ومن أمثالهم كما قال الزمخشري: أزهى من ثعلب، أزهى من ثور، أزهى من ديك، أزهى من ذباب، أزهى من طاوس، أزهى من غراب (١).
قال حسان: [من الكامل]
إِنَّ الفرافِصَةَ بْنَ الأَحْوَصِ عِنْدَهُ ... شجنٌ لأُمِّكِ مِنْ بَناتِ عُقابِ
أَجمَعْتُ أنكَ أنتَ أَلأَمُ مَنْ مَشى ... في فُحْشِ مُومِسَةٍ وَزَهْوِ غُرابِ
وقال الآخر كما تقدم: [من المتقارب]
أَشَدُّ لِجاجا مِنَ الْخُنْفُساءِ ... وَأَزْهى إِذا ما مَشى مِنْ غُرابِ
وقالوا: أخيل من ثعالة، وهو الثعلب؛ من الخيلاء، وأخيل من ثعلب في استه عهنة (٢).
قال الزمخشري: يقال: إذا علقت صوفة مصبوغة بذنب الثعلب أفرط عجباً بها، وشغل عن كل شأنه باستحسانها (٣).
واعلم أن المفتخر بالدنيا، والمتكبر بما فيها ملعوب بعقله؛ لأنها لهو ولعب كما وصفها الله تعالى في كتابه العزيز.
ويقال: الدنيا داحة، والداح كما في "الصحاح": نقش يلوح به
стр. 5707
للصبيان يعللون به (١).
فهو شبيه بالثعلب في استه عهنة من هذا القبيل، ثم يعود مآكلها ومشاربها عذرة وبول، وجميع ما فيها يبلى ويضمحل، وهي أشبه شيء بالجيفة كما سبق؛ فالمفتخر بها من هذا القبيل متشبه بالْجُعَل، ونحوه.
وروى الإِمام أحمد عن الضحاك بن سفيان ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "يَا ضَحَّاكُ! مَا طَعَامُكَ؟ ".
قال: يا رسول الله! اللحم واللبن.
قال: "ثُمَّ يَصِيْرُ إلى [ماذا؟ ].
قال: إلى ما قَدْ عَلِمْتَ.
قال: "فَإِنَّ الله تَعَالى ضَرَبَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ اِبْنِ آدَمَ مَثَلاً لِلدّنْيَا" (٢).
فإذا فعل الإنسان ما ذكرناه كان متشبهًا بالخنفساء من حيث الفسو الذي هي فيه، كما أن من يأخذ الدنيا فقد أخذ جيفة وعذرة، ولا يتأذى منها، بل يلتذ بها كما يلتذ الكلب بالجيفة، والجُعَل بالعذرة، وهو -بضم الجيم، وفتح المهملة - وجمعه جِعلان -بكسر
стр. 5708
الجيم -: دويبة لها ستة أرجل، وسنام مرتفع جداً، تمشي القهقرى، ويهتدي مع ذلك إلى وكره، وهو أكبر من الخنفساء، شديد السواد، وفي بطنه لون حمرة، للذكر منه قرنان، يوجد كثيراً في مراح البقر والجواميس، ومواضع الروث، إن دفن في الورد مات، وإذا دفن بعد ذلك في الزبل عاش كالخنفساء، ومن شأنه جمع العذرة وادخارها.
قال في "حياة الحيوان": ومن عادته أن يحرس النيام، فمن قام منهم لقضاء حاجته تبعه، وذلك من شهوته للغائط (١).
وقد ورد تمثيل المفتخرين بما كانت الجاهلية تفتخر به من الآباء والأموال، ونحو ذلك بالخنافس والجعل.
وروى ابن عدي في "الكامل" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيَدَعُ النَّاسُ فَخْرَهُمْ بِالجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَيَكُوْنُنَّ أَبْغَضَ إِلى اللهِ مِنَ الخَنَافِسِ" (٢)؛ أي: يكون الله لهم أشد بغضا لكم منكم للخنافس.
وروى أبو داود، وغيره، وحسنه الترمذي، وهو آخر حديث في "جامعه"، واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضًا، عن النبي ﷺ قال: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَام يَفْتَخِرُوْنَ بِآبَائِهِمْ إِذَا مَاتُوْا، إِنَّمَا هُمْ لَحْمُ
стр. 5709
جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُوْنُنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله مِنَ الجُعَلِ الَّذِيْ يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ الله أَذهَبَ عَنْكُمْ عِبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ بَنُوْ آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ".
وفي رواية: "أَوْ لَيَكُوْنُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الْجِعْلانِ الَّذِيْ يَدْفَعُ بِأَنْفِهِ النتَنَ" (١).
وعبية الجاهلية -بكسر العين، وفتحها، وتشديد الموحدة-: نخوتها، وكبرها.
* فائِدَةٌ:
روى الطبراني في "الأوسط"، و"الصغير"، والبيهقي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِما كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَمَرَ اللهُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلا إِنِّيْ جَعَلْتُ نَسَبًا وَجَعَلْتُمْ نَسَبًا، فَجَعَلْتُ أَكْرَمَكُمْ أتقَاكُمْ، وَأَبَيْتُمْ إِلاَّ أَنْ تَقُوْلُوْا: فُلانٌ بنُ فُلانٍ خُيْرٌ مِنْ فُلانٌ بِنِ فُلانٍ، فَاليَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبي، وَأَضَعُ نَسَبَكُم؛ أَيْنَ المُتَّقُوْنَ؟ " (٢).
٦١ - ومنها: تشبيه النَّمَّام في النميمة المفرقة بين الإخوان بالظَّرِبان -بفتح الظاء المعجمة، وكسر الراء كقَطِران -: وهو دابة
стр. 5710
صغيرة كالهر لا يطاق فسوها.
تقول العرب في أمثالها عند تفرق الجماعة: فسا بينهم الظربان (١).
وقال الجاحظ: الظربان أنتن خلق الله فسوًا، وقد جعله سلاحاً له، فلا يقربه أحد إلا أرسل عليه ما لا يطيق شمه (٢).
وفي المثل: أفسى من ظربان (٣).
والعرب تسميه مفرِّق الإبل، وتقول: إنه إذا دخل في الإبل وفسى ثلاث فسوات، تفرقت وجفلت، ولا يردها الراعي إلا بجهد شديد (٤).
وقال غيره: وخاصية هذه الدويبة أنها إذا حصلت بين جماعة تفرقوا، وكذلك النمام إذا دخل بين الجماعة فرق بينهم بنميمته.
وفي الحديث: "لا يدخلُ الجَنَّةَ قتاتٌ" (٥)؛ أي: نمام.
