وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" عن إبراهيم بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: يقال: الفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب، أو في جوف كلب (١).
وفي "ارتشاف الضرب" لأبي حيان: وقد ركَّب أبو العباس بن سريج ما دخلت عليه لو تركيباً غريباً، فقال: [من الطويل]
وَلَوْ كُلَّما كَلْبٌ عَوى مِلْتُ نَحْوَهُ ... أُجاوِبُهُ إِنَّ الكِلابَ كَثِيرُ
وَلَكِنْ مُبالاتِي بِمَنْ صاحَ أَوْ عَوى ... قَلِيلٌ فَإِنِّي بِالْكِلابِ بَصِيرُ (٢)
٤١ - ومنها: التشبه بالكلب والخنزير في التكبر .
وصورة هذا التشبه لا تظهر لنفس المتكبر في نفسه لأنه لو لم ير نفسه عظيماً لم يتكبر، وإنما تظهر تلك الصورة عند الناس كما أنه كذلك عند الله تعالى.
روى ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته. وقال: انتعش أنعشك الله؛ فهو في نفسه صغير، وفي أنفس الناس كبير.
стр. 5674
وإن العبد إذا تعظم وعدا طوره وضعه الله إلى الأرض، وقال: اخسأ أخساك الله؛ فهو في نفسه كبير، وفي أنفس الناس صغير، حتى لهو أحقر عندهم من خنزير (١).
وروى نحوه أبو نعيم، وقال فيه: حتى يكون أهون من كلب (٢).
وتظهر صورة التكبر على الكلب في أمرين:
الأول: أنه ينبح الفقراء ومن رثت أثوابه، ولا ينبح الأغنياء.
والثاني: أنه ينام في ممر الناس ولا يعبأ بهم، فربما عوقب في كبره بأنه يوطأ في الغالب، فيظهر ذله وحقارته في نفس كبره.
وروى البزار بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُحْشَرُ المتَكَبِّرُوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ فيْ صُوْرَةِ الذَّرِّ، يَطَؤُهُمُ النَّاسُ لِهَوَانهِم عَلَى اللهِ تَعَالى" (٣).
٤٢ - ومنها: التشبه بالكلب في النظر إلى ظاهر الهيئة، واعتبار الأغنياء دون الفقراء ، وازدراء الفقراء دون الأغنياء، والتسلط عليهم بالظلم والعدوان كالكلب العَقُور.
قال صاحب "حياة الحيوان": ومن طبع الكلب أنه يكرم أهل
стр. 5675
الوجاهة ولا ينبحهم، وينبح أهل الرثاثة والدنس (١).
قال السيوطي: وإلى هذا أشار القائل: [من الكامل]
قال السيوطي: وإلى هذا أشار القائل: [من الكامل]
يَمْشِي الفَقِيرُ وَكُلُّ شَيْءٍ ضِدُّهُ ... وَالْخَلْقُ تُغْلِقُ دُونَهُ أَبْوابَها
وَتَراهُ مَمْقُوتاً وَلَيْسَ بِمُذْنِبٍ ... وَيَرَى العَداوَةَ لا يَرى أَسْبابَها
حَتَّى الْكِلابُ إِذا رَأَتْ ذا بزَّةٍ ... هَشَّتْ إِلَيْهِ وَلَوْ لَحَتْ أَذْنابَها
وَإِذا رَأَتْ يَوْماً فَقِيراً مُعْدَماً ... نَبَحَتْ عَلَيْهِ وَكَشَّرَتْ أَنْيابَها (٢)
٤٣ - ومنها: التشبه في أكل لحم المؤمن بالغيبة بالذي يأكل الميتة من السباع .
قال الله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وللإمام الشافعي: [من الوافر]
стр. 5676
وَلَيْسَ الذِّئْبُ يَأْكُلُ لَحْمَ ذِئْبٍ ... وَيَأْكُلُ بَعْضُنا بَعْضاً عَيانا (١)
وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن علي بن الحسين ﵄: أنه سمع رجلاً يغتاب رجلاً فقال: إياك والغيبة؛ فإنها إدام كلاب الناس (٢).
وروى ابن عبد البر عن عدي بن حاتم ﵁ قال: الغيبة مرعى اللئام (٣).
وروى الثعلبي بسند ضعيف، عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ المُمَزِّقَ لأَعْرَاضِ النَّاسِ يُحْشَرُ فيْ صُوْرَةِ كَلْبٍ ضَارٍ" (٤).
وروى أبو نعيم عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: إنما الفاسق بمنزلة السبع، فإذا كلمت فيه فخليت سبيله فقد خليت سبعاً على المسلمين (٥).
وقال الشيخ الإمام جدي ﵁: [من الرجز]
стр. 5677
يا آكِلاً لَحْمَ أَخِيهِ مَيِّتاً ... بالَغْتَ يا مَكْلُوبُ فِي التَّوَحُّشِ
عُوْقِبْتَ بِالْمَسْخِ مِنَ اللهِ وَلَمْ ... تَرْجِعْ وَلا مِنَ الْعِقابِ تَخْتَشِي
قَدْ زالَ أُنْسُ الإِنْسِ عَنْكَ عِنْدما ... نَشَأْتَ فِي هَذا التَّجَرِّي الْمُفْحِشِ
وَما بِهِ انْتَشَأْتَ مِنْهُ لَمْ تَفِقْ ... يا لَيْتَ مَسْلُوبَ الْحِجَى لَمْ يَنْتَشِي
٤٤ - ومنها: اتفاق المتصادقين والمترافقين في غرض ، فإذا عرضت لهما الدنيا أعرض أحدهما، أو كل منهما عن الآخر؛ كل منهما يريد الاستقلال بها، فيتجاذبانها، ويتهاتران عليها تشبهاً بالكلاب؛ فإنها تكون على اجتماع وهراش، فإذا لاح لها ميتة أو غيرها تهالكت عليها، وأحب كل واحد منهما لو يستقل بها، ويحمي عنها حتى كأنه لم يعرف رفيقه.
