← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

فَتًى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كَالذِّئْبِ إِنْ رَأَى ... بِصاحِبِهِ يَوْماً كما فَهْوَ آكِلُهْ (١) وكذلك حال الظلمة وأعوانهم يعتادون الظلم حتى لو وقع واحد منهم حملوا عليه، وتواثبوا إليه، لا يرحمه منهم راحم، وكل منهم له راجم. كما تقول العوام في أمثالهم: إذا وقعت البقرة كثرت سكاكينها. ٧ - ومنها: تشبه علماء السوء في تكالبهم، وتهافتهم، وتغايرهم على المناصب، والولايات ونحوها بالتيوس . روى الحاكم، والخطيب في "تاريخيهما" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتي عَلَى أُمَّتي زَمَانٌ يَحْسُدُ الْفُقَهَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَغَارُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كتَغَايُرِ التُّيُوسِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ" (٢).

стр. 5602

٨ - ومنها: تشبه علماء السوء وقراء السوء في أكل بعضهم لمال بعض، وغيره بالدبدان . وفي معناه: أَخْذُ بعضِهم منصبَ الآخر من تدريس، أو ولاية، أو غيرهما. وكذلك كل بعضهم للحم الآخر بالغيب. ومن العجائب أنهم يقرؤون في دروسهم ومحاضراتهم أن غيبة العلماء والقراء كبيرة، ثم يقع بعضهم في بعض في غير ذات الله تعالى بخلاف الغيبة في ذات الله تعالى، وهي بيان حال الراوي ونحوهما فيه نصيحة. ولعل مَنْ وصفناهم هم المشار إليهم بقوله ﷺ : "سَيَكُوْنُ في آخِرِ أُمَّتي دِيْدَانُ الْقُرَّاءِ؛ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَلْيتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُمْ". رواه أبو نعيم من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (١). ويجوز أن تكون الإشارة بديدان القراء إلى حثالتهم، وأراذلهم الذين استبذلوا أنفسهم لأهل الدنيا لأجل الدنيا، ودخلوا في طلبها منهم كل مدخل، وكثيراً ما كنت أشبه أهل هذا العصر إلا قليلاً منهم لا يكاد يوجد بدود القبر؛ فإنها تأكل لحم الميت حتى إذا لم تبق منه شيئاً، ثم يأكل أقوياؤها ضعفاءها حتى إذا لم يبق إلا النزر القليل كالواحدة فتموت جوعاً.

стр. 5603

٩ - ومنها: التشبه بالبهائم في عدم الانتفاع بالموعظة وإن سمعها . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: ٤٤] قال: مثل الذين كفروا كمثل البعير والحمار والشاة؛ إن قلت لبعضهم: كل، لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، كذلك الكافر إن أمرته بخير، أو نهيته عن شر، أو وعظته، لم يعقل ما تقول، غير أنه يسمع صوتك. رواه ابن أبي حاتم (١). والذم في الآية لم يقع على الكفر - وإن كان قبيحاً - بل على ما اتصف به الكفار من عدم الاستماع إلى الخير، وعدم فهمه وتعقله، فإذا اتصف المؤمن بذلك كان مؤاخذاً في ذلك من وجهين؛ من حيث إنه كان كالأنعام بل أضل منها، ومن حيث إنه تشبه بالكفار في ذلك. ١٠ - ومنها: تشبه الملوك، والأمراء، والمتجوهين في قهر الناس، والشماخة عليهم، والزهو، والتكبر ، والتسلط بالجبروت بالأسد، أو النسر، وفي كل أموال الناس، والانتهاب بالبهائم، والذئاب، والكلاب. ومن هنا مُسِخَ بختنصر، وهو أحد الملكين الكافرين اللذين ملكا الأرض؛ أولهما نمرود، وهذا ثانيهما، مُسِخَ أسداً، ثم نسراً، ثم ثوراً

стр. 5604

كما روى أبو نعيم عن بكار بن عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: مسخ بختنصر أسداً فكان ملك السباع، ومسخ نسراً فكان ملك الطير، ثم مسخ ثوراً فكان ملك الدواب، وهو في ذلك يعقل عقل الإنسان، وكان ملكه قائماً يدبر، ثم رد إليه روحه، فدعا إلى توحيد الله، وقال: كل إله باطل إلا إله السماء. قال بكار: قيل لوهب: أمؤمناً مات؟ قال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: قرأ من قبل أن يموت. وقال بعضهم: قتل الأنبياء، وحرق الكتب، وخرب بيت المقدس، فلم تقبل منه التوبة (١). وعن وهب أيضاً قال: أصاب أيوب ﵇ سبع سنين، وترك يوسف ﵇ سبع سنين، وعذب بختنصر وحول في السباع سبع سنين (٢). ١١ - ومنها: تشبه الملوك، ونحوهم في طلب الدنيا ، والانهماك فيها، والاغترار بها، والتمتع، والتكثر، والتكبر عن قبول الحق بالقردة. روى أبو يعلى، والطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "سَيَكُوْنُ أَئِمَةٌ مِنْ بَعْدِي يَتَوَلَّوْنَ فَلاَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، يتَقَاحَمُوْنَ

стр. 5605

في النَّارِ تَقَاحُمَ الْقِردَةِ" (١). ومنهم من خص ذلك ببني أمية. والحق أن ذلك عام فيهم وفي غيرهم من الملوك الذين هم على نحو ما وصفت. وروى ابن جرير عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: رأى رسول الله ﷺ بني الحكم بن أبي العاص يَنْزُون على منبره نَزْو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات. وأنزل الله تعالى ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] (٢). وروى الطبراني عن الحسن رحمه الله تعالى: أنه سمع رجلاً يدعو على الحجاج، فقال له: لا تفعل؛ إنكم لمن أنفسكم أُتيتم، إنا

