قلة الحفظ. قال: استعن على الحفظ بقلة الذنوب (٣). وأنشدوا في معناه: [من الوافر] شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ... فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعاصي وَقالَ اعْلَمْ بِأَنَ الْعِلْمَ فَضْلٌ ... وَفَضْلُ اللهِ لا يُؤْتَى لِعاصِي

стр. 5530

وفي مقابلة ذلك أن الطاعة تزيد في الحفظ والعلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وتقدم الحديث: "مَنْ عَمِلَ بِما عَلِمَ وَفَّقَهُ اللهُ لِعِلْمِ ما لَمْ يَعْلَم" (١). الفائِدَةُ الثَّانِيَةُ: روى الطبراني في "الأوسط" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ أَنْ يَسْكُتَ عَلى عِلْمِهِ مَعَ عِلْمِهِ، وَلا يَنْبَغِي لِلْجاهِلِ أَنْ يَسْكُتَ عَلى جَهْلِهِ؛ قالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] " (٢). قوله: "لا يَنْبَغِي لِلْعالِمِ أَنْ يَسْكُتَ عَلى عِلْمِهِ" أي: مع علمه؛ يعني: إذا رأى ما يخالف العلم لا يسكت مع علمه بالحكم الشرعي عن الإنكار على من يخالفه. وقوله: "ولا يَنْبَغِي لِلجاهِلِ أَنْ يَسْكُتَ عَلى جَهْلِه"؛ أي: لا ينبغي له أن يصبر على الجهل، ويرضى به لنفسه، بل يطلب العلم. وليس معناه أن يتكلم مع الجهل، بل اللائق به أن يسكت عما يجهله وإن سئل عنه، وليس له التشبه بالعلماء حينئذ. ولقد قال بعض الحكماء: الصمت زينة للعاقل، وستر للجاهل (٣).

стр. 5531

وقال أبقراط: الجاهل الساكت فيلسوف الجهلة. وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت" بإسناد حسن، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ كَفَّ لِسانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرتَهُ، وَمَنْ مَلَكَ غَضَبَهُ وَقاهُ اللهُ عَذابَهُ، وَمَنِ اعْتذَرَ إِلى اللهِ قَبِلَ اللهُ عُذْرَهُ" (١). ولا شك أن الجهل عيبٌ وعورةٌ. وروى هو والطبراني، والبيهقي في "الشعب" بإسناد حسن، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه كان على الصفا يلبي، ويقول: يا لسان! قل خيراً تغنم، وأنصت تسلم من قبل أن تندم. قيل له: يا أبا عبد الرحمن! هذا شيء تقوله، أو شيء سمعته؟ قال: بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَكْثَرَ خَطايا ابْنِ آدَمَ فِي لِسانِه" (٢). والعالم إذا تكلم بعلمه في محله غنم ثواب العلم والنصيحة، وإن سكت عن العلم في غير محله سلم من ضرر الكلام، والجاهل إذا

стр. 5532

سكت عن جهله سلم من ضرر الجهل وخجلته، فإن تكلم بالجهل ظهر عذابه في الدنيا، فيخجل فيندم لخجله، وإذا رأى عقوبة ما تكلم به في الآخرة ندم أيضاً. الفائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تقدم التحذير من صحبة الجهلاء وما فيها. وذكر أبو طالب المكي في "القوت": أن بعض الصالحين قال لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق؟ وقال مرة: قلت له: دُلَّني على عمل أجد فيه قلبي مع الله في كل وقت على الدوام. فقال: لا تنظر إلى الخلق - يعني: عامتهم -؛ فإن النظر إليهم ظلمة. قلت: لا بد لي من ذلك. قال: فلا تسمع كلامهم؛ فإن كلامهم قسوة. قلت: لا بد لي من ذلك. قال: فلا تعاملهم؛ فإن معاملتهم وحشة. قلت: إني بين أظهرهم، لا بد لي من معاملتهم. قال: فلا تسكن إليهم. قلت: هذا لعله. فقال لي: يا هذا! تنظر إلى الغافلين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتريد أن تجد قلبك مع الله على الدوام؟ هذا ما لا يكون (١).

