فأوحى الله إليه: لو سألتني بالذي دعا آدم فمن دونه ما أجبتك فيه، ولكني أخبرك: إنما صنعت فيه هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين (١).
٢٧ - ومنها: التشبه بالبهائم في قِصَر العمر على مصالح الدنيا، وشهوات النفس دون الاشتغال بشيء من أمر المعاد .
روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول الله ﷺ : أنه قال رضي الله تعالى عنه: ويل للواثين الذين يلوثون مثل البقر، ارفع يا غلام، ضع يا غلام في ذلك، لا يذكرون الله تعالى (٢).
شبه الذين ليس لهم هم إلا الولع بالأمر والنهي في أمور دنياهم مع الغفلة عن الآخرة بالبقر إذا ولعت بشيء في أفواهها لا تعقل شيئاً من الطاعات ولا تفعله.
٢٨ - ومنها: التشبه بالكلب في الذل عند الجوع .
بلغني عن والدي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: اللئيم إذا جاع ذل، والكريم إذا جاع ساء خلقه وغضب، والكريم في ذلك متشبه بالأسد، واللئيم متشبه في ذلك بالكلب.
стр. 5637
وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا سددت كَلْبَ الجُوْعِ بِرَغِيْفٍ وَكُوْزٍ مِنْ مَاءِ القَرَاحِ، فَعَلَى الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا الدَّمَارُ" (١).
٢٩ - ومنها: شم الطعام قبل أكله، والأولى ترك ذلك .
روى الطبراني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ تَشَمُّوا الطَّعَامَ كَمَا تَشَمُّهُ السِّبَاعُ" (٢).
٣٠ - ومنها: التشبه في كثرة الأكل ، أو في أكل الحرام، أو الأكل مع الغفلة عن الآداب الشرعية بالبهيمة.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
قال القشيري رحمه الله تعالى: الأنعام تأكل بلا تمييز من أي موضع وجدت، وكذلك الكافر لا تمييز له من الحلال وجد أم من الحرام، والأنعام ليس لها وقت لأكلها، بل في كل وقت تقتات وتأكل لا تعرف الشبع، وكذلك الكافر أكول.
стр. 5638
وفي الخبر: إنه "يأكل في سبعة أمعاء" (١)، والمؤمن يجتزئ باليسير كما في الخبر (٢).
ويقال: الأنعام تأكل على غفلة؛ فمن أكل ناسياً لربه فأكله كأكل الأنعام (٣).
وقيل لسهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: الرجل يأكل في اليوم أكلة؟
قال: أكل الصديقين.
قيل: وأكلتين؟
قال: أكل المؤمنين.
قيل: ثلاثة؟
قال: قل لأهلك يبنوا لك مَعْلفاً" (٤).
وقال الجنيد رحمه الله تعالى: يجعل أحدكم بينه وبين قلبه مخلاة من الطعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة (٥).
وأنشدوا:
стр. 5639
شَكَوْتُ إِلَى طَبِيْبِي ضَعْفَ جِسْمِي ... فَقالَ الضَّعْفُ مِنْ قِبَلِ الغِذاءِ
أَتَأْكُلُ كُلَّ يَوْمٍ أَكْلَ عَيرٍ ... وَتَرْجُو أَنْ تَعِيشَ بِغَيْرِ داءِ
وروى الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى في "الزهد" عن أبي حسان قال: استأذن سعد بن معاذ ﵁ رسول الله ﷺ أن يأتي أصهاراً له من أهل البادية، فأذن له ما شاء الله، ثم رجع ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، فدخل وهو يقلب يده، فقال النبي ﷺ : "لَقَدْ رَأَى سَعْدٌ عَجَبًا".
قال: يا رسول الله! أتيتك من عند قوم إنما همهم فيما فيه نهم أنعامهم من لذات بطونهم وفروجهم.
فقال ﷺ : "لَقَدْ رَأَى سَعْدٌ عَجَبًا، أَفَلاَ أُخْبِرُكَ بمَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِك؟ مَنْ عَرَفَ مِثْلَ الَّذِي أَنْكَرَ، ثُمَّ فَعَلَ هَوَ كَفِعْلِهِمْ" (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ما أقل أكياس الناس؛ لا يبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس وإلى ما أكبوا عليه من الدنيا فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر التي لا همَّ لها إلا ما تجعل في أجوافها، حتى إذا أبصر غفلتهم نظر
стр. 5640
إلى نفسه قال: والله إني لأراني من شرهم بعيراً واحداً (١).
وروى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزينَتِهَا، إِنَّهُ لاَ يَأْتي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ ممَّا يُنْبِتُ الرَّبِيع يَقْتُلُ حَبَطاً أَو يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الخَضِر؛ فَإِنهَا أَكَلَت حَتَّىْ إِذَا اِمْتَلأَت خَاصِرَتُهَا اِسْتَقْبَلَت الشَّمْسَ فَثلطث وَبَالَتْ ثمَّ رتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنعم صَاحِبُ المالِ لمنْ أَعْطَاهُ المسْكِينَ وَاليَتِيْمَ وَابْنَ السَّبِيْلِ، فَمَنْ أَخذَهُ بحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فيْ حَقِّهِ فَنِعْمَ المعُوْنَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ" (٢).
أشار بذلك إلى آكلة الخضر التي أشار إليها في أول الحديث؛ فإنها تأكل حتى تميل خاصرتها، ثم تثلط وتبول، ولا تعرف للشبع حداً تنتهي إليه وتقف عليه.
ففيه إشارة إلى أن آكل الحرام متشبه بالبهيمة التي تأكل ولا تشبع، وذلك لأن النفس تستحلي الحرام من حيث إنها ممنوعة منه، والنفس مائلة إلى الممنوع، وكلما حصلت منه على شيء تشوَّفت إلى شيء، وهذا حال البهيمة والسبع، وأيضاً من يأكل الحرام وهو خبيث متشبه بالكلاب، والسباع، والرخم، والحداء، ونحوها في كل الميتة وإن أنتنت.
стр. 5641
وقد حكى لي رجل كان ترجماناً عند قاضي القسمة، وهو قاضي اليتامى، وكان يأخذ على قسمته من أموال اليتامى شيئاً معلوماً، قال: فنمت ليلة فرأيت كأنه وضع بين يدي طعام، فمددت يدي وتناولت منه، فإذا يد صبي صغير فألقيتها، ثم تناولت غيرها فإذا رجل صبي صغير، وهكذا كما أخذت شيئاً وجدته عضو آدمي صغير، فقلت لأهلي: ما هذا؟
فقالوا: هذا اللحم الذي جئتنا به طبخناه لك.
قال: فلما استيقظت تركت الترجمة.