ومن الحكمة في ذلك: أن النمام مفرق بين المتحابين، والجنة دار اجتماع المتقين، وضم المؤمنين إلى المؤمنين، وكما أن الجماعة إذا أقبل الظربان نحوهم طردوه واتقوا منه، كذلك ينبغي إخراج النمام من بين الجماعة، فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرق بينهم ويفسد قلوب بعضهم على
стр. 5711
بعض، كما نبه على ذلك الطرطوشي في "سراج الملوك" (١).
٦٢ - ومنها: التشبه بالظربان أيضًا في الفحش تشبهاً للفحش بالفسو .
ذكر الزمخشري في "المستقصى من الأمثال": الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من فرجك.
ثم قال: يروى عن ابن عباس، وعائشة رضي الله تعالى عنهما: يضرب في مقالات السوء (٢).
ومن الأمثال كما ذكره القمي، وغيره: هما يتشاتمان جلد الظربان؛ يقال للرجلين يقع بينهما الشر فيتفاحشان.
وأورده الزمخشري بلفظ: هما يتماشيان جلد الظربان، من امتشيت منه شيئًا؛ أي: أخذت؛ يضرب للمتفاحشين (٣).
وأورد أيضًا: أفسى من الظربان.
وقال: إنها تفسو في الثوب، فتبقى فيه الريح إلى أن يبلى.
قال: وتقول العرب لمتفاحشين: يتجاذبان جلد الظربان، ويتماسان ظربان (٤).
стр. 5712
وقلت: [من مجزوء الرمل]
قُلْ لِخِليْنِ أَقاما ... في قَبِيحٍ يَجْرِيانِ
أَنتما أَشْبَهُ في الفُحـ ... ـشِ بِجِلْدِ الظَّرِبانِ
أَنا لِلْمُعْرِضِ عَنْ جَهـ ... ـلٍ بِخَيْرٍ في ضَمانِ
فَمَتَى فاحَشَكَ الفا ... حِشُ فَاذْهَبْ في أَمانِ
حَدَثُ الأَفْواه وَالاسْـ ... ـتاهِ بِئْسَ الْحَدَثانِ
فَاعْفُ أَوْ لا إِنَّ مِنْ خَلْـ ... ـفِكَ فِعْلَ الْحَدَثانِ
إِنَّ عَفْوَ العَبْدِ وَالإِعـ ... ـراضَ نِعْمَ الْخُلَّتانِ
٦٣ - ومنها: التشبه في الطمع في أكل أموال الناس ولا يشبع منها بالجدي .
روى الطبراني، والبزار بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمرو (١) رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "كَانَ جَدْي فيْ غَنَمٍ كَثِيْرَةٍ تُرْضِعُهُ أُمُّهُ فَتُرْوِيْهِ، فَانْفَلَتَ يَوْمًا، فَرَضعَ الغَنَمَ كُلَّهَا، ثُمَّ لَمْ يَشْبَعْ" (٢).
قيل: إن هذا مثل أمة يأتون من بعدكم، فيعطى الرجل ما يكفي
стр. 5713
القبيلة أو الأمة فلا يشبع (١).
٦٤ - ومنها: تشبه أكثر الناس في الوقوع على الدنيا، والإكباب عليها بالفراش، والذباب، والجنادب .
روى الإِمام أحمد، والطبراني عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله لَمْ يُحَرِّمْ حُرْمَةً إِلاَّ وَقَدْ عَلِمَ أَنهُ سَيَطَّلِعْهَا مِنْكُمْ مُطَّلِع، أَلا وإنَّي مُمْسِكٌ بِحُجَزِكُمْ أَنْ تتهَافتوْا في النَّارِ تَهَافُتَ الفَرَاشِ وَالذُّبَابِ" (٢).
وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلِي وَمَثَلُكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الفَرَاشُ وَالجَنَادِبُ يَقَعْنَ فِيْهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنتمْ تَفْلتُوْنَ مِنْ يَدي" (٣).
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: تقتتلون على الدينار والدرهم، تتهافتون على النار تهافتَ الذباب في المرق (٤).
стр. 5714
٦٥ - ومنها: التشبه في التطفل والوقاحة والجرأة بالذباب .
فإنه يقع على وجه الملك فمن دونه، وعلى مقلة الأسد ويذاد فيعود، ومن هنا قالوا: في المثل: أجرأ من ذباب، وأوقح من ذباب (١).
وقيل في طفيلي: [من الرجز]
أَوْغَلَ في التَّطْفِيلِ مِنْ ذُبابٍ ... عَلى طَعامٍ وَعَلى شَرابِ
لَوْ أَبْصَرَ الرغفانِ في السَّحابِ ... لَطارَ فِي الْجَوِّ بِلا حِجابِ (٢)
وقالوا: أجرأ من ذئب، وأوقح من ذئب (٣).
وحقيقة الوقاحة قلة الحياء.
يقال: وقح -بالضم- فهو وقح، ووقاح: بيِّن القحة، والقِحَّة -بالكسر، والفتح-، والوقاحة -بالفتح-.
٦٦ - ومنها: التشبه في الطيش والخفة بالفراش ونحوه .
والأطيش طائر سمي بذلك لطيشه.
ومن الأمثال كما ذكر الزمخشري، وغيره: أطيش من برغوث، ومن ذباب، ومن فراشة، لا تزال واقعة طائرة لا تستقر في مكان (٤).
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد
стр. 5715
الواحد؛ يعني: ابن زيد رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: بحق أقول لكم: يا معشر الحواريين! إن أطيش الناس لصاحب الدنيا، إن الدنيا ليست في مكان واحد، ولكن في أماكن كثيرة، حيثما طاشت طاش صاحبها معها.
٦٧ - ومنها: التحامق، والرضا بالحمق تشبهاً بالرخم والضبع، وغيرهما مما وصف من البهائم بالحماقة .
فإن العرب تقول في أمثالها: أحمق من الضبع، ومن أم عامر؛ وهي كنية الضبع، وأحمق من الرخم.
قال الزمخشري: سار المثل بحمقها لعيها واتباعها العذرات.
ويزعمون أنه قيل لها: انطقي بعد طول سكوتها، فقالت: قوه قوه، وهي العذرة بالفارسية (١).
وقال القمي: ليس من الطير شيء إلا وهو يزجر غير الرخم، فقيل لها: انطقي يا رخم؛ فإنك من طير الله -يهزأ بها- فصار مثلًا يضرب بمن لا يلتفت إليه، ولا يسمع منه (٢).
وقال الكميت: [من مجزوء الكامل المرفَّل]
أَنْشَأتَ تَنْطِقُ في الْخُطُوبِ ... كَوافِدِ الرخمِ الْمُداوِرْ
стр. 5716
أَوَ قِيلَ يا رَخْمُ انْطُقِي ... في الطَّيْرِ إِنَّكِ شَرُّ طائِرْ
فَأَتَتْ بِما هِيَ أَهْلُهُ ... وَالعَيُّ مِنْ شَكْلِ الْمُجاوِرْ (١)
وقالوا في المثل: أموق من الرخمة (٢).