стр. 5533

الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: روى الحاكم في "المستدرك" عن أنس رضي الله تعالى عنه، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ هَذا العِلْمَ دِينٌ؛ فَانْظُروا عَنْ مَنْ تأْخذُونَ دِيْنَكُم" (١). فيتعين لمن طلب العلم أن يكون طلبه ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته، وكملت مروءته، وحسن تعليمه، وجاد تفهيمه، ولا يرغب فيمن زاد علمه مع نقص دينه أو ورعه، أو سوء في خلقه؛ فإن الشيخ من يدلُّك على الله بحاله قبل مقاله، ولقد كان هذا عزيزاً في الزمان الأول، فكيف بنا الآن والدهر تقهقر والحال تحول؟ وقد روى ابن جهضم عن حسن القزويني رحمه الله تعالى قال: أربعة أشياء عزيزة في الخلق: عالم مستعمل لعلمه، وحكيم ينطق عن فعله، وواعظ ليس له طمع، ومتعبد ليست له إعلالة (٢).

стр. 5534

الفائِدَةُ الْخامِسَةُ: روى الدينوري في "المجالسة" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه، فيبعث العالم عالماً، والجاهل جاهلاً (١). وهو بمعناه في "صحيح مسلم" من حديث جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعاً، ولفظه: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ على ما ماتَ عَلَيْهِ" (٢). ومقتضاه: أن العبد يبعث على آخر حالاته من علم أو جهل، ومن طاعة أو معصية، ومن ذكر أو غفلة، فينبغي للعالم أن لا يترك تذكرة العلم وتذكره لعله يختم له به؛ فإنما الأعمال بالخواتيم. وفي الحديث: "لا تُعْجَبُوا بِعَمَلِ عامِلٍ حَتَّى تَنْظُروا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ". أخرجه الديلمي من حديث أبي أمامة ﵁ (٣)، وأصله في "الصحيح". الفائِدَةُ السَّادِسَةُ: روى ابن أبي الدنيا في "العقل" قال: حدثني محمد بن رجاء مولى بني هاشم قال: قال بعض الخلفاء لجلسائه: من الغريب؟ فقالوا، فأكثروا، فقال: الغريب هو الجاهل؛ أما سمعتم قول الشاعر: [من الطويل] يُعَدُّ عَظِيمَ القَدْرِ مَنْ كانَ عاقِلاً ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِهِ بِحَسِيبِ

стр. 5535

وَإِنْ حَلَّ أَرْضاً عاشَ فِيها بِعَقْلِهِ ... وَما عاقِلٌ فِي بَلْدَةٍ بِغَرِيبِ (١) وروى الدينوري في "المجالسة" عن أبي العالية رحمه الله تعالى قال: كنت آتي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقريش حوله، فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير، فتغامزت في قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: هكذا هذا العلم؛ يزيد الشريف شرفاً، ويجْلِس الملوك على الأسرة. ثم أنشد محمد بن الحارث المروزي أحد رواته في أثره: [من الطويل] رَأَيْتُ رَفِيعَ النَّاسِ مَنْ كانَ عالِماً ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْمِهِ بِحَسِيبِ إِذا حَلَّ أَرْضاً عاشَ فِيها بِعِلْمِهِ ... وَما عالِمٌ فِي بَلْدَةٍ بِغَرِيبِ (٢) الفائِدَةُ السَّابِعَةُ: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وأرى جهالكم لا يتعلمون؟ تعلموا قبل أن يرفع العلم؛ فإن رفع العلم ذهاب العلماء (٣). وتقدم حديث ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما: "إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسا جُهَّالاً" الحديث (٤).
следующие страницы →