← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تَابِع (١) باب التَّشَبُّه بِالمَلاَئِكَةِ عَلَيْهِم السَّلَام

стр. 597

تَابِع (١) بَابُ التَشَبُّه بِالمَلاَئِكَةِ ﵈ ومن أخلاق الملائكة ﵈: ١٤٠ - البكاء من خشية الله تعالى: روى أبو الشيخ عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد قال: نظر الله تعالى إلى جبريل وميكائيل ﵉ وهما يبكيان، فقال الله تعالى: "ما يبكيكما وقد علمتما أني لا أجور؟ " فقالا: "يا رب! إنا لا نأمن مكرك"، قال: "هكذا فافعلا؛ فإنه لا يأمن مكري إلا كلُّ خاسر" (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الرقة والبكاء" عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله ﷺ -قال: "إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةٌ تُرْعَدُ فَرائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَتِهِ، ما مِنْهُمْ مَلَكٌ يَقْطُرُ دَمْعَةً مِنْ عَيْنِهِ إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ اللهَ، قال: وَلِلَّهِ مَلائِكَةٌ سُجُوْدٌ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ لَمْ يَرْفَعُوْا رُؤُوْسَهُمْ، وَلا يَرْفَعُوْنَها إِلَىْ يَوْمِ الْقِيامَةِ، فَإِذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ تَجَلَّىْ لَهُمُ اللهُ فَنَظَرُوْا إِلَيْهِ تَبارَكَ

стр. 598

وَتَعالَىْ فَقالُوْا: سُبْحانَكَ! ما عَبَدْناكَ كَما يَنْبَغِيْ لَكَ" (١). وروى "فيه" عن زياد بن أبي حبيب قال: إن من حملة العرش من يسيل من عينيه أمثال الأنهار من البكاء، فإذا رفع رأسه قال: سبحانك! ما نخشاك حق خشيتك، قال الله : لكن الذين يحلفون باسمي كاذبين لا يعلمون ذلك (٢). وروى "فيه" عن أبي عِمْرانَ الجَوني قال: بلغنا أن جبريل ﵇ جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال له رسول الله ﷺ : "ما يُبْكِيْكَ؟ " قال: "أوما تبكي أنت يا محمد؟ ما جفت لي عين منذ خلق الله جهنم مخافة أغضبه فيلقيني فيها" (٣). وروي "فيه" عن يوسف بن يعقوب، ولقمان الحنفي قالا: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: لَمَّا عُرِجَ بِيْ وَكُنْتُ فِيْ السَّماءِ الرَّابِعَةِ سَمِعْتُ دَوِيًّا، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيْلُ! ما هَذا الدَّوِيُّ الَّذِيْ أَسْمَعُ؟ قالَ: هَذا بُكاءُ الْكُرُوْبِيِّيْنَ عَلَى أَهْلِ الذُّنُوْبِ مِنْ أُمَّتِكَ" (٤).

стр. 599

وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "ما شَهِدَ الْمَلائِكَةُ مِنْ لَهْوِكُمْ إِلاَّ الرِّهانَ وَالنِّضالَ" (١). قال الأزهري، وغيره من أئمة اللغة: النضال: يقال في المسابقة في الرمي بالسهام، ونحوها (٢). الرهان: في المسابقة على الخيل، ونحوها (٣). والسباق: يقال فيهما (٤). وإنما لم يشهدوا اللهو لأنه يلهي ويضحك، وحالهم الخوف والبكاء -كما علمت -؛ وإنما يشهدون السباق لأنه يعين على الجهاد، ولا يلزم من شهودهم إياه أن يلهوا ويضحكوا. ١٤١ - ومنها: الخضوع، والخشوع: وهو في السمع والبصر كالخضوع في البدن، وأصلهما في القلب. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه - بَلَغَ النبيَّ ﷺ قال: "إِذا قُضِيَ الأَمْرُ فِيْ السَّماءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِها خُضْعانا لِقَوْلهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوانٍ" (٥).

стр. 600

والخضعان -بكسر الحاء المعجمة -: جمع خاضع. وبضمها: المصدر. وروى عبد بن حُميد عن مَيسرة قال: حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم قد حرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها (١). قلت: فيه إشارة إلى أن الخوف على قدر القرب، فكلما كان العبد من الله أقرب كان منه أخوف، وقرب المقربين منه قرب المكانة والإكرام، لا قرب المكان؛ فَافْهَم. ١٤٢ - ومنها: التلطُّف بأهل الشَّام، وإرادة الخير لهم، ودفع السوء عنهم: وهو معنى بسط أجنحة الملائكة عليها المشار إليه في حديث زيد ابن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ يوماً ونحن عنده: "طُوْبَىْ لِلشَّامِ؛ إِنَّ مَلائِكَةَ الرَّحْمَنِ باسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهِمْ". رواه الإمام أحمد، والترمذي وصححه هو، وابن حبان، والحاكم (٢).