ثم رأيته بعد ذلك عاد إليها، ولم يصبر عنها.
وقلت: [من المتقارب]
أَلا رُبَّ آكِلِ مالِ يَتِيمٍ ... وَأَمْثالِهِ تابَ عَنْهُ زَمانا
وَعادَ إِلَى مِثْلِ ما تابَ مِنْهُ ... وَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ مِنْهُ وَمانا
فَلا تَعْجَبُوا مِنْهُ إِنَّ النُّفو ... سَ تَطْلُبُ ما مُنْعَتْ كَيْفَ كانا
كَمَا أُوْلِعَتْ بِالوَقِيذ الأنوقُ ... وَالْكَلْبُ لَوْ طُرِدا ما اسْتكانا
تَلَذُّ الْخَبائِثَ نَفْسُ الْخَبِيثِ ... فَاعْتَبِرِ الْجُعَلَ الْمُسْتَهانا
وما أشبه كل مال اليتيم ونحوه بالغُول، والسعلاة، والهر، والكلب، والسبع التي تأكل من لحوم الناس.
واعلم أن آكل مال اليتيم، والعالم الذي يشري بعلمه ثمناً قليلاً، والغني الذي يسأل الناس، يشبهون النعامة أيضاً؛ فإنها تأكل الجمر.
стр. 5642
نعم هي تأكل الجمر حالاً، وهم يأكلون ما يؤول إلى الجمر مالاً، ولكن وجه المشابهة بينها وبينهم: أن النعامة تدرك من حرارة الجمر ما يمنعها من استعماله لولا ما في طبعها من ملاءمة حرارة الجمر، وكذلك العالم الباذل علمه في مقابلة الحطام، وآكل مال اليتيم، والسائل الغني، يدركون ضرر ما يأكلون، وإلا لم يكونوا مسلمين، ثم يأكلون لما صار في جبلتهم من استحلاء تناول ما ذكر.
والأدلة على ما سبق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤].
وحديث حبشي بن جنادة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ يَسْأَلُ غَيْرَ فَقِيْرِ فَكَأنَّمَا يَأْكُلُ الجَمْرَ".
رواه الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، وابن حبان في "صحيحه"، وغيرهم (١).
وفي لفظ: "فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الجَمْرَ" (٢).
ورواه البيهقي بلفظ: "مَثَلُ الَّذي يَسْأَلُ فيْ غَيرِ حَاجَةٍ كَمَثَلِ الَّذِي
стр. 5643
يَلْتَقِطُ الجَمْر" (١).
وفي رواية عند الطبراني: "مَنْ يَسْأَلُ النَّاسَ فيْ غَيرِ مُصِيْبَةٍ جَاحَتَهُ فَإِنَّمَا يلقمُ الرَّضفة" (٢).
وفي رواية عنده أيضاً: "مَنْ يَسْأَلُ النَّاسَ لِيثْري بِهِ مَالهُ كَانَ خُموشًا في وَجْهِهِ وَرضيفاً فِي جَهَنَّمَ يَأْكُلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ" (٣).
الرَّضَف - بالضاد المعجمة -: الحجارة المحماة، واحدتها: رضفة.
وفي معناه ما أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مِنْ أَمْوَالهِمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جمْرَ جَهَنَّمَ، فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ" (٤).
وقلت في معنى ما ذكرته هنا: [من الخفيف]
مَنْ يَكُنْ آكِلَ الْحُطامِ بِعِلْمٍ ... أَو لِمالِ الْيَتِيمِ ظُلْماً وَقَهْراً
стр. 5644
أَو يَكُنْ سائِلاً بِغَيْرِ احْتِياجٍ ... فَهْوَ مِثْلَ النَّعامِ يَأْكُلُ جَمْراً
صارَ أَكْلُ الْحَرامِ مِنْهُ طِباعاً ... فَكَذا لَمْ يُحِسَّ لِلنَّار حَرًّا
لَوْ غَدا مُوْقِناً بِذَلِكَ يَوْماً ... صارَ مِنْ سُوءِ ما تَجَرَّأ صَدْراً
* تَتِمَّةٌ:
ذكر أبو طالب المكي في "القوت": أن من وصية أبي عبد الرحمن الثوري (١) التابعي المشهور لابنه: يا بني! عود نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تخصم خصم البراذين، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال، إن الله خلقك إنساناً وفضلك، فلا تجعل نفسك بهيمة أو سبعاً، واحذر سرعة الكِظة، ونهم البطنة (٢).
والكظة - بالكسر -: شيء يعتري الإنسان من امتلاء البطن، يقال: كظه الطعام: ملأه حتى لا يطيق التنفس.
والبطنة - بالكسر أيضاً -: الأشر، والبطن، وامتلاء البطن أيضاً.
ومن أمثال الناس: البطنة تُذهب الفطنة.
٣١ - ومن الخصال المذكورة: تقصد السمن بالمآكل والمشارب ، والأدوية، والراحة، والقعود عن الطاعات خصوصاً إذا تعدى فاعل
стр. 5645
ذلك إلى محرم كشرب الخمر؛ فإنه يكون بذلك متشبهاً بالخنزير وغيره من البهائم لأنها تأكل من القمامات، وبعضها يأكل العذرات.
روى ابن أبي شيبة عن حنظلة بن عمر كاتب رسول الله ﷺ قال: إن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: إن قومك زيَّنوا مساجدهم، وأخربوا قلوبهم، وتسمنوا كما تسمن الخنازير ليوم ذبحها، وإني نظرت إليهم فلعنتهم، ولا أستجب دعاءهم، ولا أعطيهم مسائلهم (١).
ورواه الإمام أحمد في "الزهد" عن هارون بن رباب [عن ابن عم حنظلة]، ولفظه: قل لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل! زخرفتم مساجدكم، وخرَّبتم قلوبكم، وسمَّنتم أنفسكم كما تسمن البهائم ليوم ذبحها، فنظرت إليكم نظرة ولعنتكم، فإن دعوتموني لم أستجب لكم، وإن سألتموني لم أعطكم (٢).