قال في "الصحاح": والموق: الحمق في غباوة (٣).
٦٨ - ومنها: التشبه في المرح والبطر بالهر والجدي، ونحوهما من السباع والبهائم .
ومن أمثالهم: [من الرجز]
إذا ارتَعَصَتْ كارتعاصِ الهِرَّةْ ... أوشكَ أنْ تسقُطَ في أفرَّهْ
ويروى: إذا اعترصت (٤).
والمراد: النشاط.
وأصل الارتعاص: الاضطراب، والتحرك، والاعتراص من العرص بالتحريك، وهو النشاط.
والأفرة -بضم الهمزة، وفتحها، والفاء مضمومة فيهما-: الشدة.
стр. 5717
قال الجوهري: رجل أشران أفران؛ أي: بطر، وهو اتباع له (١).
وقال الزمخشري: يضرب لمن أوبقه مرحه (٢).
٦٩ - ومنها: التشبه بالفراش وغيره [في] معاوية الشيء الذي تأذى منه، وفي الإلقاء باليد إلى التهلكة .
وفي الحديث: "لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" (٣).
فالمعنى إذا عاود ما أوذي منه كان كالفراش، فإنه يلقي بنفسه في شعلة السراج، ويتأذى من حرارته المرة بعد الأخرى، ولا يزال كذلك حتى يحرق نفسه، والسبب في ذلك: ضعف بصره؛ فإنه يطلب ضوء النهار، فإذا رأى السراج بالليل ظن أنه في بيت مظلم، وأن السراج كوة في البيت، فيرمي بنفسه إليه ليخرج، والغبي ضعفه في بصيرته، والفراش ضعفه في بصره، فصار الغبي أسوأ حالًا من الفراش، والمؤمن تجلي بصيرته بقوة إيمانه.
ومن هنا جاء في الحديث: "المُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ" (٤).
وقال حجة الإِسلام رحمه الله تعالى: من الحيوان ما إذا شاهد شيئًا حفظه وارتسمت صورته في ذهنه، فإذا رآه مرة أخرى عرفه؛ كالدابة ترى الشعير والعصا.
стр. 5718
ومنه ما إذا شاهد شيئًا لم يحفظه، ولم ترتسم عنده صورته كالفراش؛ فإنه يجد المصباح فيرمي نفسه فيه، ويجد حرارته، ثم يعود ويرمي نفسه إليه، ولو ارتسمت عنده صورته لما عاد إليه، انتهى.
ولقد أحسن من قال: [من الكامل]
فَضْلُ الْحِمارِ عَلى الْجَهُولِ بِخَصْلَةٍ ... مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ الَّذِي يَدْرِي بِها
إِنَّ الْحِمارَ إِذا تَوَهَّمَ لَمْ يَسِرْ ... وَتُعاوِدُ الْجُهَّالُ ما تدر بِها
ويقال في المثل: من عشر بحجر وعاد إليه، فلا تسأل عما يجري عليه.
٧٠ - ومنها: تشبه المرء في اختلاطه بكل قوم ، وتخلقه بأخلاقهم وأوضاعهم لينال من كل ما ناله كل قوم من حطام الدنيا بالحرباء؛ فإنها تتلون بلون الشجرة التي تكون عليها حتى لا يراها ما تصطاده من ذباب ونحوه، [ ... ] من الشجرة فيهرب ويفر عنها، فإذا قربت الذبابة ونحوها منها اختطفتها بلسانها في الحال.
ومن هنا قالوا في المثل: فلان يتلون تلون الحرباء؛ يضرب لمن لا يثبت على حال (١).
وقريب من ذلك ما ذكره الدميري في "حياة الحيوان": إن البغل يوصف برداءة الأخلاق والتلون لأجل التركيب.
قال: وينشد في ذلك: [من مجزوء الكامل المرفَّل]
стр. 5719
خُلُقٌ جَدِيدٌ كُلَّ يَوْمٍ ... مِثْلَ أَخْلاقِ البِغالِ (١)
وروى الطبراني في "الكبير" عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ فيْ دِيْنِ اللهِ" (٢).
٧١ - ومنها: التشبه في الشره والبخل بالحوت والتمساح والكلب .
قالوا: أبخل من كلب؛ فإنه لا مطمع فيما يناله، وإن تعرض له هرش؛ ذكره الزمخشري (٣).
وقال القمي: من أمثالهم: أَحْرَصُ من كلب على جيفة (٤).
وذكره الزمخشري، وزاد: أَحْرَص من كلب على عقي صبي.
وقال: يزعمون أن الهرم من الكلاب إذا أكل العقي، وهو أول ما يخرج من المولود عاد شاباً، ولهذا يشتد حرصه عليه (٥).
وذكر أيضًا من أمثالهم: أشره من الأسد لأنه يبتلع البضعة العظيمة من غير مضغ، وكذلك الحوت لأنهما واثقان بسهولة المدخل
стр. 5720
وسعة المجرى (١).
قال الشاعر: [من الرجز]
كَالْحُوتِ لا يَرْوِيهِ شَيْء يَلْهَمُهُ ... يُصْبحُ ظَمآنَ وَفِي البَحْرِ فَمُهْ (٢)
قال في "حياة الحيوان": الفَهْمُ: الابتلاع؛ يضرب لمن عاش بخيلًا شرهًا، انتهى (٣).
أنشد السيوطي في "ديوان الحيوان" ليعقوب بن أحمد النيسابوري: [من الطويل]
يُرِي النَّاسَ زُهْدًا كَالْمَسِيحِ بْنِ مَرْيَمِ ... وَفِي ثَوْبِهِ التِّمْساحُ أَوْ هُوَ أَغْدَرُ
أَغَرَّكُمْ مِنْهُ تَقَلُّصُ ثَوْبِهِ ... وَذَلِكَ حبٌّ دونهُ الفَخ فَاحْذَرُوا (٤)
٧٢ - ومنها: تشبه الحريص في الاجتهاد على طلب الرزق بالنمل والحُبَارى، وغيرهم ؛ فإن النمل عظيم الحيلة في طلب الرزق، ويبعد في طلبه كثيرًا، ويحمل أضعافه.
ولذلك قيل: أكسب من نملة، وكسب من ذرة، وكنية النمل: أبو مشغول.
وقالوا: أضبط من نملة، وأضبط من ذرة (٥).
стр. 5721
قال الزمخشري: تجر ما هو أضعافها، وربما سقطا من مكان مرتفع فلا ترسله.
وقالوا: أكسب من فأرة، ومن فهد.
قال الزمخشري: يقال: إن هذه الثلاث أدأب الحيوان في الكسب.
وقال: يقال: إن الفهود الهرمى العاجزة عن الصيد تجتمع إلى الفهد المفتي يتصيد لها كل يوم ما يكفيها (١).
