← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

٨٧ - ومنها: أن لا يتقيد من له زوجتان فأكثر بالقسم ، فيبيت عند من يشاء منهن، فيكون متشبهاً بالفحل إذا خلي بينه وبين الشول يضرب ما يشاء منها، وكالتيس والثور. ومن هنا استحب التسوية بين الزوجتين في النكاح -وإن لم يجب-. وبالجملة فإن الإنسان البالغ فرق ما بينه وبين سائر الحيوانات ربطه، وارتباطه بقيد الشرع ورِبْقة التكليف، فلا يختص تشبهه المذموم بالبهائم بنوع من الأنواع كترك التقيد بالقسم بين الزوجات، بل كل ما خرج فيه عن باب من أبواب الشرع في معاشه فهو به بالبهائم أشبه. وما أحسن ما قيل: [من الكامل] أَبُنَيَّ إِنَّ مِنَ الرِّجالِ بَهِيمَةً ... في صُورَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ الْمُبْصِرِ وأقول: [من المحدث] مَنْ لَيْسَ بِشَرْعِ اللهِ لَهُ ... قَيْدٌ يَحْمِيهِ عَنِ الأَشَرِ لا يَكْذِبُ مَنْ قَدْ قالَ لَهُ ... ما ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ البَشَرِ مَنْ خالَفَ فِيْ خُلُقٍ بَشَرًا ... يُلْحَقُ بِالشَّاءِ وَبِالبَقَرِ ٨٨ - ومنها: التشبه في التقذر وترك النظافة والطهارة بالعِفْر -بكسر المهملة، وسكون الفاء- وهو ذكر الخنازير ، وبإناثها، وبالجرد، والجعل، والكلاب، والحمر، والإوز، والدجاج، وغيرهم.

стр. 5742

وفي المثل كما ذكره الزمخشري: أطفس من عفر: من الطفس، وهو الخبث والقذرة يضرب لمن لا يتعاهد الغسل، ولا يتنظف (١). وقال في "الصحاح": الطفس -بالتحريك-: الوسخ، والدَّرن (٢). روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيْفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيْمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الجُوْدَ؛ فَنَظِّفُوْا أفنِيتَكُمْ وَلا تتشَبَّهُوْا بِالْيَهُوْدِ" (٣). وروى البيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله يُبْغِضُ الوَسِخَ وَالشَّعِثَ" (٤). وروى ابن أبي شيبة، والطبراني في "الكبير" عن سليمان بن صرد رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "اسْتَاكُوْا، وَتَنَظَّفُوْا، وَأَوْترُوْا؛ فَإِنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوِترَ" (٥).

стр. 5743

وروى ابن عساكر عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "اغْسِلُوْا ثِيَابَكُمْ، وَخُذُوْا مِنْ شُعُوْرِكُمْ، وَاسْتَاكُوْا، وَتَزَيَّنُوْا، وَتَنَظَّفُوْا؛ فَإِنَّ بَنيْ إِسْرَائِيْلَ لَمْ يَكُوْنُوْا يَفْعَلُوْنَ ذَلِكَ فَزَنَتْ نِسَاؤُهُمْ" (١). ٨٩ - ومنها: التشبه بالبهائم والطير في ترك تقليم الأظفار وإزالة الشعور التي إزالتها من السنة، وترك السواك . روى الإِمام أحمد، والطبراني عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال لرجل: "تَسْألني عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَتَدَعُ أَظْفَارَكَ كَأَظْفَارِ الطَّيْرِ يَجْتَمعُ فِيْهَا الخَبَاثَةُ وَالخبثُ وَالتَّفَثُ؟ " (٢). وروى الدارقطني في "الأفراد" عن العباس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "اسْتَاكُوْا، اسْتَاكُوْا، اسْتَاكُوْا؛ تأتُوْني قُلْحًا؟ " (٣).

стр. 5744

وأخرجه الحكيم الترمذي عن تمام بن عباس يرفعه: "اسْتَاكُوْا؛ مَا لَكُمْ تَدْخُلُوْنَ عَلَيَّ قُلْحَا؟ " (١). والقلح -بضم القاف، وإسكان اللام-: جمع أقْلُح، والقلح: صفرة في الأسنان. ٩٠ - ومنها: التشبه بالبهائم في ترك الاغتسال من الجنابة خصوصاً إذا حضرت الصلاة . كذلك إذا لم تغتسل المرأة من الحيض، فإنها تشبه ما يحيض من الدواب كالأرنب. بل مهما حضر وقت تؤدى فيه طاعة وتأخر عنها العبد، ولم يؤدها فهو أشبه شيء بالبهيمة؛ كترك الصلاة، والاشتغال عنها في وقتها، وترك التسمية عند الأكل والشرب، والنكاح، ودخول المسجد، والبيت، والخلاء، وترك الحمد عند الفراغ من الأكل والشرب، وعند لبس الثوب الجديد، وعند العطاس، وترك تشميت إذا حمد، وترك السلام ورده، وكذلك ترك سائر الآداب كل أدب في

стр. 5745

محله، وترك الاستغفار والتوبة من الذنب؛ فإن البهائم لا تعقل شيئًا من ذلك، ولا تفعله، ولا هي مكلفة به، فإذا تشبه بها في ذلك كسب النزول إلى حضيض البهيمة، وحرم ثواب ما ترك من هذه الآداب، وجاء بإثم ما ترك من الفرائض. وكذلك الجزع عند المصيبة، وترك الاسترجاع يكون العبد متشبهًا فيه بالبهيمة، وإن انضم إلى ذلك نواح أو ولولة أو صراخ كان في ذلك شبيها بالكلاب العاوية. ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ هَذهِ النَّوَائِحَ يُجْعَلْنَ يَوْمَ القَيِامَةِ صَفَّيْنِ في جَهَنَّمَ: صَفٌّ عَنْ يَمِيْنهِمْ، وَصَفٌّ عَنْ يَسَارِهِمْ، فَيَنْبَحْنَ عَلَىْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا تَنْبُحُ الكِلابُ". رواه الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). وكذلك إذا كان العبد في نعمة -خصوصاً إذا فجأته- فلم يشكر الله تعالى، أو أحسن إليه محسن من الناس بإنعام أو إكرام، فلم يشكره، كان في ذلك كالبهيمة التي يعلفها صاحبها، ويحسن الكَلأ رعيها، فلا يكون له منها شكر ولا مكافأة. فإن قابل الإحسان بالإساءة كان كالبغل بالخصوص يهيئ له سائِسُه العلف، وهو يهئ له الرفس، بل هو شيطان مريد.