ورواه أبو نعيم، ولفظه: أوحى الله إلى نبي من أنبيائه ﵇ أن أخبر قومك أنهم قد عمروا لبنائهم، وخربوا قلوبهم، وتسمنوا كما تسمن الخنازير ليوم ذبحها، فنظرت إليهم فَقَلَيتُهم، فدعوني فلم أستجب لهم، وسألوني فلم أعطهم (٣).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن ضبة بن محصن قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أما
стр. 5646
بعد! فإن للناس نفرة عن سلطانهم، فأعوذ بالله أن تدركني وإياك، فأقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمر أن أحدهما لله والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الله؛ فإن الدنيا تنفد، والآخرة تبقى، وأخف الفساق، [واجعلهم] يداً يداً، ورجلاً رجلاً، عُدْ مريض المسلمين، واحضُر جنائزهم، وافتح بابك، وباشر أمورهم بنفسك، وإنما أنت رجل منهم، غير أن الله تعالى جعلك أثقلهم حملاً، وقد بلغني أنه نشأ لك ولأهل بيتك هِنَة في لباسك، ومطعمك، ومركبك، وليس للمسلمين مثلها؛ فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرت بواد خصب فلم يكن لها هم إلا السمن؛ فإنما حتفها في السمن، واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شَقِيت به رعيته.
وأنشدوا: [من الوافر]
وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ عَبْدٍ سَمِينِ ... كَثِيرِ اللَّحْمِ مَهْزُولِ الْمَعالِي
كَمِثْلِ الطَّبْلِ يُسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ ... وَباطِنُهُ مِنَ الْخَيْراتِ خالِي
* تَنْبِيهاتٌ:
الأَوَّلُ: الشحم إنما يربو من النعمة وفراغ البال، وخلوه من الهم والغم، والحزن والخوف، وليس من شأن العالم إلا خشونة العيش؛ إما في شأن معاده، وإما في شأن معاشه، والغم بسبب ما وقع منه من التفريط والحزن على ما فات من عمره مضيعاً في غير طاعة، والخوف من الله تعالى، ومن عذابه وعقابه، والاهتمام بما بين يديه، فإن كان
стр. 5647
على خلف ذلك لم يكن منتفعاً بعلمه.
وقد استعاذ رسول الله ﷺ من علم لا ينفع (١).
ومن ثم كان العالم السمين ممقوتاً.
روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ قال: إني لأكره أن يكون القارئ سميناً.
وفي رواية: سميناً نِسِيًّا للقرآن (٢).
وفي رواية ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف، فخاصم النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أَنْشدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ﵇! هَلْ تَجِدُ فيْ التَّوْرَاةِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الحبرَ السَّمِينَ؟ " - وكان حبراً سميناً - فغضب، وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] (٣).
قلت: وإنما كان الحبر السمين بغيضاً عند الله تعالى لأن سمنه دليل قلة خوفه من الله تعالى، وقلة همه بأمر آخرته، وقلة الخوف تناقض حال
стр. 5648
العالِم؛ إذ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وروى أبو نعيم عن محمد بن سوقة رحمه الله تعالى قال: إن المؤمن الذي يخاف الله تعالى لا يسمن، ولا يزداد لونه إلا تغيراً (١).
وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: قرأت في الحكمة: إن الله يبغض كلَّ حَبْر سمين (٢).
وروى الإمامان مالك، وأحمد، وأبو يعلى، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن جعدة بن خالد الجشمي رضي الله تعالى عنه [قال: سمعت النبي ﷺ ]، رأى رجلاً سميناً، فطعن في بطنه، وقال: لو كان بعض هذا في غير هذا لكان خيراً لك، ولو كان بعض ما في بطنك في غير السمن والتنعم كان يكون في سبيل الله؛ كإطعام الجائعين كان خيراً لك (٣).
قلت: وما ذكر من أن الخائف من الله تعالى لا يسمن؛ هذا جري على الغالب، وقد يكون المؤمن عارفاً متسع المعرفة بحيث رسخ قدمه في الطاعة، وصار في حال الأنس والطمأنينة بالله تعالى؛ إذ لم يفرط فيحزن ويغتم، وصارت الطاعة في حقه خلقاً وطبعاً، فلا يتكلف
стр. 5649
لها ولا يهتم.
وأما أمر معاشه فثقته بالله تعالى أسقطت عنه هم المعاش، وخوَّفه من الله تعالى معدل لرجائه لفضله وإحسانه، فلا يظهر الهُزال في بدنه، بل يبدن ويسمن، وعلى ذلك يحمل ما روي أن النبي ﷺ بَدَن في آخر عمره مع أنه ﷺ لم يكن إلا في كفاف من العيش والقوت، يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد، فما حصل له من البدونة إنما هو بسبب امتلاء قلبه من الفرح بربه، والسرور بقربه.
ومن لطائف الاعتذار عن السمن ما ذكره ابن خميس في "مناقب الأبرار"، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" عن أبي بكر الشبلي رحمه الله تعالى أنه قيل له: نراك جسيماً بديناً والمحبة تضني؟
فأشار يقول: [من المنسرح]
أَحَبَّ قَلْبِي وَما درى بَدَنِي ... وَلَوْ دَرى ما أَقامَ فِي السِّمَنِ (١)
وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الإسكندري في "لطائف المنن" عن شيخه الشيخ أبي العباس المرسي رحمه الله تعالى: أنه كان ببلاد المغرب ولي من أولياء الله تعالى يتكلم على الناس، وكان بادناً، فجلس يوماً يتكلم على الناس، فقال رجل مكشوف الرأس كبيرها: هذا يزهد في الدنيا وهو كالدب؟ فكوشف الشيخ، فقال من فوق
стр. 5650
منبره: يا أبا ويس ما سمنني إلا حبه، ثم أنشد: [من المنسرح]
وَقائِلٍ لَسْتَ بِالْمُحِبِّ وَلَوْ ... كُنْتَ مُحِبًّا لَذُبْتَ مِنْ زَمَنِ
أَجَبْتُهُ وَالفُؤادُ فِي حَرَقٍ ... لَمْ تَذُقِ الْحُبَّ كَيْفَ تَعْرِفُنِي
أَحَبَّ قَلْبِي وَما دَرَى بَدَنِي ... وَلَوْ دَرى ما أَقامَ فِي السِّمَنِ
التَّنْبِيهُ الثَّانِي: السمن والشحم للمرأة محمود إذا كان معتدلاً، ولا بأس بقصده لتحبب المرأة إلى بعلها أو سيدها من غير مبالغة في ذلك، ولا خروج عن حد الاعتدال.
روى أبو نعيم في "الطب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: تزوجني النبي ﷺ ، فجهد أبواي على أن يسمناني، فلم أسمن، فأمرهما النبي ﷺ أن أطعم القثاء بالرطب، فسمنت عليه كأحسن السمن (١).
وروى البيهقي عنها قالت: أرادت أمي أن تسمنني، فلم أقبل عليها بشيء مما تريد، حتى أطعمتني القثاء بالرطب، فسمنت عليه كأحسن السمن (٢).
ويالغ ابن الحاج في "المدخل" في إنكار استعمال الأدوية المسمنة حتى تصير المرأة بحيث لا تستطيع الاستنقاء، وربما احتاجت إلى من يقوم عليها بذلك من جارية وغيرها (٣).