стр. 5606

نخاف إن عزل الحجاج، أو مات أن يستولي عليكم القردة والخنازير، فقد روي أن أعمالكم عُمَّالكم، وكما تكونون يُولَّى عليكم (١). * لَطِيفَةٌ: روى أبو نعيم عن طاوس رضي الله تعالى عنه قال: كان يقال: اسجد للقرد في زمانه (٢). وأنشد الدميري في "حياة الحيوان": [من الرجز] اسْجُد لقرد السُّوءِ فِي زَمانِهِ ... وَدارِهِ ما دُمْتَ فِي سُلْطانِهِ (٣) وأنشد العارف بالله سيدي علوان الحموي في "شرح تائية ابن حبيب" لبعضهم: [من المتقارب] خَبِرْتُ الرِّجالَ وَجَرَّبْتُهُمْ ... فَكُلٌّ يَمِيلُ إِلَى شَهْوَتهْ فَلِلَّهِ دَرُّ فَتَى عاقِلٍ ... يُدارِي الزَّمانَ عَلى فِطْنَتِهْ وَيلْبَسُ لِلدَّهر أثوابَهُ ... وَيرْقُصُ لِلْقِرْد فِي دَوْلَتِهْ (٤) وأنشد السيوطي لبعضهم: [من الوافر]

стр. 5607

سَجَدْنا لِلْقُرودِ رَجاءَ دُنْيا ... حَوَتْها دُوْننَا أَيْدِي القُرودِ فَما ظَفِرَتْ أَنامِلُنا بِشَيْءٍ ... رَجَوْناهُ سِوى ذُلِّ السُّجودِ ومما يدخل في قسم التشبه بالقردة: الاستخفاف بأولياء الله تعالى، والإنكار لكرامتهم. وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري: قال رجل للحسين بن منصور الحلاج: إن كنت صادقاً فيما تدعيه فامسخني قرداً، فقال: لو هممت بذلك لكان نصف العمل مفروغاً منه (١). قلت: يشير بذلك إلى مسخ القلب؛ فإن المسخ يكون في الصورة، ويكون في القلب. وعلى ذلك تأول بعض العلماء ما ورد في الأحاديث من المسخ الذي يكون في هذه الأمة آخر الزمان أنه يكون في القلب، والحق أنه يكون في الأجساد والقلوب، وقد يكون في القلوب دون الأجساد، وقد وقع الأول قليلاً، والثاني كثيراً. وقد قدمنا عن بعض كتب التاريخ: أن رجلًا عبث بآخر وهو في الصلاة فمسخ خنزيراً. وروى اللالكائي في "السنة" عن الوضاح بن حسان، عن بعض أهل الكوفة: أن رجلاً كان يسب أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما؛ قال: وكان قد صحبنا في سفر، فنهيناه، فلم ينته، فقلنا له: اجتنبنا، ففعل.

стр. 5608

فلما أردنا الرجوع تذممنا، فقلنا: لو صحبنا حتى يرجع، فلقينا غلامه، فقلنا: قل لفلان يرجع إلينا. فقال: إنه قد حدث به حدث سوء، قد تحوَّلت يداه يدي خنزير. قال: فأتيناه فقلنا له: تحول إلينا. فقال: إنه قد حدث بي أمر عظيم، فأخرج ذراعيه فإذا هما ذراعا خنزير. قال: فتحول إلينا حتى انتهينا إلى قرية كثيرة الخنازير، فلما رآها صاح صياح الخنازير، فوثب من دابته فإذا هو خنزير، فاختلط مع الخنازير فلم يعرف، فجئنا بمتاعه وغلامه إلى الكوفة (١). وروى الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتاب "النهي عن سب الصحابة" رضي الله تعالى عنهم عن صفوان قال: اكتريت إبلاً إلى الشام، فدخلت مسجداً فصليت خلف إمام، فلما انفتل من صلاته أقبل على الناس بوجهه، وذكر أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما بسوء. قال: فخرجت من ذلك المسجد، ورجعت من قابل، ودخلت ذلك المسجد، فصليت خلف إمام آخر، فلما انفتل من صلاته أقبل على الناس بوجهه، وقال: اللهم ارحم أبا بكر وعمر. فقلت لرجل كان بجنبي: ما فعل الذي كان يلعنهما؟ فقال لي: تشاء أن أريكه؟

стр. 5609

فقلت: بلى. فأدخلني داراً، فأراني كلباً مربوطاً في سارية، فقال للكلب: هذا رجل صلى خلفك عام أول وأنت تشتم أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فأومأ الكلب برأسه؛ أي: نعم. فقال الرجل: قد مسخه الله كما ترى. وقال أيضاً في الكتاب المذكور: سمعت الشيخ أبا بكر بن مسعود الهكاري قال: كنت أخدم مع ميمون القصري بحلب، فجرى ذكر الرافضة بعض الأيام عنده، فقيل: إذا مات منهم إنسان تغير خلقه خنزيراً، فأنكر ذلك ميمون القصري، ثم قال: عندهم فلان البزدار، إن مات أبصرناه، فاتفق أن ذلك الرجل مات، فقال ميمون: ادفنوه في موضع وحده، ثم خرج ميمون ونحن معه إلى المقبرة، وبات برا البلد، وأمر بنبشه، فإذا هو خنزير، فأبصرناه، فأمر ميمون بحطب، ثم أمر به فأحرقه. وروى أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب"، وغيره عن العَوَّام ابن حوشب رحمه الله تعالى قال: نزلت مرة حياً وإلى جانب ذلك الحي مقبرة، فلما كان بعد العصر انشق منها قبر، فخرج منه رجل رأسه رأس حمار، وجسده جسد إنسان، فنهق ثلاث نهقات، ثم انطبق عليه القبر، فإذا عجوز تغزل شعراً وصوفاً، فقالت امرأة ترى تلك العجوز: قلت: ما لها؟ قالت: تلك أم هذا.