وهذا حال أكثر الناس حين تلوح لهم الدنيا، وتفاضلهم فيها هو السبب في أنهم يكونون مجتمعين، فإذا تفرقوا وقع كل واحد في عرض الآخر يمزقه.
فالعاقل المعرض عنهم بقلبه مقبلاً على ربه إلا على وجه المداراة
أَفَأَنْتَ فِي سُوءِ الظُّنُونِ تَلُومُنِي ... عَنِّي فَما عَدَتِ اليَقِينَ ظُنُونِي
كِلْنِي إِلَى الرِّزْقِ العَزِيزِ قَلِيلِه ... وَالذُّلُّ تَحْتَ كَثِيرِهِ الْمَمْنُونِ
فَإِذا الَّذِي فَوْقِي لِفَضْلَةِ مالِهِ ... لِغِنايَ عَنْهُ كَأَنَّهُ مِنْ دُونِي
٤٥ - ومنها: التشبه بالبوم في الحسد، وتمني زوال النعمة عن من خصه الله تعالى بها بموت، أو فقد عزيز، أو خراب ديار .
فإن الناس يقولون في المثل: فلان كالبوم لا يصيح إلا بالخراب.
وقد وقع هذا المعنى في قول سويد بن أبي كاهل كما رواه الدينوري في "المجالسة": [من الرمل]
رُبَّ مَنْ أَنْضَجَتْ غَيْظاً صَدْرُهُ ... قَدْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتاً لَمْ يُطَعْ
وَيَرانِي كَالشَّجا فِي صَدْرِهِ ... عَسِرٌ مَخْرَجُهُ ما يُنْتَزَعْ
جُرَذٌ يَخطر ما لَمْ يَرَنِي ... فَإِذا أَسْمَعْتُ صَوْتِيَ انْقَمَعْ
стр. 5680
لَمْ يَضِرْني غَيْرَ أَنْ يَحْسُدَنِي ... فَهْوَ يَزْقُو مِثْلَما يَزْقُو الضُّوَعْ
وَيُحَيِّيْنِي إِذا لاقَيْتُهُ ... فَإِذا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ
قَدْ كَفانِي اللهُ ما فِي نَفْسِهِ ... وَإِذا ما يكفَ شَيْئاً لَمْ يَضَعْ (١)
مثل الحاسد بالجرذ الذي يبدو، فإذا أحس بالإنسان انزوى وانقمع في وكره، وبالضوع - على وزن جرد، وعنب كما في "القاموس" - من طيور الليل، وهو ذكر البوم، ويقال: الكروان (٢).
وقال الجوهري: هو من جنس الهام (٣).
٤٦ - ومنها: التشبه في الزنا بالتيس، والكلب، والقرد، والهر،
وغيرها .
فإن السبع والبهيمة يُسَافد ما يرى من أنثى، وكذلك الزاني تحمله الشهوة الحيوانية على الوقوع على كل أنثى أمكنت من غير تقيد بالعقد ولا بالملك.
стр. 5681
ومن أمثالهم: أزنى من قرد.
وقال الزمخشري في "المستقصى": هو قرد بن معاوية الهذلي، وفد على رسول الله ﷺ فقال: أسلم على أن تحل لي الزنا.
فقال له ولوفده: "أَتحِبُّوْنَ لِبَنَاتِكُمْ وَأَخَوَاتِكُمْ ذَلِكَ؟ "
قالوا: لا.
قال: "فَأَحِبُّوْا لِلنَّاسِ مَا تحِبُّوْنَ لأَنْفُسِكُمْ".
فرجع بهم، ولم يسلموا (١).
وذكر فيه من الأمثال: أزنى من قط؛ وقال: هو السنور، ومن هجرس؛ وقال: هو القرد، وقيل: الدب.
وأزنى من هر؛ وقال: هي امرأة يهودية من حضرموت، كان اسم أبيها يامناً، وكان الفساق ينتابونها للفسق في الجاهلية، وهي إحدى الشوامت بموت النبي ﷺ ، فأخذها المهاجر بن أمية عاملُه، فقطع يدها (٢).
وقال السيوطي في "ديوان الحيوان": ومن أمثالهم: أسفد من هجرس، وأغلم من هجرس؛ أي: القرد، وأزنى من هجرس؛ أي: الدب، أو القرد (٣).
стр. 5682
وروى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي رسول الله ﷺ برجل قصير أشعث، ذي عضلات، عليه إزار، قد زنى، فرده مرتين، ثم أمر به فرجم، فقال رسول الله ﷺ : "كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِيْنَ في سَبِيْلِ اللهِ تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ يَنِبُّ نَبِيْبَ التَّيْسِ يمنحُ إِحْدَاهن الكُثْبَة، إِنَّ اللهَ لاَ يُمَكِّنُني مَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ جَعَلْتُهُ نَكَالاً" (١).