стр. 5651
ومثل ذلك لا شبهة في إنكاره، وهو للرجال أقبح، وخصوصاً إذا كان باستعمال الأدوية التي لا يبيحها الشرع كالسمومات، ومحرم ما لا يؤكل من الحيوانات وشحومها، وكالذي يشرب المسكر ليحسِّن لون بدنه ووجهه؛ كل ذلك مما لا شبهة في تحريمه.
وفرق بين ذلك وبين إطعام عائشة رضي الله تعالى عنها الرطب والقثاء ظاهر.
التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ: التسمن، وكثرة ظهور السمن في الناس من أمارات الساعة، وأحوال الزمان المتأخر.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ أُمَّتي القَرْنُ الَّذِيْ بُعِثْتُ فِيْهِ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنهم، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُم، ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السمانَةَ، يَشْهَدُوْنَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوْا" (١).
وروى الترمذي، والحاكم عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "خَيرُ النَّاسِ قَرْني، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُم، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُم، ثُمَّ يَأْتي مِنْ بَعْدِهِم قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّوْنَ السِّمَنَ، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْألوهَا" (٢).
стр. 5652
ورواه أبو عمرو الداني في "الفتن"، ولفظه: "خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ القُرُوْنُ الِّتيْ بُعِثْتُ فِيْهِم، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُم، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُم - قال مطر: والله أعلم أذَكَر الثالث أم لا، - ثُمَّ يَنْشَأُ قَوْم يَشْهَدُوْنَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُوْنَ، وَينْذُرُونَ وَلاَ يُوفُونَ، ويُحَدِّثُونَ وَلاَ يُوقنُونَ، وَيَفْشُو فِيْهِمُ السِّمَنُ" (١).
قلت: وسبب فشو السمن فيهم تواطؤهم على اتباع الشهوات وإيثار المستلذات، وغفلتهم عما يراد بهم ومنهم، وأمنهم من مكر الله تعالى، وعدم مبالاتهم بما نقص من دينهم، أو أخذ من أعراضهم إذا توفرت لهم أنواع دنياهم، وتوصلوا إلى أغراضهم، وهو حال أكثر أبناء هذا الزمان؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون!
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه النبي ﷺ قال: "إِنَّهُ لَيَأتي الرَّجُلُ العَظِيْمُ [السَّمينُ] يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوْضَةٍ" (٢).
٣٢ - ومن الخصال المشار إليها: البطالة، والفراغ عما ينتفع به العبد في معاده، أو في معاشه .
روى أبو نعيم عن الشافعي رحمه الله تعالى قال: ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن.
قيل له: ولم؟
стр. 5653
قال: لأن العاقل لا يخلو من إحدى خلتين: إما يغتم لآخرته ومعاده، أو لدنياه ومعاشه، والشحم مع الغم لا ينعقد، فإذا خلا من المعنيين صار في حد البهائم فينعقد الشحم (١).
وأخرجه البيهقي في "مناقب الشافعي" بلفظ: "يهتم" عِوَضَ "يغتم"، و"الهم" عِوَضَ: "الغم" (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إني لأبغض الرجل أن أراه فارغاً ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة (٣).
وفي "فائق الزمخشري": عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لأكره أن أرى أحدهم سَبَهْللاً لا في عمل دنيا ولا في عمل أخرى (٤).
وقال الجوهري: قال الأصمعي: جاء الرجل يمشي سبهللاً: إذا جاء وذهب في غير شيء، ثم ذكر كلام عمر.
وفي الحديث الطويل عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "إِنَّ في صُحُفِ إِبْرَاهِيْمَ ﵇: وَعَلَى العَاقِلِ مَا لم يَكُنْ مَغْلُوْبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ سَاعَات: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيْهَا رَبَّهُ ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ
стр. 5654
فِيْهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيْهَا في صُنع اللهِ تَعَالى، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيْهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ المطْعَمِ وَالمشْرَبِ، وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ لاَ يَكُوْنَ ظَاعِنًا إِلاَّ لِثَلاَثٍ: تَزَوُّدٍ لمعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لمعَاشٍ، أَوْ لُقْمَةٍ فيْ غَيرِ مُحَرَّمٍ". رواه ابن حبان، والحاكم وصححاه، وغيرهما (١).
* فائِدَةٌ:
روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن أبي قلابة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ وذكر شيئاً، فقال: "ذَاكَ أَوَانُ نَسْخِ القُرْآنِ".
فقال رجل كالأعرابي: يا رسول الله! ما ينسخ القرآن؟ أو: كيف ينسخ القرآن؟
قال رسول الله ﷺ : "وَيحَكَ! يُذْهَبُ بِأَصْحَابِهِ، وَتَبْقَى رِجَالٌ كَأَنَّهُم النَّعَامُ".
وضرب رسول الله ﷺ إحدى يديه على الأخرى، فمدها يشير بها، فقال الناس: يا رسول الله! أفلا نتعلمه ونعلمه أبناءنا ونساءنا؟
فقال رسول الله ﷺ : "قَدْ قَرَأَتِ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى، قَدْ قَرَأَتِ اليَهُوْدُ وَالنَّصَارَى" (٢).
стр. 5655
وفي هذا الحديث أن الناس عند قيام الساعة يكونون كالبهائم، وإنما خص النعامة منها لأنها أحمق البهائم حتى يضرب بها المثل في الحمق؛ فإنها تخرج لطلب الطعام، فمتى وجدت بيض نعامة أخرى حضنته، وتنسى بيضها فلا ترجع إليه.
كما قيل: [من المتقارب]
فَإِنِّي وَتَرْكِي لِذِي الأَكْرَمِينَ ... وَقدحِي وَكَفِّي زِناداً شحاحا
كَتارِكَةِ بَيْضِها بِالعَراءِ ... وَمُلْبِسَةِ بَيْضِ أُخْرى جَناحا (١)
وكذلك أحوال أكثر الناس في هذه الأعصار؛ يتركون ما يعنيهم ولو كان يعنيهم، ويشتغلون بما لا يعنيهم ولو كان لا يعنيهم.
ومما قلت: [من السريع]
أَقْبِلْ عَلى شَأْنِكِ إِنْ كُنْتَ تَرْ ... جُو رِفْعَةَ الشَّأْنِ بِدارِ القَرارِ
وَلا تُضعْ عُمْرَكَ فِي غَيْرِ ما ... يَعْنِيكَ تَنْدَمْ لاتَ حِينَ الفِرارِ
فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِنْ جَهْلِهِ ... يَنْزُو عَلى الدُّنْيا كَنَزْوِ الغُرارِ
والغُرار - بالضم -: ولد النعجة، والماعزة، والبقرة الوحشية.