стр. 601

١٤٣ - ومنها: حضور مجالس العلم: وقد تقدم أن الملائكة يحفون بمجالس الذكر، ومجالس العلم أفضل مجالس الذكر، وتقدَّم أيضاً: أن الملائكة ﵈ "تضع أجنحتها لطالب العلم" (١)، وتوالي أهل العلم وتزورهم، وكل ذلك يدل على أنهم يحضرون مجالسهم. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن سيرين قال: دخلت فإذا حميد بن عبد الرحمن يذكر العلم، وإذا سعيد بن عبد الرحمن يقص في ناحية، فقلت: إلى أيهما أجلس؟ قال: فلم أقعد إلى واحد منهما، ووضعت رأسي إلى سارية فنمت، وأتاني آت في المنام، فقال لي: أَمْثَلْتَ بينهما؟ لئن شئت لأريتك مقعد جبريل ﵇ من حميد بن عبد الرحمن؛ يعني: الحميدي (٢). وقد قلت في فضل مجالس العلم، وحِلَقِهِ: [من الخفيف] حِلَقُ الْعِلْمِ كَالرِّيَاضِ الْبَدِيْعَة ... سَامِيَات عَلَى الرَّوابِي الرَّفِيْعَة حَفَّ أَمْلاكُ رَبَّتَا بِحِماهَا ... فَأَصاخَتْ إِلَى هُداها سَمِيْعة

стр. 602

فَاحْتَضِرْ فِيْ حَضارِها إِنَّ عَبْداً ... يَجْتَبِيْها لَفِي حُصُوْنٍ مَنِيْعَة كَيْفَ لا وَهْوَ فِيْ حِمَى الْمَلأِ الأَعْـ ... ـلَىْ وَهُمْ خَيْرُ رِفْقَةٍ وَطَلِيْعَة وَالَّذِيْ حادَ عَنْ حِماها وَوَلَّى ... فَهْوَ وَاللهِ هَائِمٌ بِمَضِيْعة خَائِرٌ في مَهامِهِ الْجَهْلِ يَسْعَى ... كُلَّما أَبْصَر السَّرابَ بِقِيْعة فَإِذا جاءَ لَمْ يَجِدْهُ بِشَيْءٍ ... بَلَّ مِنْ بَرْدِهِ الظَّما بِنَقِيْعَة فَالْزَمِ الْعِلْمَ تَأمَنِ التِّيْهَ وَالْحِيْـ ... ـرَةَ مَهْمَا لَزِمْتَ حُكْمَ الشَّرِيْعَة وَتَقَرَّ الْعُيُوْنُ مِنْكَ وَتَأمَنْ ... وَصْمَةَ الْبُعْدِ وَالْجَفَا وَالْقَطِيْعَة رَبِّ زِدْنِي بِمَحْضِ فَضْلِكَ عِلْماً ... أتَّخِذْهُ إِلَىْ رِضاكَ ذَرِيْعَة وَأَبحْنِيْ فَراغ قَلْبِي وَخَلِّصـ ... ـه لِمَا تَرْتَضِيْهِ مِنِّي جَمِيْعَه

стр. 603

١٤٤ - ومنها: ختم المجالس بالتسبيح والتحميد: وقد يستدل على أن ذلك من فعل الملائكة ﵈ بقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ فإن القائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هم الملائكة، أو أهل الجنة، على قولين للمفسرين. وروى البغوي في "تفسيره" عن علي رضي الله تعالى عنه: أنه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عفا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين (١). وروى ابن أبي حاتم عن الشَّعبي مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتالَ بِالْمِكْيالِ الأَوْفَىْ مِنَ الأَجْرِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَلْيَقُلْ فِيْ آخِرِ مَجْلِسِهِ حِيْنَ يُرِيْدُ أَنْ يَقُوْمَ: سُبْحانَ رَبّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفوْنَ، وَسَلامٌ عَلَىْ الْمُرْسَلِيْنَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِيْنَ" (٢).

стр. 604

فَصْلٌ فهذه جملة صالحة من أخلاق الملائكة ﵈، وأعمالهم، وهي من أخلاق الأنبياء ﵈ أيضاً، فينبغي التشبه بهم فيها؛ فإن الطمع في أخلاقهم، واللحاق بهم من شأن العُبَّاد والصَّالحين، ولولا الطمع في الالتحاق بالملائكة ﵈ ما أكل آدم وحواء ﵉ من الشجرة، كما تقدم بيان ذلك أول الباب. وقال القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]: كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما - أيضاً - ما للملائكة من الكمالات الفطرية، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة (١)، انتهى. وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان قد يترقى في كمال الذات حتى يغلب عليه عالم الروح، ويلتحق بالملائكة. قال الشيخ أبو النجيب عبد القاهر السُّهْرَوردي رضي الله تعالى

стр. 605

عنه في كتاب "آداب المريدين": وأجمعوا أن العبد ينتقل في الأحوال حتَّى يصير إلى نعت الروحانيين، فتنطوي له الأرض، ويمشي على الماء، ويغيب عن الأبصار. وقال جدي شيخ الإسلام الرضي الغزي في منظومته المسماة بِـ: "الدرر اللوامع في الأصول": [من الرجز] وَالْعَبْدُ يَنْتَقِلُ (١) بِالإِحْسانِ ... إِلَىْ صِفاتِ الْمَلَكِ الرُّوْحَانِي تُطْوَىْ لَهُ مَسَافَةُ الْبَيْداءِ ... وَيَعْتَلِيْ فِيْ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ قلت: ومن الأدلة الواضحة على ذلك تلطف جثمانية النبي ﷺ حتى كان لا يرى له في الشمس ظل (٢). روى الحكيم الترمذي عن ذكوان: أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى له ظل في شمس ولا قمر (٣). وقال ابن سبع: من خصائصه ﷺ أن ظله كان لا يقع على الأرض، وأنه كان نوراً، وكان إذا مشى في الشمس والقمر لا يظهر له ظل.