قال أهل اللغة: نب التيس نبيباً: إذا صاح وهاج (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن أبي ميسرة رحمه الله تعالى قال: تبقى رجرجة من الناس لا يعرفون حقاً ولا ينكرون منكراً، يتراكبون تراكب الدواب والأنعام (٣).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد، وأبو نعيم عن مالك بن دينار ﵀ ﵎ قال: مكتوب في التوراة: مثل امرأة حسناء لا تحصن فرجها كمثل خنزيرة على رأسها تاج، وفي عنقها طوق من ذهب، يقول القائل: ما أحسنَ هذا الحلي، وأقبحَ هذه الدابة (٤).
٤٧ - ومنها: التشبه بالبهائم في إتيان البهيمة .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المتقدم في التشبه
стр. 5683
بقوم لوط: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتى شَيْئاً مِنَ البَهائِمِ" (١).
وروى الطبراني، والبيهقي عنه أيضاً، عن النبي ﷺ : "أَرْبَعَةٌ يُصْبِحُوْنَ فيْ غَضَبِ اللهِ ويمْسُوْنَ فيْ سَخَطِ اللهِ".
قلت: من هم يا رسول الله؟
قال: "المتَشَبِّهِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمتَشَبِّهَاتِ مِنَ النَّسَاءِ بالرِّجَالِ، وَالَّذِي يَأْتيْ البَهِيْمَةَ، وَالَّذِيْ يَأْتي الرِّجَالَ" (٢).
وقوله: "المتشبهين" كذا وجدته، وهو منصوب على إضمار (أعني)، أو: (أذم).
ومن لطائف بعض أذكياء النساء: أنها اطلعت على زوجها وهو يأتي أتاناً، فلم تشعره أنها اطلعت عليه، حتى جاء وقت طعامه، فوضعت له السفرة، ووضعت عليها صحفة فيها شعير، فقال: ما هذا؟ قالت: طعام بعثت به إليك حليلتك التي وقعت عليها.
فنبهته أن الذي يأتي البهيمة ينبغي أن يأكل من علفها.
٤٨ - ومنها: التشبه بالقرد في الاستمناء بشيء من بدنه .
ذكر صاحب "حياة الحيوان": أن القرد إذا اشتد به الشَّبَقُ
стр. 5684
استمنى بفيه (١).
وروى الحسن بن عرفة في "جزئه"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سَبْعَةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيْهِم، وَلا يَجْمَعُهُمْ مَعَ العَالَمِيْنَ، يُدْخِلُهُمْ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِيْنَ إِلاَّ أَنْ يَتُوْبُوا، إِلاَّ أَنْ يَتُوْبُوا، إِلاَّ أَنْ يَتُوْبُوا، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ: النَّاكِحُ يَدَهُ، وَالفَاعِلُ وَالمفْعُوْلُ، وَمُدْمِنُ الخَمْرِ، وَالضَّارِبُ أَبَوَيْهِ حَتيَّ يَسْتَغِيْثَا، وَالمُؤْذِي جِيْرَانَهُ حَتىَّ يَلْعَنُوْهُ، وَالنَّاكِحُ حَلِيْلَةَ جَارِهِ" (٢).
ولولا أن سنده ضعيف لدل على أن الاستمناء باليد من الكبائر.
وقد نص العلماء على أنه حرام.
٤٩ - ومنها: التشبه بالخنزير، والحمار، والسِّنَّور في اللواط فاعلية ومفعولية .
روى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير، والحمار، والسنور (٣).
стр. 5685
قلت: وذكر ابن قتيبة في "عيون الأخبار" عن المثنى بن زهير: أنه رأى ذكراً من الحمام يقمط ذكراً (١).
قلت: وأخبرني رجل ثقة أنه رأى ثوراً نزا على ثور، وأصاب.
وأخبرني جماعة أن التيوس إذا جمع بعضها مع بعض ولا أنثى بينها، استذلت واحداً منها فنزت عليه، فإن بقي بينها لا تزال تنزو عليه حتى يهلك.
* فائِدَةٌ:
روى الزبير بن بكار في "الموفقيات"، والديلمي، والخطابي في "غريب الحديث" - وقال: لا أصل له - عن علي ﵁: أن النبي ﷺ سئل عن المسوخ فقال: "هُمْ ثَلاثَةَ عَشَرَة: الفِيْلُ، وَالدُّبُّ، وَالخِنْزِيْرُ، وَالقِرْدُ، وَالخِريتُ، وَالضَبُّ، وَالوَطْوَاطُ، وَالعَقْرَبُ، وَالدُّعموصُ، وَالعَنْكَبُوْتُ، وَالأَرْنَبُ، وَسُهَيْلٌ، وَالزهرةُ".
فقيل: يا رسول الله! وما سبب مسخهن؟
فقال: "أَمَّا الفِيْلُ: فَكَانَ رَجُلاً حَبَّارًا لُوْطِيًّا لا يَدَعُ رَطْبًا وَلا يَابِسًا.
وَأَمَّا الذِّئْبُ: فَكَانَ مُخَنَّثًا يَدْعُوْ الرِّجَالَ إِلى نَفْسِهِ.
وَأَمَّا الخِنْزِيْرُ: فَكَانَ مِنَ النَّصَارَىْ الّذِيْ سَأَلُوْا المائِدَةَ فَلَمَّا نَزَلَتْ كَفَرُوْا.
