وقال أبقراط: الجاهل الساكت فيلسوف الجهلة.
وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت" بإسناد حسن، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ كَفَّ لِسانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرتَهُ، وَمَنْ مَلَكَ غَضَبَهُ وَقاهُ اللهُ عَذابَهُ، وَمَنِ اعْتذَرَ إِلى اللهِ قَبِلَ اللهُ عُذْرَهُ" (١).
ولا شك أن الجهل عيبٌ وعورةٌ.
وروى هو والطبراني، والبيهقي في "الشعب" بإسناد حسن، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه كان على الصفا يلبي، ويقول: يا لسان! قل خيراً تغنم، وأنصت تسلم من قبل أن تندم.
قيل له: يا أبا عبد الرحمن! هذا شيء تقوله، أو شيء سمعته؟
قال: بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَكْثَرَ خَطايا ابْنِ آدَمَ فِي لِسانِه" (٢).
والعالم إذا تكلم بعلمه في محله غنم ثواب العلم والنصيحة، وإن سكت عن العلم في غير محله سلم من ضرر الكلام، والجاهل إذا
стр. 5532
سكت عن جهله سلم من ضرر الجهل وخجلته، فإن تكلم بالجهل ظهر عذابه في الدنيا، فيخجل فيندم لخجله، وإذا رأى عقوبة ما تكلم به في الآخرة ندم أيضاً.
الفائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تقدم التحذير من صحبة الجهلاء وما فيها.
وذكر أبو طالب المكي في "القوت": أن بعض الصالحين قال لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق؟
وقال مرة: قلت له: دُلَّني على عمل أجد فيه قلبي مع الله في كل وقت على الدوام.
فقال: لا تنظر إلى الخلق - يعني: عامتهم -؛ فإن النظر إليهم ظلمة.
قلت: لا بد لي من ذلك.
قال: فلا تسمع كلامهم؛ فإن كلامهم قسوة.
قلت: لا بد لي من ذلك.
قال: فلا تعاملهم؛ فإن معاملتهم وحشة.
قلت: إني بين أظهرهم، لا بد لي من معاملتهم.
قال: فلا تسكن إليهم.
قلت: هذا لعله.
فقال لي: يا هذا! تنظر إلى الغافلين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتريد أن تجد قلبك مع الله على الدوام؟ هذا ما لا يكون (١).
стр. 5533
الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: روى الحاكم في "المستدرك" عن أنس رضي الله تعالى عنه، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ هَذا العِلْمَ دِينٌ؛ فَانْظُروا عَنْ مَنْ تأْخذُونَ دِيْنَكُم" (١).
فيتعين لمن طلب العلم أن يكون طلبه ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته، وكملت مروءته، وحسن تعليمه، وجاد تفهيمه، ولا يرغب فيمن زاد علمه مع نقص دينه أو ورعه، أو سوء في خلقه؛ فإن الشيخ من يدلُّك على الله بحاله قبل مقاله، ولقد كان هذا عزيزاً في الزمان الأول، فكيف بنا الآن والدهر تقهقر والحال تحول؟
وقد روى ابن جهضم عن حسن القزويني رحمه الله تعالى قال: أربعة أشياء عزيزة في الخلق: عالم مستعمل لعلمه، وحكيم ينطق عن فعله، وواعظ ليس له طمع، ومتعبد ليست له إعلالة (٢).
стр. 5534
الفائِدَةُ الْخامِسَةُ: روى الدينوري في "المجالسة" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه، فيبعث العالم عالماً، والجاهل جاهلاً (١).
وهو بمعناه في "صحيح مسلم" من حديث جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعاً، ولفظه: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ على ما ماتَ عَلَيْهِ" (٢).
ومقتضاه: أن العبد يبعث على آخر حالاته من علم أو جهل، ومن طاعة أو معصية، ومن ذكر أو غفلة، فينبغي للعالم أن لا يترك تذكرة العلم وتذكره لعله يختم له به؛ فإنما الأعمال بالخواتيم.
وفي الحديث: "لا تُعْجَبُوا بِعَمَلِ عامِلٍ حَتَّى تَنْظُروا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ".
أخرجه الديلمي من حديث أبي أمامة ﵁ (٣)، وأصله في "الصحيح".
الفائِدَةُ السَّادِسَةُ: روى ابن أبي الدنيا في "العقل" قال: حدثني محمد بن رجاء مولى بني هاشم قال: قال بعض الخلفاء لجلسائه: من الغريب؟ فقالوا، فأكثروا، فقال: الغريب هو الجاهل؛ أما سمعتم قول الشاعر: [من الطويل]
يُعَدُّ عَظِيمَ القَدْرِ مَنْ كانَ عاقِلاً ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِهِ بِحَسِيبِ
стр. 5535
وَإِنْ حَلَّ أَرْضاً عاشَ فِيها بِعَقْلِهِ ... وَما عاقِلٌ فِي بَلْدَةٍ بِغَرِيبِ (١)
وروى الدينوري في "المجالسة" عن أبي العالية رحمه الله تعالى قال: كنت آتي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقريش حوله، فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير، فتغامزت في قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: هكذا هذا العلم؛ يزيد الشريف شرفاً، ويجْلِس الملوك على الأسرة.
ثم أنشد محمد بن الحارث المروزي أحد رواته في أثره: [من الطويل]
رَأَيْتُ رَفِيعَ النَّاسِ مَنْ كانَ عالِماً ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْمِهِ بِحَسِيبِ
إِذا حَلَّ أَرْضاً عاشَ فِيها بِعِلْمِهِ ... وَما عالِمٌ فِي بَلْدَةٍ بِغَرِيبِ (٢)
الفائِدَةُ السَّابِعَةُ: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وأرى جهالكم لا يتعلمون؟ تعلموا قبل أن يرفع العلم؛ فإن رفع العلم ذهاب العلماء (٣).