стр. 5746

٩١ - ومنها: تشبه المرأة في الصخب على زوجها، والتنكيد بالوع والوعوع، وهو ابن آوى . قال في "القاموس": والثعلب من الوعوعة، وهي أصوات الكلب ونحوها (١). روى الخطيب عن علي ﵁ قال: النساء أربع: القرثع، والوعوع، والغل الذي لا ينزع، وجامعة تجمع؛ فأما القرثع فالسمجة، وأما الوعوع فالسخابة، وأما الغل الذي لا ينزع فالمرأة السوء لرجل منها أولاد لا يدري كيف يتخلص، وأما الجامعة التي تجمع فهي التي تجمع الشمل وتلم الشعث (٢). والقرثع -بضم القاف، والمثلثة، بينهما راء ساكنة-: فسرت في الحديث بالسمجة؛ أي: القبيحة. وقال في "القاموس": المرأة الجريئة القليلة الحياء، والبلهاء (٣). قال صاحب "الصحاح": وسئل أعرابي عنها، فقال: هي التي تكحل إحدى عينيها وتترك الأخرى، وتلبس قميصها مقلوبًا (٤). ٩٢ - ومنها: تشبه المرأة أيضًا في الضَّراوة والسَّلاطة على

стр. 5747

زوجها، أو ضرتها، أو جارتها بالذئبة ونحوها. قال القمي: من أمثالهم: أسلط من سِلقة، وهي الذئبة (١). قال الزمخشري: من السلاطة، وهي شدة الصخب، وسوء اللسان (٢). وقلت: [من الرجز] وَامْرَأة أَسْلَطُ مِنْ سِلْقَةْ ... أَصْبَحَ مِنْها البَعْلُ في رِبْقَةْ أَوْلادُهُ مِنْها فَما إِنْ لَهُ ... مِنْها خَلاصٌ لا وَلا فُرْقَةْ لا إِنْ شَكى يُشْكَى وَلا إِنْ بَكا ... يُرْثَى لَهُ مِنْ هَذِهِ الْحُرْقَةْ تَقْرُصُ كَالأَفْعَى وَلَكِنَّها ... تَرْقُصُ رَقْصَ الذِّئْبِ وَالإنْقَةْ هذا البلاء المستعاذ برب العرش منه هي من حقه. والإنقة مؤنث الإنق -بكسر الهمزة فيهما-، وهو الذئب. قال في "الصحاح": وربما قالوا للقرد: إلقة، ولا يقال للذكر -أي: من القرود- إلقة، ولكن قرد رُبَّاح؛ أي: كَرُمَّان، وهذا المعنى الثاني هو الذي أردته في البيت (٣). وقد وقع تشبيه المرأة السوء بالذئبة الغبشاء، وهي التي تغبش في الغبش في شعر الأعشى المازني الذي أنشده للنبي ﷺ فيما رواه عبد

стр. 5748

الكريم بن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" عن الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن بهضل، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه نضلة ابن طريف: أن رجلًا منهم يقال له: الأعشى، واسمه: عبد الله بن الأعور، كان عنده امرأة منهم يقال لها: معاذة، فخرج يَمير أهله من هجر، فهربت امرأته من بعده، فأنشزت عليه، فعاذت برجل منهم يقال له: مطرف بن بهضل، فأتاه فقال له: يا ابن عم! عندك امرأتي معاذة فادفعها إلي. قال: ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك. وكان مطرف أعز منه، فخرج حتى أتى النبي ﷺ ، فعاذ به، فأنشأ يقول: [من الرجز] يا سَيِّدَ النَّاسِ وَديانَ العَرَبْ ... إِلَيْكَ أَشْكُو ذرْبَةً مِنَ الذَّرَبْ كَالذئْبَةِ الغَبْشاءِ في ظِلِّ السَّرَبْ ... خَرَجْتُ أَبْغِيها الطَّعامَ في رَجَبْ فَخَلَّفَتْنِي بِنَزاعٍ وَهَرَبْ ... أَخْلَفَتِ الوَعْدَ وَلَطتْ بِالذَّنَبْ وَهُنَّ شَرُّ غالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ فقال النبي ﷺ : "وَهُن شَرُّ غَاِلبٍ لِمَنْ غَلَبْ". فشكا إليه امرأته، وأنها عند رجل منهم يقال له: مطرف بن بُهضُل، فكتب إليه النبي ﷺ كتابًا: "انْظُرِ امْرَأةَ هَذا مُعاذَةَ فَادْفَعْها إِلَيهِ". قال: فقرئ عليه كتاب النبي ﷺ ، فقال: يا معاذة! هذا كتاب النبي ﷺ فيك، وأنا دافعك إليه.

стр. 5749

قالت: فخذ لي عليه العهد والميثاق، وذمة نبيه ﷺ أن لا يعاقبني فيما صنعت. فأخذ لها ذلك عليه، ودفعها مطرف إليه. أخرجه أبو الفتح بن سيد الناس في كتابه "منح المدح" بنحوه (١). وفي "الصحاح": امرأة ذربة صخابة، وذِرْبة أيضًا مثل قربة، وأنشد البيت (٢). وقال في "القاموس": الذِربة -بالكسر-: السليطة (٣). وأنشد الشيخ تاج الدين السبكي في "طبقاته" لأعرابي قيل له: من لم يتزوج امرأتين لم يذق حلاوة العيش، فتزوج امرأتين، فندم، ثم أنشأ يقول: [من الوافر] تَزَوَّجْتُ اثْنتَيْنِ لِفَرْطِ جَهْلِي ... بِما يَشْقَى بِهِ زَوْجُ اثْنتَيْنِ فَقُلْتُ أَصِيرُ بَيْنَهُما خَرُوفًا ... أُنَعَّمُ بَيْنَ أَكْرَمِ نَعْجَتَيْنِ فَصِرْتُ كَنَعْجَةٍ تُضْحِي وَتُمْسِي ... تُداوَلُ بَيْنَ أَخْبَثِ ذِئْبَتَيْنِ رِضَى هَذِي يُهيِّجُ سُخْطَ هَذِي ... فَما أَعْرَى مِنْ إِحْدى السَّخْطَتَيْنِ وَألْقى في المَعِيشَةِ كُلَّ بُؤْسٍ ... كَذاكَ الضَّرُّ بَيْنَ الضَرَّتَيْنِ