وَأَمَّا القِرْدُ: فَيَهُوْدِيٌّ اِعْتَدَى فيْ السَّبْتِ.
стр. 5686
وَأَمَّا الخَرِيْتُ: فَكَانَ دَيُّوْثًا يَدْعُوْ الرِّجَالَ إِلى حَلِيْلَتِهِ.
وَأَمَّا الضَّبُّ: فَكَانَ أَعْرَابِيًّا يَسْرِقُ الحَاجَّ بمحجنهِ.
وَأَمَّا الوَطْوَاطُ: فَكَانَ رَجُلاً يَسْرُقُ الثِّمَارَ مِنُ رُؤُوْسِ النَّخْلِ.
وَأَمَّا العَقْرَبُ: فَكَانَ لا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ لِسَانِهِ.
وَأَمَّا الدُّعْمُوْصُ: فَكَانَ نَمَّامًا يُفَرِّقُ بَينَ الأَحِبَّةِ.
وَأَمَّا العَنْكَبُوْتُ: فَاِمْرَأَةٌ سَحَرَتْ زَوْجَهَا.
وَأَمَّا الأَرْنَبُ: فَاِمْرَأَةٌ كَانَتْ لا تَتَطَهَّرُ مِنْ حَيْضٍ.
وَأَمَّا سُهَيْلٌ: فَكَانَ عَشَّارًا بِاليَمَنِ.
وَأَمَّا الزهرَةُ: فَكَانَتْ بِنْتًا لِبَعْضِ مُلُوْكِ بَنيْ إِسْرَائِيْلَ اِفْتَتَنَ بِهَا هَارُوْتُ وَمَارُوْتُ" (١).
قلت: المشهور أن قصة هاروت وماروت كانت في زمن إدريس السلام، وذلك قبل بني إسرائيل بزمن كثير.
وعلى ذكر المسوخ؛ فروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى أن النبي ﷺ قال: "فُقِدَتْ أُمةٌ مِنْ بَنيْ إِسْرَائِيْلَ لا أَدْرِي مَا فَعَلَت،
стр. 5687
وَلا أَرَاهَا إِلاَّ الفَأْرَةَ، أَلا تَرَوْنهَا إِذَا وضعَ لهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وضعَ لهَا أَلْبَانُ غَيرِهَا شَرِبَتْ" (١).
وروى ابن حبان، والطبراني في "الكبير"، وأبو الشيخ في "العظمة" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "الحَيَّاتُ مَسْخُ الجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ القِرَدهٌ وَالخَنَازِيْرُ مِن بَني إِسْرَائِيْلَ" (٢).
وروى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: مسخ بختنصر أسداً فكان ملك السباع، ثم مسخ نسراً فكان ملك الطير، ثم مسخ ثور فكان ملك الدواب، وهو في ذلك يعقل عقل الإنسان، وكان ملكه قائماً يدبر، ثم رد إليه روحه فدعا إلى توحيد الله، وقال: كل إله باطل إلا إله السماء.
قيل لوهب: أمؤمناً مات؟
قال: وجدت أهل الكتاب اختلفوا (٣).
وذكر ابن قتيبة في "عيون الأخبار": أن الأعراب تزعم أن الله تعالى مسخ ماكسين ضبعاً وذئباً، وبهذه القرابة يتسافدان ويتناجلان، وأنشد: [من الخفيف]
إِنَّ رَبِّي لِما يَشاءُ قَدِيرُ ... ما لِشَيْءٍ أَرادَهُ مِنْ مَفَرِّ
стр. 5688
مَسَخَ الْماكسينِ ضَبُعاً وَذِئْباً ... فَلِهَذا تَناجَلا أُمَّ عَمْرِو (١)
وذكر محمد بن يوسف الشيرازي المعروف بالحكيم في أرجوزة له من المسوخ أيضاً: الأسد، والكلب، والقنفذ، والزُّنبور، والقمري، والفاخت، والخنفساء، وابن عُرس، وابن آوى، والعقعق.
فأما الأسد: فكان واعظاً يخالف قوله فعله.
وأما الكلب: فكان مفسداً لذات البين.
وأما القنفذ: فكانت دلاَّلة خبيثة.
وأما الزنبور: فكان يؤذي جاره.
وأما القمري: فكان يحتكر القوت.
وأما الفاختة: فكانت تستدين ولا توفي.
وأما الخنفساء: فكانت امرأة متهتكة.
وأما ابن عرس: فكان نباشاً ينبش القبور.
وأما ابن آوى: فكان قصابا ينفح الشاة قبل أن تموت.
وأما العقعق: فكان يدخل الحمام بغير مئزر.
ولا يعارض ذلك كله ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ سئل عن القردة والخنازير هي مما مسخ، فقال النبي ﷺ : "إنَّ الله لَمْ يُهْلِكْ قوماً فيجعل لهم نَسْلاً، وأنَّ القِردةَ كانَتْ
стр. 5689
قَبْلَ ذلكَ" (١).
قال الدميري، والسيوطي: اختلف العلماء في المسوخ هل تعقب، أم لا؟ على قولين، والجمهور على الثاني (٢).
قلت: قد يقال: إن النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم بأنهما ممسوخان من بني إسرائيل، وأن الحديث الذي رواه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كان مما حفظه ابن مسعود عن النبي ﷺ قبل أن يعلم بذلك.