وتقدم حديث ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما: "إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسا جُهَّالاً" الحديث (٤).
стр. 5536
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر، فإذا ذهب الأول قبل أن يتعلم الآخر فذلك حين هلكوا (١).
وروى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ ما أَخَذُوا العِلْمَ عَنْ أَكابِرِهِمْ، فَإِذا أَخَذُوا العِلْمَ عَنْ أَصاغِرِهِمْ هَلَكُوا" (٢).
وروى البيهقي عن الحسن قال: لا يزال الناس بخير ما تباينوا - أي: العلم - فإذا استووا - أي: في الجهل - فذلك عند هلاكهم (٣).
وروى أبو عمرو الداني في "الفتن"، والروياني عن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ طَلَبَ الْعِلْمِ عِنْدَ الأَصاغِرِ دُونَ الأَكَابِرِ".
وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي أمية (٤) الجمحي رحمه الله تعالى أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ العِلْمُ عِنْدَ الأَصاغِرِ" (٥).
стр. 5537
الفائِدَةُ الثَّامِنَةُ: روى الإمام أحمد، والستة إلا أبا داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " [إنَّ مِنْ أشراطِ السَّاعةِ] أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنا، وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَتَذهَبَ الرِّجالُ، وَتَبْقَى النِّساءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأةٍ قَيِّمٌ واحِدٌ" (١).
وفي رواية: "أَنْ يَذْهَبَ العِلْمُ وَيكْثُرَ الْجَهْلُ" (٢)، وهي مبيِّنة لمعنى الرواية الأولى.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ". رواه البخاري، وغيره (٣).
وروى أبو عمرو الداني عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: كان يقال: يأتي على الزمان ينتقص فيه الصبر، والعقل، والحلم، والمعرفة حتى لا يجد الرجل من يبث إليه ما يأخذه من العلم.
قيل له: وأي زمان هو؟
قال: أراه زماننا هذا (٤).
стр. 5538
وثَمَّ أخبار تدل على أشراط ما تتعلق بالعلم والعلماء استقريتها في غير هذا الكتاب.
الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن عثمان بن عفان ﵁: لا يتعلم العلم لثلاث، ولا يترك لثلاث: لا يتعلم ليُمارى به، ولا ليباهى به، ولا ليُراءى به، ولا يترك حياء من طلبه، ولا زهادة فيه، ولا رضا بالجهل منه (١).
وقال مجاهد: لا ينال العلم مستحي، ولا متكبر (٢).
وفي "الصحيح" عن عائشة ﵂: "نِعْمَ النِّساءُ نِساءُ الأَنْصارِ؛ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَياءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ" (٣).
وقيل:
الْعِلْمُ حَرْبُ الفَتَى الْمُتَعالِي ... كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكانِ العالِي (٤)
وفي التنزيل: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] الآية.
الفائِدَةُ العاشِرَةُ: روى الشيخان من حديث أبي موسى رضي الله
стр. 5539
تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ، وَما أَسْرَرْتُ وَما أَعْلَنْتُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِيَ، وَإِسْرافِي فِي أَمْري، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَئِي وَعَمدِي، وَهَزْلي وَجِدِّي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ" (١).
وفي نسبة الجهل إلى نفسه ﷺ دليل على أنه لا يخلو إنسان من جهل ولو كان معصوماً؛ فإنه لا يمكنه الإحاطة بالمعلومات كلها؛ إذ لا يكون ذلك إلا لله ، وكأنه ﷺ عدَّ على نفسه جهل ما لم يصل علمه إليه ذنباً، فاستغفر منه.
والجهل من صفات الإنسان التي طُبع عليه، كما وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
فهو جهول بكل معلوم إلا ما علمه الله تعالى، وكذلك غيره من الخلق؛ ألا ترى إلى قول الملائكة ﵈: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]؟
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]
ثم أشار إلى أن العبد لا ينال من العلم شيئاً إلا بتعليمه بقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩].
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 5540
وقال حكاية عن يوسف ﵇: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧].
وقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
فإذاً ينبغي للعبد أن يسأل من الله تعالى أن يعلمه ويزيده من العلم.
وروينا عن ابن خبيق قال: سمعت إبراهيم البكَّاء يقول: قلت لمعروف الكرخي رحمه الله تعالى: أوصني.
قال: توكَّل على الله حتى يكون هو معلمك، ومؤنسك، وموضع شكواك؛ فإن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك (١).
وقلت في معناه: [من السريع]
ما نَفَعَ النَّاسُ وَلا ضَرُّوا ... وَاللهُ مِنْهُ النَّفْعُ وَالضُّرُّ
فَحَسْبِيَ اللهُ تَوَكَّلْتُ فِي ... أَمْرِي عَلَيْهِ فَانتُهَى الأَمْرُ
إِنْ لَمْ يُعَلِّمْنِي فَلا عِلْمَ لِي ... وَكَلَّ مِنِّي الذِّهْنُ وَالْفِكْرُ
أُنْسِي بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْنِسي ... ما كانَ لِي أُنْسٌ وَلا قَرُّ
стр. 5541
وَهُوَ الَّذِي إِنْ مَسَّنِي نائِبٌ ... أَشْكُو إِلَيْهِ ما جَنَى الدَّهْرُ
فَعادَ لَمَّا اسْتَحْكَمَتْ عُسْرَتِي ... عَلَيَّ مِنْهُ اليُسْرُ وَالنَّصْرُ
وَاللهِ لَوْلا اللهُ ما كَانَ لِي ... فِي الْحالَتيْنِ الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ
ولقد أتينا في هذا الباب مع ما ذكرناه في التشبه بالصدِّيقين ما فيه مقنع لمن وفقه الله تعالى إلى الخير، فمن وفقه الله تعالى للعمل به كان ممن تم له شرف العلم ونوره، وانزاح عنه ظلام الجهل وديجوره؛ وفقنا الله تعالى للعمل بما فيه، والسعي في طاعاته ومراضيه.