стр. 5750

لِهَذِي لَيْلَةٌ وَلِتِلْكَ أُخْرَى ... عِتابٌ دائِمٌ في اللَّيْلَتَيْنِ (١) * تنبِيهٌ: المرأة -وإن كانت المغيرة مكتوبة عليها، وأقيم للغيراء العذر بقوله ﷺ : "مَا تَدْرِيْ الغَيْرَاءُ أَعْلَىْ الوَادِي مِنْ أَسْفَلِه" كما ذكره التجاني في "تحفة الفردوس" (٢)؛ حتى قال مالك، وغيره من علماء المدينة بإسقاط الحد عن المرأة إذا قذفت زوجها على وجه الغيرة- فإن الأكمل في حقها الصبر والتسلي؛ فإن تزوُّج الرجل بأكثر من واحدة شيء رخص فيه للرجال لتكون راضية بحكم الله تعالى، حاصلة على الثواب الذي أعده الله تعالى لها على ذلك. روى الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالى كَتَبَ الغَيْرَةَ عَلَىْ النِّسَاءِ وَالجِهَادَ عَلَى الرِّجَالِ؛ فَمَن صَبَرَ مِنْهُنَّ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا كَانَ لهَا مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيْدِ" (٣). ولمَّا كانت الغيرة من المرأة مكدرة بينها وبين الرجل، منغصة لعيشتهما، شاغلة لقلوبهما قال النبي ﷺ حين قالوا: يا رسول الله! ألا تتزوج من الأنصار؟

стр. 5751

قال: "إِنَّ فِيْهِمْ لَغَيْرَةً شَدِيْدَة". رواه النسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه (١). ولما كانت الغيرة قل أن يسلم منها امرأة بشهادة حديث ابن مسعود المتقدم قال الفقهاء: يستحب للرجل ألا يزيد على امرأة واحدة إلا إذا لم يتحصن إلا بأكثر من واحدة. ٩٣ - ومنها: التشبه بالعضرفوط في قلة الأدب مع القِبلة، وترك الآداب؛ وهي دويبة لا خير فيها . وقيل: هي ذكر العظاه، تذكر الأعراب أنها لا تبول قط إلا شغرت ببولها تلقاء القبلة (٢). ومن عادة الكلب أنه إذا بلغ السفاد بال كذلك شاغراً برجله لأي جهة كانت، لا يبالي معظمة كانت تلك الجهة أو غير معظمة. ويشبه الكلب في ذلك من يبول إلى جدران المساجد ولو من ظاهرها، أو يستجمر بها، وذلك حرام. ٩٤ - ومنها: التبختر في المشي تشبهاً بالديك، والغراب، والطاوس لأنها تتبختر في مشيها . ولذلك قالوا في المثل: أخيل من ديك، ومن غراب، وأزهى من طاوس؛ كما تقدم.

стр. 5752

وقال الراجز: [من الرجز] سُبْحانَ مَنْ مِنْ خَلْقِهِ الطَّاووسُ ... طَيْرٌ عَلى أَشْكالِهِ رَئيسُ في الوَشْيِ مِنْهُ ركبتْ فلوسُ ... كَأَنَّهُ في مَشْيِهِ عَرُوسُ (١) ٩٥ - ومنها: مصاحبة أهل الشر، ومجامعتهم على الظلم ، ومجالستهم في غير طاعة الله تعالى تشبهاً بالغراب، والذئب في وقوعها على الجيف مع أنهما غير متجانسين. وقد قالت العرب في أمثالها: كالغراب والذئب؛ يضرب للرجلين بينهما موافقة لا يختلفان (٢)، وإذا اتفقا على المكروه كان المثل فيهما أظهر؛ لأن الذئب إذا أغار على الغنم تبعه الغراب ليأكل ما فضل منه. وأتباع الظلمة أشبه الناس بالغربان إذا لحقوا بهم لينالوا مما ينالونه من غصب الناس وظلمهم. ٩٦ - ومنها: أن يحاول الإنسان مرتبة لا تليق به التحاقاً بأرباب المراتب، فربما رين به دون بلوغ مطلوبه ، وربما أراد العود إلى مرتبته فلا يطيقها، وهو في ذلك متشبه بالعلق والغراب. وفي أمثال العامة: إن العلقة إذا أرادت مطاولة الحية تقطعت ولم تبلغ طولها.

стр. 5753

وتزعم العرب أن الغراب نظر إلى الحمامة تمشي، فأراد محاكاتها في مشيه، فنسي مشيه، ولم يبلغ مشيها حتى قال الشاعر: [من الكامل] إِنَّ الغُرابَ وَكانَ يَمْشِي مَشْيَهُ ... فِيما مَضَى مِنْ سالِفِ الأَحْوالِ حَسَدَ القَطاةَ وَكانَ يَمْشِي مَشْيَها ... فَأَصابَهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّعْقالِ فَأَضَلَّ مِشْيَتَهُ وَأَخطَأَ مَشْيَها ... فَلِذَاكَ سَمَّوْهُ أَبا الْمرْقالِ (١) ٩٧ - ومنها: التشبه في سرعة الغضب بالخنفساء، وفي شدته بالنمر . ومن أمثالهم: هو أسرع غضباً من فاسية وهي الخنفساء؛ وذلك لأنها إذا تحركت فست وفاح نتنها (٢). وقالوا: إن النمر أخبث من الأسد؛ فإنه لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يقتل نفسه (٣). ويقال: إنه أشد السباع حَرَداً إذا حرب. وقال الأصمعي: يقال: تنمر فلان له؛ أي: تنكر، وتغير، وأوعده؛ لأن النمر لا تلقاه أبدًا إلا متنكراً غضبان (٤). واللائق بالإنسان المفضَّل بالعقل عن سائر الحيوان أن يملك