ويؤيده: أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه ممن أسلم بعد الهجرة بزمن كثير، بخلاف ابن مسعود فإنه من السابقين الأولين، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما من صغار الصحابة.
وإن قلنا بقول الجمهور، فيحمل ما روي أن الفيل كان لوطياً فمسخ، وأن الدب كان مخنثاً فمسخ، على أن معناه: أن بعض من فعل ذلك مسخ واحداً من جنس الفيل، أو واحداً من جنس الدب، وكذلك الباقي.
وعلى كل تقدير، ففي ما ذكرناه زجر عن هذه الأفعال التي مسخت أربابها شيئاً مما ذكر؛ فافهم!
تَابِع
(٨) بَابُ النَّهي عَنِ التَّشَبُّهِ بِالَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَالهَوَام
٥٠ - ومن الخصال الملحقة مرتكبها بالدواب: السرقة .
فإن صاحبها شبيه بالذئب في اختلاس الشياه، والجرد، والزَّبَاب - كسحاب - وهو فأر بري يسرق كل شيء، أو فأر عظيم أصم، وأحمر الشعر، أو بلا شعر، والعقعق، وهو طائر في قدر الحمامة على شكل الغراب ذو لونين أبيض وأسود، طويل الذنب، لا يأوي تحت سقف، ولا يستظل به.
قال في "حياة الحيوان": وفي طبعه الزنا والخيانة، ويوصف بالسرقة والخبث، ويضرب به المثل في كل ذلك.
قال الشاعر: [من المتقارب]
إِذا بارَكَ اللهُ فِي طائِرٍ ... فَلا بارَكَ اللهُ فِي العقعقِ
طَويلُ الذُّنابا قَصِيرُ الْجَناحِ ... مَتَى ما يَجِدْ غَفْلَةً يَسْرِقِ
يُقْلِّبُ عَيْنَيْهِ فِي رَأْسِهِ ... كَأَنَّهْما قَطْرَتا زَيْبَقِ (١)
стр. 5696
وروى الدينوري عن محمد بن سلام قال: ذم رجل رجلاً، فقال: اجتمع فيه ثلاثة أشياء: طبيعة العقعق؛ يعني: السرقة، وروغان الثعلب؛ يعني: الخب، ولمعان البرق؛ يعني: الكذب (١).
وكذلك الفأرة توصف باللصوصية؛ قالوا في المثل: ألص من فأرة (٢).
وذكر السيوطي في "ديوان الحيوان" عن ابن خالويه: أن الفأرة يقال لها: سارقة الفتيلة من السراج.
قلت: ومن ثم سميت: الفويسقة لخروجها عن حد الاعتدال إلى الأذية.
وروى البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "خَمِّرُوْا الآنِيَةَ، وَأَوْكِئُوْا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيْفُوْا الأَبْوَابَ، وَكُفُّوْا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ المَسَاءِ؛ فَإِنَّ لِلْجِنِّ اِنْتِشَارًا وَخطْفَةً، وَأَطْفِئُوْا المَصَابِيْحَ عِنْدَ الرُّقَادِ؛ فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتْ الفَتِيْلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ" (٣).
قلت: وتقدم في التشبه بالشيطان أنه هو الذي يدلها على ذلك.
وينبغي أن يعد من الخصال المذكورة: إحراق الآدمي مال غيره أو بيت غيره كما قد يفعله بعض أشقياء الأطراف، بل مطلق الأذية من هذا القبيل.
стр. 5697
٥١ - ومنها: اختطاف أمتعة الناس كالعمائم، تشبهاً بالعُقاب والحدأة ونحوها .
ومن أمثالهم كما ذكره الزمخشري في "المستقصى": أخطف من العُقاب (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب قال: قال عيسى ﵇ لأحبار بني إسرائيل: لا تكونوا للناس كالذئب السارق، أو كالثعلب الخدوع، وكالحداء الخاطف (٢).
وذكر السيوطي في "ديوان الحيوان": أنه في طبع الحدأة أنها لا تخطف إلا من يمين من تخطف منه، حتى يقال: إنها عسراء؛ لأنها لا تأخذ من شمال أحد شيئاً (٣).
وقال صاحب "الصحاح": والخاطف الذئب (٤).
٥٢ - ومنها: الخديعة والمكر والروغان عن الحق تشبهاً بالثعلب .
كقول عيسى ﵇ في كلامه المذكور آنفاً: لا تكونوا للناس كالذئب السارق، وكالثعلب الخدوع (٥).
وقالوا: في المثل: أحيل من ثعلب، وأخدع وأروغ.
стр. 5698
قال الشاعر: [من السريع]
كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ خالَلْتُهُ ... لا يَتْرُكِ اللهُ لَهُمْ واضِحةْ
كُلُّهُمْ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ ... ما أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةْ (١)
وقال يعقوب بن أحمد النيسابوري: [من السريع]
وَزَنْتُ إِخْوانِي لا مَرَّةً ... بِكِفَّتَيْ خُبْرِي وَتَجْرِبِي
فَكُلُّهُمْ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ ... وَكُلُّهُمْ أَغْدَرُ مِنْ ذِئْبِ (٢)
وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والإمام أحمد في "الزهد" عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال: لم يروغوا روغان الثعلب (٣).
٥٣ - ومنها: التعاون على القبيح، وعلى الإثم والعدوان تشبهاً بالحمير .
فإنها إذا كانت مجتمعة فبال واحد منها، بالت كلها.
وتقول العرب في أمثالها: بال حمار فاستبال أحمرة.
