← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

ويسوس بهذا الثلاثة التي اشتملت عليها دائرة مملكته أحسن السياسة، وإلا بأن أطاع شيطانه، أو استرسل مع شهوته، أو امتد في غضبه لم يكن حكيماً، بل إن غلبت عليه الشهوة صار بهيمة، أو الغضب أو الضراوة صار سبعاً، وإن جمع بينهما مع علمه بأن ذلك يضره صار شيطاناً. وقد اتضح لك بذلك أن الذي يستحق أن يطلق عليه اسم الحكيم هو الرجل العاقل؛ أي: الذي قدر بعقله على منع شهوته، وقَطَع غضبه، وقَمَع شيطانه. وتسمية العقل حكيمًا على سبيل المبالغة، والإشارة إلى أن الحكيم لا يقال لغير العاقل المتصرف بعقله في مملكة إنسانيته أحسن التصرف. ولذلك قال ابن زيد رحمه الله تعالى في قوله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]: الحكمة: العقل في الدين (١). وقال الإمام مالك: الفقه في دين الله (٢). أخرجهما ابن أبي حاتم. وروى عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى قال: الحكمة:

стр. 5567

الفقه في القرآن (١). وروى هو وابن جرير عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: الحكمة: القرآن، والعلم، والفقه (٢). وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء ﵁ في الآية قال: الحكمة: قراءة القرآن، والفكر فيه (٣). وقال مجاهد أيضاً: الحكمة: الإصابة في القول. رواه عبد بن حميد (٤). وقال ابن القاسم: الحكمة: طاعة الله، والفقه في الدين، والعمل، أي: الصالح (٥). وقال الحسن رحمه الله تعالى: الحكمة: الورع (٦). وقال الربيع بن أنس رحمه الله تعالى: الحكمة: الخشية (٧). رواهما الثعلبي. وقال أبو العالية رحمه الله تعالى: خشية الله رأس كل حكمة،

стр. 5568

وقرأ الآية. رواه ابن أبي حاتم (١). وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: الخشية حكمة، من خشي الله فقد أصاب أفضل الحكمة. رواه ابن المنذر (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن خالد بن ثابت الربعي رحمه الله تعالى قال: وجدت فاتحة زبور داود ﵇: إن رأس الحكمة خشية الرب (٣). وروى الحكيم الترمذي، وابن لال عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ الله" (٤). وروى ابن المنذر عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى قال: كان يقال: الرفق رأس الحكمة مخافة الله (٥). والعقل هو الحكيم الذي تحصل به الحكمة؛ لأن مِنْ لازِمِ العقل التفقه في الدين، والترقي في معارف الكتاب والسنة، وذلك يورث الخشية من الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، والخشية تورث العمل بمقتضى هذه العلوم، وهو طاعة الله تعالى، والورع عن المحرمات، ثم عن المكروهات، ثم عن كل ما سوى الله

стр. 5569

تعالى، وما يراد به وجهه الكريم، والرفق في سائر الأمور، والتخلص عن الخرق في سائر الأحوال. ومَنْ تحقَّق بهذا المقام آثر الصمت، ولذلك كان الصمت حكمة، أو نطق بالصواب، ورزق الإصابة في القول والعمل، وكان قوله مقبولاً، وعمله حُلواً عند الناس لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]؛ تفرقون به بين الحق والباطل، وبين النافع والضار. ومن هنا قال بندار بن الحسين رحمه الله تعالى حين سأله أبو الحسن الهمذاني عن قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]: الحكمة: سرعة الجواب مع إصابة الصواب (١). وقد تبين بهذا الذي قررناه: أن من لم يكن حكيماً فهو إما شيطان، وإما بهيمة، وإما سبع كان كان في الصورة إنساناً. وقد قلنا في المعنى: [من السريع] لا تَحْسِبِ الإِنْسانَ مَنْ لَمْ يَنَلْ ... مِنْ خِلْقَةِ الإِنْسانِ إِلاَّ الصُّورْ

стр. 5570

ما هُوَ إِلاَّ سَبُعٌ كاسِرٌ ... أَوْ بُهْمَةٌ فِي مِثْلِ شَكْلِ البَشَرْ أَوْ هُوَ شَيْطانٌ مَرِيدٌ لَهُ ... فِي صُورَةِ الإِنْسانِ بُؤْس وَشَرٌ وإِنَّما الإِنْسانِ ذُو حِكْمَةٍ ... يُعْطِي بِها النَّفْعَ وَينْفِي الضَّرَرْ وتبين أيضاً: أن الإنسان إذا ترقى بعقله في طاعة الله تعالى، واكتسب المعارف السنية تارة بالتعلم، وتارة بالطاعة والتعبد والتقوى، صار حكيماً يوافق بكلامه الصواب مع سرعة الجواب، وما ذاك إلا لتكامل عقله وتضاعف معرفته، فاستعمال العقل فيما وضع له ينتج التزايد في العقل لأن العقل نعمة، واستعماله فيما وضع له شكر لتلك النعمة، والشكر يقتضي الزيادة في النعمة، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله لأبي الدرداء ﵁: "ثُمَّ تَنَفَّلْ صالحاتِ الأَعْمالِ تَزْدَدْ عَقْلاً" (١). ومن هنا قالوا: إن العقل قسمان: غريزي ومكتسب من العقل الغريزي لكثرة الاستعمال والتجارب كما قيل: [من الطويل]

стр. 5571

ألَمْ تَرَ أَنَّ العَقْلَ زَيْنٌ لأَهْلِه ... وَلَكِنْ تَمامُ العَقْلِ طُولُ التَّجارِبِ (١) وإنما يستنتج العقل النافع باستعمال العقل في اكتساب الآداب الشرعية، وتحصيل الأخلاق المرضية، وتطهير النفس عن الأوصاف الدنية باستعماله بالدهاء والحيلة، والمكر والخديعة. وما أحسن ما أنشده الأصمعي رحمه الله تعالى: [من البسيط] إِنْ يَكُنِ العَقْلُ مَوْلُوداً فَلَسْتُ أَرى ... ذا العَقْلِ مُسْتَغْنِياً عَنْ حادِثِ الأَدَبِ إِنِّي رَأَيْتُهُما كَالْماءِ مُخْتَلِطاً ... بِالتُّرْبِ تَظْهَرُ مِنْهُ زَهْرَةُ العُشُبِ وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَتْهُ فِي مَوالدِهِ ... غَرِيزَةُ العَقْلِ حاكَى الْبُهْمَ فِي النَّسَبِ (٢) وقال آخر، وفي "الإحياء": أنه لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: [من الهزج]