стр. 5610

قلت: وما كانت قصته؟ قالت: كان يشرب الخمر، فإذا راح تقول له أمه: يا بني! اتق الله، إلى متى تشرب هذا الخمر؟ فيقول لها: إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار. فمات بعد العصر، فهو ينشق عنه القبر بعد العصر كل يوم فينهق ثلاث نهقات، ثم ينطبق عليه القبر (١). قال أبو القاسم: حدث به أبو العباس الأصم إملاء بنيسابور بمشهد من الحفاظ، فلم ينكروه (٢). وروى ابن عساكر عن [لأعمش] (٣) قال: تغوط رجل على قبر الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فجعل ينبح كما تنبح الكلاب، ثم إنه مات، فسمع من قبره يعوي ويصيح (٤). وروى الحافظ محمد بن السَّكَن في كتاب "العجائب" عن نوفل ابن مساحق قال: رأيت شاباً بمسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله، وتمامه، وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك.

стр. 5611

فقال: إن الله ليعجب مني. قال: فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب. أورده ابن كثير في "تفسيره" في قصة قارون (١). وروى الترمذي عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "في هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ، وَمَسْخٌ، وَقَذْف". قال رجل من المسلمين: متى ذلك؟ قال: "إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ، والمعَازِفُ، وَشُرْبُ الخَمْرِ" (٢). وروى ابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتي الخَمْرَ يُسَمُّوْنهَا بِغَيرِ اِسمِهَا، يُضْرَبُ عَلَى رُؤُوْسِهِمْ بِالمعَازِفِ وَالقَينَاتِ، يَخْسِفُ اللهُ بهم الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقرَدَةَ وَالخَنَازِيْرَ" (٣). وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ . "لَيَبِيْتَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتي عَلَى

стр. 5612

أَكْلٍ وَلهوٍ وَلَعِبٍ، ثُمَّ لَيُصْبِحُنَّ قِرَدَةً وَخَنَازِيْرَ" (١). ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه بنحوه، وزاد فيه: "بِاسْتِحْلالهِمُ المحَارِمَ، وَاتِّخَاذِهِمُ القَينَاتِ، وَشُرْبهِمُ الخَمْرَ، وَبأَكْلِهِمُ الرِّبَا، وَلُبْسِهِمُ الحَرِيْرَ" (٢). وروى الترمذي، وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "في هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ، وَمَسْخٌ، وَقَذْفٌ فيْ أَهْلِ القَدَرِ" (٣). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَأْتي المرْأَةُ فَتَجِدُ زَوْجَهَا قَدْ مُسِخَ قِرْدًا لأَنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ" (٤). وروى الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ

стр. 5613

قال: "يَكُوْنُ فيْ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ، وَمَسْخٌ، وَقَذْفٌ". قيل: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نَعَمْ، إِذَا ظَهَرَ الخَبَثُ" (١). والأحاديث في هذا الباب كثيرة. * لَطِيفَةٌ: ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراوي القاهري في كتاب "العهود": أن الشيخ محيي الدين بن العربي ركب البحر، فهاجت الريح، فقال: اسكن بالخير؛ فإن عليك بحراً من العلم، فسَكَن البحر لقوله. ثم إنه طلعت له هائشة، فقالت: يا محيي الدين! أسألك عن مسألة، فإن أجبت عنها كنت عالماً، وإن لم تجب عنها فأنت جاهل. فقال لها: ما هي؟ فقالت: إذا مسخ الله زوج المرأة ماذا تعتد؟ هل تعتد عدة الأحياء أو عدة الأموات؟ فما درى الشيخ ما يقول، فقالت الهائشة: تعملني شيخة لك وأنا أقول لك عنها؟ فقال: نعم.

стр. 5614

فقالت: إن مسخ حيواناً اعتدت عدة الأحياء، وإن مسخ جماداً اعتدت عدة الأموات. فمن ذلك اليوم ما شُمَّ منه رائحة دعوى العلم حتى مات. * فائِدَهٌ زائِدَةٌ: ذكرنا بعض ما وقع في هذه الأمة من المسخ، وأما الخسف والقذف فروى اللالكائي في "السنة" عن حماد بن زيد رحمه الله تعالى قال: جعل رجل لرجل جعلاً على أن يعبر نهراً، فعبر حتى إذا قرب من الشط قال: عبرت والله، فقال له رجل: قل ما شاء الله، قال: شاء الله أو لم يشأ، قال: فأخذته الأرض (١). وروى الدينوري عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: كان عندنا صياد، وكان يخرج يوم الجمعة لا يمنعه مكان الجمعة من الخروج، فخسف به وببغلته، فخرج الناس وقد ذهبت بغلته في الأرض، ولم يبق إلا أذناها وذنبها (٢). وحكى بعض العلماء: أن قوماً اجتمعوا على شرب وطرب، فحضرت الصلاة، فصلى بهم أحدهم، فقرأ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ﴾ [الملك: ٢٨]، فخسف قبل تمام الآية. وروى ابن الجوزي في "ذم الهوى" عن بعضهم قال: مررت

стр. 5615

بديار قوم لوط، فأخذت حجراً مما رجموا به، فطرحته في مخلاة، ودخلت مصر، فنزلت في بعض الدور في الطبقة الوسطى، وكان في سفل الدار حدث، فأخرجت الحجر من خرجي، ووضعته في روزنة في البيت، فدعا الحدث الذي كان أسفل صبياً، واجتمع معه، فسقط الحجر من الروزنة على الحدث، فقتله (١). ١٢ - ومن الخصال التي تدخل في التشبه بالبهائم والهوام: إنكار القدر . روى الشيخ المحدث شمس الدين محمد بن طولون الصالحي في "تعليقته" التي روى فيها عن البهائم، والطيور، والهوام عن داود بن أبي هند رحمه الله تعالى قال: كانت العنقاء عند سليمان بن داود ﵉، وكان سليمان بن داود ﵉ قد عُلِّم كلام الطير، وسُخِّرت له الشياطين، وأعطي ما لم يعط أحد، فذكر عنده القضاء والقدر، وكانت العنقاء حاضرة فقالت: وأي شيء القضاء والقدر؟ وقيل لسليمان ﵇: تولد في المشرق جارية، ويولد في المغرب غلام في يوم واحد في ساعة واحدة، وإنهما يجتمعان على الفجور، فقالت العنقاء: إن هذا لا يكون، وكيف يكون وهذا بالمشرق وهذا بالمغرب؟ فقال لها سليمان: إن هذا بالقضاء والقدر.