стр. 5699
قال الزمخشري: يضرب للوضيع يأتي أمراً فيتبعه أقرانه (١).
وقال في "حياة الحيوان": يضرب في تعاون القوم على ما يكره (٢).
وذكر السيوطي من الأمثال: بال حمار فبال عشرة، وترادفت الحمر بأبوالها (٣).
ثم قال: يقال عند اقتداء الجهال بعضهم ببعض.
٥٤ - ومنها: المسارعة إلى الشر والمعصية تشبهاً بالبغال .
فقد روى ابن عساكر عن علي رضي الله تعالى عنه قال: إن البغال كانت تتناسل، وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم ﵇، فدعا عليها، فقطع نسلها (٤).
٥٥ - ومنها: سرعة التقلب في المودة، والانتقال من خلق سيئ إلى أسوأ منه تشبهاً بالبغال أيضاً .
كما أنشد صاحب "التذكرة الحمدونية" لابن حازم الباهلي: [من مجزوء الكامل المرفل]
ما لِي رَأَيْتُكُ لا تَدُو ... مُ عَلى الْمَوَدَّةِ لِلرِّجالِ
خُلُقٌ جَدِيدٌ كُلَّ يَوْ ... مٍ مِثْلَ أَخْلاقِ البِغالِ (٥)
стр. 5700
٥٦ - ومنها: معاداة أولياء الله تعالى تشبهاً بالحية في عداوة آدم، والوزغة في معاداة إبراهيم ﵇ .
وقد تقدم في التشبه بالشيطان حديث: "ما سالَمْناهُنَّ مُنْذَ حارَبْناهُنَّ" (١)؛ يعني: الحيات.
وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلاُ مُشْرِكًا، وَمَنْ تَرَكَ حَيَّة مَخَافَةَ عَاقِبَتِهَا فَلَيْسَ مِنَّا" (٢).
فأنزلها ﷺ منزلة العدو في الدين، فجعل ثواب قتلها كثواب قتله.
وروى الإمام أحمد أيضاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه كان في بيتها رمح موضوع، فقيل لها: ما تصنعين بهذا؟
فقالت: نقتل به الوزغ؛ فإن النبي ﷺ أخبرنا أن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار غير الوزغ؛ فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر بقتلها (٣).
وقال بعضهم: لما نفخ الوزغ نار إبراهيم ﵇ [قيل له]:
стр. 5701
ماذا عسى أن تؤثر نفختك في هذه النار العظيمة - وكانوا قد جمعوا لها الأحطاب شهرًا مع كثرة ما كانوا يجمعون حتى كانت المرأة تغزل وتشتري بغزلها حطباً، وأجَّجوا النار سبعاً - فقال الوزغ: إنما أفعل ذلك إظهارًا للعداوة.
وقد قلت في المعنى: [من الكامل]
قُولُوا لِمَنْ أَهْلَ الوِلايَةِ قَدْ سَلَخْ ... بِلِسانِهِ لَمَّا عَنِ الدِّينِ انْسَلَخْ
قَدْ قِيلَ لِلْوَزَغِ اللَّئِيمِ وَقَدْ نَفَخْ ... نارَ الْخَلِيلِ وَظَنُّهُ أَنْ قَدْ طَبَخْ
ماذا تَرَى نَفْخَ الْحَقِيرِ مُؤَثِّرًا ... قالَ: اسْكُتُوا فَاللُّؤْمُ طَبعٌ قَدْ رَسَخْ
ظَنَّ الْخَبِيثَ بِجَهْلِهِ لَمَّا طَغَى ... في فِعْلِهِ أَنَّ الْخَلِيلَ يَقُولُ: أَخْ
ما ضَرَّ أَهْلَ اللهِ كَيْدٌ إِنَّما ... مِقْدارُهُمْ عَنْ كَيْدِ كائِدِهِمْ بَذَخْ
مَن كادهمْ ما كادَ إِلاَّ نَفْسَهُ ... يا ويحَ شَخْصٍ قَلْبُهُ مِنْهُ انْمَسَخْ
وكذلك عداوة البغال لإبراهيم كما يؤخذ من أثر علي ﵁ المتقدم دالٌّ على لؤمها.
وللوزغ قبيحة أخرى:
روى البيهقي وصححه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت الأوزاغ يوم أحرق بيت المقدس تنفخ النار بأفواهها، والوطواط تطفئها بأجنحتها (١).
стр. 5702
قال ابن حجر: وحكمُهُ الرفعُ، وما كانت عائشة تأخذ عن أهل الكتاب (١).
وروى البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: لا تقتلوا الضفادع؛ فإن نقيقهنَّ تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش؛ فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب! سلطني على البحر حتى أغرقهم (٢).
هذا -وإن كان إسناده صحيحا- فإنه لا يبلغ درجة ما قبله؛ لأن ابن عمرو كان يأخذ عن الإسرائليات كما قال ابن حجر (٣).
٥٧ - ومنها: التشبه في الانطواء على الخبث بالخنفساء .
من أمثال العرب: إذا تحركت فست.
وقالوا: إذا مشت تنتنت؛ أي: جاءت بالنتن الكثير (٤).
قال الدميري: يضرب لمن انطوى على خبث؛ يقال: لا تفتشوا عما عنده؛ فإنه يؤذيكم بنتن معايبه (٥).