стр. 5754

بعقله نفسه عند الغضب، وإلا كان سبعًا كاسراً، أو شيطاناً مريداً كما تقدم في التشبه بالشيطان. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل: يا رسول الله! مرني بعمل، وأقلل. قال: "لا تَغْضَبْ". ثم أعاد عليه، فقال: "لا تَغْضَبْ" (١). وروى أبو يعلى بسند حسن، عن ابن عمر ﵄ قال: قلت لرسول الله ﷺ : قل لي قولًا، وأقلل لعلي أعقله. فقال: "لا تَغْضَبْ". فأعدت عليه مرتين؛ كل ذلك يرجع إلي: "لا تَغْضَبْ" (٢). وروى ابن أبي الدنيا، والطبراني في "معجمه الكبير"، و"الأوسط" بإسناد حسن، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! دُلَّني على عمل يدخلني الجنة. قال: "لا تَغْضَبْ" (٣).

стр. 5755

وروى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو (١) رضي الله تعالى عنهما: أنه سأل النبي ﷺ ، وأخرجه الطبراني في "مكارم الأخلاق"، وابن عبد البر في "التمهيد" بإسناد حسن، عنه قال؛ سأل رجل رسول الله ﷺ : ما يبعدني من غضب الله؟ قال: "لا تَغْضَبْ" (٢). وروى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا تَعُدُّوْنَ الصُّرَعَةَ فِيْكُمْ؟ ". قلنا: الذي لا يصرعه الرجال. قال: "لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" (٣). وروى البيهقي في "الشعب" بإسناد جيد، عن عبد الرحمن بن عجلان مرسلاً: أن النبي ﷺ قال: "أَشَدُّكُمْ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" (٤). وهو عند ابن أبي الدنيا بسند ضعيف، من حديث علي ﵁،

стр. 5756

وزاد فيه: "وَأَحْلَمُكُمْ مَنْ عَفَا بَعْدَ القُدْرَةِ" (١). وروى البيهقي بسند ضعيف، من حديث علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "خَيرُ أُمَّتي أَحِدَّاؤهَا؛ الذِيْنَ إِذَا غَضِبُوْا رَجعُوْا" (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت"، والبيهقي في "الشعب" بإسناد حسن، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "مَنْ كَفَّ لِسَانهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرتَهُ، وَمَنْ مَلَكَ غَضَبَهُ وَقَاهُ اللهُ عَذَابَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلى اللهِ قَبِلَ اللهُ عُذْرَهُ" (٣). وروى البزار، وابن عدي في "الكامل" بإسناد ضعيف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لِلنَّارِ بَابٌ لا يَدْخُلُهُ إلا مَنْ شَفَىْ غَيْظَهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ" (٤).

стр. 5757

وروى ابن السني في "عمل اليوم والليلة" من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها، وقال: "يَا عُوَيْشُ! قُوْلي: اللهُمَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ! اغْفِرْ لي ذَنْبي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبي، وَأَجِرْني مِنْ مُضِلاَّتِ الفِتَنِ" (١). ٩٨ - ومنها: التشبه بالحمار ونحوه في عدم التأثر من الكلام الفاحش ، وفي الإقامة على الذل، والرضا به في غير حق. روى أبو نعيم عن الربيع قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استرضي فلم يرض فهو شيطان. وفي رواية: ومن غضب، فاسترضي، فلم يرض فهو شيطان. وفي راوية: ومن استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استرضي فلم يرض فهو شيطان (٢). وفي رواية: ومن غضب، فاسترضي ولم يرض فهو جبار (٣). قال الباخرزي: [من المنسرح] ما لِي أَرى النَّاسَ يَأخُذُونَ ويعـ ... ـطونَ وَيسْتَمْتِعُونَ بِالنَّشَبِ

стр. 5758

وَأَنْتَ مِثْلَ الْحِمارِ أَبْكَمُ لا ... تَشْكُو جِراحًا بِأَلْسُنِ العَرَبِ (١) وقال آخر: [من البسيط] وَلا يُقِيمُ عَلى ضَيْمٍ يُسامُ بِهِ ... إِلاَّ الأَذَلاَّنِ عَيْرُ الْحَيِّ وَالوَتَدُ هَذا عَلى الْخشفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذا يُشَجُّ فَلا يَرْثي لَهُ أَحَدُ (٢) وروى الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، والإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" عن علي، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ﷺ قال: "لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". قالوا: كيف يذل [نفسه]. قال: "يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلاءِ مَا لا يُطِيْقُ" (٣). ٩٩ - ومنها: أن يعجب الإنسان بعقله ومعرفته ، وهو من البلادة على جانب لا يتنبه، وإن نبه فيكون في جهله المركب أشبه شيء بالحمار. وقال الزمخشري: يقال: أبلد من ثور، ومن سُلَحْفاة. وذكر من أمثالهم: إنما طعام فلان القفعاء والتأويل، قال: وهما نَبْتان يأكلهما الحمار، يضرب لمن استبلد فهمه (٤).

стр. 5759

وفي أمثال العامة: ماذا يعرف الحمير بأكل الزنجبيل. وقيل في توما الحكيم، وكان يأتي من يطبهم على حمار: [من مخلع البسيط] قالَ حِمارُ الْحَكِيمِ توما ... لَوْ أَنْصَفُوني لَكُنْتُ أَرْكَبْ لأَنَّنَي جاهِلٌ بَسِيطٌ ... وَصاحِبِي جاهِلٌ مُرَكَّبْ (١) ١٠٠ - ومنها: التشبه بالحمار في رد الكرامة . روى سعيد بن من منصور في "سننه" عن محمَّد بن علي؛ وهو محمَّد بن الحنفية قال: أُلقي لعلي رضي الله تعالى عنه وِسادة فقعد عليها، وقال: لا يأبى الكرامةَ إلا حمارٌ (٢). وأخرجه الديلمي عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما - مرفوعًا (٣). وهذا الأثر دائر على الألسنة بلفظ: إلا لئيم، والمعنى متقارب. وذكر حجة الإِسلام في "الإحياء": أن أنس بن مالك ﵁ اجتمع هو وثابت البناني على طعام، فقدم أنس بن مالك الطست إليه، فامتنع، فقال: إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته، ولا تركها؛ فإنما يُكْرِم الله تعالى (٤).