стр. 5616

قالت: لا أقبل ذلك، أنا آخذ الجارية فأصيرها في موضع لا يصل إليها مخلوق، وأحفظها حتى يكون ذلك الوقت الذي ذكرت أنهما يجتمعان فيه. فقال سليمان ﵇: اذهبي وخذي الجارية، وتحرزي بما قدرت، فإذا كان ذلك الوقت آمرك أن تجيئي أنت بالجارية، ونجيء نحن بالغلام. فانطلقت العنقاء، فاحتملت الجارية حتى صيرتها في جزيرة من جزائر البحر، وكان في تلك الجزيرة جبل عظيم في رأسه قلة لا يصل إليها مخلوق، وفي ذلك الرأس كهف، فصيرت الجارية في ذلك الكهف، ثم جعلت تختلف إليها حتى كبرت وشبت، وصارت امرأة. ثم إن الغلام لم يزل يشب وينشأ حتى صار رجلاً، فركب في البحر سفينة ومعه فرس، فلما انتهى إلى تلك الجزيرة، كسر به المركب، فخرج هو وفرسه إلى تلك الجزيرة، وغرقت السفينة فلم ينج منها أحد غيره، فبينما هو يدور في تلك الجزيرة إذ رفع رأسه فبصر بالجارية وبصرت به، فدنا منها، وكلمها وكلمته، فأخذ بقلبها وأخذت بقلبه، فمكثا يطيلان الحيلة كيف يصل كل واحد منهما إلى صاحبه، فقالت الجارية: إن التي ربتني طير عظيم الشأن، وليس لك حيلة تصل بها إلي الآن إلا أن تذبح فرسك، ثم ترمي بما في جوفه في البحر، وتدخل أنت فيه، فإنها إن أبصرتك قتلتك، فإني سأسألها أن تحمل الفرس إلي، فإذا فعلت صرت عندي.

стр. 5617

ففعل، فلما جاءت العنقاء قالت لها الجارية: يا أمه! لقد رأيت في البحر شيئاً عجباً لم أر مثله قط. قالت: وما هو؟ فقالت: ذاك الذي ترين على شط البحر. قالت: هذا فرس ميت ألقاه البحر. قالت: فجيئيني به حتى أنظر إليه. فانطلقت العنقاء، فاحتملت الفرس والفتى في جوفها حتى وضعتها بين يدي الجارية، ثم انطلقت إلى سليمان ﵇ لتخبره أن الوقت قد مضى، ولم يكن من القضاء شيء، وأن القضاء والقدر باطل. فخرج الفتى في غيبتها، وواقع الجارية. فلما صارت العنقاء عند سليمان ﵇ قالت له: قد مضى الوقت الذي قلت إنهما يجتمعان فيه. فقال لها: قد اجتمعا، وكان منهما ما أخبرتك أنه يكون. فقالت: أنا جئت من عند الجارية الساعة، وما وصل إليها خلق، فأين الرجل؟ قال لها سليمان ﵇: جيئينا بالجارية فإنا نجيئك بالرجل. فانطلقت العنقاء إلى الجارية، فلما أحست بها أمرت الفتى فدخل في جوف الفرس، فقالت لها العنقاء: إن سليمان أرسلني إليك لأحملك.

стр. 5618

فقالت: كيف تحمليني وأنا امرأة قد كبرت وثقلت؟ وخافت على الرجل أن تتركه وحده فيموت، وكانت قد علقته ودخل قلبها حبه، فأحبت أن لا تذهب إلا به، فقالت للعنقاء: يا أمه! إن كنت لا بد فاعلة فإني أدخل جوف هذا الفرس، ثم تحمليني، فإن وقعت لم يضرَّني شيء. فقالت: صدقت. فدخلت في جوف الفرس، فحملتهما معا في الفرس حتى وضعتهما بين يدي سليمان ﵇، فقالت: هذه الجارية فأين الرجل؟ فقال: قولي للجارية تخرج، فخرجت. فقال سليمان للرجل: اخرج، فقد جاءت بك تحملك على رغم أنفها على ظهرها. فخرج، فاستحيت العنقاء، فخرجت على وجهها، فلم ير لها أثر حتى الساعة (١). فهي يضرب بها المثل؛ يقال: أخفى من العنقاء. قال ابن طولون: ورأيت في بعض الآثار: أن الطير صاحت عليها: يا عنقاء! يا قدرية! فذهبت، فلا يدرى أين ذهبت. قيل: وكانت تشبه البوم، فلذلك ترى الطير إذا رأت البوم صاحت عليه.

стр. 5619

وقيل: بل هي البوم، وكانت كبيرة فصغرت بعد ذلك. وذكر القزويني أن العنقاء أعظم الطير جثة وأكبره، تخطف الفيل، وكان في قديم الزمان بين الناس فيتأذون منه، إلى أن سلبت يوماً عروساً بحليها، فدعا عليها حنظلة النبي ﵇، فذهب الله تعالى به إلى بعض جزائر البحر المحيط تحت خط الاستواء، وهي جزيرة لا يصل إليها الناس (١). وذكر الزمخشري في "ربيع الأبرار" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: خلق الله تعالى في زمن موسى ﵇ طيراً اسمه العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجهها كوجه الإنسان، وأعطاها من كل شيء، وخلق لها ذكراً مثلها، وأوحى إليه: إني خلقت طائرين عجيبين، وجعلت رزقهما في الحوش الذي حول بيت المقدس، فتناسلا وكثر نسلهما، فلما توفي موسى ﵇ انتقلت، فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش، وتخطف الصبيان إلى أن نبئ خالد بن سنان العبسي ﵇ قبل النبي ﷺ ، فشكوه إليه، فدعا عليها، فانقطع نسلها وانقرضت (٢). وذهب جماعة إلى أنه لا عنقاء، وأنه من الألفاظ الدالة على غير معنى حتى قيل: [من البسيط]