стр. 606

قال السيوطي - نقلاً عن بعضهم -: ويشهد له قوله ﷺ : "وَاجْعَلْنِيْ نوْراً" (١) (٢) قلت: الخصيصة به إنما هي عدم ظهور ظله في ضياء الشَّمس ونور القمر، وأما النورانية فقد تكون لغيره من الأنبياء والأولياء، ولقد قال الله تعالى حكاية عن صواحبات يوسف ﵇: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. روى الحاكم عن كعب الأحبار: أن يوسف ﵇ كان إذا تبسَّم رأيت النور في ضواحكه (٣). وروى أبو الشيخ عن إسحاق بن عبد الله قال: كان يوسف ﵇ إذا سار في أزقة مصر يُرَى تلألؤ وجهه على الجدران كما يرى تلألؤ الماء والشمس على الجدران (٤). وروى هو، وابن أبي حاتم، وآخرون عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان وجه يوسف ﵇ مثل البرق، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتتن به (٥).

стр. 607

يعني: لشدة حيائه وكرمه. ومن ثَمَّ قال النسوة فيه: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. قال القاضي البيضاوي في هذه الآية: كأن الجمع بين الجمال الرائق، والكمال الفائق، والعصمة البالغة من خواص الملائكة (١)، انتهى. قلت: وصدق القاضي رحمه الله تعالى؛ فلا يكون العبد ملحقاً بالجمال والحسن بالملائكة ﵈ إلا إذا كان معصوماً أو محفوظاً، والذي استقرأته في مدة عمري - ولا أعتقد إلا أنه سنة من سنن الله تعالى جارية - أنه ما من جمال حفظه صاحبه، وصانه بالتقوى إلا ازداد بهاؤه وضياؤه كما طعن صاحبه في السن، وما من جمال عرضه صاحبه للتهم فامتهنه الفساق بأبصارهم (٢)، وانتهكه الشعراء بأشعارهم (٣) إلا عاد قبحاً وإجراماً في الْكِبَر. وقد شاهدت جماعة من أولياء الله تعالى - في سن الشيخوخة؛ بحيث لو كان غيرهم لأدركه الهرم - يتلألأ في وجوههم أنوار التقوى

стр. 608

والصيانة، وكمال الخلقة والخليقة حتى لا تكاد الأبصار تروى من النظر إلى جمالهم؛ منهم شيخ الإسلام الوالد رضي الله تعالى عنه، ولم تر عيناي مثله جلالاً وجمالاً في عالم الحسن، ولعلي لا أنفرد بهذا الاعتقاد عن سائر من شاهد الشيخ رضي الله تعالى عنه، ولقد كان بالصفة التي ذكرها رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ آتاهُ اللهُ وَجْهاً حَسَناً، وَاسْماً حَسَناً، وَجَعَلَهُ اللهُ فِيْ مَوْضعٍ غَيْرِ شائِنٍ، فَهُوَ مِنْ صَفْوَةِ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ". قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال الشاعر: [من الخفيف] (١) أَنْتَ شَرَطُ النَّبِيِّ إِذْ قالَ يَوْماً ... اطْلُبُوْا الْخَيْرَ مِنْ حِسَانِ الْوُجُوْهِ وروى أبو نعيم في "الحلية" عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: من كان ذا صورة حسنة في موضع لا يشينه، ووسع عليه

стр. 609

رزقه، ثم تواضع لله، كان من خالصة الله (١). وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني في معناه: [من السريع] مَنْ كانَ ذَا حُسْنٍ وَذا حَسَبٍ ... زَاكٍ وَوُسِّعَ رِزْقُهُ وَغَدَا مُتَوَاضِعاً لِلَّهِ فَهُوَ إِذَنْ ... مِنْ خَالِصِ الرَّبِّ الرَّحِيْمِ غَدَا وقلت في ذلك: [من البسيط] مَنْ وَسَّعَ اللهُ فِيْ أَرْزاقِهِ وَلَهُ ... فِيْ غَيْرِ مَوْضعِ شَيْنٍ صُوْرَةٌ حَسَنَة وَقَدْ تَوَاضَعَ فَهْوَ مِنْ خُلاصَةِ خَلـ ... ـقِ اللهِ حَيْثُ تَرَاهُ جاءَ بِالْحَسَنَة وقد صار في غاية القلة مَنِ اتصفَ بهذه الخلة، بل يكاد أن يكون معدوماً مَنْ كان بهذه الصفة موسوماً. ومنذ زمان ومدد قال الحارث بن أسد - وقد روى عنه هذه المقالة

стр. 610

جماعة؛ منهم القشيري في "الرسالة" -: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء (١). ومن الأدلة على أن المرء قد يترقى في الصفاء والنورانية بالتقوى حتى يلتحق بالملائكة: ما رواه الترمذي، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة (٢) ﵁، عن النبي ﷺ قال: "رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أِبيْ طالِب مَلَكاً يَطِيْرُ فِيْ الْجَنَّةِ بِجَناحَيْنِ" (٣). وروى الطبراني بسندين - أحدهما حسن - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِيْ طالبٍ ﷺ مَلَكاً يَطِيْرُ فِيْ الْجَنَّةِ ذَا جَناحَيْنِ، يَطِيْرُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ مَقْصُوْصَةً قَوادِمُهُ بِالدِّماءِ" (٤).