стр. 5542
خَاتِمَةٌ لِهَذَا القِسْمِ
لا يدخل في جميع ما ذكرناه من أول هذا القسم؛ أي: من التشبه المذموم إلى ما هنا، شبه الصالح بالطالح في خلقته، أو صورته، أو حِليته، أو في اسمه، ونحو ذلك، فلا يضر المؤمن إذا كان أعور شبه الشيطان أو الدجال في كونه أعور العور الصوري، وإنما يضره العَوَر القلبي كالعمى القلبي كما قيل فيمن أثبت الشريعة وأنكر الحقيقة، أو عكس أنه أعور بإحدى عينيه، فمتى كان الاعتقاد صحيحاً والعمل صالحاً فلا يضر صاحبهما كونه يشبه كافراً في الصورة، أو في اللون، أو عجمة اللسان، أو فصاحته، أو القصر أو الطول، أو في الشحم أو الهزال، أو في الاسم أو في الكنية.
وقد وقعت الإشارة إلى ذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة، والحاكم - وقال: صحيح الإسناد - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: "يا أَكْثَمُ! عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَرَأَيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لحي بْنِ قمعةَ بْنِ حنيفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَما رَأَيْتُ رَجُلاً أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ وَلا مِنْهُ بِكَ".
стр. 5543
فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ : "لا؛ إِنَّكَ مُؤْمِن وَهُوَ كافِرٌ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْراهِيمَ ﵇، وَبَحَرَ البَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَحَمَى الحامِي" (١).
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال في حديثه: "فَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، وَرَأَيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لحيٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَأَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أَكْثَمٍ الْخُزاعِيُّ".
فقال معبد: يا رسول الله! أتخشى عليَّ من شبهه؟
فقال: "لا؛ أَنْتَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كافِرٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ العَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأَصْنامِ" (٢).
واعلم أن من تمام النعمة وكمال المئة حسن الصورة واعتدال الخِلقة؛ فإن الله تعالى امتن علينا بذلك فقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].
стр. 5544
وقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣].
وروى مسلم، والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمالَ" (١).
وروى الإمام أحمد عن أبي ريحانة، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة، وفي "الأوسط" عن جابر، وهو والحاكم وصححه، عن ابن عمر، وابن عساكر عنهما، وأبو يعلى عن أبي سعيد.
وأخرج البيهقي حديثه وزاد فيه: "وَيُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، وَيُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَالتَّباؤُسَ" (٢).
وروى ابن لال عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "جَعَلَ اللهُ الْخَيْرَ فِي الرَّبْعَةِ" (٣).
ووجهه: أن الربعة معتدل بين القصير والطويل، واعتدال الْخَلْق يتبعه اعتدال الْخُلُق غالباً، ولذلك كان النبي ﷺ رَبْعة من الرجال.
ولو قلنا: إنه هو المراد بالربعة في الحديث لم يبعد، وقد تقدم هذا المعنى في التشبه بالصالحين.
وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ آتاهُ اللهُ وَجْهاً حَسَناً، وَاسْماً حَسَناً، وَجَعَلَهُ
стр. 5545
اللهُ فِي مَوْضعٍ غَيْرِ شائِنٍ لَهُ، فَهُوَ مِنْ صَفْوَةِ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ".
قال ابن عباس: قال الشاعر: [من الخفيف]
أَنْتَ شَرْطُ النَّبِيِّ إِذْ قالَ يَوْماً ... اطْلُبُوا الْخَيْرَ مِنْ حِسانِ الْوجُوهِ (١)
وهذه النعمة تقتضي شكراً، فإذا كَفَرها العبد فقد كان عَدَمُها خير له لو عدمها، فهي إذاً ليست بنعمة عليه، ولا يكون حينئذ من صفوة الله المشار إليهم في حديث ابن عباس؛ فإنه ليس في موضع غير شائن له، وهو موضع المعصية وكفران النعمة.
قد وقع بيان ذلك فيما رواه أبو نعيم عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: من كان ذا سورة حسنة في موضع لا يشينه، ووسَّع عليه رزقه، ثم تواضع لله، كان من خالصة الله.
وفي رواية: من حسن الله صورته، وأحسن رزقه، وجعله في منصب صالح، ثم تواضع لله، فهو من خالص الله (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن رجل من جهينة ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "خَيْرُ ما أُعْطِيَ الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَشَر ما أُعْطِيَ الرَّجُلُ قَلْبُ سُوءٍ فِي صُوْرَةٍ حَسَنَةٍ" (٣).
стр. 5546
وفيه إشارة إلى أن من انطوى قلبه على السوء وصورته حسنة أقبحُ حالةً، وشرٌّ مكاناً ممن قلبه كذلك وصورته قبيحة؛ لأن صاحب الصورة الحسنة كفر نعمة لم يعطها صاحب الصورة القبيحة؛ فافهم! وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق"، وأبو العباس الدغولي في "الآداب" عن جرير ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "إِنَّك امْرُؤٌ قَدْ أَحْسَنَ اللهُ خَلْقَكَ فَأْحِسْن خُلُقَكَ" (١)؛ أي: تحمل نفسك على حسن الخلق؛ فإن التخلُّق قد يأتي بالخُلق، وإلا فإن حسن الخلق لا يكون إلا من الله تعالى ومعونته كما قال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ حَسَّنْتَ خَلْقِيَ فَحَسِّنْ خُلُقِي". رواه الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂، وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن مسعود (٢).