стр. 5620

الْجُودُ وَالغُولُ وَالعَنْقاءُ ثالِثُها ... أَسْماءُ أَشْياءَ لَمْ تُوْجَدْ وَلَمْ تَكُنِ (١) ١٣ - ومن الخصال التي تلحق صاحبها بالبهائم: الجهل بالله تعالى، وتعظيم قدره وفعله، وإن كان ذلك داخلاً في مطلق الجهل الذي هو صفة البهائم. وقد علمت أنه معظم أركان هذا الباب؛ أعني: التشبه بالبهائم ونحوها. روى أبو داود عن جندب رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته، ثم عَقَلها ودخل المسجد، فصلى خلف رسول الله ﷺ ، فلما سلم رسول الله ﷺ أثار راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا تشرك في رحمتنا أحداً. فقال رسول الله ﷺ : "أَتَقُولُونَ: هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيْرُهُ؛ ألَمْ تَسْمَعُوْا إِلى مَا قَالَ؟ " (٢). والمعنى: أهو أجهل بالله وسعة رحمته، أم بعيره؟ ١٤ - ومنها: تشبه العبد في معرفة أمور الدنيا ، وجهل أمور الدين، وأحوال الآخرة بالبهيمة التي لا تعرف إلا أمر مرعاها وسقياها، ولا تتقيد بمعقول، ولا ترجع إلى منقول.

стр. 5621

وهذا حال أكثر الناس إلا من وفقه الله تعالى كما قال الله : ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦، ٧]. وروى الديلمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ عَلِمَتِ البَهَائِمُ مِنَ المَوْتِ مَا عَلِمَ بَنُو آدَمَ مَا أَكَلُوْا مِنْهَا لحْمًا سمِيْنًا" (١). فإذا غفل العبد عن الموت وما بعده كان هو والبهيمة سواء. قال الماوردي في "أدب الدين والدنيا": وأنشدني بعض أهل العلم: [من الكامل] أَبُنَيَّ إِنَّ مِنَ الرِّجالَ بَهِيمَةً ... فِي صُوْرَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ الْمُبْصِرِ فَطِنٌ بِكُلِّ مُصِيبَةٍ فِي مالِهِ ... فَإِذا أُصِيبَ بِدِيِنهِ لَمْ يَشْعُرِ (٢) ١٥ - ومنها: الغفلة عن طاعة الله تعالى اشتغالاً بالدنيا، ونحوها تشبهاً بالعير، والحمار، ونحوهما من البهائم . قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٤٩، ٥٠].

стр. 5622

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ما أقلَّ أكياسَ الناس! لا يبصر الرجل أمره حتى يبصر إلى الناس وإلى ما أمروا به، وإلى ما أكبوا عليه من الدنيا، فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر التي لا هَمَّ لها إلا ما تجعله في أجوافها، حتى إذا أبصر غفلتهم نظر إلى نفسه؛ قال: والله إني لأراني من شرهم بعيراً واحداً (١). ١٦ - ومنها: التشبه بالبعير، ونحوه أيضاً في الشَّراد عن الله تعالى، والإباء عن الانقياد له . روى ابن أبي شيبة عن أبي أمامة ﵁ قال: لا يدخل النار من هذه الأمة إلا من شرد عن الله تعالى شراد البعير (٢). وروى الطبراني في "الأوسط"، والحاكم وصححه، عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُوْنَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى". زاد الإمام أحمد، والحاكم وصححه: "وَشَرَدَ شُرُوْدَ البَعِيْرِ عَلَى أَهْلِهِ". قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: "مَنْ أَطَاعَني دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاني فَقَدْ أَبَى" (٣).

стр. 5623

قلت: ومن آل على الله تعالى فلم يمتثل أوامره كان كالشيطان أيضاً كما تقدم لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [البقرة: ٣٤]. ١٧ - ومنها: التشبه بالبعير، وغيره في الطواف بلا ذكر ولا استلام . روى أبو الوليد الأزرقي في "تاريخ مكة" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: كنا مع عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في الطواف، فنظر إلى رجل يطوف كالبدوي، ولا يستلم الركن، ولا يكبر، ولا يذكر الله تعالى، فقال له ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أي شيء تصنع هاهنا؟ قال: أطوف. قال ابن عمر: مثل الجمل تخبط، ولا تستلم، ولا تكبر. ثم قال له: ما اسمك؟ قال: حنين. قال: وكان ابن عمر إذا رأى الرجل لا يستلم الركن قال: حنيني هو (١). ١٨ - ومنها: التعبد على جهل . روى أبو نعيم عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال [قال رسول الله]: "المتعبِّدُ بغيرِ فِقْهٍ كالحِمَارِ في الطَّاحُونِ" (٢).

стр. 5624

قلت: وجه المشابهة أن الحمار يتعب وهو يدور في الطاحون، ولا يدري ما يفعل، ولا ما يستفاد من طحنه، ولا يستفيد مما يطحنه شيئاً، ولا يدري هل يطحن بُرًّا أم خزفاً، وكذلك المتعبد على جهل فيما لا يدري حقيقة عاقبته. ١٩ - ومنها: التشبه في العجلة ، والطيش، وعدم التروي في العبارة خصوصاً في المناظرة بالعصفور، ونحوه في سرعة نقلبه وزقزقته. ذكر ابن السبكي في "طبقاته": أنه لما وقع لابن تيمية في "المسألة الحموية" ما وقع، وعقد له المجلس بدار السعادة بين يدي الأمير تنكز، وجمعت العلماء، أشاروا بأن الشيخ صفي الدين الهندي يحضر، فحضر، وكان الهندي طويل النفس في التقرير، إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة، ولا اعتراضاً إلا أشار إليه في التقرير، بحيث لا يتم التقرير إلا وقد بَعُد على المعترض مقاربته، فلما شرع يقرر أخذ ابن تيمية يَعْجَل عليه على عادته، وَيخْرُج من شيء إلى شيء، فقال له الهندي: ما أراك يا ابن تيمية إلا كالعصفور، حيث أردت أن أقبضه من مكان فرَّ إلى مكان آخر (١).