стр. 5760

١٠١ - ومنها: التشبه بالحمار وغيره من البهائم في عدم الانزجار عن الشيء إلا بالإهانة، والضرب بالسَّوط ونحوه . روى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان بن عيينة قال: قال أمير المؤمنين علي - رضي الله تعالى عنه - للناس: عاقبتكم بالدِّرَّة التي يعاقب بها أولي النهي، وعاقبتكم بالسوط الذي يعدل به الإبل. وذكر ابن سعد في "طبقاته": أن أول من اتخذ الدِّرَّة عمر بن الخطاب ﵁. قال: ولقد قيل بعده: لَدِرَّةُ عمر أَهيبُ من سوطكم (١). قلت: وإنما كان لأمرين: الأول: قوة عمر ﵁ وصلابته في الدين، وخوفه من الله تعالى، فكانت له هيبة تكفيه معها الدِّرَّة. والثاني: أن الناس كانوا قريبي عهد من الإِسلام، وكان للإسلام حدة ووقار، وللناس إذ ذاك حياء موفر، فكانت دِرَّة عمر تكفيهم في رد من انحرف منهم عن جادة الاستقامة. ثم لما تبدت في الناس مَخَايل الخلاف وأوائل الانحراف احتاجوا إلى زيادة في التخويف والعقوبة. وقد روى عبد الله ابن الإِمام أحمد عن ابن جدعان قال: كان عمر

стр. 5761

رضي الله تعالى عنه قد اتخذ دِرَّة، فلما جاء عثمان رضي الله تعالى عنه اتخذ دِرَّة أشد منها (١) -وذلك لما بيناه- ثم لما تفاقم الأمر في زمن علي رضي الله تعالى عنه اتخذ دِرَّة كدِرَّة عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، واتخذ مع ذلك سوطًا كما تقدم عن ابن عيينة. قلت: وما زال الشر يزداد ويتقاحم الناس فيه حتى اتخذ لهم الملوك والأمراء أنواع العقوبات، وألوان العذاب والتمثيلات، وتجاوزوا أحكام الشريعة في ذلك، وتعدوا حدودها؛ فإن الشرع ينهى عن المُثْلة، ولم يرجع الناس عن مثل ما صدر ممن مثل به منهم عليه. ولقد ذاكرت بعض الأمراء في السياسات التي أحدثوها وتفننوا في تلوينها، فاعتذر عن ذلك بأنهم قصدوا بذلك الزيادة في الردع. فقلت: لو اتبعوا الشرع في الحدود والتأديب لكان أبلغ من هذه المُثُل التي أحدثوها وسمَّوها سياسة. فقال لي: لم أفهم كون الشرع أبلغ من السياسة. فقلت له: يظهر لك هذا بمثالين: الأول: إنكم تأخذون الزاني فتغرِّمونه المال أو تقتلونه، ولو جلد البكر وغُرِّب عن وطنه عامًا، ورجم المحصن بمشهد من الناس حتى يموت، لكان أبلغ في الزجر عن الزنا. فتأمل، ثم قال لي: صدقت.

стр. 5762

قلت: والمثال الثاني: أنكم تأخذون السارق فتغرمونه أو تقتلونه، ولا تأمرونه برد السرقة إلى صاحبها, ولو فعلتم بالشرع فقطعت يده اليمنى، وإن عاد قطعت رجله اليسرى، بقي في الناس عَجَباً كل من يراه ينزجر عن مثل فعله، فإن هذا أبلغ من القتل؛ فإن المقتول يوارى عن الأعين سريعا فينساه الناس، وهذا يبقى بين الناس. فقال لي: صدقت. وكان هذا الأمير أمير الحاج الشامي، وكانت هذه المذاكرة في الطريق ذهاباً، فلما رجعنا من الحج ثبت على رجل سرقة نصاب، فلما عرض على الأمير تذكَر ما ذاكرته، فقال: اذهبوا فاقطعوا يده. فألقى السارق نفسه على قدمي الأمير يقبل خفيه، ويقول له: أنت في حل من دمي، فاقتلني، لا تقطع يدي فأبقى مشهورًا بين الناس. فقال له: هذا حكم الشرع. ثم رأيت هذا الأمير بعد مدة، فقال لي: لقد ظهر لي حقيقة ما ذكرتم من أن الشرع أبلغ من السياسة، وذكر لي قصة السارق. ١٠٢ - ومنها: التشبه بالحمار ونحوه بالنعاس عند مذاكرة العلم، واستماع الموعظة، وتلاوة القرآن . روى الدينوري في "المجالسة" عن خالد بن صفوان رحمه الله تعالى: أن رجلًا قال له: إني إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار، وتتدارسون الآثار, وتتناشدون الأشعار؛ وقع عليَّ النعاس.

стр. 5763

قال: لأنك حمار في مثال إنسان (١). ١٠٣ - ومنها: التشبه بالحمار ونحوه أيضًا في التكلم والخطيبُ على المنبر . فإن ذلك لا يمنع الحمار من النهيق، ولا الثور من الخُوار، ولا البعير من الرُّغاء، ولا الكلب من النباح، فمن لم يمتنع حينئذ من الكلام أشبه الناس بهذه الدواب. روى الإِمام أحمد بإسناد حسن، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يتكلَّمُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُوْلُ لَهُ: أَنْصِتْ، لا جُمُعَةَ لَه" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن علقمة: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال لرجل كلَّمَ صاحبه يوم الجمعة والإمامُ يخطب: أما أنت فحمار، وأما صاحبك فلا جمعة له (٣). ١٠٤ - ومنها: التشبه بالحمار في مسابقة الإِمام في أفعال الصلاة من حيث إنه لم يتقيد في أفعاله ، كما أن الحمار لم يتقيد في أفعاله.