стр. 5572

رَأَيْتُ العَقْلَ نَوْعَيْنِ ... فَمَسْمُوعٌ وَمَطْبُوعُ وَلا يَنْفَعُ مَطْبُوعٌ ... إِذا لَمْ يَكُ مَسْمُوعُ كَما لا تَنْفَعُ العَيْنُ ... وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعُ (١) قال الماوردي: واعلم أن العقل المكتسب لا ينفك عن العقل الغريزي لأنه نتيجة منه، وقد ينفك العقل الغريزي عن المكتسب فيكون صاحبه مسلوبَ الفضائل، موفور الرذائل كالأَنْوك الذي لا تجد له فضيلة، والأحمق الذي قل ما تخلو منه رذيلة. قال: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الأَحْمَقُ أَبْغَضُ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ؛ إِذْ حَرَمَهُ أَعَزَّ الأَشْياءِ عَلَيْه"، انتهى (٢). وقال الراغب: العقل الغريزي بمنزلة البصر للجسد، والمستفاد بمنزلة النور، كما أن البدن متى لم يكن له بصر فهو أعمى، كذلك النفس متى لم يكن لها بصيرة؛ أي: عقل غريزي فهي عمية، وكما أن البصر متى لم يكن له نور لا ينتفع به، كذلك العقل متى لم يكن له نور من العلم مستفاد لم تجد بصيرته. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].

стр. 5573

ثم قال: ولما كان فقدان البصيرة أشنع من فقدان البصر لأنه بارتفاع البصيرة انتفاع النفس بالبصر قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. فذمهم بفقدان البصيرة تنبيهاً على أن فقدانها اختياري؛ إذ هو بتركهم استفادة العلم، وأكثر من أن البصر ضروري، انتهى. وحاصل ما قررناه في هذا الفصل: أن اتصاف الإنسان بالأوصاف الحيوانية، وتخلقه بالطباع البهيمية مما يخالف الحكمة الإلهية، ويخل منه بالإنسانية، فلذلك جاء الشرع الشريف بالنهي عن التشبه بالبهائم والسباع في كثير من الخصال والطباع، وجاء القرآن العظيم بتمثيل الكفار والفساق بالأنعام، فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. فمثل واعظ الكفار وداعيهم بالراعي إذا نعق بالغنم، وهي لا تسمع إلا دعاءً ونداءً لا تفهم معناه، بل هم أسوء حالاً من الغنم لأنها قد تنزجر بنعق الراعي، وتنضم من نفشاتها، بخلاف الكفار ونحوهم؛ فإنَّ وعظ الواعظ لا يؤثر فيهم، ولا يزجرهم عن كفرهم وطغيانهم، وإذا ذكروا لا يذكرون، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]. فأشار إلى أنهم أسوء حالاً من الغنم بقوله في وصفهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٧١]؛ أي: صم عن سماع الحق، بكم عن النطق به، عَمِي عن رؤية مسالكه وطرائقه، فهم لا يعقلون

стр. 5574

الحق حقاً فيتبعونه، ولا الباطل باطلاً فيتقونه. قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١] شبههم في إعراضهم عن الحق ونفورهم عن استماع الذكر بالحمر النافرة. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠ - ٢٢]. قال القاضي في تفسير عدهم من البهائم: ثم جعلهم شرها لإبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله، انتهى (١). وقد اشتملت الآية على نهي المؤمنين عن التشبه بالكافرين في سماعهم بالمسموع بشرِّ الدواب من حيث إن الدواب تسمع ولا تنتفع، وكذلك حكم هؤلاء ومن جرى على منوالهم، فالآية متضمنة لنهي المؤمنين عن التشبه بالكفار في شبههم بالبهائم فيما ذكر. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال مجاهد: لهم قلوب لا يفقهون بها شيئاً من أمر

стр. 5575

الآخرة، ولهم أعين لا يبصرون بها الهدى، ولهم آذان لا يسمعون بها الحق، جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم شراً من الأنعام، فقال: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، ثم أخبر أنهم الغافلون. رواه ابن جرير (١). وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤]. قال مقاتل رحمه الله تعالى: البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها التي تعلِفها، وهؤلاء لا ينقادون، ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم (٢)؛ أي: فكانوا أضل منها من هذه الحيثية. وقيل: كانوا أضل منها لأنها لا تعتقد صحة التوحيد والنبوة، ولا تعتقد بطلانها، وهؤلاء يعتقدون بطلانهما، فهم أسوء حالاً منها. وروي أن سفيان الثوري رحمه الله تعالى كان يقول: إلهي! البهائم يزجرها الراعي فتنزجر عن هواها، وأراني لا يزجرني كتابك عما أهواه، فواسوأتاه (٣).

стр. 5576

* لَطِيفَةٌ: قيل في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]: إنهم كانوا يعبدون الحجر، فإذا رأوا أحسن منه تركوه وعبدوا الآخر، وكذلك البهائم إذا رعت في كلا، فرأت غيره أبهج منه تركته، غير أن البهائم تنتفع بما ترعى أولاً وثانياً بخلاف هؤلاء؛ فإنهم لم تنفعهم آلهتهم التي عبدوها أولاً، ولا التي عبدوها ثانياً، فهم أضل من البهائم (١). وروى أبو سليمان الخطابي بإسناده في "غريب الحديث": أن رجلاً قال لعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: إنك في هذه البلاغة والرأي الفاضل كنت تأتي حجراً فتعبده؟ فقال: والله لقد كنت أجالس أقواماً تزن حلومهم الجبال الرواسي، ولكن ما قولك في عقول كادَها خالقها؟ (٢) وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "العقل" عن القاسم بن أبي بزة رحمه الله تعالى قال: إن رجلاً من بني قشير أتى النبي ﷺ فقال: إنا كنا نعبد في الجاهلية أوثاناً، وكنا نظن أنها تضر وتنفع، فقال رسول الله ﷺ : "أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ اللهُ لَهُ عَقْلاً" (٣).