стр. 611

وفي هذا الباب أحاديث أخر. وما أخبر به ﷺ عن جعفر - وإن كان ذلك بعد موته، وهو رضي الله تعالى عنه في البرزخ - فإن حال العبد في البرزخ مرتبةٌ على حاله في الدُّنيا، وقد كان جعفر في حياته كأنه ملك كريم، ولذلك أثَّرَتْ قراءته لسورة مريم بين يدي النجاشي في النجاشي، ومن عنده من الأساقفة والقسيسين حتى فاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق (١) - وإن كان القرآن في نفسه كافياً في تأثير القلوب التي سبقت لها السعادة - فإن صدق المؤدي وتقواه مما يزيد في تأثيرها، ورُبَّ قاسي قلب لا يتأثر من سماع القرآن عمره حتى إذا سمعه من صادق تقيٍّ دُكَّتْ جبالُ نفسه وهواه لما تجلى في قلبه من كلام مولاه، فلعل جعفراً رضي الله تعالى عنه كان يشاهده الصادقون كما شاهد النسوة يوسف ﵇؛ فإنَّ من كان في مثل هذه الحالة لا يخفى في الغالب عن بصائر الصَّادقين. كما روى أبو نعيم في "الحلية" عن كثير بن الوليد قال: كنت إذا رأيت ابن شَوذب ذكرت الملائكة ﵈ (٢). وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن الإمام أبي الفتح ناصر بن الحسين العمري قال: لم يكن في زمان أبي بكر القفال أفقه منه،

стр. 612

ولا يكون بعده مثله، وكنا نقول: إنه ملك في سورة إنسان (١). وفي قوله: ولا يكون بعده مثله، نظر. وقد يكون للمؤمن حالة يلتحق فيها بالملائكة ﵈ كان لم يكن معصوماً ولا محفوظاً، وهي حالة الضعف والافتقار إلى الله تعالى من مرض أو فقر أو جوع أو غلبة عدو أو انقطاع بمضيعة؛ فإنه حينئذ يرق قلبه، ويقرب من ربه ما لا يتفق له في حال القوة والاستغناء باعتبار ما يتوكله العبد - وإن كان افتقاره لازماً باعتبار الحقيقة - ولذلك كانت دعوة المسافر والصائم والمريض والمضطر مستجابة كما نطق بذلك الأحاديث الشريفة. وروى ابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا دَخَلْتَ عَلَىْ مَرِيْضٍ فَمُرْهُ يَدْعُوْ لَكَ؛ فَإِنَّ دُعاءَهُ كَدُعاءِ الْمَلائِكَة" (٢).

стр. 613

فَصْلٌ وحيث ثبت أن العبد يجوز أن يلتحق بالملائكة في كثير من صفاتهم لترَقِّيْهِ في الإيمان والإحسان، فلا بِدْعَ حينئذٍ أن يشاهد في هذه الحالة جواهر الملائكة وأرواح الأنبياء ﵈ وقد نص على هذه المسألة حجة الإسلام في كتاب "الأربعين في أصول الدين"، فقال رضي الله تعالى عنه - بعد أن ذكر لباب الذكر، وهو أن يستمكن المذكور من القلب ويمحى الذكر ويخفى -؛ قال: وذلك بأن لا يلتفت القلب إلى الذكر، ولا إلى القلب، بل يستغرق المذكور جملته، ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر فذلك حجاب شاغل، قال: فهذه الحالة التي يعبر عنها العارفون بالفناء، وبسط رضي الله تعالى عنه في تقرير حال الفناء. ثم قال: فإذا فهمت الفناء في المذكور، فاعلم أنه أول الطريق، وهو الذهاب إلى الله تعالى، وإنما الهدي بعدُ؛ أعني بالهدي: هدي الله، كما قال الخليل ﵇: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]؛ فأول الأمر ذهاب إلى الله تعالى، ثم ذهاب

стр. 614

في الله، وذلك هو الفناء والاستغراق به. قال: لكن هذا الاستغراق أولاً يكون كبرق خاطف قلما يثبت ويدوم، فإذا دام ذلك وصارت عادة راسخة، وهيئة ثابتة يخرج به إلى العالم الأعلى، وطالع الوجود الحقيقي، وانطبع فيه نقش الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت. قال: وأول ما يتمثل له من ذلك العالم جواهر الملائكة، وأرواح الأنبياء، والأولياء في سورة جميلة تفيض إليه بواسطتها بعض الحقائق، وذلك في البداية إلى أن تعلو درجته عن المثال، ويكافح بصرائح الحق في كل شيء (١). انتهى. قال شيخ الإسلام الجد في "ألفيته في التصوف" في معنى ذلك: [من الرجز] الذِّكْرُ أَنْ تَغِيْبَ فِيْ الْوُجُوْدِ ... عَنْكَ وَتَنْدَرِجَ فِيْ الشُّهُوْدِ فَلا تُحِسُّ بِجَمِيْع الْخَلْق ... وَذَاكَ فِيْ التَّحْقِيْقِ حَقُّ الْحَقِّ هَذَا هُدَى اللهِ إِلَيْهِ فَاهْتَدُوْا ... وَلا تَضِلُّوْا عَنْ هُدَاهُ تُلْحِدُوْا

стр. 615

مَنْ غابَ فِيْ ذِيْ الْحَضْرَةِ الْمُبَارَكَة ... رَأَىْ بِهَا جَواهِرَ الْمَلائِكَة مُشاهِداً أَرْواحَ الأنْبِياءِ ... مُخالِطاً فِيْها لِلأوْلِيَاءِ وهذا لا شبهة فيه؛ أعني: مشاهدة بعض صلحاء البشر غير الأنبياء لبعض الملائكة كما شاهدت مريم ﵍ منهم جبريل ﵈ وقد تمثل لها بشراً سوياً، وقال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]. وقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة تشهد لجواز رؤية البشر للملائكة كما جازت رؤية الصحابة لجبريل في سورة دحية الكلبي (١) - وقد تقدم بعضها -، وأحاديث رؤيتهم الملائكة في غزاة بدر (٢)، وغيرها، وحديث عمر رضي الله تعالى عنه المتقدم في صدر الباب في مجيء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ، وسؤاله إياه عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وقوله ﷺ : "هَذا جِبْرِيْلُ أَتاكُمْ يُعَلّمُكُمْ دِيْنَكُمْ" (٣).