стр. 5764

روى الأئمة الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أَنِ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللهُ صُوْرتهُ صُوْرَةَ الحِمَارِ" (١). ١٠٥ - ومنها: التشبه بالكلب، وسائر السمع، والقرد ، والكلب، والحمار، والبعير، والديك في أفعالٍ نهى النبي ﷺ في الصلاة. روى الإِمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: نهاني رسول الله ﷺ عن ثلاث: نَقْرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب (٢). وروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله تعالى عنه -وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث (٣) - أن النبي ﷺ نهى المصلي عن نقرة الغراب (٤). وأخرجه الحاكم، ولفظه: نهى عن نقرة الغراب، وافتراش السبع،

стр. 5765

وأن يُوطِّن المكان كما يوطنه البعير (١). قال البغوي في "شرح السنة": نقرة الغراب: هي أن لا يتمكن من السجود ولا يطمئن فيه، بل يمس بانفه وجبهته الأرض، [ثم يرفعه كنقرة الطائر، وافتراش السبع: أن يمد ذراعيه على الأرض] ولا يرفعهما، انتهى (٢). وروى الإِمام أحمد، والأئمة الستة عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "اعْتَدِلُوْا في سُجُوْدِكُمْ، وَلا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ" (٣). وفي الباب عن عائشة، وجابر، وغيرهما (٤). وأما إيطان البعير، فقال أبو سليمان الخطابي: فيه وجهان: أحدهما: أن يَأْلَف الرجل مكاناً معلوما من المسجد لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يأوي من عَطَنه إلا إلى مَبْرَك رمث قد أوطنه. والوجه الآخر: أن يبرك على ركبتيه إذا أراد السجود بروك البعير على المكان الذي أوطئه، ولا يهوي فيثني ركبتيه حتى يضعهما

стр. 5766

بالأرض على سكون ومَهَل، انتهى (١). قلت: وقد صرح النبي ﷺ بهذا المعنى الأخير فيما رواه أبو داود، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيْرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ" (٢). وقوله: وإقعاء كإقعاء الكلب؛ وَرَدَ النهيُ عنه في أحاديث أُخر. روى الترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال له: "يَا عَلِيُّ! أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِيْ؛ لا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ" (٣). ورواه ابن ماجه، ولفظه: "لا تُقْعِ إِقْعَاءَ الكَلْبِ" (٤). وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: نهاني خليلي ﷺ أن أقعي كإقعاء القرد (٥). وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، والبيهقي

стр. 5767

في "السنن" عن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة (١). وذهب جماعة من أهل العلم إلى استحباب الإقعاء. فرواه ابن أبي شيبة عن جابر، وأبي سعيد الخدري، وعن طاوس، ومجاهد (٢). ورواه هو وعبد الرزاق عن العبادلة؛ ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير (٣). ورويا عن عكرمة: أنه سمع ابن عباس يقول: الإقعاء في الصلاة هو السنة (٤). والحق أن الإقعاء على نوعين: أحدهما، ويقال له: الافتراش: وضع الأَليتين بباطن القدمين، وهو الذي كان يفعله هؤلاء، وهو الذي أراده ابن عباس بقوله: هي السنة. بدليل ما رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة بسند صحيح، عن

стр. 5768

طاوس، عن ابن عباس ﵄ قال: من السنة أن تضع أليتيك على عقبيك في الصلاة (١). وفي رواية لعبد الرزاق بإسناد صحيح، عن طاوس قال: قلنا لابن عباس: ما الإقعاء على القدمين؟ فقال: هي السنة. فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل. قال ابن عباس: بل هي سنة نبيك ﷺ (٢). والثاني: الجلوس على الوَركين مع نصب الفخذين، وهو المراد بالنهي، كما يفهم من تقييد الإقعاء بإقعاء الكلب، وإقعاء القرد. واشترط أبو عبيدة أن يضع يديه مع ما تقدم بالأرض؛ إذ بذلك يتم التشبه بإقعاء الكلب، والقرد (٣). والأصح: لا يشترط ذلك، وهذه الهيئة هي المكروهة؛ كرهها علي، وأبو هريرة، والنخعي، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم (٤).

стр. 5769

ورُفع إلى شيخ الإِسلام الوالد - رحمه الله تعالى - في ذلك سؤال صورته: [من الكامل] ما قَوْلُكُمْ يا سَيّدَ الفُقَهاءِ ... في العَصْرِ بَلْ يا أَوْحَدَ العُلَماءِ في مُشْكِلٍ أَمْرِ النَّبِيِّ وَنَهْيِهِ ... جاءا مَعاً فِي جِلْسَةِ الإِقْعاءِ ما الْجَمْعُ بَيْنَهُما وَهَلْ صَحَّا مَعاً ... أَوْ لا فَبَيّنْ ذاكَ يا مَولاءِ لا زِلْتَ كَهْفاً لِلأَنامِ وَمَلْجَأً ... ما عُوقِبَ الإِصْباحُ بِالإِمْساءِ وَبَقِيتَ في عِزٍّ وَسَعْدٍ دائِمٍ ... وَسَعادَةٍ لا تَنْقَضِي وَهَناءِ فأجاب عنه بقوله رحمه الله تعالى: [من الكامل] مِنْ بَعْدِ حَمْدِ الله ذِي الآلاءِ ... حَمْداً كَثِيرًا جَلَّ عَنْ إِحْصاءِ قَدْ صَحَّ عَنْ هادِي الأَنامِ مُحَمَّدٍ ... أَمْرٌ وَنَهْيٌ مِنْهُ عَنْ إِقْعاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُما بِأَنَّ الأَمْرَ فِي ... شَيْءٍ وَأَنَّ النَّهْيَ في أَشْياءِ فَالأَمْرُ وَضْعُ الأَلْيَتَيْنِ بِباطِنِ الـ ... أَقْدامِ وَافْرُشْها كَالاسْتِلْقاءِ وَالنَّهْيُ لِلوَرْكَيْنِ تَجْلِسُ ناصِباً ... فَخِذَيْكَ مِثْلَ الذِّئْبِ وَالعَوَّاءِ وأَبُو عُبَيْدَةَ زادَ وَضْعَ يَدَيْهِ مَعْ ... هَذا بِأَرْضٍ أَوْ بِنَحْوِ وِطاءِ أَوْ غَيْرِ هَذا وَالْكَراهَةَ قَدْ حَكَوْا ... في الْكُلِّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الفُضَلاءِ هَذا جَوابُ مُحَمَّدِ الغَزِّيِّ مَنْ ... يَرْجُو مِنَ الرَّحْمَنِ خَيْرَ عَطاءِ ثُمَّ الصلاةُ عَلى النَّبِيِّ وَآلِهِ ... وَالصَّحْبِ وَالأَتْباعِ وَالْعُلَماءِ