стр. 5577

وقد آن أن نذكر جملة من الخصال التي يكون الإنسان بها متشبهاً بالبهائم، أو السباع، أو الحشرات، أو الهوام زجراً عنها، وتنفيراً منها. ١ - فمنها: الجهل من حيث هو . وليس للإنسان تميز عن البهائم إلا بالعلم والعقل كما علمت، فإذا آثر الجهل على العلم كان أسوء حالاً من البهائم. وروى ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أنه قال: يا رسول الله! أتيتك من عند قوم هم وأنعامهم سواء. قال ﷺ : "يا سَعْدُ! أفلا أُخْبِرُكَ بِأعْجَبَ مِنْ ذلكَ؟ قَؤم عَلِمُوا ما جَهِلَ هَؤُلاءِ، ثُمَّ جَهِلُوا كَجَهْلِهِمْ" (١). وروى أبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: أنه ليالي قدم من اليمن مسألة النبي ﷺ : "كَيْفَ تَرَكْتَ النَّاسَ بَعْدَكَ؟ " فَقالَ: تركتهم لا هَمَّ لهم إلا هم البهائم. فقال له النبي ﷺ . "كَيْفَ أَنْتَ إِذا كُنْتَ في قَوْمٍ عَلِمُوا ما جَهِلَ هَؤُلاءِ، وَهَمُّهُمْ مِثْلُ هَمِّ هَؤُلاءِ؟ " (٢). لكن ضعَّف أبو نعيم هذا الحديث؛ فإن معاذاً إنما قدم من اليمن بعد وفاته ﷺ .

стр. 5578

قلت: ولعل هذا السؤال لمعاذ إنما وقع من أبي بكر رضي الله تعالى عنه أو غيره، فالتبس على بعض الرواة. ومن أمثال الناس في الجهل: كأنه ديك حجل. وهو مأخوذ من قول حذيفة رضي الله تعالى عنه: إنما يهلكون إذا لم يعرف لذي الشيب شيبه، وإذا صريح تمشون الركبات كأنكم يعاقيب حجل؛ لا تعرفون معروفا، ولا تنكرون منكراً (١). والركبات: جمع رغبة: المرة من الركوب. ومعنى تمشون الركبات: تمشون راكبين رؤوسكم في الباطل من غير تثبت؛ كما قاله في "النهاية" (٢). واليعاقيب: جمع يعقوب، وهو ذكر الحجل. والأثر أورده الزمخشري في "الفائق". ومما حيَّر العقولَ سعةُ الدنيا لأكثر الجهال، وضيقُها على أكثر العلماء، أو على أفاضلهم، أو على كثير منهم، ولا حيرة عند من كوشف بالحكمة في ذلك. والحكمة فيه أن أهل العلم والكمالات لو خُصُّوا بسعة الرزق في الدنيا وطيب العيش فيها، لحسب الناس أن الرازق لهم العلم والكمال.

стр. 5579

وأيضاً: فإن الدنيا لو كانت لها عند الله قيمة لخص بها أولياءه من أهل العلم والفضل. وفي الحديث: "لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تُساوِي عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوْضَةٍ ما سَقى كافِراً مِنْها شَرْبَةَ مَاءٍ" (١). وأيضاً: لو أن الله تعالى جعل الرزق وسعته وطيب عيشه على الفضل والكمال والعلم، لم يكن للبهائم فيها نصيب كما قالت الحكماء: لو جرت الأقسام على قدر العقول لم تعش البهائم (٢). فنظمه أبو تمام، فقال: [من الطويل] يَنالُ الفَتَى مِنْ عَيْشِهِ وَهْوَ جاهِلٌ ... ويُكدي الفَتَى مِنْ دَهْرِهِ وَهْوَ عالِمُ وَلَوْ كانَتِ الأَرْزاقُ تَجْريِ عَلى الْحِجى ... هَلَكْنَ إِذاً مِنْ جَهْلِهِنَّ البَهائِمُ فاقتضت الحكمة الإلهية والكرم الربوبي شمول رزقه لخلقه، وتوسعة الرزق تارة إحساناً إلى المحسن وبَرًّا به، وإملاءً للمسيء ومكراً به، وتضييقه تارة تمحيصاً للمؤمن وحماية له من بطر المعيشة، وطغيان النفس، وعقوبةً للفاجر، وتأديباً للمخلط ليرجع إلى الإخلاص، ويعود

стр. 5580

إلى الاعتدال، وإيذانا بأنه يفعل ما يريد، وهو الولي الحميد، والغني المجيد. ٢ - ومنها: أن يكون الإنسان من حملة العلم الشريف ، ولا ينتفع بعلمه أو يجتهد في تحصيل الكتب العلمية، ويغالي في أثمانها، ويرفع في سومها، ويزاحم العلماء في اقتنائها، وهو جاهل بما فيها. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. قال القرطبي: في هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه، ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء، انتهى (١). قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: إن الحمار لا يدري سفر على ظهره، أو زبل (٢). وقال الشاعر: [من البسيط] إِنَّ الرُّواةَ عَلى جَهْلِ بِما حَمَلُوا ... مِثْلُ الْحَمِيرِ عَلَيْها يُحْمَلُ الوَدعُ

стр. 5581

لا الوَدع يَنْفَعُهُ حَمْلُ الْحِمارِ لَهُ ... وَلا الْحِمارُ بِحَمْلِ الوَدع يَنْتَفِعُ (١) وقال آخر: [من الطويل] زَوامِلُ للأَسْفارِ لا عِلْمَ عِنْدَهُمُ ... يَفِيدُونَهُ إِلاَّ كَعِلْمِ الأَباعِرِ لَعَمْرُكَ ما يَدْرِي البَعِيرُ إِذا غَدا ... بِأَوْساقِهِ أَوْ راحَ ما فِي الغَرائِر وروى عبد الكريم بن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" عن مطر الوراق رحمه الله تعالى قال: إذا سألت العالم عن مسألة فحك رأسه، فاعلم أن الحمار قد بلغ القنطرة (٢). ومعناه: أن السؤال يميز بين العالمين والجهال، كما أن الخيل والبغال والحمير تتساوى في المسير ما دامت السهول، فإذا بلغت القناطر والمصاعد ظهرت نهضة الفرس والبغل، وعَيُّ الحمار. وقلت في المعنى: [من الرجز] إِذا سَأَلْتَ مُتَعَمِّماً فَحَكّْ ... بِرَأْسِهِ أَوْ خَلْفَ أُذْنِهِ دَلَك