стр. 5625

وكان الأمير تنكز يعظم الهندي ويعتقده، وكان الهندي شيخ الحاضرين كلهم، فكلهم صَدَر عن رأيه، وحبس ابن تيمية بسبب تلك المسألة، وهي التي تضمنت قوله بالجهة (١)، ونودي عليه في البلد وعلى أصحابه، وعُزلوا من وظائفهم (٢).

стр. 5626

٢٠ - ومنها: الإعراض عن طلب العلم، والحكمة، والموعظة الحسنة . روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: يا معشر الحواريين! لا تلقوا اللؤلؤ للخنازير؛ فإنها لا تصنع به شيئاً، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها؛ فإن الحكمة أحسن من اللؤلؤ، ومن لا يريدها أشر من الخنزير (١). وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيْضَة عَلَى كْلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضعُ الْعِلْمِ فيْ غَيرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الدُّرِّ في أَعْنَاقِ الخَنَازِيْرِ" (٢). قال في "الإحياء": جاء رجل إلى ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: رأيت كأني أقلد الدر أعناق الخنازير. قال: أنت تعلم الحكمة غير أهلها (٣). وروى أبو نعيم عن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت الأعمش يقول: انظروا أن لا تنثروا هذه الدنانير على الكباش؛ يعني: الحديث. قال حميد: وسمعت أبي يقول: [سمعت] الأعمش يقول:

стр. 5627

لا تنثروا اللؤلؤ تحت أظلاف الخنازير (١). وعن أبي سفيان بن حسين قال: أخذ الأعمش ناحية هذا السواد، فأتاه قوم منهم، فسألوه أن يحدثهم، فأبى، فقال بعض جلسائه: يا أبا محمد! لو حدثت هؤلاء المساكين. فقال الأعمش: من يعلق [الدر] على الخنازير (٢). وروى الشيخ تاج الدين السبكي في "طبقاته" عن أبي عمرو العثماني قال: لما دخل الشافعي إلى مصر كلَّمه أصحاب مالك، فقال: [من الطويل] أَأَنْثُرُ دُرًّا بَيْنَ راعِيَةِ الغَنَمْ ... وَأَنْثُرُ مَنْظُوماً لِراعِيَةِ النَّعَمْ لَئِنْ كُنْتُ قَدْ ضُيِّعْتُ فِي شَرِّ بَلْدَةٍ ... فَلَسْتُ مُضِيْعاً بَيْنَهُمْ غُرَرَ الكَلِمْ فَإِنْ فَرَّجَ اللهُ الكَرِيْمُ بِلُطْفِه ... وَأَدْرَكْتُ أَهْلاً لِلْعُلُومِ وَلِلْحِكَمْ بَثَثْتُ مُفِيداً وَاسْتَفَدْتُ وِدادَهُمْ ... وَاِلاَّ فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ

стр. 5628

وَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْماً أَضاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوِجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ (١) وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبي الدرداء ﵁ قال: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما آوى إلى ذكر الله، والعالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم (٢). قال صاحب "المنفرجة" (٣): [من الخبب المحدث] وَخِيارُ النَّاسِ هُداتُهُمُ ... وِسواهُمْ مِنْ هَمَجِ الْهَمَجِ (٤) الهمج: ذباب صغير كالفراش. وروى أبو نعيم عن كُميل بن زياد قال: أتيت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فأخذني إلى ناحية الجَبَّان، فلما صحرنا جلس، ثم تنفس، ثم قال: يا كميل بن زياد! القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة، فعالمٌ رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رَعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم

стр. 5629

يلجؤوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة، ومحبة العالم دِين يُدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - علماً لو أصبت له حملة، بل أصبته لفتى غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله تعالى على كتابه، وينعمه على عباده، أو منقاد لأهل الحق، لا بصيرة له في أحيائه، يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا ذا ولا ذاك، أو منهوم باللذات، سَلِس القياد للشهوات، أو مُغرى بجمع الأموال والادخار، وليس من دعاة الدين، أقرب شَبَهاً بهم الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى، لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله وتبيانه، أولئك هم الأقلون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأَنِسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان معلقة بالمنظر الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده، ودعاته إلى دينه، هاه هاه شوقاً إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، إن شئت فقم (١).

стр. 5630

٢١ - ومن الخصال المذكورة: تشبه العالم إذا فغر [فاه] (١) لتناول أموال الناس، وما سنح له منها بالخنزير إذا وقع في أرض، فعاث فيه يميناً وشمالاً، وأتلف ما انتهى منه. قال الماوردي في "أدب الدين والدنيا": وقال بعض الأدباء: [من السريع] ارْثِ لِرَوْضَةٍ تَوَسَّطَها خِنْزِيرْ ... وَابْكِ لِعِلْمٍ حَواهُ شِرِّيرْ (٢) وقلت في معناه: ارض لرَوضٍ ظَلَّ فِيه خِنْزِيرُ ... وَابْكِ لِعِلْمٍ قَد حَواهُ شِرِّيرْ وَاحْذَر مِنَ الشَّرِّ وَأَنْتَ عالِمٌ ... وَانْظُرْ فَما أَقْبَحَ هَذا التَّنْظِيرْ ٢٢ - ومنها: التشبه بالبهائم في كثرة القيام بالليل مع اللهو، والتبسط في الشهوات، والخوض في الباطل بالنهار . روى ابن حبان في "صحيحه"، والأصبهاني في "ترغيبه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ، جَوَّاظٍ، صَخَّابٍ فيْ الأَسْوَاقِ، جِيْفةٍ بِالليْلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، [عالمٍ بأمرِ الدُّنيا]، جَاهِل بِأَمْرِ الآخِرَةِ" (٣).