стр. 616

وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ المروي في "صحيح مسلم" عن رسول الله ﷺ : أَنَّ رَجُلاً زارَ أَخاهُ فِيْ قَرْيَةٍ فَأَرْصَدَ اللهُ عَلَىْ مَدْرَجَتِهِ - أَيْ: طَرِيْقِهِ - مَلَكاً، فَلَمَّا أتَىْ إِلَيْهِ قالَ: "أَيْنَ تُرِيْدُ؟ " لا قالَ: "أُرِيْدُ أَخاً لِيْ فِيْ هَذهِ الْقَرْيَةِ"، قالَ: "هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّها؟ " قالَ: "لا، غَيْرَ أَني أَحْبَبْتُهُ لِلَّهِ تَعالَىْ"، قالَ: "فَإِنِّي رَسُوْلُ اللهِ إِلَيْكَ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَما أَحْبَبْتَهُ فِيْهِ" (١). قال النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": وفي هذا الحديث فضل المحبة في الله، وأنها سبب لحب الله تعالى العبدَ، وفيه فضيلة زيارة الصَّالحين، والأصحاب، وفيه أن الآدميين قد يرون الملائكة (٢)، انتهى. وقد ذكرت لهذه المسألة أدلة أخر في كتاب "منبر التوحيد" الذي شرحت فيه "ألفية الجد" رحمه الله تعالى. ثم إذا قلنا بجواز رؤية الملائكة لبعض البشر، فهل يتفق لهم رؤيتهم على أصل خلقتهم، أم متمثلين بصور تليق بحال الرائي؟ لا مانع من رؤية الملائكة على أصل خِلقتهم؛ لأن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇ على أصل خلقته مرتين، وما جاز أن يكون

стр. 617

معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي (١). ومنع بعض العلماء من رؤية جبريل ﵇ على أصل خلقته إلا للنبي ﷺ ، وقال: إنها من خصائصه. قلت: وقد يستأنس للأول بما رواه البيهقي، وغيره عن عمار رضي الله تعالى عنه: أن حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله! أرني جبريل في صورته، قال: "اقْعُدْ"، فنزل جبريل ﵇ على خشبة كانت في الكعبة، فقال النبي ﷺ : "ارْفَعْ طَرْفَكَ فَانْظُر"، فرفع رأسه، فرأى قدميه مثل الزمرُّد الأخضر (٢).

стр. 618

ولكن الغالب أن تتمثل الملائكة للصالحين في سورة مأنوسة لهم للمجانسة. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقد تقدم حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان الملك يتصور في سورة من يعرفون من الناس يثبتونهم؛ يعني: في غزاة بدر (١). * فائِدةٌ: روى الدينوري في "مجالسته"، والثعلبي في "تفسيره" عن محمد ابن جبير بن سليم، عن أبيه ﵁ قال: لم يسمع أحد بالوحي يلقى على رسول الله ﷺ إلا أبو بكر الصديق ﵁، فإنه أتى النبي ﷺ فوجده يوحى إليه، فسمع: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] (٢). قلت: ولِبنتِ الصديق عائشة ﵂ خصوصية قريبة من هذه الخصوصية التي لأبيها؛ فقد روى البخاري، والترمذي [عن عائشة]، والنسائي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "يا أُمَّ سَلَمَةَ! لا تُؤْذِيْنيْ فِيْ عائِشَةَ؛ فَإِنَّهُ - وَاللهِ - ما نزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنا فِيْ لِحافِ امْرَأةٍ منْكُنَّ غَيْرِها" (٣).

стр. 619

* فائِدةٌ أُخْرَىْ: ملازمة الطهارة، والذكر، والإنابة إلى الله تعالى توجب دوام صحبة الملائكة ﵈ ومحافظتهم على العبد، وطرد الشياطين عنه لما علمت من إحفاف الملائكة بالذاكرين، ولقوله ﷺ : "طَهِّرُوْا هَذهِ الأَجْسادَ طَهَّرَكُمُ اللهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَبِيْتُ طاهِراً إِلاَّ باتَ مَعَهُ فِيْ شِعارِهِ مَلَكٌ لا يَتَقَلَّبُ ساعَةً مِنْ لَيْل إِلاَّ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فَإِنَّهُ باتَ طاهِراً". رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١). وروى الحاكم، ومسلمٌ عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا أَوَىْ الرَّجُلُ إِلَىْ فِراشِهِ ابْتدَرَهُ مَلَكٌ وَشَيْطانٌ فَيَقُوْلُ الْمَلَكُ: أخْتِمْ بِخَيْرٍ، وَيَقُوْلُ الشَّيْطانُ: اخْتِمْ بِشَرٍّ، فَإِنْ ذَكَرَ اللهَ ثُمَّ نامَ باتَ الْمَلَكُ يَكْلَؤُهُ، وإِذا اسْتَيْقَظَ قالَ الْمَلَكُ: افْتَحْ بِخَيْرٍ، وَقالَ الشَّيْطانُ: افْتَحْ بِشَرٍّ، فَإِنْ قالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ رَدَّ عَلَيَّ نَفْسِي، وَلَمْ يُمِتْها فِيْ مَنامِها، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١] إِلَىْ آخِرِ الآيَةِ، الْحَمدُ لِلَّهِ الَّذِيْ ﴿يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، فَإِنْ وَقَعَ عَنْ سَرِيرهِ، وَماتَ دَخَلَ الْجَنّةَ" (٢).