стр. 5770

* لَطِيفَةٌ: ذكر ابن قتيبة في "عيون الأخبار": أن مَّما يُتحاجى به: ما شيءٌ إذا قام أقصر منه إذا قعد؛ يريدون الكلب لأن قعوده إقعاء (١). وقلت في المعنى: [من الهزج] أَلا قُلْ لِلَّذِي أَضْحَى ... لِنُورِ الْعِلْمِ مُقْتَبِسا فَما شَيْءٌ يُرى إِنْ قا ... مَ أَقْصَرَ مِنْهُ إِنْ جَلَسا أو يقال، وهو أفقه: [من الهزج] أَلا قُلْ لِلَّذِي أَضْحى ... بِرُكْنِ العِلْمِ مُعْتَمِدا فَما شَيْءٌ يُرى إِنْ قا ... مَ أَقْصَرَ مِنْهُ إِنْ قَعَدا وقوله في الحديث السابق: "والتفات كالتفات الثعلب"؛ فيه إشارة إلى أن الالتفات المنهي عنه في الصلاة هو ما كان لغير حاجة، بل لمجرد العبث والتلهي كما يلتفت الثعلب، فلو كان الالتفات لحاجة لم يكره؛ لما رواه أبو داود عن سهل بن الحنظلية رضي الله تعالى عنه قال: ثُوِّبَ في الصلاة؛ يعني: صلاة الصبح، فجعل النبي ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب. قال أبو داود: كان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يحرس (٢).

стр. 5771

وروى الدارقطني عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلا يدبحُ كَمَا يدبحُ الحِمَارُ، وَلَكِنْ لِيُقِمْ صُلْبَهُ" (١). وروى نحوه عن علي، وأبي موسى رضي الله تعالى عنهما (٢). والتدبيح -بالدال المهملة، والمعجمة أيضًا- هو: أن يقبب ظهره، ويطأطئ رأسه. وحكى صاحب "الصحاح" في فصل الدال المهملة: دبخ -بالخاء المعجمة، والمهملة- عن أبي عمرو، وابن الأعرابي (٣). والمراد: أن يطاطئ رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من ظهره، والسنة أن يسوي بين ظهره ورأسه. ففي "مسلم" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه، ولم يُصَوِّبه، ولكن بين ذلك (٤). وفي "البخاري" عن أبي حميد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ

стр. 5772

كان إذا ركع أمكن يديه على ركبتيه، ثم هَصَرَ (١) ظهره (٢)؛ أي: ثناه إلى بطنه. وفي حديث سعد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَخْبُطُوْا خَبْطَ الجَمَلِ، وَلا تَمُطُّوْا يَاءَ آمِيْنَ". ذكره البغوي في "شرح السنة"، ثم قال: وأصل الخبط: ضرب البعير الشيء بخفه، انتهى (٣). والسنة أن ينهض في الصلاة على صدور قدميه، ولا يقدم إحدى الرجلين على الأخرى عند النهوض كما يقوم البعير ويخبط بيده. وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود ﵁: أنه كان يقول: إذا سلم الإِمام فانصرف حيث كانت حاجتك يمينا أو شمالاً، ولا تستدر استدارة الحمار (٤). والسنة أن ينصرف المصلي حيث يكون له حاجة يمينًا أو شمالاً، فإذا استوى الجانبان انصرف حيث شاء، واليمين أولى. * فائِدَةٌ: في الحديث عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أنه دخل المسجد والنبي ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى

стр. 5773

النبي ﷺ صلاته قال: "أيُّكُمُ الَّذِي رَكَعَ دُوْنَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلى الصَّفِّ؟ ". فقال أبو بكرة: أنا. فقال النبي ﷺ : "زَادَكَ اللهُ حِرْصَا، وَلا تَعُدْ" (١). اختلف في قوله: "وَلا تَعُدْ" فقيل: إلى الإحرام خارج الصف. وأنكره ابن حبان، وقال: لا تعد إلى الإبطاء في المجيء إلى الصلاة (٢). وقال غيره: لا تعد إلى إتيان الصلاة مسرعا، واحتج له بما رواه ابن السكن (٣) في "صحيحه" عنه، ولفظه: أقيمت الصلاة فانطلقت أسعى حتى دخلت الصف، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال: "مَنِ السَّاعِيْ آنِفًا؟ ". قال أبو بكرة رضي الله تعالى عنه: فقلت: أنا. فقال: "زَادَكَ اللهُ حِرْصَا، وَلا تَعُدْ" (٤). وقال ابن القطان الفاسي -تبعًا للمهلَّب بن أبي صُفرة-: لا تعد إلى دخولك إلى الصف وأنت راكع؛ فإنها مِشْية البهائم.