والنزو: الوثوب.
стр. 5656
٣٣ - ومن الخصال المذكورة: التشبه بالبهائم في الغفلة عن الموت .
روى أبو نعيم في "الطب" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَوْ تَعْلَمُ البَهَائِمُ مِنَ الموْتِ مَا تَعْلَمُوْنَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِيْناً" (١).
وروى هو والبيهقي في "الشعب" عن أم حبيب الجهنية رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَوْ تَعْلَمُ البَهَائِمُ مِنَ الموْتِ مَا يَعْلَمُ بَنُوْ آدَمَ مَا أَكَلُوْا مِنْهَا لَحْمًا سَمِيْناً" (٢).
وروى الديلمي عن أبي سعيد نحوه (٣).
وروى أبو نعيم عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: ابنَ آدم! السكين تحد، والكبش يعتلف، والتنور يسجر (٤).
وعن مسعر رحمه الله تعالى: أنه كان يتمثل بهذه الأبيات في كل جنازة: [من الطويل]
وَنُحَدَّثُ رَوْعاتٍ لَدى كُلِّ فَزْعَةٍ ... وَنُسْرِعُ نِسْياناً وَلَمْ يَأْتِنا الأَمْنُ
стр. 5657
فَإِنَّا وَلا كُفْرانَ لِلَّهِ رَبِّنا ... لَكَالْبُدْنِ لا تَدْرِي مَتَى يَوْمُها البدْنُ (١)
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور" عن مسعر رحمه الله تعالى قال: لم يقل لبيد رضي الله تعالى عنه في الإسلام إلا هذين البيتين: [من الطويل]
نُجَدِّدُ أَحْزاناً لَدى كُلِّ هالِكٍ ... وَنُسْرِعُ نِسْياناً وَلَمْ يَأْتِنا الأَمْنُ
فَإِنَّا وَلا كُفْرانَ لِلَّهِ رَبِّنا ... لَكَالْبُدْنِ لا تَدْرِي مَتَى يَوْمُها البدْنُ
وقال الدينوري: أنشدنا ابن قتيبة لعروة بن أذينة: [من الوافر]
نُراعُ إِذا الْجَنائِزُ قابَلَتْنا ... وَيُحْزِنُنا بُكاءُ الباكِياتِ
كَرَوْعَةِ ثلَّةٍ لِمُغارِ لَيْثٍ ... فَلَمَّا غابَ عادَتْ راتِعاتِ (٢)
ونقل الإمام أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في كتاب "العاقبة" عن أبي عمر بن العلاء قال: جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه
إِنَّ امْرَأً أَمْسى أَبُوهُ وَأُمُّهُ ... تَحْتَ التُّرابِ لِهَوْلِهِ يَتَفَكَّرُ
مِثْلَ الْبَهائِمِ لا تَرى آجالَها ... حَتَّى تُقادَ إِلَى الْمَنِيَّةِ تُجْزَرُ (١)
فإن قلت: فما تصنع بما رواه ابن أبي حاتم عن ابن سابط قال: ما أبهمت البهائم فلم تبهم عن أربع: تعلم أن الله ربها، ويأتي الذكر الأنثى، وتهتدي لمعاشها، وتخاف من الموت (٢).
قلت: لا يلزم من خوفها من الموت أن تعلم ما نعلم منه، وإنما هو معنى يحصل للدابة إذا أحست بما هو من أسباب الموت، فتراع عند مشاهدته فتذعر كما يحصل للشاة عند مشاهدة الذئب دون غيره، وللفأرة عند مشاهدة الهر، وللفرس وغيرها عند مشاهدة الأسد، ولأكثر الحيوانات عند مشاهدة الآدمي، فأما أن تعلم حقيقة الموت وما بعد الموت من عذاب أو نعيم فهذا مما خص الله تعالى به العقلاء، فمن لم يؤمن بعذاب القبر وفتنته، والبعث والحساب، أو آمن بذلك ثم اغتر بالدنيا، فهو ملحق بالبهائم، أو أسوء حالاً منها.
وما أحسن ما قيل: [من مجزوء الرمل]
أَيَّها الْمُغْتَرُّ بِالدُّ ... نْيا إِلَى كَمْ ذا الغُرُورُ
كَيْفَ يَغْتَرُّ بِدُنْيا ... مَنْ إِلَى الْمَوْتِ يَصِيْرُ
стр. 5660
ثُمَّ بَعْدَ الْمَوْتِ بَعْثٌ ... وَحِسابٌ وَنُشُورُ
وروى ابن أبي الدنيا في "القبور" عن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال: ويحك! ألست تموت وتخرج من أهلك، ومآلك إلى القبر وضيقه وحدك؟
ثم قال: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠].
ثم قال: إن كنت لا تعقل هذا، فما في الأرض دابة أحمق منك.
* تَنْبيهانِ:
الأَوَّلُ: روى الإمامان مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححوه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيرُ يَوْمِ طَلَعَتْ فِيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيْهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيْهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيْهِ أُهْبِطَ، وَفِيْهِ تِيْبَ عَلَيْهِ، وَفِيْهِ قُبِضَ، وَفِيْهِ تَقُوْمُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مُصِيْخَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شفقاً مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ ابْنَ آدَمَ، وَفِيْهِ سَاعَةٌ لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ وَهُوَ فيْ الصَّلاَةِ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ" (١).
فالمذكور في هذا الحديث من إصاخة الدواب وإشفاقها محمول
стр. 5661
على ما تقدم من أن الله تعالى يخلق في الدواب معنى يوجد فيها في تلك الساعة من كل جمعة، فيحصل لها الفَرَق والشفق لخصوصية قيام الساعة يوم الجمعة في أول ساعة منه حتى تطلع الشمس، فتذهب عنها تلك الحالة إلا ما كان من ابن آدم والجن أيضاً.
ففي حديث آخر: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِيَ تَفْزَعُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلاَّ هَذَيْنِ الثَّقَلَينِ: الإِنْسُ وَالجِنُّ". رواه ابن حبان، وابن خزيمة في "صحيحيهما" (١).
وإنما تحصل تلك الحالة للثقلين على وجه الإلقاء لأنهما مكلفان، فلو جعل ذلك في طباعهما لم يكن فيه ثواب، فجعل اهتمام المكلف بيوم الجمعة وبقيام الساعة موكولاً إلى علمه واختياره ليكون له ثوابه إذا اهتم بيوم الجمعة، وارتاع لقيام الساعة، وتأهَّب لها باختياره.