стр. 5582

كانَ كَأنَّهُ حِمارٌ بَلَغَ الـ ... ـمَصْعَدَ فَانْحَطَّ وَقَدْ كانَ سَلَكْ يا خَجْلَةَ الْجاهِلِ حِينَ يُبْتَلَى ... بِسائِلٍ يَكْسِفُ مِنْهُ ما مَلَكْ وروى أبو نعيم عن أحمد بن حميد المروزي قال: قيل لعبد الله ابن المبارك رحمه الله تعالى: إنَّ إسماعيل بن عُلية قد ولي الصدقات، فكتب إليه: يا جاعِلَ العِلْمِ لَهُ بازِياً ... الأبيات الآتية. وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن عبد الله بن محمد الضبي قال: كنا عند عبد الله بن المبارك، وأخبر أن ابن علية ولي على الصدقات، فكتب إليه: [من السريع] يا جاعِلَ العِلْمِ لَهُ بازِياً ... يَصْطادُ أَمْوالَ الْمَساكِينِ احْتَلْتَ لِلدُّنْيا وَلَذَّاتِها ... بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينِ فَصِرْتَ مَجْنُوناً بِها بَعْدَما ... كُنْتَ دَواءً لِلْمَجانِينِ أَيْنَ رِواياتُكَ فِي سَرْدِها ... عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَابْنِ سِيرينِ

стр. 5583

أَيْنَ رِواياتُكَ فِيما مَضى ... لِتَرْكِ أَمْوالِ السَّلاطِينِ إِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتُ فَماذا كَذا ... زَلَّ حِمارُ العِلْمِ فِي الطِّينِ قال: فلما رآها ابن علية بكى، واستعفى؛ يعني: من الولاية (١). وتقدمت هذه القصة من طريق آخر على وجه آخر في التشبه بأهل الكتاب. وحُدِّثت عن شيخ الإسلام الوالد رحمه الله تعالى: أنه كان يحكي أن بعض الطلبة بمصر كان يقال له: حمار الروضة؛ لأنه كان يحفظ كتاب الروضة عن ظهر قلب، ولا يكاد يفهم مسائلها، فإذا احتاجت الطلبة محلًّا منها وهو حاضر قيل له: اقرأ من موضع كذا، ومن باب كذا، فيقرأ حتى يقال له: قف، فيقطع القراءة. وفي تسميته حمار الروضة تورية لطيفة بروضة المقياس؛ لأنها تخصب في وقت الخصب، فتكون أوفق لدواب الأرض مرعىً، وأخصبً لها خلًّا. ومن لطائف ابن الدهان النحوي: [من المجتث]

стр. 5584

لا تَحْسَبَنْ أَنَّ بِالْكُتْ ... بِ مِثْلَها سَتَصِيرُ فَلِلدَّجاجَةِ رِيشٌ ... لَكِنَّها لا تَطِيرُ (١) وما أحسن قول ابن الوردي: [من المديد] مَنْ عَلِمَ العِلْمَ وَهْوَ لاهٍ ... عَمَّا أَتاهُ بِهِ النَّذِيرُ فَذاكَ مِثْلُ الدَّجاجِ عِنْدِي ... لَهُ جَناحٌ وَلا يَطِيرُ وقال الوالد رحمه الله تعالى في شرحه على "الألفية" في باب الحال: [من الرجز] لَطِيفَةٌ مِنْ عالِمٍ قَدْ سَألَهْ ... شَخْصٌ هَلِ الْحالُ مِنَ الْمُضافِ لَهْ يَجُوزُ وَهْوَ حامِلٌ أَسْفاراً ... قالَ نعمْ وَاسْتَشْهَدَ اسْتِظْهارا بِقَوْلهِ كَمَثَلِ الْحِمارِ ... يَحْمِلُ أَسْفاراً عَلى البِدارِ فَأَطْرَقَ السَّائِلُ مِنْهُ وَحَصَلْ ... لَهُ بِذا القَوْلِ حَياءٌ وَخَجَلْ قلت: * لَطِيفَةٌ أُخْرى مِنْ مَشْرَبٍ آخَرَ: روى الشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُلْقَى في

стр. 5585

النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ؛ أي: أمعاؤه، فَيَدُوْرُ كَمَا يَدُوْرُ الحِمارُ في الرَّحَا، فَيَطُوْفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُوْلُوْنَ: مَا لَكَ؟ فَيَقُوْلُ: كُنْتُ آمُرُ بِالخَيْرِ وَلا آتِيْهِ، وَأَنهى عَنِ الشَّرِ وَآتِيْهِ" (١). قلت: فالعالم الذي لم ينتفع بعلمه يعيش في الدنيا مثل الحمار، ويدور في النار يوم القيامة كما يدور الحمار في المدار. وفي المعنى قلت: [من الكامل] حَرِّرْ عُلُومَكَ ما اسْتَطَعْتَ وَلا تَكُنْ ... مِثْلَ الْحِمارِ يُحَمَّل الأَسْفارا وَاعْمَلْ بِعِلْمِكَ إِنَّ عَبْداً لَمْ يَكُنْ ... بِالْعِلْمِ يَعْمَلُ سَوْفَ يَصْلَى النَّارا فَيَدُورُ فِيها كَالْحِمارِ عَلى الرَّحا ... لا يَبْرَحَنَّ عَلى الْمَدَى دَوَّارا فَيَطُوفُ فِي الدُّنْيا حِماراً سارِحاً ... وَيَدُورُ فِي نارِ الْجَحِيمِ حِمَارا * تنبِيهٌ: وقع تشيبه العالم إذا لم ينتفع بعلمه بالشاة التي ترعى ما لا تنتفع به فيما روى ابن أبي شيبة عن أبي وائل رحمه الله تعالى قال: ما شبهت