стр. 620

وروى الإمام أحمد - بسند رجاله رجال الصَّحيح - عن شَدَّاد بن أَوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما مِنْ رَجُلٍ يَأْوِيْ إِلَىْ فِراشِهِ فَيَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتابِ اللهِ تَعالَىْ، إِلاَّ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً يَحْفَظُهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيْهِ حَتَّىْ يَهُبَّ مَتَىْ هَبَّ (١) " (٢). وفي "الصحيح (٣) " عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام، فذكر الحديث وفيه قوله لأبي هريرة: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ لم يزل معك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتَّى تصبح"، فقال النَّبيُّ ﷺ : "صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوْبٌ، ذاكَ شَيْطانٌ" (٤). قوله: "حافظ"؛ أي: مَلَكٌ يحفظك. وروى الطبراني بسند حسن، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى

стр. 621

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ راكِبٍ يَخْلُوْ فِيْ مَسِيْرِهِ بِاللهِ وَذِكْرهِ إِلاَّ رَدِفَهُ مَلَكٌ، وَلا يَخْلُوْ بِشِعْرٍ وَنَحْوِهِ إِلاَّ رَدِفَهُ شَيْطانٌ" (١). * مَسْألةٌ: هل تجوز المعصية على الملائكة ﵈ أم لا؟ قال القرطبي: أما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة، وأن يوجد فيهم خلاف ما كلفوه، وأن تخلق فيهم الشَّهوات؛ إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم. قال: ووقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسَّمع، ولم يصح (٢). انتهى. ذكر هذا في تفسير سورة البقرة بعد أن قطع بضعف ما روي عن عليٍّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبَّاس ﵄: أنه لما أكثر الفساد من أولاد آدم - وذلك في زمن إدريس ﵇ عيرتهم الملائكة، فقال الله تعالى: "أما إنكم لو كنتم مكانهم وركَّبت فيكم ما ركَّبت فيهم - يعني: الشهوة - لعملتم مثل أعمالهم"، فقالوا: "سبحانك ما كان ينبغي لنا ذلك"، قال: "فاختاروا ملكين من خياركم"، فاختاروا هاروت وماروت، فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض، فركَّب فيهما الشهوة، فما مرَّ بهم شهر حتى فتنا بامرأة اسمها الزُّهرة اختصمت إليهما، فراوداها عن نفسها، فأبت إلا أن يدخلا في دينها، ويشربا الخمر، ويقتلا النفس التي

стр. 622

حرم الله، فأجاباها، وشربا الخمر، وقتلا، وألمَّا بها، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السَّماء، فعلماها، فتكلمت به، فعرجت، فمسخت كوكباً (١). وقال سالم بن عبد الله: فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتَّى عملا ما حرم الله عليهما (٢). وفي غير هذا الحديث: فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدُّنيا، فهما يعذبان ببابل في سِرب من الأرض (٣). وقيل: علقا مُنكَّسين، وليس بينهما وبين الماء إلا قدر شبر، وهما يلهثان من العطش. وكان ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما فيما يرويه عطاء - إذا رأى الزهرة وسُهيلاً سبَّهما وشتَمَهما، ويقول: إن سهيلاً كان عشاراً باليمن،

стр. 623

وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت (١). قلت: نص شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر العسقلاني على ثبوت هذه القصة لأنها رويت من طرق متعددة مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وموقوفة على من تقدم ذكرهم من الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم (٢).

стр. 624

وممن خرجها الإمام أحمد، وابن حبان، والبيهقي، وغيرهم (١). وقال شيخ الإسلام والدي في "تفسيره" بعد أن قطع بصحة ذلك، ونقله عن ابن حجر: [من الرجز] وَصَحَّ تَعْذِيْبُهُمَا بِبَابِلْ ... مُنَكَّسَانِ الآنَ بِالسَّلاسِلْ وَهُوَ اخْتِيَارٌ لِعَذَابِ الدُّنْيَا ... عَلَىْ الْعَذَابِ بِدِيَارِ الْبُقْيَا وحيث صح أنهما يعذبان، فهو شاهد للحديث الشاهد بوقوع المعصية منهما، وهذه المعاصي التي صدرت منهما حكمها كبائر، بل من أكبر الكبائر، وإذا جاز وقوع الكبائر منهم، فوقوع (٢) الصغائر من باب أولى (٣).

стр. 625

ولا يعارض هذا قوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]؛ فإنا نقول هذا باعتبار ما جُبِلت عليه الملائكة من الطَّاعة وعدم المعصية لخلولهم عن الشهوة، ثم دَرَجَ على هذا غالبُهم، كما جبلت بنو آدم على المعصية لتركيب الشهوة فيهم، وعليها درج غالبهم، كما قال النَّبيُّ ﷺ : "كُلُّ بَنِيْ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِيْنَ التَّوَّابُوْنَ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم وصححاه، من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (١). ثم كون الملائكة ﵈ مجبولين على الطاعة، وعدم المعصية لا يمنع وقوع المعصية منهم على وجه الندور والقلة، كما أن كون بني آدم مجبولين على الخطأ لا يمنع حصول العصمة لبعضهم كما هي للأنبياء ﵈، وإنما جاز وقوع المعصية من الملائكة ﵈ لتظهر الحكمة الإلهية، والسطوة العظموتية، ويتمحض الكمال لله تعالى، ويبدو عذر بني آدم في عصيانهم من حيث تركيب

стр. 626

الشهوة فيهم، ويعلم فضلهم إذا عصوا وأطاعوا، بل لا مانع من حصول الزلة من خواص الملائكة، ولو أن تكون بخلاف الأولى؛ فإن ذلك زلة بالنسبة إلى مقامهم. وقد صدر ذلك منهم حيث قال الله تعالى لهم ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فأدَّبهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، أي: من أن خلق آدم وذريته - وإن كان منهم العاصي والمفسد - أليق بالحكمة لتظهر مظاهر الأسماء الإلهية كالحليم، والستار، والعَفُوِّ، والغفور، والرحيم، والحَكَم، والعدل، والمقسط، والمنتقم، والكبير، والعظيم، ونحوها إلى غير ذلك من الأسرار الإلهية المستودعة في خلق الإنسان الذي به، وفيه لتظهر هذه المظاهر الإلهية، ولذلك أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لأبي البشر بعد أن علمه ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣]، أي: وأعلم ما كنتم تكتمون من أنكم معصومون، وكيف يخلق مع وجودنا في السماوات والأرض ونحن بهذه الصفة من يعصي الله، ويفسد، ويسفك الدماء، ففي ذلك تعريض بمعاتبتهم، كما قال شيخ الإسلام