ومعنى قوله: "فَحَسِّنْ خُلُقِي"؛ أي: زده حُسْناً.
أو: زدني من الأخلاق الحسنة.
أو: احفظ عليَّ حُسن خلقي؛ فإنه ﷺ كما قال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: كان أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً. رواه الخرائطي، والبيهقي بإسناد حسن (٣).
وفي "صحيح مسلم"، و"شمائل الترمذي" عن أبي الطفيل رضي
стр. 5547
الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أبيض مليحاً، مقصداً (١).
أي: معتدلاً، لا طويلاً ولا قصيراً، ولا جسيماً ولا هزيلاً.
فإن قلت: ما معنى قوله ﷺ : "مِنْ سَعادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُشْبِهَ أَباهُ"؟
أخرجه الحاكم في "مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه" عن أنس رضي الله تعالى عنه (٢).
قلت: هو على وجهين:
الأول: معناه أن يشبه في الصورة والخلقة لئلا يُطْعن في نسبه، ولئلا تُرمى أمه.
والثاني: أن يشبه أباه فيما به السعادة من الإيمان، والأخلاق الحسنة، والمكارم كما قال الشاعر: [من الرجز]
بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمْ ... وَمَنْ يُشابِهْ أَبَهُ فَما ظَلَمْ (٣)
(٨) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالبَهَائمِ وَالسِّبَاع وَالطَّيْر وَالهَوَام
اعلم أننا جعلنا هذا الباب في خاتمة هذا القسم الثاني من الكتاب لأنه بهذا القسم أليق، وبهذا النوع أحق؛ لأن التشبه بالبهائم والسباع والطير والهوام لا يحسن إلا على ضرب من التأويل كما ستعلم.
واعلم أن الإنسان إنما أكرمه الله تعالى، وفضَّله بالعقل والمعرفة والبيان حيث يقول : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
قال جعفر رحمه الله تعالى: بالمعرفة (١).
وقيل: بالنطق.
وبهذه الثلاثة يتميز الإنسان على سائر الحيوانات، وإلا كان هو والبهائم على حد سواء.
ولذلك قال بعض الحكماء: المرء بأصغريه لسانه وقلبه؛ أي: عقله ومعرفته لأن القلب محلهما.
وقال آخر: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة، أو صورة ممثلة.
стр. 5550
ولا خفاء أن فضل الإنسان لا يتم إلا إذا كان نطقه معقولاً ناشئاً عن عقل رصين، وقلب سليم.
ومن ثم قال عدي بن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه: لسان المرء تَرجمان عقله (١).
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: [من المتقارب]
تَعاهَدْ لِسانَكَ إِنَّ اللِّسانَ ... سَرِيْعٌ إِلَى الْمَرْء فِي قَتْلِهِ
وَهَذا اللِّسانُ بَرِيْدُ الْفُؤادِ ... يَدُلُّ الرِّجالَ عَلى عَقْلِهِ (٢)
وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: إن الله تعالى أنطق اللسان بالبيان، وافتتحه بالكلام، وجعل القلوب أوعية العلم، ولولا تلك لكان الإنسان بمنزلة البهيمة؛ يومئ بالرأس، ويشير باليد (٣).
ثم اعلم أن الإنسان لا يتلبس بالعلم والمعرفة، ولا بالصواب في النطق إلا بالعقل، فالعقل رأس الحكمة، ومنبع المعرفة، وأصل الديانة، وإنما سمي عقلاً لأنه يعقل؛ أي: يمنع صاحبه من الخطأ.
قال عامر بن عبد الله بن قيس رحمه الله تعالى: إذا عَقَلَكَ عَقْلُكَ عما لا يليق فأنت عاقل (٤).
стр. 5551
ثم لا يُعقل المرء عن الخطأ ما لم يعرف الصواب من الخطأ، والخطأ من الصواب.
والمراد من الصواب ما صوَّبه الشرع، والخطأ ما كان بخلافه.
فرجع معنى العقل إلى متابعة الشرع، فالعاقل من عَقَله عَقْلُه بعُقال الشرع، وعن تعدي حدود الشرع ومتابعة هوى نفسه.
وكلما كان الإنسان متابعاً للشرع كان أمكن في العقل بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به ما كنا في أصحاب السعير (١).
وروى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "لِكُلِّ شَيءٍ دِعامَةٌ، وَدِعامَةُ عَمَلِ العَبْدِ عَقْلُهُ، فَبِقَدرِ عَقْلِهِ تَكُوْنُ عِبادتُهُ، أَما سَمِعتُم قَولَ الفاجِرِ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]؟ " (٢).
стр. 5552
قلت: وفيه إشارة إلى أن العمل المعتدَّ به ما كان عن عقل عاقل ونُهية كاملة.
وقد توجد صورة العمل في عبد ولا يكون في العبد بذاك، وأكثر ما يكون رؤية النفس في العمل والمن به، والكبر والخيلاء، والبغي والطغيان في الأعمال الصورية التي لا روحانية لها.
ومثل هذه الأخلاق إنما تنشأ عن قلة العقل والجهل بمقدار النفس.
ومن ثم قال معاوية بن قُرة رحمه الله تعالى: إن القوم يحجون ويعتمرون، ويجاهدون، ويصلون، ويصومون، ولا يعقلون، ولا يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم (١).
وقال أبو زكريا رحمه الله تعالى: إن الرجل يتلذذ في الجنة بقدر عقله (٢). رواهما ابن أبي الدنيا، وابن الجوزي في "الأذكياء".