стр. 5631

قال أهل اللغة: الجعظري: الشديد الغليظ، والجواظ: الأكول، والصخاب: الصياح. وروى الإمامان عبد الله بن المبارك، وأحمد؛ كلاهما في "الزهد" عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لا ألفين أحدكم جيفة ليل قطرب نهار (١). قال عبد الله ابن الإمام أحمد: القطرب: الذي يجلس ساعة هنا وساعة هنا (٢). وفي "حياة الحيوان" للدميري، و"ديوان الحيوان" للسيوطي: القطرب: طائر نحو البلبل يجول الليل كله لا ينام. وهو أيضاً الفأرة، والذئب الأمعط، والكلب الصغير، ودويبة لا تستريح نهارها سعياً (٣). قلت: والمراد هنا المعنى الأخير. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن كعب رحمه الله تعالى أنه كان يقول: قلة المنطق حكم عظيم، وقلة وزر، وخفة من الذنوب، فأحصوا باب الحكم؛ فإن بابه الصبر، وإن الله يبغض الضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب، ويحب الوالي الذي يكون كالواعي لا يغفل عن رعيته، واستحيوا من الله تعالى في سرائركم كما تستحيون

стр. 5632

الناس في علانيتكم، واعلموا أن الكلمة الحكمة ضالة المؤمن؛ فعليكم بالعلم من قبل أن يرفع، ورفعه أن تذهب رواته (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحذر" عن محمد بن سلام قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول: رضيت لنفسك وأنت الحول القلب أن تعيش عيشة البهائم؛ نهارك هائم، وليلك نائم، والأمر أمامك جد (٢). وروى هو وابن الجوزي في "صفوة الصفوة" من طريقه عن القاسم بن غزوان قال: كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يتمثل بهذه الأبيات: [من الطويل] أَيَقْظانُ أَنْتَ اليَوْمَ أَمْ أَنْتَ نائِمٌ ... وَكَيْفَ يُطِيقُ النَّوْمَ حَيرانُ هائِمُ وَلَوْ كُنْتَ يَقْظانَ الغَداةِ لَحَرَّقَتْ ... مَدامِعَ عَيْنَيْكَ الدُّموعُ السَّواجِمُ بَلْ أَصْبَحْتَ فِي النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَقَدْ دَنَتْ ... إِلَيْكَ أُمورٌ مُفَظَّعاتٌ عَظائِمُ نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدى لَكَ لازِمُ

стр. 5633

يَغُرُّكَ ما يَفْنَى وَتُشْغَلُ بِالْمُنَى ... كَما غُرَّ بِاللَّذَّاتِ فِي النَّوْمِ حالِمُ وَتُشْغَلُ فِيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهَ ... كَذَلِكَ فِي الدُّنْيا تَعِيشُ البَهائِمُ (١) وروى أبو نعيم عن جعفر بن عون قال: سمعت مسعراً رحمه الله تعالى يقول: [من الطويل] نَهارُكَ يا مَغْرُورُ لَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدى لَكَ لازِمُ وَتَتْعَبُ فِيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ... كَذَلِكَ فِي الدُّنْيا تَعِيشُ البَهائِمُ (٢) ٢٣ - ومنها: التشبه بالقطرب في معانيه المذكورة أولاً، وبالكلاب ، والخنازير، وبنات آوى، والذئاب ونحوها في سهر الليل في اللصوصية، والاختلاس، وأذى الناس، أو في اللهو واللعب بضرب الآلات، والغناء، والحكايات المضحكة، ونحو ذلك مما لا ينفع في الدنيا، وبكره غِبَّه في الآخرة.

стр. 5634

وروى ابن أبي الدنيا في ذم "الملاهي"، والبيهقي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "يَبِيْتُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى طُعْمٍ وَشُرْبٍ، وَلهَوٍ وَلَعِبٍ، فَيُصْبِحُوْنَ قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازيرَ" (١). وتقدم هذا الحديث بلفظ آخر. ٢٤ - ومنها: تشبه البليد في البلادة والفَهَاهَة بالحمار ونحوه من البهائم . وإنما ينبغي للمؤمن أن يكون كما وصف النبي ﷺ كيِّساً فطناً (٢). ومن ثم استحسن العقلاء صحبة ذوي النشاط والفطنة، وحذَّروا من صحبة ذوي البلادة، والجبن، والكسل خوفاً من سريان الطبع، وجريان العادة حتى قال أبو بكر الخوارزمي: [من الكامل] لا تَصْحَبِ الْكَسْلانَ فِي حاجاتِهِ ... كَمْ صالِحٍ بِفَسادِ آخَرَ يَفْسُدُ عَدْوَى الْبَلِيدِ إِلَى الْجَلِيدِ سَرِيعَةٌ ... الْجَمْرُ يُوْضَعُ فِي الرَّمادِ فَيَخْمُدُ (٣)

стр. 5635

٢٥ - ومنها: التتابع في الشر، والتواطؤ على القبيح ، والتوارد عليه تشبهاً بالحمرة فإنها تتزاحم إذا اجتمعت في ممر ضيق ونحوه، وإذا بال واحد منها بالت حيث بال. ومن ثم قالوا في المثل: بال حمار فاستبال أحمره؛ أي: حملها على البول؛ يضرب في التعاون على الإثم، والتوارد على القبائح (١). وكثيراً ما كان التقليد سبباً لهلاك الناس كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. ٢٦ - ومنها: تكسب الدنيا بالدين من غير مراعاة لأحكام الشريعة تشبهاً بالخنازير ونحوها؛ فإنها لا وازع لها من عقل، ولا دين من تناول ما اشتهت من مآكلها ومشاربها. روى أبو طالب المكي في "القوت" عن عبيد بن أبي واقد عن عثمان بن أبي سليمان قال: كان رجل يخدم موسى ﵇، فجعل يقول: حدثنا موسى كليم الله حتى أثرى، وكثر ماله، وفقده موسى ﵇ دهراً، فجعل موسى ﵇ يسأل عنه، فلا يحس منه أثرًا، حتى جاء رجل ذات يوم وفي يده خنزير في عنقه حبل أسود، فقال له موسى ﵇: أتعرف فلاناً؟ قال: نعم، هو هذا الخنزير. فقال موسى ﵇: يا رب! أسألك أن ترده إلى حاله الأول حتى أسأله مما أصابه هذا.