стр. 627

والدي في "تفسيره": [من الرجز] مُعَرِّضاً فِيْ ذاكَ بِالْعِتابِ ... لَهُمْ عَلَىْ شَيْءٍ مِنَ الآدابِ بِهِ أَخَلُّوا وَهْو أَنْ يَرْتَقِبُوا ... ظُهُوْر حِكْمَةٍ إِلَيْهِ تُنْسَسبُ فِي خَلْقِهِ وَأنَّهُ حَكِيْمُ ... وَهْو بِكُلِّ خَلْقِهِ عَلِيْمُ وما كان قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى آخره، اعتراضاً على الذات العليَّة، ولا انحرافاً عن الاستحسان لأفعالها المرضية، ولكن كان على سبيل الاستفسار والاستخبار عن وجه الحكمة في خَلْقِ خَلْقٍ خطائين مع وجود خَلْقٍ معصومين، وكان اللائق بمقامهم - لأنهم مقربون - أن لا يستفسروا عن وجه الحكمة أيضاً، بل يصمتوا حتى يفيض الله تعالى عليهم من علم وجه الحكمة ما قسمه لهم؛ فإن هذا خلق الحكماء. كما روى الحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن لقمان كان عند داود ﵉ وهو يسرد الدِّرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان يتعجب، ويريد أن يسأله، ويمنعه حكمه أن يسأله، فلما فرغ منها عرضها على نفسه، فقال: نِعْمَ درع الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت من الحكمة، وقليلٌ فاعله؛ كنت أردت أن أسألك، فسكت حتى لقنتني (١).

стр. 628

وقيل: إن لقمان كان يتردد سنة وهو يريد أن يعلم ذلك، ولم يسأل حتَّى قال داود ما قاله (١). ولو وقع الاستفسار المذكور من غير الملائكة ممن هو دون مقامهم لم يكن محسوباً عليه بزلة؛ إذ لم يُعَدَّ ذلك زلة عليهم إلا من حيث إنهم عباد مكرمون، ولذلك أدبوا عليه، وعوتبوا، ولو وقعت من أحدهم زلة أعظم منها لزاد الله تعالى في عقوبته فوق ما يعاقب به من دونهم على تلك الزلة، ألا ترى إلى تعذيب الملكين ببابل هاروت وماروت إما بحبسهما في سِرب تحت الأرض، واما بتعليقهما منكسين ليس بينهما ويين الماء إلا قريب من شبر وهما يلهثان عطشاً عذابا دائماً إلى يوم القيامة؟ ! وكان يكفي في عقوبة غيرهما على الشرب والزنا مع عدم الإحصان الجلدُ وحده في الأول، ومع التغريب في الثاني، وعلى قتل النفس القتلُ، ولا شك أن التألم به ينقضي بسرعة، بخلاف هذا العذاب الشديد الدائم إلى يوم الوعيد، فدل ذلك على أن الذنب كلما كان صاحبه مقرباً عند الله تعالى كان عظيماً، وكان عقابه شديداً، ولذلك اشتدت عقوبة العلماء إذا لم يعملوا بعلمهم حتى قال رسول الله ﷺ : "ويلُ لِمَنْ لا يَعْلَمُ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَعَلَّمَهُ، وَويلٌ لِمَنْ يَعْلَمُ وَلا يَعْمَلُ؛ سَبع مِنَ الْوَيْلِ". رواه سعيد بن منصور في "سننه" عن جَبَلَة بن سُحيم مرسلاً (٢).

стр. 629

وأنشدوا: [من الكامل] لا يَحْقِرِ الرَّجُلُ الشَّرِيْفُ جَرِيْرةً ... فِيْ مِثْلِها كَمْ لِلْحَقِيْرِ مَعاذِرُ فَصَغائِرُ الرَّجُلِ الْكَبِيْرِ كَبائِرٌ ... وَكَبائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيْرِ صَغائِرُ (١)

стр. 630

فَصْلٌ روى أبو نعيم في "دلائل النبوة" عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال ورقة - يعني: ابن نوفل رضي الله تعالى عنه - لما ذكرت له خديجة رضي الله تعالى عنها: أنه ﷺ ذكر لها جبريل ﵇: سُبُّوْح سُبُّوْحٌ، وما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي يعبد فيها الأوثان، جبريل أمين الله بينه وبين رسله، اذهبي إلى المكان الذي رأى فيه ما رأى، فإذا رآه فتحسري، فإن يكن من عند الله لا يراه، ففعلت، فلما تحسرت تغيب جبريل فلم يره، فرجعت، فأخبرت ورقة، فقال: إنه ليأتيه الناموس الأكبر (١). الحديث فيه دليل على أن جبريل ﵇ تغيب من خديجة حياءً، وصيانة لخديجة، وإجلالاً لها، وقد سبق أن من صفة الملائكة الحياء، حتى إنهم لا يحضرون العبد عند حاجته، وجِمَاعِهِ. وليس فيه دليل على وجوب الغض على الملائكة؛ لأن الفتنة