وأما الحبارى -بضم المهملة، وتخفيف الموحدة- وهو طائر كبير العنق، طويل الذنب، رمادي اللون، في منقاره بعض طول.
وقال في "حياة الحيوان": هي أكثر الطير حيلة في تحصيل الرزق، ومع ذلك تموت جوعًا لهذا السبب (٢).
وقال أيضًا: هي من أشد الطير طيرانًا، وأبعدها شوطاً، وذلك أنها تصاد بالبصرة، فتوجد في حواصلها الحبة الخضراء التي شجرها البطم، ومنابتها تخوم بلاد الشام، ولذلك قالوا في المثل: أطلب من الحبارى (٣).
стр. 5722
٧٣ - ومنها: التشبه في الإكباب على طلب الرزق بالوحش أيضًا ، وهو كل شيء من دواب البر لا يستأنس كالظبي، والمَهَاة، والضبع، وغيرها.
قال في "حياة الحيوان": روي أن النبي ﷺ قال: "يَقُوْلُ اللهُ : اِبْنَ آدَمَ! وَعِزَّتي وَجَلالي لَئِنْ رَضِيْتَ بمَا قَسَمْتُ لَكَ أَرَحْتُكَ وَأَنْتَ مَحْمُوْدٌ، وإنْ لَمْ تَرْضَ بِمَا قَسَمْتُ لَكَ سَلَّطْتُ عَلَيِكَ الدُّنْيَا تَرْكُضُ فِيْهَا ركْضَ الوَحْشِ، ثُمَّ لا يَكُوْنُ لَكَ إِلاَّ مَا قَسَمْتُ لَكَ وَأَنْتَ مَذْمُوْمٌ" (١).
٧٤ - ومنها: التشبه في الادخار بالنمل ونحوه .
ذكر الزمخشري في "الكشاف": وعن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه قال: ليس شيء في الحيوان يخبأ قوته إلا الإنسان، والنملة، والفأرة، والعقعق.
ويقال: للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها (٢).
وما أحسن قول أبي الوليد الوقتي من أدباء المغرب: [من مخلع البسيط]
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَهْوَ أَهْلُ ... لَيْسَ لِخَلْقٍ عَلَي فَضْلُ
وَلا رَكوبٌ إِلَى أَمِيرٍ ... قَدَّمَهُ الدَّهْرُ وَهْوَ فَسْلُ
وَلا وَقُوفٌ بِبابِ وَغْدٍ ... قِيلَ انتظِرْهُ عَلَيْهِ شُغْلُ
стр. 5723
أَبِيْتُ مِثْلَ الْحُسام فَرْداً ... جَلاهُ لِلْحادِثاتِ صَقْلُ
وَاللَّيْثُ لَمْ يَدَّخِرْ طَعاما ... وَالدَّاخِرُونَ الطَّعامَ نَمْلُ
قَنَّعْتُ نَفْسِي بِما أَتاها ... فَكُلُّ صَعْبٍ عَلَيَّ سَهْلُ
٧٥ - ومنها: محبة دوام الصحة، وكراهية المرض إذا نزل .
روى ابن أبي شيبة، وأبو نعيم، والبيهقي، وابن عبد البر في "الصحابة" عن أبي فاطمة الليثي قال: كنا جالسين عند رسول الله ﷺ ، فقال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِحَّ فَلا يَسْقَمُ؟ ".
فابتدرناها، وقلنا: نحن يا رسول الله.
فقال: "أتحِبُّوْنَ أَنْ تَكُوْنُوْا كَالحَمِيْرِ الصَّالَّةِ؟ أَلا تُحِبُّوْنَ أَنْ تَكُوْنُوْا أَصْحَابَ البَلاءِ وَأَصْحَابَ كَفَّارَاتٍ؟ ".
وفي رواية: "كَالحُمُرِ الصَّالَّةِ لا تَمْرَضُوْنَ وَلا تَسْقَمُوْنَ؟ وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِه! إِنَّ الله لَيَبْتَلِي المُؤْمِنَ وَمَا يَبْتَلِيْهِ إِلاَّ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، وإنَّ العَبْدَ لتكُوْنُ لَهُ الدَّرَجَةُ فيْ الجَنَّةِ لا يَبْلُغُهَا شَيْء مِنْ عَمَلِهِ حَتَّى يَبْتَلِيَهُ بِالبَلاءِ لِيَبْلُغَ بِهِ تِلْكَ الدَّرَجَةَ" (١).
وأخرجه الطبراني في "الكبير" بنحوه وسنده جيد (٢).
стр. 5724
وقوله: كالحمر الصالة؛ مِنْ صَلَّ: إذا صوت.
قال العسكري: هو بالصاد المهملة، وخَطَّأ من قال: الضالة - بالمعجمة -.
وأراد الحمر الوحشية.
يقال للحمار الوحشي الحاد الصوت: صال، وصلصال؛ كأنه يريد الصحيحة الأجساد، الشديدة الأصوات لقوتها ونشاطها (١).
وقال البيهقي: سألت عنه بعض أهل العلم، فزعم أنه أراد حمر الوحش.
وفي رواية: "كَالْحُمُرِ الصَّيَّالَةِ" (٢).
قال في "الصحاح": وصال العير: إذا حمل على العانة، والعانة: القطيع من حمر الوحش (٣).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن مسروق قال: قدمتِ الدهَّاقين الكوفة على عهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فجعلوا يعجبون من صحتهم وحسن ألوانهم، فقال ابن مسعود: ما تعجبون؟ تلقون المؤمن أصح شيء قلبا وأمرض شيء جسداً، وتلقون الفاجر والمنافق أصح شيء جسمًا وأمرضه قلبا، والله لو صحت أجسادكم ومرضت قلوبكم لكنتم أهون على الله من الجِعلان (٤).
стр. 5725
٧٦ - ومنها: الصيال، والبطش؛ والصيالة تشبهاً بالحمر وغيرها: الاستطالة، والوثوب .
وفي الحديث المذكور في الرواية المشار إليها: "أتحِبُّوْنَ أَنْ تَكُوْنُوْا كَالحَمِيْرِ الصَّيَّالةِ" (١).
وفي المثل: أَصْوَلُ من جمل (٢).
وروى الطبراني في "الكبير" عن عائشة بنت قدامة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهُمَّ إِني أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الأَبْهَمَيْنِ: السَّيْلِ، وَالجَمَلِ الصَّؤُوْلِ" (٣).
وقال ابن السكيت: الأبهمان عند أهل البادية: السيل والجمل الصؤول الهائج يتعوذ منهما.
قال: وعند أهل الأمصار: السيل، والحريق (٤).
قال أبو عبيد: وإنما سمي أبهم لأنه ليس مما يستطاع دفعه، ولا ينطق فيكلم أو يستعتب، ولهذا قيل للفلاة التي لا يهتدى فيها الطريق: بهماء، وللبر: أبهم (٥).