وأما غيره من الدواب، بل والجمادات كما في حديث آخر رواه الإمام أحمد، والبزار من حديث سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "سَيِّدُ الأَيَّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ"، فذكر الحديث، وقال فيه: "وَفِيْهِ تَقُوْمُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلاَ سمَاءٍ، وَلاَ أَرْضٍ، وَلاَ رِيَاحٍ، وَلاَ جِبَالٍ، وَلاَ بَحْرٍ إِلاَّ وَهُنَّ يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ" (٢).
стр. 5662
فهذا المعنى يحصل لهذه المذكورات؛ يعني: إن الله تعالى يخلق لهن إدراكاً لذلك، فيشفقن أن تقوم الساعة كما قيل: إن الله تعالى خلق في السموات والأرض والجبال إدراكاً لمعنى الأمانة، وثقل حملها حتى أشفقن منها حين عرضه إياها عليهن.
ويجوز أن تكون الحكمة في خلق المعنى المذكور للدواب والجمادات في يوم الجمعة إقامة الحجة على من يغفل عن الساعة من الثقلين كأن يقال لهم: خلقت لكم عقولاً لم أخلقها للدواب والجمادات، فكانت تشفق وترتاع لقيام الساعة، ولم تغفل عن قيام الساعة وما يترتب عليه من الأهوال، والحساب والجزاء ما غفلتم، وأنتم كنتم في غفلة عنها ولكم العقول التي تميزتم بها عن هؤلاء؛ كما أراد الله تعالى إقامة الحجة على الإنسان حين عرضت عليه الأمانة فحملها، ولم يأب كما أبت السماوات والأرض والجبال حَمْلَها حين عرضت عليهن.
التَّنْبِيهُ الثانِي: روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَهْلَ القُبُوْرِ يُعَذَّبُونَ فيْ قُبُوْرِهِم عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ" (١).
وروى الإمام أحمد، وابن حبان عن أم مبشر رضي الله تعالى
стр. 5663
عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "اِسْتَعِيْذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ القَبرِ".
قلت: يا رسول الله! وإنهم ليعذبون في قبورهم؟
قال: "نعمْ، عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ" (١).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، وهو يسير على راحلته فنفرت، قلت: يا رسول الله! ما بال راحلتكم نفرت؟
قال: "إِنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُل يُعَذَّبُ فيْ قَبرِهِ" (٢).
قلت: الحكمة في سماع البهائم لعذاب المعذبين في قبورهم أن تكون شاهدة بصدق النبي ﷺ فيما أخبر به من الأمور المغيبات.
ويؤيده حديث يعلى بن مرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يَعْلَمُ أَني رَسُوْلُ اللهِ إِلاَّ كَفَرَةُ الإِنْسِ وَالجِنِّ". رواه الطبراني في "الكبير" (٣).
وأما الناس فلم يسمعهم الله تعالى عذاب القبر إلا بعض الخواص منهم زيادة في الابتلاء، وليحصلوا على فضيلة الإيمان بالغيب، ولأنهم
стр. 5664
لو اطلعوا على عذاب القبر لم يدفنوا موتاهم، كما أشار إليه النبي ﷺ في الحديث المار في التشبه بقابيل: "لَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوْا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُم عَذَابَ القَبرِ" (١).
٣٤ - ومن الخصال المذكورة: تشبه الإنسان في جمع الأموال، وتركها للورثة بدود القَزِّ .
قال أبو طالب المكي في "القوت": وقد مثَّل بعضُ الحكماء ابن آدم بدود القز لا يزال ينسج على نفسه بجهله حتى لا يكون له مخلص، فيقتل نفسه، ويصير القز لغيره، وربما قتلوه إذا فرغ من نسجه؛ لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج منه فيشمس، وربما غمز بالأيدي فيموت لئلا يقطع القز، وليخرج القز صحيحاً.
قال: فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلك عمره وماله، فتتنعم ورثته بما شقي به؛ فإن أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه، وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياه، فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم: أذهابه وتركه لغيره؟ أو نظره إلى ماله في ميراث غيره (٢)؟
أخبرنا أبي شيخ الإسلام عن قاضي القضاة زكريا، وغيره عن ابن حجر الحافظ قال: قرأت على أبي إسحاق التنوخي، عن يحيى بن سعد عن جعفر بن علي: أنا السلفي قال: أنشدنا أبو سعيد الشيرازي
стр. 5665
قال: أنشدنا أبو علي بن شبل لنفسه: [من البسيط]
يُعْنَى (١) البَخِيلُ بِجَمْعِ الْمالِ مُدَّتَهُ ... وَلِلْحَوادِثِ وَالوُرَّاثِ ما يَدَعُ
كَدُودَةِ القَزِّ ما تَبْنِيهُ يُهْلِكُها ... وَغَيْرُها بِالَّذِي تَبْنِيهِ يَنْتَفِعُ (٢)
ولأبي الفتح البستي: [من الطويل]
ألمْ تَرَ أَنَّ الْمَرْءَ طُولَ حَياتِهِ ... مُعَنًّى بِأَمْرٍ لا يَزالُ يُعالِجُهْ
كَدُودٌ كَدُودِ القَزِّ يَنْسُجُ دائِماً ... وَيَهْلَكُ غَمَّاً وَسْطَ ما هُوَ ناسِجُهْ (٣)
وروى البخاري، والنسائي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ "
قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه.
قال: "فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثهِ مَا أَخَّرَ" (٤).
стр. 5666
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُوْلُ العَبْدُ: مَالي، مَالي، وإِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ [ثَلاثٌ] مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَأَبْقَى، مَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ" (١).
وأنشد الخطابي في "غريبه" لعبد الرحمن بن عتبة بن مسعود: [من المتقارب]
سَأَفْرِشُ نَفْسِيِ الَّتِي خَوَّلَتْ ... وَأُوْثِرُ نَفْسِي عَلى الوارِثِ
أُبادِرُ إِنْفاقَ مُسْتَجْمِلٍ ... بِمالِي أَوْ عَبَثَ العابِثِ (٢)
وأنشد الإمام أبو الفتوح الطائي في "أربعينه" بإسناده إلى الأمير أبي الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي: [من مخلَّع البسيط]
مالُكَ لِلْحادِثاتِ نَهْبٌ ... أَوْ لِلَّذِي حازَهُ وِراثَةْ
أَوْ لَكَ أَنْ تَتَّخِذَهُ ذُخْراً ... فَلا تَكُنْ أَعْجَزَ الثَّلاثَة (٣)
٣٥ - ومنها: التشبه بالدود في ركوب البحر، والأسفار الشاقة البعيدة في طلب الدنيا .