стр. 5586

قراء زماننا هذا إلا بدراهم مزوقة، أو غنم رعت الحمض، فنفخت بطونها، فذبح منها شاة، فاذا هي لا تنقي (١). ٣ - من الخصال المشار إليها: أن يكون الإنسان عالماً ولا يعمل بعلمه ، أو يحمله طلب الدنيا والرغبة فيها على مخالفة ما يعلم. قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]. قال مقاتل: رضي بالدنيا (٢). ﴿اتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. قال الجوهري في "الصحاح": لَهَث الكلب، يلهث لَهْثاً، ولُهثاً - بالضم -: إذا أخرج لسانه من التعب والعطش (٣). قلت: مثَّل الله تعالى العالم إذا عمل بخلاف ما يعلم لطلب الدنيا، وهو متكالب على طلبها، واتبع عليها بكليته بالكلب اللاهث بها إن طردته أولم تطرده لشدة عطشه وكَدَّه، فإن الإنسان إذا اتبع هواه

стр. 5587

في طلب الدنيا، واسترسل في شهواته منها، فإنه لا يكاد ينتهي منها إلى آخر، ولا يشبع مما حصل له من مستحسناتها، ولا يروى مما شرب من خمر شهواتها، ولا يفيق من سكره منها كما في الحديث: "لَوْ كانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيانِ مِنْ ذَهَبٍ لابْتَغَى لَهُمَا ثالِثاً" (١). فلا يستريح من تعب طلبها، ولا يسكن من نصب رغبها، فحينئذ لا ينفع فيه زجر، ولا ينجع فيه وعظ، فهو كالكلب اللاهث حملت عليه أو تركته لأن قلبه مات من الشهوات، وبردت حرارة الموعظة فيه. قال ابن جريج رحمه الله تعالى: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث، كذلك الذي يترك الهدى لا فؤاد له، دانما فؤاده منقطع كان ضالًّا قبلُ وبعدُ. رواه أبو الشيخ في "تفسيره"، وغيره (٢). وقال الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول": إنما شبه الله تعالى العالم المنسلخ من الآيات بالكلب من بين سائر السباع لأن الكلب ميت الفؤاد، وإنما لهث لموت فؤاده، وسائر السباع ليست كذلك. قيل: وسبب موت فؤاد الكلب: أن آدم ﵇ لما هبط إلى الأرض لاذت به سائر السباع، وسكنت إليه، ونَبَحه الكلب، فضربه آدم بعصا في يده، فانقطع قلبه.

стр. 5588

ومن ثم لا يطيق الكلب العصا متى رفعت له (١). وقلت في المعنى: [من مجزوه الكامل المذيَّل] إِنَّ الَّذِي حَمَلَ العُلُو ... مَ وَلَمْ يَكُنْ ممَّنْ أَجادْ بَلْ آثَرَ الدُّنْيا بِحيـ ... ـثُ لأَجْلِها بِالدّينِ جادْ لِلأَرْضِ أَخْلَد فَالْتَوَى ... عَنْ مَنْهَجِ التَّقْوى وَحادْ فَهْوَ الَّذِي نَطَقَ الكِتا ... بُ بِذَمِّهِ بَيْنَ العِبادْ كَالْكَلْبِ يَلْهَثُ دائِماً ... وَالْقَلْبُ مُنْقَطِعُ الفُؤادْ وهذه الآية نزلت في بلعام بن باعورا على أشهر الأقوال. ذكر القرطبي أنه كان بحيث إذا نظر يرى العرش، وكان في مجلسه اثنا عشر ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه، ثم صار بحيث إنه كان أول من صنف كتاباً أن ليس للعالم صانعاً. انتهى (٢). وقال أكثر المفسرين: كان مستجاب الدعوة، فأعطاه ملكُ الجبارين مالاً عظيما، وجوائز كثيرة حتى يدعو على موسى ﵇ في عسكره، فدعا، فرجع الدعاء عليه وعلى قومه (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: بعث موسى نبي الله ﵇ بلعام بن باعورا إلى ملك

стр. 5589

مدين يدعوهم إلى الله تعالى، وكان مجاب الدعوة، وكان موسى ﵇ يقدمه في الشدائد إذا نزلت من السماء يدعو ويؤمِّن موسى، فأقطعه؛ يعني: ملك مدين، وأعطاه، فترك دين موسى، وتبع دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] (١). قال القرطبي: وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به. وقيل: هو في كل منافق. قال: والأول أرجح (٢). وقال الإمام الوالد في "تفسيره": [من الرجز] وَذَلِكَ الْمِثالُ شامِلٌ لِمَنْ ... أُوْتيَ عِلْماً وَبِهِ لَمْ يَعْمَلَنْ * تنبِيهٌ: لا يختص العالم المتكالب على الدنيا بالتشبيه بالكلب، بل كل متكالب على الدنيا فهو كالكلب، وعليه قوله ﷺ في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: "لا تَطْرَحنَّ الدُّرَّ في أَفْوَاهِ الكِلابِ". قال محمد بن بكار - أحد رواته -: أظنه يعني العلم. أخرجه أبو حفص بن شاهين (٣).

стр. 5590

قلت: وكأنه ﷺ نهى أن يستودع العلم أهل الدنيا المتكالبين عليها؛ فإن ذلك إضاعة للعلم، ومن هنا كان بعض العلماء إذا جاءه طالب لا يعلمه حتى يستكشف عن نيته؛ هل يريد بالعلم وجه الله تعالى، أو طلب المناصب والولايات، فإن شم منه رائحة الإخلاص علمه، وإلا تركه. ولطف أبو الحسين الجزار الأديب المشهور في إطلاق الكلاب على أهل الدنيا بقوله: [من الخفيف] لا تَعِبْنِي بِصَنْعَةِ القصَّابِ ... فَهْيَ أَزْكى مِنْ عَنْبَرِ الآدابِ كانَ فَضْلِي عَلى الكِلابِ فَمُذْ صِرْ ... تُ أَدِيباً رَجَوْتُ فَضْلَ الكِلابِ ومن المشهور الجاري على الألسنة: الدنيا جيفة، وطلابها كلابٌ (١). ولا يعرف هذا في أصول الحديث أصلاً، وإنما روى البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُنَادِي مُنَادٍ: دَعُوا الدُّنْيَا لأَهْلِهَا، مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الدُّنيَا أكْثَرَ مِمَّا يَكْفِيْهِ أَخَذَ جِيْفَةً وَهُوَ لا يَشْعُرُ" (٢).