قلت: حدثنا بعض مشايخنا عن مفتي الروم المولى أبي السعود: أنه كان مرة يبحث مع جماعة من الأعيان، وكان فيهم واحد ليس في الفضل
стр. 5703
بذاك، وكان شديد الجرأة على المفتي والمعارضة له بالجهل، وكان يعسر على المفتي أن يرجعه إلى الحق لتلدُّده ووجاهته، فعارضه يومًا، فأجابه فلم يقنع، وبدا منه ما يدل على الجهل مرة بعد أخرى، فاحتد المفتي منه وقال: سبحان الله! الجاهل كالخنفساء كما تحرك فسا.
٥٨ - ومنها: التشبه في اللجاج بالخنفساء أيضًا؛ فإنها لجوج كما طردت عادت .
وقالوا: ألج من فاسية، وألج من الفاسياء، وهي الخنفساء، وألج من ذباب (١).
وقال خلف النحوي: [من المتقارب]
لَنا صاحِبٌ مُوْلَعٌ بِالْخِلافِ ... كَثِيرُ الْخطاءِ قَلِيلُ الصَّوابِ
أَشَدُّ لِجاجاً مِنَ الْخُنْفُساءِ ... وَأَزْهى إِذا ما مَشى مِنْ غُرابِ (٢)
وأنشده الزمخشري:
أَشَدُّ لِجاجاً مِنَ الفاسِياءِ (٣)
قلت: ولعل تمثيل المفتي أبي السعود لذلك الجاهل من هذا
стр. 5704
القبيل، وهو أقرب.
وقال في "الصحاح": وفي المثل: أفحش من فاسية؛ يعني: الخنفساء (١).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن وهب قال: قال الخضر لموسى ﵇ حين لقيه: يا موسى! انزع عن اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجيب، والزم بيتك، وابك على خطيئتك (٢).
٥٩ - ومنها: التشبه في اللؤم، وهو ضد الكرم ؛ قال في "المصباح المنير": ولؤم -بضم الهمزة- لؤماً، فهو لئيم، يقال ذلك للشحيح، والدنيء النفس، والمهين، ونحوهم (٣).
وقال الجوهري: اللئيم: المدني الأصل، الشحيح النفس (٤) - بالكلب والذئب وغيرهما.
قالوا في أمثالهم: ألأم من كلب على عرق (٥).
وقالوا: ألأم من الذئب؛ لأنه لا يتجافى عن التعرض لما يعرض له وقتًا من أوقاته، وربما عرض للإنسان ذئبان فيقبلان عليه إقبالاً
стр. 5705
واحدًا، فإذا أدمى أحدهما ترك الإنسان، وأقبل على رفيقه وأكله.
ومن أمثالهم كما ذكره القمي وغيره: ألأم من سقب ريان؛ لأنه إذا كان ريان فأدني إلى أمه، لم يدرها لأن الناقة لا يكاد قدر إلا إذا مري ضرعها الفصيل بلسانه (١).
* تَنْبِيهٌ:
صحبة اللئيم تفضي إلى الندامة، وهي أشبه شيء بصحبة الذئب للذئب؛ لأنها قد تؤول إلى التلف كما علمت.
وقد قلت: [من المجتث]
لا تُقاطِعْ كَرِيْماً ... أَوْ تُصاحِبْ لَئِيما
تَعُدْ فِي ذا وَفِي ذاكَ ... مُسْتَلِيمًا مَلِيما
يقال: ألام: إذا أتى ما يلام عليه، واستلام إلى الناس: إذا استندم.
٦٠ - ومنها: التشبه في الزهو والإعجاب بالنفس والتكبر بالطاوس، والثعلب ، والقرنبى، وهي دويبة طويلة الرجلين مثل الخنفساء، أو أعظم منها فساء.
وفي المثل: القرنبى في عين أمها حسنة (٢).
стр. 5706
ومن أمثالهم كما قال الزمخشري: أزهى من ثعلب، أزهى من ثور، أزهى من ديك، أزهى من ذباب، أزهى من طاوس، أزهى من غراب (١).
قال حسان: [من الكامل]
إِنَّ الفرافِصَةَ بْنَ الأَحْوَصِ عِنْدَهُ ... شجنٌ لأُمِّكِ مِنْ بَناتِ عُقابِ
أَجمَعْتُ أنكَ أنتَ أَلأَمُ مَنْ مَشى ... في فُحْشِ مُومِسَةٍ وَزَهْوِ غُرابِ
وقال الآخر كما تقدم: [من المتقارب]
أَشَدُّ لِجاجا مِنَ الْخُنْفُساءِ ... وَأَزْهى إِذا ما مَشى مِنْ غُرابِ
وقالوا: أخيل من ثعالة، وهو الثعلب؛ من الخيلاء، وأخيل من ثعلب في استه عهنة (٢).
قال الزمخشري: يقال: إذا علقت صوفة مصبوغة بذنب الثعلب أفرط عجباً بها، وشغل عن كل شأنه باستحسانها (٣).
واعلم أن المفتخر بالدنيا، والمتكبر بما فيها ملعوب بعقله؛ لأنها لهو ولعب كما وصفها الله تعالى في كتابه العزيز.
ويقال: الدنيا داحة، والداح كما في "الصحاح": نقش يلوح به
стр. 5707
للصبيان يعللون به (١).