стр. 5726
فالإنسان إذا استشاط غضبه حتى حمله على البطش والصيال كان أشبه شيء بالبعير الهائج الصؤول، إلا أن البعير غير مكلف، والإنسان مكلف موصوف في ذلك بالجبروت والعدوان، كما قال هود ﵇ لقومه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠].
وقالوا في المثل: أبطش من دوسر (١)، وهو كما في "الصحاح": الجمل الضخم (٢).
وحقيقة البطش: السطوة، والأخذ بالعنف.
وقيل: دوسر في المثل: اسم كتيبة للنعمان بن المنذر، وهو غير منصرف، ولم يذكر الزمخشري غيره (٣).
وكانت كتائب النعمان خمساً: - الرهائن: وهم كانوا خمس مئة رجل رهائن لقبائل العرب يقيمون على بابه حولاً، ثم يذهبون ويجيء بدلهم.
- والضبائع: وهم خواصه لا يبرحون بابه.
- والوضائع: وهم ألف رجل كان يضعهم كسرى بالحيرة نجدةً لملك العرب.
- والأشابيب: وهم بنو عمه، وإخوته، وإخوانهم؛ سموا بذلك لبياض وجوههم.
стр. 5727
- ودوسر: أحسنها، وأنكاها، وكانوا من قبائل شتى، وأكثرهم من ربيعة، واشتقاقها من الدسر؛ وهو الطعن (١).
٧٧ - ومنها: القيام من المرض غير معتبر ولا تائب عما كان عليه من الزلل تشبهاً بالبعير، والحمار إذا عقل ، أو رُبط ثم أُرسل.
تقدم في التشبه بالمنافقين عن النبي ﷺ : أن المنافق إذا مرض ثم عوفي كان كالبعير عقله أهله، ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه، ولم يدر لم أرسلوه (٢).
٧٨ - ومنها: التشدق بالكلام والتخلل به كما تفعل البقر .
قال في "الصحاح": والمتشدق: الذي يلوي شدقيه للتفصح (٣).
روى أبو داود، والترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ البَلِيغ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تتَخَلَّلُ البَقَرَةُ". قال الترمذي: حديث حسن (٤).
وهو الذي يتشدق بالكلام، ويفخم به لسانه، ويَلُفه كما تلف البقرة الكَلأ بلسانها.
وقلت ملمحا بالحديث: [من الرجز]
стр. 5728
قَدْ جاءَ أَنَّ الله جَل وَعَلا ... لَيُبْغِضُ الْمَرْءَ البَلِيغَ في الْمَلا
لَفَّ الكَلامَ بِلِسانِهِ كَما ... لَفَّتْ بَواقِرُ البَساتِينِ الكَلا
وروى الإِمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأكُلُوْنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا تأكُلُ البَقَرُ بِأَلْسِنَتِهَا" (١).
٧٩ - ومنها: التشبه بالثيران ونحوها في الفظاعة، وجهر الصوت، والتكلم بما لا يليق بالمكان والزمان .
والناس يشبهون كل فظ غليظ بليد أكول بالبقر والثور.
وتقدم فيما أنشدناه عن عبد الحق الإشبيلي: [من السريع]
يا راكبَ الرَّوْعِ لِلَذَّاتِهِ ... كَأنَّهُ في أتنِ عَيْرْ
يَأكُلُ كلَّ الّذِي يَشْتَهِي ... كَأنَّهُ في كَلاءِ ثَوْرْ
وكنت يومًا في جماعة منهم العلامة المُلَّا أسد بن معين الدين العجمي أحد تلاميذ والدي عند بعض الصوفية، فبينما الملا أسد يقرأ الفاتحة إذا فقير من فقراء ذلك الصوفي صرّح مثوراً، فانذعر الملا أسد وأزعج، ثم التفت إلينا وقال: والله لم أعرف قول الناس في فقراء الصوفية: ثَوَّروا من أي شيء اشتقاقه إلا في هذا الوقت، علمت أنه مشتق من لفظ الثور؛ فإني رأيت هذا الآن خار خواراً منكرًا كأنه ثور.
وذكر أن بعض الوعاظ كان يعظ طائفة من الناس وهو يلك
стр. 5729
الكلام، فنظر منهم إعراضًا عنه ولغطًا، فأراد أن يستنصتهم، فقال: ألا اسمعوا يا بقر! فقال بعضهم: قل يا ثور!
٨٠ - ومنها: التغاير على المناصب ونحوها من ترهات الدنيا تشبهاً بالتيوس، ونحوها من الحيوانات .
روى الأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "يَأْتي عَلَى أُمَّتي زَمَانٌ يَحْسُدُ الفُقَهَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَغَارُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كتَغَايُرِ التُّيُوْسِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ" (١).
٨١ - ومنها: الاسترسال مع الغُلْمة تشبهاً بالجمل، والتيس، والكلب، والذئب، وغيرها .
قال في "الصحاح": والغُلمة: شهوة الضِّراب، وقد غلم البعير -بالكسر- غلمة، واغتلم: إذا هاج من ذلك (٢).
وفيه إيماء إلى أن الغلمة في الأصل خاصة بالبهائم، ثم أطلقت في الأناس توسعاً أو مجازًا.
وروى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي النبي ﷺ برجل قد زنى، فأمر به فرجم، ثم قال: "كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِيْنَ
стр. 5730
تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ يَنبت نبِيْبَ التَّيْسِ" (١).
يقال: نب التيس، ينب، نبيبًا: إذا صاح وهاج.
وقالوا في المثل: استعسب استعساب الكلب.
قال الزمخشري: أي: طلب العسب، وهو السفاد؛ وذلك أنه إذا هاج طلب الكلبات على البعد لينزو عليهن.
يضرب للكثير النكاح الحريص عليه (٢).
وقالوا: أسفد من ديك، أسفد من عصفور (٣).
والسفاد: نزو الذكر على الأنثى.
قال في "الصحاح": يقال ذلك في التيس، والبعير، والثور، والسباع، والطير (٤).
٨٢ - ومنها: أن تصرح المرأة لزوجها بطلب الجماع لا على سبيل الملاعبة والمداعبة ، بل على سبيل الشَّبَق، أو يظهر عليها التشوف إلى الوقاع لغيبة الحليل، أو تحملها الشهوة -والعياذ بالله- على الزنا؛ فإنها تكون في ذلك شبيهة بالسنورة، والكلبة، والأتان الحائل، والبقرة الصارف؛ فإنها إذا اشتاقت إلى الذكر نفرت،
стр. 5731
وأعيت الرعاة كما ذكره في "حياة الحيوان" (١).
وفي "الصحاح": كلبة صارف: إذا اشتهت الفحل، وقد صرفت -يعني: من باب ضرب- تصرف، صروفاً، وصِرافًا" (٢).
وكذلك الأنثى من الذئاب شديدة الشبق بحيث تدعو إلى وطئها.