لأن الدودة قد تذهب في طلب رزقها إلى حيث تضيع فتهلك،
стр. 5667
ورُبَّ دودةٍ في صخرة يأتيها رزقها من غير سعي، فالكادُّ في طلب رزقه الراكب للأهوال في كسبه كالنوع الأول من الدود، وهو دون النوع الثاني منه.
وذكر الدميري في "حياة الحيوان": أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: صِفْ لي البحر وراكبه.
فقال: خَلْق قوي يركبه خلق ضعيف؛ كدودٍ على عود إن ضاعوا هلكوا، وإن بقوا فرقوا.
فقال عمر ﵁: لا أحمل فيه أحداً أبداً (١).
٣٦ - ومنها: تشبه الكافر والفاجر في انشراح الصدر بالكفر أو بالمعصية ، وانقباضه عن الخير، وعن سماع القرآن والمواعظ بالْجُعَلِ إذا دفن في الورد مات، فإذا دفن [في] الزبل عاش، وكذلك دودة الخل إذا وقعت في العسل ماتت.
وأنشد السيوطي رحمه الله تعالى في "ديوان الحيوان" لأبي منصور بن عبد الحميد بن محمد المدائني: [من السريع]
إِذا نَهَيْتَ الوَغْدَ عَنْ طَبْعِهِ ... أَتاكَ مِنْهُ الزَّيْغُ وَالْخُلْفُ
لا يَصْبِرُ الْمَرْءُ على حالَةٍ ... كانَ لَهُ فِي ضِدِّها إِلْفُ
كَدُودَةِ القَزِّ إِذا أُلْقِيَتْ ... فِي عَسَلٍ بادَرَها الْحَتْفُ
стр. 5668
٣٧ - ومنها: أن يتأخر الإنسان عن الانقياد إلى الحق ، وعن تأديته إلى أهله حتى يعاقب، أو يخوف ويهدد ليكون في ذلك متشبهاً بالحمار يتأخر عن المسير ويحرن، فلا يمشي حتى يُهان ويضرب.
وقد وقع التنبيه على ذلك في شعر ابن عبدل الذي أنشده النضر ابن شميل للمأمون حين قال له: يا نضر! أنشدني أقنع بيت للعرب كما رواه الزبير بن بكار، والمعافى بن زكريا في "الجليس والأنيس"، وهو قوله: [من المنسرح]
إِنِّى امْرُؤٌ لَمْ أَزَلْ وَذاكَ مِنَ اللـ ... ـهِ أَدِيباً أُعَلِّمُ الأَدَبا
أُقِيمُ بِالدَّارِ ما اطْمَأَنَّتْ بِيَ الدَّ ... ارُ وَإِنْ كُنْتُ نازِحاً طَرَباً
لا أَجْتَوِي خُلَّةَ الصَّدِيقِ وَلا ... أُتْبعُ نَفْسِيَ شَيْئاً إِذا ذَهَبا
أَطْلُبُ ما يَطْلُبُ الْكَرِيْمُ مِنَ الرِّ ... زْقِ بِنَفْسِي وَأُجْمِلُ الطَّلَبا
وَأَطْلُبُ الثَّرَّةَ الضَّفِيَّ وَلا ... أُجْهِدُ أخلاقَ غَيْرِها حَلَبا
إِنِّي رَأَيْتُ الفَتَى الكَرِيْمَ إِذا ... رَغَّبْتَهُ فِي صَنِيْعَهِ رَغِبا
وَالْعَبْدَ لا يَطْلُبُ العلاءَ وَلا ... يُعْطِيكَ شَيْئاً إِلاَّ إِذا رَهِبا
مِثْلَ الْحِمارِ الْمُوْقِعِ السُّوءَ لا ... يُحْسِنُ شَيْئاً إِلاَّ إِذا ضُرِبا
وَلَمْ أَجِدْ عُرْوَةَ الْخَلائِقِ إِلاَّ ... الدِّيْنَ لَمَّا اخْتَبَرْتُ وَالْحَسَبا
قَدْ يُرْزَقُ الْخافِضُ الْمُقِيمُ وَما ... شَدَّ بِعِيسٍ رَحَلاً وَلا قَتَبا
стр. 5669
ويُحْرَمُ الرِّزْقَ ذُو الْمَطِيَّةِ والـ ... ـرحل وَمَنْ لا يَزالُ مُغْتَرِبا (١)
والصفي: روي بالصاد المهملة، وهو: الشيء الذي يختار ويصطفى.
وروي بالمعجمة، وهو: الناقة الغزيرة اللبن.
٣٨ - ومنها: تشبه الناس في قتل بعضهم بعضاً عصبيةً وهوىً بالحيات، والذئاب، ونحوها .
روى عبد الرزاق، ومن طريقه أبو محمد البغوي في "شرح السنة" عن كرز بن علقمة الخزاعي رضي الله تعالى عنه قال: قال أعرابي: يا رسول الله! هل للإسلام منتهى؟
قال: "نَعَمْ، أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ العَرَبِ أَوْ العَجَمِ أَرَادَ اللهُ بهِمْ خَيرًا أَدْخَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ".
قال: ثم ماذا يا رسول الله؟
قال: "ثُمَّ تَقَعُ الفِتَنُ كَأَنَّهَا الظُّلَلُ".
قال: فقال الأعرابي: كلا يا رسول الله!
فقال النبي ﷺ : "وَالَّذِي نَفِسِيْ بِيَدِهِ، ثُمَّ لَتَعُوْدُنَّ فِيْهَا أَسَاوِدَ صباً، يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْضٍ" (٢).
стр. 5670
الأساود: جمع أسود؛ قال أبو عبيد: وهو العظيم من الحيات.
وقوله: صباً: لأنها إذا أرادت أن تنهش ارتفعت، ثم تصب.
وقال شمر: الأسود أخبث الحيات، وربما عارض الرفقة وتبع الصوت (١).
قلت: وعلى هذا قاطع الطريق متشبه بالأساود، وينبغي أن يعد من الخصال التي يكون صاحبها متشبهاً بالهوام والسباع قطعُ الطريق؛ لأن الأسد والذئب ونحوهما قد يقطع الطريق على المارة.