стр. 5591

وروى أبو نعيم، والديلمي عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لَيَجِيْئَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَقْوَامٌ وَأَعْمَالُهُمْ كَجِبَالِ تِهَامَةَ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلى النَّار". قالوا: يا رسول الله! مصلين؟ قال: "نعَمْ، كَانُوا يُصَلُّوْنَ، وَيَصُوْمُوْنَ، وَيَأْخُذُوْنَ وهناً مِنَ اللَّيْلِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ وَثَبُوا عَلَيْهِ" (١). وأخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" بنحوه من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه. وصفهم بالوثوب، وهو من صفات السباع والكلاب. وقال أبو الحسن بن جهضم الهمذاني في "بهجة الأسرار": حدثنا أبو الفتح أحمد بن الحسن، ثنا على بن جعفر عن أبي موسى، عن أبي يزيد؛ يعني: البسطامي رحمه الله تعالى قال: خلق الله تعالى إبليس كلباً من كلابه، وخلق الدنيا جيفة لإبليس، ثم قعد إبليس على آخر طريق الدنيا وأول طريق الآخرة، وأعمال الخلق كلها مارة به،

стр. 5592

وقيل: انظر؛ كما وجدت في عمل عبد من عبادي شيئاً من جيفتك فقد سلطتك عليه. وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقاته"، وأبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال: الدنيا مزبلة، ومجمع للكلاب، وأقل من الكلاب من يعكف عليها، وإن الكلب يأخذ منها حاجته وينصرف، والمحب لها لا يزايلها بحال (١). ورأيت بخط بعض العلماء القدماء أبياتاً منسوبة للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ألَمَّ فيها بهذا المعنى، فقال: [من الطويل] أَأَنْعُمُ عَيْشًا بَعْدَما حَلَّ عارِضِي ... طَلائِعُ شَيْبِ لَيْسَ يُغْنِي خِضابُها وَلَذَّةُ عَيْشِ الْمَرْءِ قَبْلَ مَشِيبِهِ ... فَقَدْ فَنِيَتْ نَفْسٌ تَوَلَّى شَبابُها إِذا اسْوَدَّ لَوْنُ الْمَرْء وَابْيَضَّ شَعْرُهُ ... تَنَغَّصَ مِنْ أَيَّامِهِ مُسْتَطابُها خَبَتْ نارُ نَفْسِيَ بِاشْتِعالِ مَفارِقِي ... وَأَظْلَمَ لَيْلِي إِذْ أَضَاءَ شِهابُها

стр. 5593

فَيا نَوْمَةً قَدْ عَشَّشَتْ فَوقَ هامَتِي ... عَلى الرَّغْمِ مِنِّي حِينَ طارَ غُرابُها رَأَيْتِ خَرابَ العُمْرِ مِنِّي فَزُرْتِنِي ... وَمَأْواكِ مِنْ كُلِّ الدِّيارِ خَرابُها فَلا تَمْشِيَنْ فِي مُنْكَرِ الأَرْضِ فاخِراً ... فَعَمَّا قَلِيلٍ يَحْتَوِيكَ تُرابُها وَأَحْسِنْ إِلَى الأَحْرارِ تَمْلِكْ رِقابَهُمْ ... فَخَيْرُ تِجاراتِ الكِرامِ اكْتِسابُها فَمَنْ يَذُقِ الدُّنْيا فَإِنِّي طَعِمْتُها ... وَسِيقَ إِلَيَّ عَذْبُها وَعَذابُها فَلَمْ أَرَها إِلاَّ غُرُوراً وَباطِلاً ... كَما لاحَ فِي ظَهْرِ الفَلاةِ سَرابُها وَما هِيَ إِلاَّ جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ ... عَلَيْها كِلابٌ دَأْبُهُنَّ اجْتِذابُها فَإِنْ تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْماً لأَهْلِها ... وَإِنْ تَجْتَذِبْها نازَعَتْكَ كِلابُها فَطُوبَى لِنَفْسٍ وَطِئَتْ قَعْرَ دارِها ... مُغَلَّقَةَ الأَبْوابِ مُرْخًى حِجابُها

стр. 5594

فَيارَبِّ هَبْ لِي تَوْبَةً قَبْلَ مِيْتَتِي ... أفوزُ بِها مِنْ قَبْلِ يُغْلَقُ بابُها وإذا أفادت البصائر أن الشره في الدنيا في مقام كلب شره في جيفة، وأهل العلم هم أهل البصائر، وإذا شره العالم خصوصاً البالغ في العلم فيها، فقد حير من دونه إذا رغب عنها، ويرى من فوقه رغب فيها، وأضل من ليس من أهل العلم إذا أراد الاقتداء لأنه إذا رأى من معه طرف من العلم يزهد فيها ويرغب عنها، ورأى الأعلم والأبصر يرغب فيها اقتضى رأيه أن يقتدي بالأعلم، ومن ثم تعلم أنه ليس في الدنيا أفتن لعقول الناس من العلماء المفتونين. وقد روى الدينوري في المجالسة عن أبي عبد الله القلانسي قال: سمعت إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى يتمثل بأبيات من الشعر: [من المتقارب] رَأَيْتُ الذُّنوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ... وَشبِعُها الذُّلَّ إِدْمانُها وَتَرْكُ الذُّنوبِ حَياةُ القُلُوبِ ... وَالْخَيْرُ لِلنَّفْسِ عِصْيانُها وَهَلْ أَهْلَكَ الدِّينَ إِلاَّ الْمُلُوكُ ... وَأَحْبارُ سَوْءٍ وَرُهْبانُها

стр. 5595

فَباعُوا النُّفوسَ فَلَمْ يَرْبَحُوا ... وَلَمْ تَغْلَ بِالبَيع أَثْمانُها (١) والمشهور أن هذه الأبيات لعبد الله بن المبارك، وكان بينه وبين إبراهيم بن أدهم تمام الصداقة ﵂ (٢). وروى الدينوري عن ابن حبيق عن موسى بن طريف قال: كنت عند يوسف بن أسباط، فإذا كلب يبحث في مزبلة، فقال: والله ما بعث الله هذا الكلب يبحث في المزبلة في وجهي إلا أني حدثت نفسي بشيء من أمر الدنيا (٣). ٤ - ومن الخصال المشار إليها: تشبه المتكثر بالعلوم التي لا تنفع ، فتحسبه عالماً، فإذا طلبت عنده البغية من العلم لم تجد عنده شيئاً بالدابة المنتفخة المتورمة، حتى إذا تناولتها بها لم تغن عنك شيئاً. روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن شقيق بن سلمة رحمه الله تعالى قال: مثل قراء هذا الزمان كغنم ضوائن، ذات صوف عِجاف أكلت من الحمض، وشربت من الماء حتى انتفخت خواصرها،