وإنما ينبغي للمرأة أن تلزم الحياء الذي ميزها الله تعالى به عن سائر الحيوانات، وجعل حظها منه أجزل وأوفر من حظ الرجال.
روى الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الحَيَاءُ عَشْرَةُ أَجْزَاءَ؛ فَتِسْعَةٌ في النِّسَاءِ، وَوَاحِدٌ في الرِّجَالِ" (٣).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سِتَّةُ أَشْيَاءَ حَسَنةٌ، وَلَكِنْ فيْ سِتةٍ مِنَ النَّاسِ أَحْسَنُ: العَدْلُ حَسَنٌ، وَلَكِنْ في الأُمَرَاءِ أَحْسَنُ، وَالسَّخَاءُ حَسَنٌ، وَلَكِنْ في الأَغْنِيَاءِ أَحْسَنُ، وَالوَرَعُ حَسَنٌ، وَلَكِنْ في العُلَمَاءِ أَحْسَنُ، وَالصَّبْرُ حَسَنٌ، وَلَكِنْ في الفُقَرَاءِ أَحْسَنُ، وَالتَّوْبَةُ حَسَنٌ، وَلَكِنْ في الشَّبَابِ أَحْسَنُ، وَالحَيَاءُ حَسَن، وَلَكِنْ في النِّسَاءِ أَحْسَنُ" (٤).
стр. 5732
فإن قلت: مقتضى ما رواه البيهقي في "الشعب" أيضًا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "فُضِّلَتِ المَرْأةُ عَلَى الرَّجُلِ بِتِسْعَةٍ وتِسْعِيْنَ جُزْءًا مِنَ اللذةِ، وَلَكِنَ الله ألقَىْ عَلَيْهِنَّ الحَيَاءَ" (١) من حيث إن اللذة إنما تكون على قدر الشهوة أن تكون شهوتها أكثر من حيائها؛ لأن التسعين جزءًا من الشهوة التي فضلت بها تعادل التسعة الأجزاء التي جعلت فيها من الحياء، فتبقى تسعة أجزاء من الشهوة زائدة فيها عما لها من الحياء، فهل يكون ذلك عذرًا لها في غلبة الشهوة؟
قلت: لا يكون ذلك عذرًا لها لأن الحياء غريزة يساعدها العقل، ويقويها الإيمان بخلاف الشهوة؛ فإن العقل يضادها ويعارضها, ولا يساعدها، وهي في نفسها ليست بغريزة، بل حالة عارضة تنشأ عن كثرة الطعام والشراب، والنعيم، والرفاهية، فجزء من الحياء يعارض أضعافه من الشهوة، وهو في نفسه حلية مقبولة ممدوحة عند كل عاقل من نفسه ومن غيره، محمودة العاقبة، جميلة الصورة، طيبة الثمرة، وليست الشهوة كذلك.
وقد روى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الحَيَاءُ زِيْنةٌ، وَالتُّقَىْ كَرَمٌ، وَخَيْرُ
стр. 5733
المَرْكبِ الصَّبْرُ، وَانْتِظَارُ الفَرَجِ مِنَ اللهِ تَعَالى عِبَادَةٌ" (١).
وروى الشيخان عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: "الحَيَاءُ لا يَأتي إِلاَّ يِخَيْرٍ" (٢).
٨٣ - ومنها: الإكثار من النكاح، وصرف الهمة فيه ، والافتخار به وبكثرته على حد قضاء وطر النفس، والقيام بحظها على مقتضى الشهوة.
وإنما اللائق بحال الإنسان أن يكون النكاح منه بنية التحصّن والتحصين، وطلب الولد للطاعة ومكاثرة الأمة، وغير ذلك مما ذكرناه في التشبه بالأنبياء ﵈، لا طلب الولد للاستكثار من زهرة الدنيا والمباهاة.
أما الوقاع لداعية الشهوة الحيوانيَّة، والغُلْمة البهيمية، فذاك لا فضل فيه؛ إذ يشارك فيه الحمار، والحصان، والثور، والبكر، والخنزير، والذئب، والكلب، والسنور، وغير ذلك من الحيوانات.
وفي ملازمة الإنسان لفروج النساء شبه ظاهر بخصوص الكلاب؛ فإن الكلب إذا سافد الكلبة لزمها ولزمته حتى لو بالغتَ في زجرهما وضربهما مهما بالغتَ لم ينجع ذلك فيهما، وكذلك يحصل بين الذئب وأنثاه حتى لو أدركهما أحد على تلك الهيئة صادهما كيف
стр. 5734
شاء، لكن ذلك لا يكاد يشاهد من الذئبين لتوحشهما وبعدهما عن الناس، ويوجد ذلك بين الكلبين كثيرًا.
ومن هنا قيل في المثل: استعسب استعساب الكلب، كما تقدم.
٨٤ - ومنها: التشبه في ترك الاستتار عند قضاء الحاجة وعند الجماع، وترك التحري فيه بالحمار والكلب والسنور وغيرها .
وكذلك جماع إحدى الحليلتين في حضور الأخرى، والنكاح في حضور كائن من البشر، وكذلك تقبيل الزوجة والأمة، وعضّها، ونحو ذلك في حضرة أحد؛ كل ذلك يكون الإنسان فيه متشبهاً بما ذكرنا من الحيوانات.
وإن فعل ذلك مع غير حليلته من أجنبية، أو غلام أمرد كان أسوء حالاً، وأعظم وبالاً، وأوجب نكالاً.
روى النسائي عن عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا أتى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيُلْقِ عَلَىْ عَجُزِهِ وَعَجُزِهَا شَيْئاً، وَلا يَتَجَرَّدانِ تَجَرّدَ العَيْرَيْنِ" (١).
وروى ابن أبي شيبة، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "السنن"، وإسناده حسن، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وابن ماجه عن عتبة بن عبد، والطبراني في "الكبير" أيضًا عن أبي أمامة
стр. 5735
رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أتى أَحَدُكُمْ أَهَلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ، وَلا يَتَجَرَّدانِ تَجَرُّدَ العَيْرَيْنِ" (١).
والعير -بفتح المهملة-: الحمار الوحشي، وقد يطلق على الأهلي.
وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أتى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتُرْ عَلَيْهِ وَعَلَىْ أَهْلِهِ، وَلا يَتَعَرَّيَانِ تَعَرِّيَ الحَمِيْرِ" (٢).
وروى البزار، والطبراني عن ابن عمرو (٣) رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَسَافَدُوْا في الطَّرِيْقِ تَسَافُدَ الحَمِيْرِ" (٤).
стр. 5736
وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن لِهَذا الدِّيْنِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، أَلا وَإِنَّ إِقْبَالَ هَذَا الدِّيْنِ أَنْ تَفْقَهَ القَبِيْلَةُ بِأسْرِهَا حَتَّى لا يَبْقَى فِيْهَا إلا الفَاسِقُ أَوْ الفَاسِقَانِ، إِنْ تَكَلَّمَا قُهِرَا وَاضْطُهِذَا.