стр. 631

التي تخشى في النظر إلى الأجنبية مأمونة في الملائكة، ومن ثَمَّ حضرت رسل إبراهيم ﵇ على سارة ﵂ وخلا جبريل بمريم ﵉ حين تمثل لها بشراً سوياً وهي في عزلتها عن أهلها. وقيل: كانت تغتسل في شرفتها فتمثل لها (١). وليس لأحد من البشر أن يتشبه بالملائكة في مثل ذلك؛ لأن الفتنة في البشر غير مأمونة حتى قال يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣]. قال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني: جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]؛ يعني: معتدلاً شاباً أبيض الوجه، جَعْداً، قططا حين اخضر شاربه، فلما نظرت إليه قائماً بين يديها: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]؛ يعني: إن كنت تخاف الله. رواه ابن عساكر، وغيره (٢). قال في "الكشاف": وإنما مثل لها في سورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت، ولم تقدر على استماع كلامه.

стр. 632

قال: ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثله على تلك الصفة ابتلاءً لها، وسبراً لعفتها (١)، انتهى. وقال القاضي: أتاها جبريل ﵇ في سورة غلام (٢) أمرد سويِّ الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها (٣). انتهى. ويدل له ما رواه ابن عساكر عن ابن عبَّاس قال: فدنا جبريل، فنفخ في جيبها، فوصلت النفخة جوفها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة، ووضعته كما تضع النساء (٤). وفيه دليل على أن عيسى ﵇ مخلوق من نطفة أمه، وكان بدو جبريل لمريم ونفخه في جيبها بأمر الله تعالى لتظهر هذه الآية العظيمة، والحكمة البالغة، ويظهر أن مريم في أعلى طبقات العفة كما أمر الله تعالى رسل إبراهيم ﵈ أن يظهروا لقوم لوط في صور بشر مرد حسان ليكونوا شهداء عليهم بالعزم على الفاحشة، وكانوا أربعة على عدد الشهود الذين يثبت بهم الزنا واللواط.

стр. 633

روى ابن أبي حاتم عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورفائيل (١). وروى ابن أبي حاتم أيضاً، عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ النَّاسَ كانُوْا أَنْذَرُوْا قَوْمَ لُوْطٍ، فَجاءَتْهُمُ الْمَلائِكَةُ عَشِيَّةً، فَمَرُّوْا بنادِيْهِمْ، فَقالَ قَوْمُ لُوْطٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا تُنَفِّرُوْهُمْ - وَلَمْ يَرَوْا قَوْماً قَطُّ أَحْسَنَ مِنَ الْمَلائِكَةِ - فَلَمَّا دَخَلُوْا عَلَىْ لُوْطٍ ﵇ رَاوَدُوْهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّىْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتِهِ، فَأَبَوْا، فَقالَتِ الْمَلائِكَةُ ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، قالَ: رُسُلُ رَبِّيْ؟ قالُوْا: نعَمْ، قالَ لُوْطٌ: فَالآنَ إِذَنْ" (٢). أي: فالآن لا أخاف عليكم من قومي؛ اطمأن عليهم حين علم أنهم ملائكة يمتنعون من قومه. ولو أن بشراً لهم جمالهم وحسنهم لم يكن لهم أن يخالطوا قوم لوط وهم يعلمون أنهم كانوا يأخذون الغرباء قهراً، وينكحونهم جبراً - كما ذكر عنهم في الأثر - (٣) بل ربما جرى من الملائكة ما لا يجوز لأحد من البشر أن يتشبه بهم فيه؛ لأنهم إنما فعلوا

стр. 634

ذلك بأمر من يملك البرية، وهم عباده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. كما روي: أن ملكين التقيا في السماء - أحدهما صاعد، والآخر هابط - فقال: الهابط للصاعد: أين كنت؟ قال: في الأرض، قال: لماذا بعثت؟ قال: لأسوق حوتا من قرار البحر إلى مدينة كذا ليأكله فلان الكافر، قال: وأنت أين تذهب؟ قال: بعثت لأهريق زيتاً اشتراه فلان العابد بدانق (١). فلو أراد أحد من البشر أن يتشبه بهذين الملكين، لم يجز له؛ لأن فعلهما دائر في أفعال البشر بين إعانة لعاص، وإضرار ببارِّ، وإنما أمر به الملكان إملاءً للأول، وابتلاءً للثاني. ومن هذا الفن تعليم الملكين الناسَ السحرَ ببابل امتحاناً، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وروى عبد بن حُميد عن أبي مِجْلَز في قوله تعالى: ﴿إلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، قال: إن إسرائيل هو يعقوب ﵇، وكان رجلاً بطيشاً، فلقي ملكاً، فعالجه، فصرعه الملك، ثم

стр. 635

ضرب فخذه، فلمَّا رأى يعقوب ما صنع به بطش به، فقال: ما أنا بتاركك حتى تسمينَي اسماً، فسماه إسرائيل، فلم يزل يوجعه ذلك العِرْق حتى حَرَّمَهُ من كل دابة (١). فانظر كيف بعث الله هذا الملك فصرع يعقوب حتى أوجعه عِرقُ النَّسَا، فحرم بسببه كل عرق، ثم كان في تحريمه ابتلاء لبني إسرائيل من بعده، ومثل ذلك لا يتأتى فيه التشبه بالملك. وكذلك بعث الله الملكين في سورة الخصوم إلى داود ﵇ لامتحانه. قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢١، ٢٢] الآية. روى ابن جرير، عن ابن عبَّاس: أن الملك لما قال لداود: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، قال له داود: كنت أحوج إلى نعجتك منه، ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، ونسي نفسه ﷺ ، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر، فرآه داود، فظن أنما فتن، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة
следующие страницы →