وروى الحافظ عبد الغني عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ أَكْثَرُهُم وجُوهُهُم وجُوْهُ الآدَمِيِّيْنَ، وَقُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الذِّئَابِ الضَّوَارِي، سَفَّاكُوْنَ لِلدِّمَاءِ، لا يرعونَ عَنْ قَبِيْحٍ فَعَلُوْهُ، فَإِنْ تَابَعْتَهُم وَارَبُوْكَ، وَإِنْ حَدَّثْتَهُم كَذَّبُوْكَ، وَإِنْ اِئْتَمَنْتَهُم خَانُوْكَ، وَإِن تَوَارَيْتَ عَنْهُم اغْتَابُوْكَ، صَبِيُّهُم عَارِمٌ، وَشَابُّهُم شَاطِرٌ، وَشَيْخُهُم فَاجِرٌ، لاَ يَأْمُرُهُم بِمَعْرُوْفٍ وَلا يَنْهَاهُمْ عَنْ مُنْكَرٍ، الاِخْتِلاَطُ بِهِمْ ذُلٌّ، وَطَلَبُ مَا فيْ أَيْدِيْهِم فَقْرٌ، الحَكِيْمُ فِيْهِمْ غَاوٍ، وَالغَاوِي فِيْهِمْ حَكِيْمٌ، وَالسُّنَّةُ فِيْهِمْ بِدْعَةٌ، وَالبِدْعَةُ فِيْهِمْ سُنَّةٌ، وَالآمِرُ بَيْنَهُمْ بَالمعْرُوْفِ مُتَّهَمٌ، وَالفَاسِقُ فِيْهِمْ
стр. 5671
مُشَرَّفٌ، وَالمؤْمِنُ بَيْنَهُمْ مُسْتَضْعَفٌ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَوْمًا إِنْ تَكَلَّمُوْا قتَلُوْهُمْ، وَإِنْ سَكَتُوْا اِسْتَبَاحُوْهُم، يَسْتَأْثِرُوْنَ عَلَيْهِمْ بِنَعِيْمِهِم، وَيَطَؤونَ حَرِيمَهُم، وَيَجُوْرُونَ فيْ حُكْمِهِم" (١).
قلت: من يشك أنه زماننا هذا، وقد ابتلي أكثر الناس بأهل الدولة من الأروام، وغيرهم، وأتباعهم؛ نسأل الله تعالى السلامة.
٣٩ - ومنها: التشبه في الغدر والسطوة بجوارح السباع والطير .
أنشد الثعالبي لبعضهم: [من المنسرح]
تَجَمَّعَتْ فِيهِ وَحْدَهُ شِيَمٌ ... فَهْوَ مِنَ الطَّيْرِ فِي أَفانِينِ زَهْو غُرابٍ وَكَذْبُ فاخِتَةٍ ... وَشُؤْمُ بُومٍ وَغَدْرُ شاهِينِ
٤٠ - ومنها: التشبه في السفاهة والفحش والبذاء - ولا سيما على الأكابر والعلماء - بالكلب إذا نبح على الأسد ونحوه مما هو أشرف منه.
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو (٢) رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "ضَافَ ضَيْفٌ رَجُلاً مِنْ بَنيْ إِسْرَائِيْلَ وَفيْ دَارِهِ كَلْبَةٌ، فَقَالَتْ الكَلْبَةُ: وَاللهِ لاَ أَنْبَحُ ضَيْفَ أَهْلِي، فَعَوَى جِرَاؤُهَا فيْ بَطْنِهَا، قِيْلَ: مَا هَذَا؟ فَأَوْحَى اللهُ إِلى رَجُلٍ
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" عن إبراهيم بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: يقال: الفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب، أو في جوف كلب (١).
وفي "ارتشاف الضرب" لأبي حيان: وقد ركَّب أبو العباس بن سريج ما دخلت عليه لو تركيباً غريباً، فقال: [من الطويل]
وَلَوْ كُلَّما كَلْبٌ عَوى مِلْتُ نَحْوَهُ ... أُجاوِبُهُ إِنَّ الكِلابَ كَثِيرُ
وَلَكِنْ مُبالاتِي بِمَنْ صاحَ أَوْ عَوى ... قَلِيلٌ فَإِنِّي بِالْكِلابِ بَصِيرُ (٢)
٤١ - ومنها: التشبه بالكلب والخنزير في التكبر .
وصورة هذا التشبه لا تظهر لنفس المتكبر في نفسه لأنه لو لم ير نفسه عظيماً لم يتكبر، وإنما تظهر تلك الصورة عند الناس كما أنه كذلك عند الله تعالى.
روى ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته. وقال: انتعش أنعشك الله؛ فهو في نفسه صغير، وفي أنفس الناس كبير.
стр. 5674
وإن العبد إذا تعظم وعدا طوره وضعه الله إلى الأرض، وقال: اخسأ أخساك الله؛ فهو في نفسه كبير، وفي أنفس الناس صغير، حتى لهو أحقر عندهم من خنزير (١).
وروى نحوه أبو نعيم، وقال فيه: حتى يكون أهون من كلب (٢).
وتظهر صورة التكبر على الكلب في أمرين:
الأول: أنه ينبح الفقراء ومن رثت أثوابه، ولا ينبح الأغنياء.
والثاني: أنه ينام في ممر الناس ولا يعبأ بهم، فربما عوقب في كبره بأنه يوطأ في الغالب، فيظهر ذله وحقارته في نفس كبره.
وروى البزار بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُحْشَرُ المتَكَبِّرُوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ فيْ صُوْرَةِ الذَّرِّ، يَطَؤُهُمُ النَّاسُ لِهَوَانهِم عَلَى اللهِ تَعَالى" (٣).
٤٢ - ومنها: التشبه بالكلب في النظر إلى ظاهر الهيئة، واعتبار الأغنياء دون الفقراء ، وازدراء الفقراء دون الأغنياء، والتسلط عليهم بالظلم والعدوان كالكلب العَقُور.
قال صاحب "حياة الحيوان": ومن طبع الكلب أنه يكرم أهل
стр. 5675
الوجاهة ولا ينبحهم، وينبح أهل الرثاثة والدنس (١).
قال السيوطي: وإلى هذا أشار القائل: [من الكامل]
قال السيوطي: وإلى هذا أشار القائل: [من الكامل]
يَمْشِي الفَقِيرُ وَكُلُّ شَيْءٍ ضِدُّهُ ... وَالْخَلْقُ تُغْلِقُ دُونَهُ أَبْوابَها
وَتَراهُ مَمْقُوتاً وَلَيْسَ بِمُذْنِبٍ ... وَيَرَى العَداوَةَ لا يَرى أَسْبابَها
حَتَّى الْكِلابُ إِذا رَأَتْ ذا بزَّةٍ ... هَشَّتْ إِلَيْهِ وَلَوْ لَحَتْ أَذْنابَها
وَإِذا رَأَتْ يَوْماً فَقِيراً مُعْدَماً ... نَبَحَتْ عَلَيْهِ وَكَشَّرَتْ أَنْيابَها (٢)
٤٣ - ومنها: التشبه في أكل لحم المؤمن بالغيبة بالذي يأكل الميتة من السباع .
قال الله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وللإمام الشافعي: [من الوافر]