وروى أبو القاسم البغوي عن البراء بن عازب ﵄: أن النبي ﷺ قال: "جَدَّ الملائِكَةُ واجْتهدُوا في طاعَةِ اللهِ بِالعَقلِ، وَجَدَّ المؤْمِنُونَ مِنْ بَني آدَمَ عَلى قَدرِ عُقُولهِم؛ فَأَعْمَلُهُمْ بِطاعَتِهِ أَوْفَرُهُم عَقْلاً" (٣).
стр. 5553
وروى الحكيم الترمذي، وابن أبي الدنيا، والخطيب عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! بأي شيء يتفاضل الناس في الدنيا؟
قال: "بِالعَقْلِ".
قلت: وفي الآخرة؟
قال: "بِالعَقْلِ".
قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم؟
فقال: "يا عائِشَةُ! فَهَلْ عَمِلُوا إلَّا بِقَدرِ ما أَعْطاهُمُ اللهُ تَعالى مِنَ العَقْلِ؟ فَبِقَدْرِ ما أُعْطُوا مِنَ العَقْلِ كانَتْ أَعْمالُهُم، وَبِقَدْرِ ما عَمِلُوا يُجْزَوْنَ" (١).
وروى البيهقي في "الشعب" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
стр. 5554
قال رسول الله ﷺ : "قِوامُ الرَّجُلِ عَقْلُهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَقْلَ لَهُ" (١).
وروى أبو نعيم عن عبد الله بن حبان قال: قيل لعطاء - يعني: ابن أبي رباح -: ما أفضل ما أُعطي العباد؟
قال: العقل بالله، وهو المعرفة بالدين (٢).
وقال القاضي أبو الحسن الماوردي في "أدبه": اختلف الناس فيمن صرف عقله إلى الشر هل يسمى عاقلاً؟
فقال بعضهم: أسميه عاقلاً بوجود العقل منه.
وقال بعضهم: لا أسميه عاقلًا حتى يكون خيِّراً ديناً لأن الخير والدين من لباب العقل، وأما الشرير فلا أسميه عاقلاً، وإنما أسميه صاحب رويِّة وفكر.
قال: وقد قيل: العاقل من عَقَل عن الله أمره ونهيه حتى قال أصحاب الشافعي فيمن أوصى بثلث ماله لأعقل الناس: إنه يكون مصروفاً إلى الزهاد لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل.
قال: وروى لقمان بن عامر عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "يا عُوَيْمِرُ! اِزْدَدْ عَقْلاً تَزْدَدْ مِنْ رَبِّكَ قُرْبا، وَبِهِ عِزًّا".
стр. 5555
قلت: فداك أبي وأمي! من لي بِالعقل؟
قال: "اِجْتَنِبْ مَحارِمَ اللهِ، وَأَدِّ فَرائِضَ اللهِ تَكُنْ عاقِلاً، ثُمَّ تَنَفَّلْ صالحاتِ الأعمالِ تَزْدَدْ في الدُّنْيا عَقْلاً، وَتَزْددْ مِنَ رَبِّكَ قُرْباً وَبِهِ عِزًّا" (١)، انتهى (٢).
وفي هذا الحديث الذي ذكرته إشارة إلى أن العبد إنما يستتم العقل بتأدية الفرائض واجتناب المحارم، ومن تساهل في شيء من ذلك فإنما هو لنقصان عقله.
وقال الدينوري في "المجالسة": أنشد محمد بن موسى: [من الطويل]
أَلا إِنَّ خَيْرَ الْعَقْلِ ما حَضَّ أَهْلَهُ ... عَلى الْبِرِّ وَالتَّقْوى بَدْئاً وَعاقِبَة
وَلا خَيْرَ فِي عَقْلٍ يَزِيْغُ عَنِ التُّقَى ... وَيَشْغَلُ بِالدُّنْيا الَّتِي هِيَ ذاهِبَة (٣)
* تنبِيْهٌ:
لو استحسن الإنسان بعقله شيئاً يتقرب به إلى الله تعالى وهو مخالف للشريعة لا يكون عاقلاً، ومن لم ينتفع بعقله فكأنما كان بلا عقل، والعقل النافع هو الذي ينقذ صاحبه من النار، وفعله ما استحسنه
стр. 5556
بعقله لا ينقذه من النار؛ إذ المنقذ من النار طاعةُ الله تعالى، وإنما يطاع الله تعالى من حيث أَمر، لا من حيث يَستحسن العبد، فالطاعة المنقذة من النار هي الطاعة الموافقة للشرع والأمر بدليل: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي عمرو الزجاجي رحمه الله تعالى قال: كان الناس في الجاهلية يتبعون ما تستحسنه عقولهم وطباعهم، فجاء النبي ﷺ فردهم إلى الشريعة والاتباع؛ قال: فالعقل الصحيح الذي يستحسن محاسن الشريعة، ويستقبح ما تستقبحه (١).
ثم إن العبد كلما كان أطوع لله وأتقى كان أصعد في مراتب العقل وأرقى، وكلما كان كمل عقلاً وأتم نهياً كان أبعد عن الطبع البهيمي والمزاج الحيواني، وبذلك يكون الإنسان كريماً مكرماً، فاضلاً مفضلاً، ممدوحاً محموداً.
قال أبو القاسم الراغب في كتاب "الذريعة إلى محاسن الشريعة": الإنسان - وإن كان بكونه إنساناً أفضل موجود - فذلك بشرط أن يراعى ما به الإنسان صار إنساناً، وهو العلم والعمل المحكم، فبقدر وجود ذلك المعنى فيه يفضُل، ولهذا قيل: الناس أبناء ما يحسنون؛ أي: يعرفون، ويعملون من العلوم والأعمال الحسنة.
يقال: أحسن الإنسان إذا علم، وأحسن إذا عمل حسناً.