فهو شبيه بالثعلب في استه عهنة من هذا القبيل، ثم يعود مآكلها ومشاربها عذرة وبول، وجميع ما فيها يبلى ويضمحل، وهي أشبه شيء بالجيفة كما سبق؛ فالمفتخر بها من هذا القبيل متشبه بالْجُعَل، ونحوه.
وروى الإِمام أحمد عن الضحاك بن سفيان ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "يَا ضَحَّاكُ! مَا طَعَامُكَ؟ ".
قال: يا رسول الله! اللحم واللبن.
قال: "ثُمَّ يَصِيْرُ إلى [ماذا؟ ].
قال: إلى ما قَدْ عَلِمْتَ.
قال: "فَإِنَّ الله تَعَالى ضَرَبَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ اِبْنِ آدَمَ مَثَلاً لِلدّنْيَا" (٢).
فإذا فعل الإنسان ما ذكرناه كان متشبهًا بالخنفساء من حيث الفسو الذي هي فيه، كما أن من يأخذ الدنيا فقد أخذ جيفة وعذرة، ولا يتأذى منها، بل يلتذ بها كما يلتذ الكلب بالجيفة، والجُعَل بالعذرة، وهو -بضم الجيم، وفتح المهملة - وجمعه جِعلان -بكسر
стр. 5708
الجيم -: دويبة لها ستة أرجل، وسنام مرتفع جداً، تمشي القهقرى، ويهتدي مع ذلك إلى وكره، وهو أكبر من الخنفساء، شديد السواد، وفي بطنه لون حمرة، للذكر منه قرنان، يوجد كثيراً في مراح البقر والجواميس، ومواضع الروث، إن دفن في الورد مات، وإذا دفن بعد ذلك في الزبل عاش كالخنفساء، ومن شأنه جمع العذرة وادخارها.
قال في "حياة الحيوان": ومن عادته أن يحرس النيام، فمن قام منهم لقضاء حاجته تبعه، وذلك من شهوته للغائط (١).
وقد ورد تمثيل المفتخرين بما كانت الجاهلية تفتخر به من الآباء والأموال، ونحو ذلك بالخنافس والجعل.
وروى ابن عدي في "الكامل" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيَدَعُ النَّاسُ فَخْرَهُمْ بِالجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَيَكُوْنُنَّ أَبْغَضَ إِلى اللهِ مِنَ الخَنَافِسِ" (٢)؛ أي: يكون الله لهم أشد بغضا لكم منكم للخنافس.
وروى أبو داود، وغيره، وحسنه الترمذي، وهو آخر حديث في "جامعه"، واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضًا، عن النبي ﷺ قال: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَام يَفْتَخِرُوْنَ بِآبَائِهِمْ إِذَا مَاتُوْا، إِنَّمَا هُمْ لَحْمُ
стр. 5709
جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُوْنُنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله مِنَ الجُعَلِ الَّذِيْ يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ الله أَذهَبَ عَنْكُمْ عِبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ بَنُوْ آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ".
وفي رواية: "أَوْ لَيَكُوْنُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الْجِعْلانِ الَّذِيْ يَدْفَعُ بِأَنْفِهِ النتَنَ" (١).
وعبية الجاهلية -بكسر العين، وفتحها، وتشديد الموحدة-: نخوتها، وكبرها.
* فائِدَةٌ:
روى الطبراني في "الأوسط"، و"الصغير"، والبيهقي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِما كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَمَرَ اللهُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلا إِنِّيْ جَعَلْتُ نَسَبًا وَجَعَلْتُمْ نَسَبًا، فَجَعَلْتُ أَكْرَمَكُمْ أتقَاكُمْ، وَأَبَيْتُمْ إِلاَّ أَنْ تَقُوْلُوْا: فُلانٌ بنُ فُلانٍ خُيْرٌ مِنْ فُلانٌ بِنِ فُلانٍ، فَاليَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبي، وَأَضَعُ نَسَبَكُم؛ أَيْنَ المُتَّقُوْنَ؟ " (٢).
٦١ - ومنها: تشبيه النَّمَّام في النميمة المفرقة بين الإخوان بالظَّرِبان -بفتح الظاء المعجمة، وكسر الراء كقَطِران -: وهو دابة
стр. 5710
صغيرة كالهر لا يطاق فسوها.
تقول العرب في أمثالها عند تفرق الجماعة: فسا بينهم الظربان (١).
وقال الجاحظ: الظربان أنتن خلق الله فسوًا، وقد جعله سلاحاً له، فلا يقربه أحد إلا أرسل عليه ما لا يطيق شمه (٢).
وفي المثل: أفسى من ظربان (٣).
والعرب تسميه مفرِّق الإبل، وتقول: إنه إذا دخل في الإبل وفسى ثلاث فسوات، تفرقت وجفلت، ولا يردها الراعي إلا بجهد شديد (٤).
وقال غيره: وخاصية هذه الدويبة أنها إذا حصلت بين جماعة تفرقوا، وكذلك النمام إذا دخل بين الجماعة فرق بينهم بنميمته.
وفي الحديث: "لا يدخلُ الجَنَّةَ قتاتٌ" (٥)؛ أي: نمام.
ومن الحكمة في ذلك: أن النمام مفرق بين المتحابين، والجنة دار اجتماع المتقين، وضم المؤمنين إلى المؤمنين، وكما أن الجماعة إذا أقبل الظربان نحوهم طردوه واتقوا منه، كذلك ينبغي إخراج النمام من بين الجماعة، فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرق بينهم ويفسد قلوب بعضهم على