وَإِنَّ مِنْ إِدْبَارِ هَذَا الدِّيْنِ أَنْ تَجْفُوَ القَبِيْلَةُ بِأسْرِهَا فَلا يَبْقَىْ فِيْهَا إِلاَّ الفَقِيْهُ وَالفَقِيْهَانِ، فَهُمَا ذَليْلانِ إِنْ تَكَلَّمَا قُهرَا وَاضْطُهِذَا، وَيَلْعَنُ آخِرُ هَذهِ الأُمَّةِ أَوَّلهَا، أَلا وَعَلَيْهِمْ حَلَّتْ اللَعْنَةُ حَتَّى يَشْرَبُوْا الخَمْرَ عَلانِيَةً، وَحَتىَّ تَمُرَّ المَرْأ بِالقَوْمِ فَيَقُوْمَ إِلَيْهَا بَعْضُهُمْ فَيَرْفَعُ بِذَيْلِهَا كَمَا يُرْفَعُ بِذَنَبِ النَّعْجَةِ فَقَائِلٌ يَقُوْلُ: أَلا وَاريتَهَا وَرَاءَ الحَائِطِ، فَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِيْهِمْ مِثْلُ أَبيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ فِيْكُمْ، فَمَنْ أَمَرَ يَوْمَئِذٍ بِالمَعْرُوْفِ وَنهَىْ عَنِ المُنْكَرِ فَلَهُ أَجْرُ خَمْسِيْنَ مِمن رَآنيْ وَآمَنَ بي، وَأَطَاعَني وَبَايَعَني" (١).
والاضطهاذ -بالضاد المعجمة، والطاء المهملة، ويالذال المعجمة آخره-: الظلم والقهر؛ يقال: ضهذته فهو مضهوذ، ومضطهذ؛ أي: مقهور مضطر.
٨٥ - ومنها: التشبه بالبهائم في إتيان الحليلة من غير تقدم مؤانسة وملاعبة، وضم وتقبيل، ونحو ذلك .
روى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَقَعْ أَحَدُكُمْ عَلى أَهْلِهِ كَمَا تَقَعُ البَهِيْمَةُ، لِيَكُنْ بَيْنَهُمَا رَسُوْلٌ".
стр. 5737
قالوا: يا رسول الله! وما الرسول؟
قال: "القُبْلَةُ، وَالكَلامُ".
قال العراقي: وهو حديث منكر (١).
قلت: معناه مقبول، ولمؤانسة الزوجة وملاعبتها وفضلها أصلٌ من السنة أصيل.
ففي "الصحيحين" عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "هَلاَّ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ".
وقال مسلم في رواية: "تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا، وَتُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا".
وفي رواية: "أَيْنَ أَنْتَ عَنْ العَذَارَىْ وَلِعَابِهَا" (٢).
قال القاضي عياض: الرواية: "وَلِعابِها" -بالكسر لا غير- وهو من اللعب.
قال: وقد ثبت لبعض رواة البخاري بضم اللام؛ أي: ريقها (٣).
وروى ابن أبي خيثمة من حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى
стр. 5738
عنه: ﷺ قال لرجل، وذكر نحو حديث جابر، وفيه: "فَهَلاَّ بِكْرَاَ تَعَضُّهَا وَتَعَضُّكَ" (١).
وروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ سابق عائشة رضي الله تعالى عنها فسبقته، ثم سبقها، فقال: "هَذِهِ بِتِلْكَ" (٢).
وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه، ثم يصلي ولا يتوضأ (٣).
وروى التوقيعي في "جزئه" كما ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" من حديثها: أنه ﷺ كان يمص اللسان (٤).
وقال الإِمام الوالد رحمه الله تعالى في كتابه "فصل الخطاب": [من الرجز]
стр. 5739
وَذَكَرَتْ عائِشَةٌ أَنَّ النَّبِيْ ... كانَ إِذا قَبَّلَ حالَ اللَّعِبِ
بَعْضَ نِسائِهِ يَمُصُّ مِنْها ... لِسانَها أَخْرَجَ هَذا عَنْها
ابْنُ عَدِيٍّ وَكَذا أُخْرِجَ عَنْ ... أَبِي هُرَيْرَةٍ بِإِسْنادٍ حَسَنْ
رَفَعَهُ أَنَّ الإِلَهَ يَعْجَبُ ... مِنْ رَجُلٍ لأَهْلِهِ يُلاعِبُ
فَيَكْتُبُ اللهُ لَهُ أَجْرَيْنِ ... وَيَجْعَلُ اللهُ بِهِ رِزْقَيْنِ
لَهُ وَلِلزَّوْجَةِ ثُمَّ قِيلَ لا ... حَيوانَ غَيْرَ بَشَرٍ قَدْ قَبَّلا
إِلاَّ الْحَمامَ إِنَّهُ يُقَبِّلُ ... وَمَعَهُ رَشْفًا وَمَصًّا يَفْعَلُ
وما ذكره الشيخ من أنه ليس في الحيوانات ما يقبل عند السفاد نقله ابن قتيبة في "عيون الإخبار" عن المثنى بن زهير (١).
٨٦ - ومنها: إعجال الرجل أهله عند قضاء وطره؛ فإنه يكون بذلك متشبهاً بالبهيمة؛ فإن الحصان ، والحمار، والثور، ونحوها تضرب إناثها حتى إذا أنزلت نزعت، ولم تلتفت إلى حاجة الإناث.
وقد نص على ذلك ابن الحاج في "المدخل" فقال: وينبغي أنه يراعي حق زوجته في الجماع، وأن يأتيها ليصون دينها، ويكون قضاء حاجته تبعًا لغرضها، فيحصل إذ ذاك عموم قوله ﵊: "وَاللهُ فيْ عَوْنِ العَبْدِ مَا دامَ العَبْدُ فيْ عَوْنِ أَخِيْهِ" (٢). انتهى؛ يعني: الحديث.
стр. 5740
قال: وكثير من الناس لا يعرف السنة في ذلك، فيأتي زوجته فيقضي حاجته منها، وهي لم تقض منه وطرًا كما تفعل البهائم، فيكون ذلك سببا لأحد شيئين: إما فساد دينها، وإما تبقى مشوشة ومتشوقة إلى غيره، انتهى (١).
قلت: وقد نص صاحب الشرع ﷺ على هذا الأدب بعينه، وقال ﵊ فيما رواه أبو يعلى من حديث أنس ﵁: "إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيصْدُقْهَا، فَإنْ سَبَقَهَا فَلا يُعْجِلْهَا" (٢).
وفي - رواية: "إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيصْدُقْهَا، ثُمَّ إِذَا قَضَىْ حَاجَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ حَاجَتَهَا فَلا يُعْجِلْهَا حَتى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا" (٣).