стр. 5557
قال: فأما الإنسان من حيث ما يتغذى ويغسل فنبات، ومن حيث ما يحس ويتحرك فحيوان، ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة في جدار، وإنما فضيلته بنطقه وقواه ومقتضاه، انتهى.
ونقل الماوردي عن بعض العلماء أنه قال: ركَّب الله تعالى الملائكة ﵈ من عقل بلا شهوة، وركَّب البهائم من شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما؛ فمن غلب عقلُه شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم (١).
قلت: وحيث علمت أن الإنسان من الملك والبهيمة بحيث إنه بقدر ما يغلب عقلُه ونُهاه شهوتَه وهواه يقرب من الملائكة، ثم يترقى حتى يصير في منزلتهم أو يفوقها كما في الحديث المار يقول الله تعالى: "أيُّها الشَّابُّ التَّارِكُ شَهْوَتَهُ لي، أَنْتَ عِنْدِي كَبَعْضِ مَلائِكَتي" (٢).
وكما روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ اللهُ تَعالى: عَبْدِي المؤْمِنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ مَلائِكَتي" (٣).
стр. 5558
وبقدر ما تغلب شهوتُه عقلَه يقرب من البهائم، ثم يتأخر حتى يصير في منزلة البهيمة، أو ينزل في حضيض أسفل من منزلة البهائم كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: ٤٤].
فقد ظهر لك في ترتيب كتابنا هذا سر عجيب، وهو أنا ذكرنا أولاً التشبه بالملائكة ﵈، وجعلناه في بداية القسم الأول من الكتاب، وذكرنا آخراً التشبه بالبهائم، وجعلناه في نهاية القسم الثاني من الكتاب، فكان التشبه بالملائكة والتشبه بالبهائم كطرفين للكتاب أعلى وأدنى، وكان المتشبه بالملائكة في الطرف الأعلى من الإنسانية، والمتشبه بالبهائم في الطرف الأدنى من الحيوانية، وجعلنا التخلق بأخلاق الله تعالى في وسط الكتاب لأنه هو النهاية التي يُنتَهى إليها بسير السائرين، والمحط الذي عليه تحط رحال العارفين، ثم ذكرنا بعد ذلك النهي عن التشبه بالشيطان إشارة إلى من لم يتخلق بأخلاق الله ، ولا بأخلاق عباده الصالحين فهو إما شيطان، وإما قرين شيطان، وإما بهيمة في صورة إنسان.
فعدنا بعد الأمر بالتلبس بالحق إلى الزجر عن التلبس بالباطل، فكأن لسان الحال قد قال: إن لم تأمر بما أمرناك به من السلوك في مسالك الأبرار والأخيار، فلا أقل من أن تنزجر عن الذهاب في سبيل الفجار والأخيار، فإن لم يُصبها وابلٌ فَطَل.
وإذا انحصر الحق في التخلق بأخلاق الله تعالى، وأخلاق عباده
стр. 5559
الصالحين، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فتبين بذلك أن من لم يترق في درجات الحق فهو متنزل في دركات الباطل؛ والله هو الموفق.
стр. 5560
فَصْلٌ
قال حجة الإسلام في "الإحياء": اعلم أن الإنسان قد اصطحب في تركيبه وخلقه أربع شوائب، فلذلك اجتمعت عليه أربعة أنواع، وهي: الصفات السبعية، والبهيمية، والشيطانية، والربانية.
قال: فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء، والتهجم على الناس بالضرب والشتم.
ومن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم من الشَّرَه، والحرص، والشَّبق، وغير ذلك.
ومن حيث إنه في نفسه أمر رباني كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فإنه يدعي لنفسه الربوبية، ويحب الاستيلاء والاستعلاء، والتخصص، والاستبداد بالأمور كلها، والتعزز بالرئاسة، والانسلال عن رِبْقة العبودية والتواضع، ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها، بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة، والإحاطة بحقائق الأمور، ويفرح إذا نسب إلى العلم، ويحزن إذا قذف بالجهل.
قال: والإحاطة بجميع الحقائق، والاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية، والإنسان حريص على ذلك.
стр. 5561
قال: ومن حيث يختص من البهائم والسباع بالتمييز مع مشاركته لها في الشهوة والغضب حصلت فيه شيطانية تستعمل التمييز في استنباط وجوه الشر، وتتوصل إلى الأغراض بالمكر، والحيلة، والخداع، ويعرض الشر في معرض الخير، وهذه أخلاق الشياطين.
قال: وكل إنسان ففيه شَوب من هذه الأصول الأربعة؛ أعني: الربانية، والشيطانية، والسبعية، والبهيمية.
وكل ذلك مجموع في القلب، وكأن المجموع في إهاب الإنسان خنزير، وكلب، وشيطان، وحكيم.
فالخنزير هو الشهوة؛ فإنه لم يكن مذموماً لكونه وشكله وصورته، بل لجشعه، وكَلَبه، وحرصه.
والكلب: هو الغضب؛ فإن السبع الضاري، والكلب العقور ليس كلباً وصبعاً باعتبار اللون والصورة والشكل، بل روح معنى السبعية الضراوة، والعداوة، والعقر.
وفي باطن الإنسان ضراوة السبع وغضبه، وشَبَق الخنزير وحرصه، فالخنزير يدعو بالشر إلى الفحشاء والمنكر، والسبع يدعو إلى الظلم والإيذاء، والشيطان لا يزال يهيج شهوة الخنزير، وغيظ السبع، يغرِّر أحدهما بالآخر، ويحسِّن لهما ما هما مجبولان عليه.