стр. 5596

فمرت برجل فأعجبته، فقام إليها، فعبط شاة منها، فإذا هي لا تنقي، ثم عبط أخرى فإذا هي كذلك، فقال: أف لك سائر اليوم (١). قال في "القاموس": عبط الذبيحة يعبطها: نحرها من غير علة وهي سمينة (٢). والمعنى أنه نحرها على أنه عبط بها، حسبها سماناً فإذا هي عجاف؛ أي: ذهب سمنها وليس فيها إلا الصوف. لا تنقى - بفتح أوله -؛ أي: لا نقي لها، أي: لا مخ لعظمها. ٥ - ومنها: تشبه علماء السوء ، وقراء السوء، وعباد السوء بالذئاب والخنازير في كل الدنيا من غير مبالاة بحلال أو حرام. روى ابن عبد البر في "فضل العلم" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوْحَى اللهُ تَعَالى إِلى بَعْضِ الأَنْبِيَاء ﵈: قُلْ لِلَذِيْنَ يَتَفَقَّهُوْنَ لِغَيرِ الدِّيْنِ، وَيَتَعلَّمُونَ لِغَيرِ العَمَلِ، وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، يَلْبَسُونَ للنَّاسِ مُسُوكَ الكِبَاشِ وَقُلُوْبُهُمْ كَقُلُوْبِ الذِّئَابِ، ألْسِنتهُمْ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَقُلُوْبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبرِ: لي يُخَادِعُونَ، وَبِيْ يَسْتَهْزِؤُونَ، لأُتِيْحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تدَع الحَكِيْمَ حَيْرَانَ" (٣).

стр. 5597

وروى الدارمي عن معاذ ﵁ قال: سيبلى القرآن في قلوب أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت، يقرؤونه ولا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضان على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا: سيبلغ بنا، وإن أساؤوا قالوا: سيغفر لنا؛ لا نشرك بالله شيئاً (١). وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: قال موسى ﵇: تلبسون ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الخنازير والذئاب الضواري، فإن أحببتم أن تبلغوا ملكوت السماوات فأميتوا قلوبكم لله تعالى (٢). إنما شبه قلوبهم بقلوب الخنازير من حيث غلبة الشهوة عليها حتى تتجاوز الحلال إلى الحرام، كما تتجاوز شهوة الخنازير بها إلى كل العذرات، وبقلوب الذئاب من حيث العدوان والجبروت والطغيان. وقرأت بخط الشيخ برهان الدين بن جماعة لبعضهم: [من الخفيف] عُلَماءَ البِلادِ أَنْتُمْ ذِئابٌ ... سَتَرَتْكُمْ عَنِ العُيُونِ الثِّيابُ غَيْرَ أَنَّ الذِّئابَ تَصْطادُ وَحْشاً ... وَمَباءَتُها القِفارُ اليبابُ

стр. 5598

وَتَصِيدُ العُدُولُ مالَ اليَتامَى ... بِانْقِضاضِ كَما يَصِيدُ العُقابُ عَمَرُوا مَوْضعَ التَّصَنُّعِ مِنْهُمْ ... وَمَكانُ اليَقِينِ مِنْهُمْ خَرابُ ٦ - ومنها: تشبه قضاة السوء، وحكام السوء بالذئاب في كل أموال الناس بالباطل ، وبالعقعق في اختلاس أموالهم بالحيل. وقالوا في المثل: ألص من عقعق (١). وأنشد ابن قتيبة في "عيون الأخبار" لبعضهم يهجو قاضياً: [من الطويل] [ ... ] (٢) يحيى سعيداً وَخالِداً ... وَلَيْسَ عَلى ذَنْبِ القُضاةِ أَمِينُ أَلا إِنَّما حَمَّلْتُمُ الدِّينَ عَقْعَقاً ... لَهُ نَحْوَ عَلويَّ البِلادِ حَنِينُ وقرأت بخط الشيخ برهان الدين بن جماعة: دخل على الحجاج رجل من بني فهد من قضاعة، فقال الحجاج: إيه، ألست القائل: [من الطويل]

стр. 5599

ألَمْ تَرَ أَنَّ الْحَقَّ مُذْ ماتَ مُصْعَبٌ ... دَفَنَّاهُ وَاسْتَرْعَى الأَمانَةَ ذِئْب أَنَحْنُ أُناسٌ أَوْثَقَتْنا ذُنُوبُنا ... أَمَّا لِثَقِيفٍ حَوبَةٌ وَذنوبُ يا سياف! اضرب عنقه. فقال رجل كان إلى جنبه سراً: ما في هذا ما يوجب القتل. فسمعها الحجاج، فقال: ابدأ بهذا فاقتله. فقال رجل إلى جنبه سراً: رجل أنكر منكراً يقتل؟ فقال الحجاج: ابدأ به قبلهما. فسبح رجل كان حاضراً أو هلَّل، فقال: ابدأ به قبلهم، فقتلوا جميعاً. ومن أمثالهم: من استرعى الذئب ظلم، وذلك لأنه أسلمها للتلف (١). وأنشدوا: [من الوافر] وَراعِي الشَّاءِ يَحْمِي الذِّئْبَ عَنْها ... فَكَيْفَ إِذا الرَّعَّاءُ لَها ذِئابُ وأحوال الحكام الآن حتى بعضهم على بعض أحوال الذئاب، يظلمون الناس، ثم يظلم أقواهم من دونه، كما أن الذئب إذا جاع

стр. 5600

عوى فتجتمع له الذئاب، ويثِبُ بعضها إلى بعض، فإذا وطئ واحد منها تواثبت سائر الذئاب عليه فأكلته، حتى إذا ظفرت بإنسان فاجتمعت عليه وهي حريصة على أكله، فإذا جرح الإنسان واحداً منها فَدَماه، تركت الذئاب الإنسان، ووثبت على المدمي منها، فمزَّقته. قال الفرزدق يعاتب صديقاً أعان عليه: [من الطويل] وَكُنْتَ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَماً ... بِصاحِبِهِ يَوْما أَحالَ عَلى الدَّمِ (١) ومن هذا ما قيل في المثل: أعق من ذئبة؛ لأنها تكون مع ذئبها فيدمى، فإذا رأته قد دمي وثبت عليه فأكلته (٢). قال رؤبة بن العجاج: [من الرجز] وَلا تَكُونِي يا ابْنَةَ الأَثِيمِ ... وَرْقاءَ دَمِيَ ذِئْبُها الْمُدْمَى (٣) أراد بالورقاء: الذئبة. وقال آخر: [من الطويل]