وروى ابن عدي عن طلق ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ امْرَأتَهُ فَلا يتَنَحَّى حَتى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا كَمَا يُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ" (٤).
стр. 5741
٨٧ - ومنها: أن لا يتقيد من له زوجتان فأكثر بالقسم ، فيبيت عند من يشاء منهن، فيكون متشبهاً بالفحل إذا خلي بينه وبين الشول يضرب ما يشاء منها، وكالتيس والثور.
ومن هنا استحب التسوية بين الزوجتين في النكاح -وإن لم يجب-.
وبالجملة فإن الإنسان البالغ فرق ما بينه وبين سائر الحيوانات ربطه، وارتباطه بقيد الشرع ورِبْقة التكليف، فلا يختص تشبهه المذموم بالبهائم بنوع من الأنواع كترك التقيد بالقسم بين الزوجات، بل كل ما خرج فيه عن باب من أبواب الشرع في معاشه فهو به بالبهائم أشبه.
وما أحسن ما قيل: [من الكامل]
أَبُنَيَّ إِنَّ مِنَ الرِّجالِ بَهِيمَةً ... في صُورَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ الْمُبْصِرِ
وأقول: [من المحدث]
مَنْ لَيْسَ بِشَرْعِ اللهِ لَهُ ... قَيْدٌ يَحْمِيهِ عَنِ الأَشَرِ
لا يَكْذِبُ مَنْ قَدْ قالَ لَهُ ... ما ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ البَشَرِ
مَنْ خالَفَ فِيْ خُلُقٍ بَشَرًا ... يُلْحَقُ بِالشَّاءِ وَبِالبَقَرِ
٨٨ - ومنها: التشبه في التقذر وترك النظافة والطهارة بالعِفْر -بكسر المهملة، وسكون الفاء- وهو ذكر الخنازير ، وبإناثها، وبالجرد، والجعل، والكلاب، والحمر، والإوز، والدجاج، وغيرهم.
стр. 5742
وفي المثل كما ذكره الزمخشري: أطفس من عفر: من الطفس، وهو الخبث والقذرة يضرب لمن لا يتعاهد الغسل، ولا يتنظف (١).
وقال في "الصحاح": الطفس -بالتحريك-: الوسخ، والدَّرن (٢).
روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيْفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيْمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الجُوْدَ؛ فَنَظِّفُوْا أفنِيتَكُمْ وَلا تتشَبَّهُوْا بِالْيَهُوْدِ" (٣).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله يُبْغِضُ الوَسِخَ وَالشَّعِثَ" (٤).
وروى ابن أبي شيبة، والطبراني في "الكبير" عن سليمان بن صرد رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "اسْتَاكُوْا، وَتَنَظَّفُوْا، وَأَوْترُوْا؛ فَإِنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوِترَ" (٥).
стр. 5743
وروى ابن عساكر عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "اغْسِلُوْا ثِيَابَكُمْ، وَخُذُوْا مِنْ شُعُوْرِكُمْ، وَاسْتَاكُوْا، وَتَزَيَّنُوْا، وَتَنَظَّفُوْا؛ فَإِنَّ بَنيْ إِسْرَائِيْلَ لَمْ يَكُوْنُوْا يَفْعَلُوْنَ ذَلِكَ فَزَنَتْ نِسَاؤُهُمْ" (١).
٨٩ - ومنها: التشبه بالبهائم والطير في ترك تقليم الأظفار وإزالة الشعور التي إزالتها من السنة، وترك السواك .
روى الإِمام أحمد، والطبراني عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال لرجل: "تَسْألني عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَتَدَعُ أَظْفَارَكَ كَأَظْفَارِ الطَّيْرِ يَجْتَمعُ فِيْهَا الخَبَاثَةُ وَالخبثُ وَالتَّفَثُ؟ " (٢).
وروى الدارقطني في "الأفراد" عن العباس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "اسْتَاكُوْا، اسْتَاكُوْا، اسْتَاكُوْا؛ تأتُوْني قُلْحًا؟ " (٣).
стр. 5744
وأخرجه الحكيم الترمذي عن تمام بن عباس يرفعه: "اسْتَاكُوْا؛ مَا لَكُمْ تَدْخُلُوْنَ عَلَيَّ قُلْحَا؟ " (١).
والقلح -بضم القاف، وإسكان اللام-: جمع أقْلُح، والقلح: صفرة في الأسنان.
٩٠ - ومنها: التشبه بالبهائم في ترك الاغتسال من الجنابة خصوصاً إذا حضرت الصلاة .
كذلك إذا لم تغتسل المرأة من الحيض، فإنها تشبه ما يحيض من الدواب كالأرنب.
بل مهما حضر وقت تؤدى فيه طاعة وتأخر عنها العبد، ولم يؤدها فهو أشبه شيء بالبهيمة؛ كترك الصلاة، والاشتغال عنها في وقتها، وترك التسمية عند الأكل والشرب، والنكاح، ودخول المسجد، والبيت، والخلاء، وترك الحمد عند الفراغ من الأكل والشرب، وعند لبس الثوب الجديد، وعند العطاس، وترك تشميت إذا حمد، وترك السلام ورده، وكذلك ترك سائر الآداب كل أدب في
стр. 5745
محله، وترك الاستغفار والتوبة من الذنب؛ فإن البهائم لا تعقل شيئًا من ذلك، ولا تفعله، ولا هي مكلفة به، فإذا تشبه بها في ذلك كسب النزول إلى حضيض البهيمة، وحرم ثواب ما ترك من هذه الآداب، وجاء بإثم ما ترك من الفرائض.
وكذلك الجزع عند المصيبة، وترك الاسترجاع يكون العبد متشبهًا فيه بالبهيمة، وإن انضم إلى ذلك نواح أو ولولة أو صراخ كان في ذلك شبيها بالكلاب العاوية.
ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ هَذهِ النَّوَائِحَ يُجْعَلْنَ يَوْمَ القَيِامَةِ صَفَّيْنِ في جَهَنَّمَ: صَفٌّ عَنْ يَمِيْنهِمْ، وَصَفٌّ عَنْ يَسَارِهِمْ، فَيَنْبَحْنَ عَلَىْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا تَنْبُحُ الكِلابُ". رواه الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١).
وكذلك إذا كان العبد في نعمة -خصوصاً إذا فجأته- فلم يشكر الله تعالى، أو أحسن إليه محسن من الناس بإنعام أو إكرام، فلم يشكره، كان في ذلك كالبهيمة التي يعلفها صاحبها، ويحسن الكَلأ رعيها، فلا يكون له منها شكر ولا مكافأة.
فإن قابل الإحسان بالإساءة كان كالبغل بالخصوص يهيئ له سائِسُه العلف، وهو يهئ له الرفس، بل هو شيطان مريد.