قال: والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة، ونوره المشرق الواضح،
стр. 5562
وأن يكسر شهوة هذا الخنزير بتسليط الكلب؛ إذ بالغضب يكسر سَورة الشهوة، ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه، ويجعل الكل مقهوراً تحت سياسته، فإن فعل ذلك وقدر عليه اعتدل الأمر، وظهر العدل في مملكة البدن، وجرى الكل على الصراط المستقيم، وإن عجز عن قهرها قهروه واستخدموه، فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع الخنزير، ويرضي الكلب، فيكون دائماً في عبادة كلب وخنزير. انتهى كلام الغزالي في "الإحياء" (١).
وقد اشتمل هذا الفصل من كلامه على فوائد:
الأُولَى: أن الغالب على البهائم الشهوة، وعلى السباع الغضب، وهما معتدلان في الإنسان ليستعملهما في منافع بدنه وشرائع دينه، ويدفع بهما مضار معاشه ومَعَاده باستعماله كلًّا منهما في محله بقدر الحاجة، بحيث يكون مستولياً بعقله عليهما، فإن غلبا أو أحدهما على عقله، واستوليا أو أحدهما على فطنته، فقد فوَّت على نفسه الخاصة الإنسانية، وترجح فيه جانب البهيمية أو السبعية، أو كليهما، فالعبد بسبب استرساله في الشهوة، واستطلاقه مع الهوى يكون متشبهاً في ذلك بالبهائم والسباع، ومهما غلب عقله على شهوته وغضبه كان مترقياً عن هذه المنزلة السافلة، سامياً إلى مراقي الحكمة العلية الفاضلة كما قال أبو بكر بن دريد: [من الرجز]
стр. 5563
وَآفَةُ العَقْلِ الْهَوى فَمَنْ عَلا ... عَلى هَواهُ عَقْلُهُ فَقَدْ نَجا (١)
الفائِدَةُ الثَّانِيةُ:
أن الشيطان عبارة عن غلبة الغضب، وغلبة الشهوة مع التمييز بينهما، والإدارك لما يترتب عليهما من المنافع والمضار، واستعمالهما على خلاف الحكمة مع عدم مراعاة اجتلاب المنافع واجتناب المضار، بل هكذا خَبْطَ عَشْواء على مَتن عَمْياء.
فقد علم بذلك أن الإنسان المتميز عن البهيمة والسبع بالنطق والتمييز إذا غلبت عليه الشهوة والغضب كان بهيمة وسبعاً لغلبة شهوته وغضبه، بل أضلّ منهما، لأن الشهوة - وإن غلبت على السباع - فإنها لا تميز بين مضار ذلك ومنافعه، ولا تعرف طريق وضعه في مواضعه، فهي معذورة في ذلك، ومن ثم لم تكن مكلفة، ولا يترتب على فعلها ثواب ولا عقاب، بخلاف الإنسان؛ فإن الشهوة والغضب قد غلبا عليه، وهو مميِّز بين مضارهما ومنافعهما، وله عقل يعرف به طريق وضع كل منهما في موضعه، ومن ثم كان مكلفاً مطالباً، مثاباً على أفعاله، أو معاقباً عليها، فهو أخس من البهائم، وأجهل من السباع كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان: ٤٤].
وإنما كان أضل من البهيمة والسبع لأنه تنزل بجهله عن منزلتهما
стр. 5564
إلى الشيطانية، فصار شيطاناً، والشيطان عبارة عن خلق مميز غلبت شهوته، واشتد غضبه، فاسترسل معهما حتى هلك، وبسبب التمييز كان الشيطان ومن كان على طريقته معذبين في النار، ولم يصيروا تراباً كسائر البهائم، فهم أسوأ حالاً من البهائم، ولذلك يقول الكافر الشامل للشيطان إذا رآها صارت تراباً، وذهب به إلى النار: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
وقد تحرر لك من ذلك أن المتشبه بالبهائم والسباع فيما ذكرناه متشبه بالشيطان أيضا، فهو جامع للخصلتين؛ فافهم!
* تنبِيهٌ:
حين يقول الشيطان في الكفار: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] لا يبعد أن يمَال له: إذًا تبين لك أن عنصر النار الذي خلقت منه ليس بخير من عنصر التراب الذي خلق منه آدم، ومن ثم قال بعضهم: إن المراد بالكافر في الآية الشيطان، والألف واللام فيه للعهد.
الفائِدَةُ الثَّالِثةُ: أن ذم الكلب والخنزير ليس راجعاً إلى ظاهر صورتهما، بل إلى ما في الخنزير من الجشع، والكَلَب، والحرص الناشئ عن الشهوة، وما في الكلب من الضراوة، والعداوة، والعقر الناشئ عن الغضب، فإذا كان الذم إنما يرجع إلى هذه الأوصاف فلا فرق في استحقاقهما الذم بين أن تكون في إهاب كلب وخنزير، أو غيرهما من البهائم والسباع، وبين أن تكون في إهاب إنسان، بل هي
стр. 5565
في الإنسان أحق بالذم، وإنها في البهائم والسباع جبلات وطباع، وهي ليست مكلفة بأفعالها، بخلاف الإنسان فهي فيه أكثر قبحاً وأحق ذماً.
فقد علمت بذلك أن المتشبه بالبهائم والسباع مستوجب لأشد اللوم وأقبح الذم، وذلك كان في التنفير عن التشبه بهما.
ومن كلام الراغب في "الذريعة": ومن صرف همته كلها في تربية القوى الشهوانية باتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام لَخَلِيق أن يلحق بأفق البهائم فيصير غَمْراً كثور، واما شَرِهاً كخنزير، أو ضارياً ككلب، أو حقوداً كجمل، أو متكبراً كنمر، أو ذا رَوَغان كثعلب، أو يجمع ذلك كله كشيطان مَريد، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (١).
الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الحكيم الذي هو مثال العقل في كلام الغزالي رحمه الله تعالى مأمور بثلاثة أمور بها يكون حكيماً، وإلا كان سفيهاً:
- أن يدفع كيد الشيطان.
- ويكسر شهوة الخنزير.
- ويدفع ضراوة الكلب.
стр. 5566
ويسوس بهذا الثلاثة التي اشتملت عليها دائرة مملكته أحسن السياسة، وإلا بأن أطاع شيطانه، أو استرسل مع شهوته، أو امتد في غضبه لم يكن حكيماً، بل إن غلبت عليه الشهوة صار بهيمة، أو الغضب أو الضراوة صار سبعاً، وإن جمع بينهما مع علمه بأن ذلك يضره صار شيطاناً.
وقد اتضح لك بذلك أن الذي يستحق أن يطلق عليه اسم الحكيم هو الرجل العاقل؛ أي: الذي قدر بعقله على منع شهوته، وقَطَع غضبه، وقَمَع شيطانه.
وتسمية العقل حكيمًا على سبيل المبالغة، والإشارة إلى أن الحكيم لا يقال لغير العاقل المتصرف بعقله في مملكة إنسانيته أحسن التصرف.
ولذلك قال ابن زيد رحمه الله تعالى في قوله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]: الحكمة: العقل في الدين (١).
وقال الإمام مالك: الفقه في دين الله (٢). أخرجهما ابن أبي حاتم.
وروى عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى قال: الحكمة:
стр. 5567
الفقه في القرآن (١).
وروى هو وابن جرير عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: الحكمة: القرآن، والعلم، والفقه (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁ في الآية قال: الحكمة: قراءة القرآن، والفكر فيه (٣).
وقال مجاهد أيضاً: الحكمة: الإصابة في القول. رواه عبد بن حميد (٤).
وقال ابن القاسم: الحكمة: طاعة الله، والفقه في الدين، والعمل، أي: الصالح (٥).
وقال الحسن رحمه الله تعالى: الحكمة: الورع (٦).
وقال الربيع بن أنس رحمه الله تعالى: الحكمة: الخشية (٧). رواهما الثعلبي.
وقال أبو العالية رحمه الله تعالى: خشية الله رأس كل حكمة،
стр. 5568
وقرأ الآية. رواه ابن أبي حاتم (١).
وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: الخشية حكمة، من خشي الله فقد أصاب أفضل الحكمة. رواه ابن المنذر (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن خالد بن ثابت الربعي رحمه الله تعالى قال: وجدت فاتحة زبور داود ﵇: إن رأس الحكمة خشية الرب (٣).
وروى الحكيم الترمذي، وابن لال عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ الله" (٤).
وروى ابن المنذر عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى قال: كان يقال: الرفق رأس الحكمة مخافة الله (٥).
والعقل هو الحكيم الذي تحصل به الحكمة؛ لأن مِنْ لازِمِ العقل التفقه في الدين، والترقي في معارف الكتاب والسنة، وذلك يورث الخشية من الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، والخشية تورث العمل بمقتضى هذه العلوم، وهو طاعة الله تعالى، والورع عن المحرمات، ثم عن المكروهات، ثم عن كل ما سوى الله
стр. 5569
تعالى، وما يراد به وجهه الكريم، والرفق في سائر الأمور، والتخلص عن الخرق في سائر الأحوال.
ومَنْ تحقَّق بهذا المقام آثر الصمت، ولذلك كان الصمت حكمة، أو نطق بالصواب، ورزق الإصابة في القول والعمل، وكان قوله مقبولاً، وعمله حُلواً عند الناس لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]؛ تفرقون به بين الحق والباطل، وبين النافع والضار.
ومن هنا قال بندار بن الحسين رحمه الله تعالى حين سأله أبو الحسن الهمذاني عن قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]: الحكمة: سرعة الجواب مع إصابة الصواب (١).
وقد تبين بهذا الذي قررناه: أن من لم يكن حكيماً فهو إما شيطان، وإما بهيمة، وإما سبع كان كان في الصورة إنساناً.
وقد قلنا في المعنى: [من السريع]
لا تَحْسِبِ الإِنْسانَ مَنْ لَمْ يَنَلْ ... مِنْ خِلْقَةِ الإِنْسانِ إِلاَّ الصُّورْ
стр. 5570
ما هُوَ إِلاَّ سَبُعٌ كاسِرٌ ... أَوْ بُهْمَةٌ فِي مِثْلِ شَكْلِ البَشَرْ
أَوْ هُوَ شَيْطانٌ مَرِيدٌ لَهُ ... فِي صُورَةِ الإِنْسانِ بُؤْس وَشَرٌ
وإِنَّما الإِنْسانِ ذُو حِكْمَةٍ ... يُعْطِي بِها النَّفْعَ وَينْفِي الضَّرَرْ
وتبين أيضاً: أن الإنسان إذا ترقى بعقله في طاعة الله تعالى، واكتسب المعارف السنية تارة بالتعلم، وتارة بالطاعة والتعبد والتقوى، صار حكيماً يوافق بكلامه الصواب مع سرعة الجواب، وما ذاك إلا لتكامل عقله وتضاعف معرفته، فاستعمال العقل فيما وضع له ينتج التزايد في العقل لأن العقل نعمة، واستعماله فيما وضع له شكر لتلك النعمة، والشكر يقتضي الزيادة في النعمة، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله لأبي الدرداء ﵁: "ثُمَّ تَنَفَّلْ صالحاتِ الأَعْمالِ تَزْدَدْ عَقْلاً" (١).
ومن هنا قالوا: إن العقل قسمان: غريزي ومكتسب من العقل الغريزي لكثرة الاستعمال والتجارب كما قيل: [من الطويل]