стр. 5636

فأوحى الله إليه: لو سألتني بالذي دعا آدم فمن دونه ما أجبتك فيه، ولكني أخبرك: إنما صنعت فيه هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين (١). ٢٧ - ومنها: التشبه بالبهائم في قِصَر العمر على مصالح الدنيا، وشهوات النفس دون الاشتغال بشيء من أمر المعاد . روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول الله ﷺ : أنه قال رضي الله تعالى عنه: ويل للواثين الذين يلوثون مثل البقر، ارفع يا غلام، ضع يا غلام في ذلك، لا يذكرون الله تعالى (٢). شبه الذين ليس لهم هم إلا الولع بالأمر والنهي في أمور دنياهم مع الغفلة عن الآخرة بالبقر إذا ولعت بشيء في أفواهها لا تعقل شيئاً من الطاعات ولا تفعله. ٢٨ - ومنها: التشبه بالكلب في الذل عند الجوع . بلغني عن والدي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: اللئيم إذا جاع ذل، والكريم إذا جاع ساء خلقه وغضب، والكريم في ذلك متشبه بالأسد، واللئيم متشبه في ذلك بالكلب.

стр. 5637

وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا سددت كَلْبَ الجُوْعِ بِرَغِيْفٍ وَكُوْزٍ مِنْ مَاءِ القَرَاحِ، فَعَلَى الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا الدَّمَارُ" (١). ٢٩ - ومنها: شم الطعام قبل أكله، والأولى ترك ذلك . روى الطبراني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ تَشَمُّوا الطَّعَامَ كَمَا تَشَمُّهُ السِّبَاعُ" (٢). ٣٠ - ومنها: التشبه في كثرة الأكل ، أو في أكل الحرام، أو الأكل مع الغفلة عن الآداب الشرعية بالبهيمة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. قال القشيري رحمه الله تعالى: الأنعام تأكل بلا تمييز من أي موضع وجدت، وكذلك الكافر لا تمييز له من الحلال وجد أم من الحرام، والأنعام ليس لها وقت لأكلها، بل في كل وقت تقتات وتأكل لا تعرف الشبع، وكذلك الكافر أكول.

стр. 5638

وفي الخبر: إنه "يأكل في سبعة أمعاء" (١)، والمؤمن يجتزئ باليسير كما في الخبر (٢). ويقال: الأنعام تأكل على غفلة؛ فمن أكل ناسياً لربه فأكله كأكل الأنعام (٣). وقيل لسهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: الرجل يأكل في اليوم أكلة؟ قال: أكل الصديقين. قيل: وأكلتين؟ قال: أكل المؤمنين. قيل: ثلاثة؟ قال: قل لأهلك يبنوا لك مَعْلفاً" (٤). وقال الجنيد رحمه الله تعالى: يجعل أحدكم بينه وبين قلبه مخلاة من الطعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة (٥). وأنشدوا:

стр. 5639

شَكَوْتُ إِلَى طَبِيْبِي ضَعْفَ جِسْمِي ... فَقالَ الضَّعْفُ مِنْ قِبَلِ الغِذاءِ أَتَأْكُلُ كُلَّ يَوْمٍ أَكْلَ عَيرٍ ... وَتَرْجُو أَنْ تَعِيشَ بِغَيْرِ داءِ وروى الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى في "الزهد" عن أبي حسان قال: استأذن سعد بن معاذ ﵁ رسول الله ﷺ أن يأتي أصهاراً له من أهل البادية، فأذن له ما شاء الله، ثم رجع ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، فدخل وهو يقلب يده، فقال النبي ﷺ : "لَقَدْ رَأَى سَعْدٌ عَجَبًا". قال: يا رسول الله! أتيتك من عند قوم إنما همهم فيما فيه نهم أنعامهم من لذات بطونهم وفروجهم. فقال ﷺ : "لَقَدْ رَأَى سَعْدٌ عَجَبًا، أَفَلاَ أُخْبِرُكَ بمَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِك؟ مَنْ عَرَفَ مِثْلَ الَّذِي أَنْكَرَ، ثُمَّ فَعَلَ هَوَ كَفِعْلِهِمْ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ما أقل أكياس الناس؛ لا يبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس وإلى ما أكبوا عليه من الدنيا فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر التي لا همَّ لها إلا ما تجعل في أجوافها، حتى إذا أبصر غفلتهم نظر

стр. 5640

إلى نفسه قال: والله إني لأراني من شرهم بعيراً واحداً (١). وروى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزينَتِهَا، إِنَّهُ لاَ يَأْتي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ ممَّا يُنْبِتُ الرَّبِيع يَقْتُلُ حَبَطاً أَو يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الخَضِر؛ فَإِنهَا أَكَلَت حَتَّىْ إِذَا اِمْتَلأَت خَاصِرَتُهَا اِسْتَقْبَلَت الشَّمْسَ فَثلطث وَبَالَتْ ثمَّ رتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنعم صَاحِبُ المالِ لمنْ أَعْطَاهُ المسْكِينَ وَاليَتِيْمَ وَابْنَ السَّبِيْلِ، فَمَنْ أَخذَهُ بحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فيْ حَقِّهِ فَنِعْمَ المعُوْنَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ" (٢). أشار بذلك إلى آكلة الخضر التي أشار إليها في أول الحديث؛ فإنها تأكل حتى تميل خاصرتها، ثم تثلط وتبول، ولا تعرف للشبع حداً تنتهي إليه وتقف عليه. ففيه إشارة إلى أن آكل الحرام متشبه بالبهيمة التي تأكل ولا تشبع، وذلك لأن النفس تستحلي الحرام من حيث إنها ممنوعة منه، والنفس مائلة إلى الممنوع، وكلما حصلت منه على شيء تشوَّفت إلى شيء، وهذا حال البهيمة والسبع، وأيضاً من يأكل الحرام وهو خبيث متشبه بالكلاب، والسباع، والرخم، والحداء، ونحوها في كل الميتة وإن أنتنت.
следующие страницы →