стр. 5601

فَتًى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كَالذِّئْبِ إِنْ رَأَى ... بِصاحِبِهِ يَوْماً كما فَهْوَ آكِلُهْ (١) وكذلك حال الظلمة وأعوانهم يعتادون الظلم حتى لو وقع واحد منهم حملوا عليه، وتواثبوا إليه، لا يرحمه منهم راحم، وكل منهم له راجم. كما تقول العوام في أمثالهم: إذا وقعت البقرة كثرت سكاكينها. ٧ - ومنها: تشبه علماء السوء في تكالبهم، وتهافتهم، وتغايرهم على المناصب، والولايات ونحوها بالتيوس . روى الحاكم، والخطيب في "تاريخيهما" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتي عَلَى أُمَّتي زَمَانٌ يَحْسُدُ الْفُقَهَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَغَارُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كتَغَايُرِ التُّيُوسِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ" (٢).

стр. 5602

٨ - ومنها: تشبه علماء السوء وقراء السوء في أكل بعضهم لمال بعض، وغيره بالدبدان . وفي معناه: أَخْذُ بعضِهم منصبَ الآخر من تدريس، أو ولاية، أو غيرهما. وكذلك كل بعضهم للحم الآخر بالغيب. ومن العجائب أنهم يقرؤون في دروسهم ومحاضراتهم أن غيبة العلماء والقراء كبيرة، ثم يقع بعضهم في بعض في غير ذات الله تعالى بخلاف الغيبة في ذات الله تعالى، وهي بيان حال الراوي ونحوهما فيه نصيحة. ولعل مَنْ وصفناهم هم المشار إليهم بقوله ﷺ : "سَيَكُوْنُ في آخِرِ أُمَّتي دِيْدَانُ الْقُرَّاءِ؛ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَلْيتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُمْ". رواه أبو نعيم من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (١). ويجوز أن تكون الإشارة بديدان القراء إلى حثالتهم، وأراذلهم الذين استبذلوا أنفسهم لأهل الدنيا لأجل الدنيا، ودخلوا في طلبها منهم كل مدخل، وكثيراً ما كنت أشبه أهل هذا العصر إلا قليلاً منهم لا يكاد يوجد بدود القبر؛ فإنها تأكل لحم الميت حتى إذا لم تبق منه شيئاً، ثم يأكل أقوياؤها ضعفاءها حتى إذا لم يبق إلا النزر القليل كالواحدة فتموت جوعاً.

стр. 5603

٩ - ومنها: التشبه بالبهائم في عدم الانتفاع بالموعظة وإن سمعها . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: ٤٤] قال: مثل الذين كفروا كمثل البعير والحمار والشاة؛ إن قلت لبعضهم: كل، لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، كذلك الكافر إن أمرته بخير، أو نهيته عن شر، أو وعظته، لم يعقل ما تقول، غير أنه يسمع صوتك. رواه ابن أبي حاتم (١). والذم في الآية لم يقع على الكفر - وإن كان قبيحاً - بل على ما اتصف به الكفار من عدم الاستماع إلى الخير، وعدم فهمه وتعقله، فإذا اتصف المؤمن بذلك كان مؤاخذاً في ذلك من وجهين؛ من حيث إنه كان كالأنعام بل أضل منها، ومن حيث إنه تشبه بالكفار في ذلك. ١٠ - ومنها: تشبه الملوك، والأمراء، والمتجوهين في قهر الناس، والشماخة عليهم، والزهو، والتكبر ، والتسلط بالجبروت بالأسد، أو النسر، وفي كل أموال الناس، والانتهاب بالبهائم، والذئاب، والكلاب. ومن هنا مُسِخَ بختنصر، وهو أحد الملكين الكافرين اللذين ملكا الأرض؛ أولهما نمرود، وهذا ثانيهما، مُسِخَ أسداً، ثم نسراً، ثم ثوراً

стр. 5604

كما روى أبو نعيم عن بكار بن عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: مسخ بختنصر أسداً فكان ملك السباع، ومسخ نسراً فكان ملك الطير، ثم مسخ ثوراً فكان ملك الدواب، وهو في ذلك يعقل عقل الإنسان، وكان ملكه قائماً يدبر، ثم رد إليه روحه، فدعا إلى توحيد الله، وقال: كل إله باطل إلا إله السماء. قال بكار: قيل لوهب: أمؤمناً مات؟ قال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: قرأ من قبل أن يموت. وقال بعضهم: قتل الأنبياء، وحرق الكتب، وخرب بيت المقدس، فلم تقبل منه التوبة (١). وعن وهب أيضاً قال: أصاب أيوب ﵇ سبع سنين، وترك يوسف ﵇ سبع سنين، وعذب بختنصر وحول في السباع سبع سنين (٢). ١١ - ومنها: تشبه الملوك، ونحوهم في طلب الدنيا ، والانهماك فيها، والاغترار بها، والتمتع، والتكثر، والتكبر عن قبول الحق بالقردة. روى أبو يعلى، والطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "سَيَكُوْنُ أَئِمَةٌ مِنْ بَعْدِي يَتَوَلَّوْنَ فَلاَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، يتَقَاحَمُوْنَ

стр. 5605

في النَّارِ تَقَاحُمَ الْقِردَةِ" (١). ومنهم من خص ذلك ببني أمية. والحق أن ذلك عام فيهم وفي غيرهم من الملوك الذين هم على نحو ما وصفت. وروى ابن جرير عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: رأى رسول الله ﷺ بني الحكم بن أبي العاص يَنْزُون على منبره نَزْو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات. وأنزل الله تعالى ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] (٢). وروى الطبراني عن الحسن رحمه الله تعالى: أنه سمع رجلاً يدعو على الحجاج، فقال له: لا تفعل؛ إنكم لمن أنفسكم أُتيتم، إنا
следующие страницы →