стр. 5774

قال ابن حجر: ويؤيده ما رواه حماد بن سلمة في "مصنفه" عن الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أنه دخل المسجد ورسول الله ﷺ يصلي وقد ركع، فركع، ثم دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف النبي ﷺ قال: "أيُّكُمْ دَخَلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ؟ ". فقال له أبو بكرة: أنا. فقال: "زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلا تَعُدْ" (١). قلت: وإنما قال له: "زَادَكَ اللهُ حِرْصًا" قبل أن ينهاه عن العَوْدِ إشارةً إلى الاعتذار عنه بأنه إنما حمله على ذلك حرصه على الخير. ولا بد من تقييد الحرص الذي دعا له به بالحرص على الخير كما رواه الطبراني في "الكبير" بلفظ: "زَادَكَ اللهُ عَلَى الخَيْرِ حِرْصًا، وَلا تَعُدْ". والمعنى: أن العبد -وإن كان حريصاً على الخير- ينبغي أن يتقيد في طلبه بالمشروع من أَنَاة وغيرها, ولا تحمله شدة الحرص على العجلة التي تخل بأدب من آداب الشريعة كما حمل أبا بكرة حرصه على تحصيل الجماعة مع النبي ﷺ والمبادرة إليها على أنْ عَجِل، فأحرم، أو ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف راكعا، فأشبه ذوات الأربع في مشيها، وهي هيئة مباينة للأدب، فإن مشى الإنسان راكعاً

стр. 5775

نظرًا إلى حالته المكرَّم بها من انتصاب القامة، وحسن هيئته ماشيًا مع انتصاب قامته مثله لا يليق بحال المصلي؛ فإنه بحضرة الله تعالى ماثل بين يديه في خدمته، فاللائق أن يكون على أكمل الهيئات. وقد علم من ذلك أن الإنسان إذا مشى منحنياً من غير علة أو ضرورة كان ذلك خلاف الأولى به؛ لأنه يشبه بذلك ذوات الأربع في مشيها. ولو قيل بكراهة لم يبعُدْ. ولا يشك في كراهة ذلك في الصلاة؛ فافهم! ١٠٦ - ومن الخصال التي لا تليق بالعبد لأنها مما تلحقه بالبهائم: التشبه بالدابة الشَّموس . وهي التي تمنع ظهرها في الامتناع عن الخير. ومنه قيل للرجل الصعب الخلق: شموس، كما في "الصحاح" (١). ومن أفراد ذلك: أن لا يطاوع من يشير إليه في تسوية الصف ونحوها. روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح -وأصله في "صحيح البخاري"- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اعْتَدِلُوْا في صُفُوْفِكُمْ، وَتَرَاصُّوْا؛ فَإِني أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِيْ". قال أنس: لقد رأيت أحدنا يَلْزِق منكِبه بمنكب صاحبه، وقدمه

стр. 5776

بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك لترى أحدهم كأنه بغل شموس (١). وإنما شبه بالبغل لأن شماس البغل أشد من شماس غيره. فينبغي لمن كان في صلاته وأمر بتسوية الصف، أو أشير إليه بذلك، أو جذبه منفرد خلفه ليكونا صفًّا ثانيًا, ولا يبقى الجاذب منفردًا وحده خلف الصف، أن يسارع إلى المطاوعة، ولا يمتنع. فقد روى عبد الرزاق عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُكُمْ أليَنكُمْ مَنَاكِبَ فيْ الصَّلاَةِ" (٢). وهو في "سنن أبي داود" متصلًا مرفوعًا (٣). وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، والبزار بسند حسن، عن ابن عمر (٤) ﵄ (٥).

стр. 5777

وفي الحديث: "المُؤْمُنُوْنَ هَيِّنُوْنَ لَيِّنُوْنَ". أخرجه البيهقي في "الشعب" من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (١). ١٠٧ - ومنها: العبث بالشيء , والولوع به خصوصاً في الصلاة، ومجالس الذكر، ودروس العلم تشببهاً بالقرد، والهر، ونحوها من الحيوانات العابثة. وفي المثل -كما ذكره الزمخشري-: أعبث من قرد، وأولع من قرد (٢). وقال النبي ﷺ وقد رأى رجلًا يعبث في صلاته: "لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ". رواه الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٣). وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ سُكُوْنُ الأَطْرَافِ" (٤).

стр. 5778

١٠٨ - ومنها: التشبه بالفرس الصافن في الصلاة، أو الفرس المقيد . فقد ذكر رزين العبدوي في "صحيحه" عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصفن والصفد في الصلاة، وعزاه إلى الترمذي. قال العراقي: ولم أجده عنده ولا عند غيره، وإنما ذكره أصحاب الغريب كابن الأثير في "النهاية" (١). والذي في "النهاية": نهي عن صلاة الصافد -بالدال المهملة-؛ وهو أن يقرن (٢) بين قدميه معاً كأنه في قيد (٣). ونهى عن صلاة الصافن -بالنون-؛ قال: وهو الذي يجمع بين قدميه. وقيل: هو أن يثني قدمه إلى ورائه، كما يفعل الفرس إذا ثنى حافره (٤). قال في "الصحاح": والصافن من الخيل: القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، انتهى (٥). ويتحقق الصفن من المصلي وغيره بأن يقف على إحدى رجليه

стр. 5779

ممكِّناً لها من الأرض، ويقف على أصابع الأخرى، أو يرفعها مثنية إلى ورائه، وهو خلاف الأدب في الصلاة؛ إن الأدب أن يقف على قدميه معًا مفرجًا بينهما قدر أربع أصابع. وأما الحديث الذي أورده الجوهري: كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا خلفه صفوناً تبعناه، فالصفن فيه ليس على المعنى المتقدم المنهي عنه، بل هو بمعنى صف القدمين كما فسره به الجوهري، فلا تعارض بينه وبين حديث النهي، وحقيقة صف القدمين: مساواتهما في الوقوف عليهما معاً (١). وروى سعيد بن منصور في "سننه": أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رأى رجلًا صافداً، أو صافناً قدميه، فقال: أخطأ هذا السنة (٢). ١٠٩ - ومنها: أن يفترش ذراعيه في السجود افتراشاً كافتراش الكلب . روى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ نهى أن يفترش الرجل ذراعيه كما يفرش الكلب (٣).

стр. 5780

وهو كما في "النهاية": أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض (١). ١١٠ - ومنها: أن يشم الطعام قبل أكله تقذرًا لأنه يشبه بذلك السباع والبهائم . روى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "لا تَشَمُّوْا الطَّعَامَ كَمَا تَشَمُّهُ السِّبَاعُ" (٢). ١١١ - ومنها: النشبه بالبهائم في تناول الطعام بالفم من الإناء ونحوه . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]: إن كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا ابن آدم؛ فإنه يرفعه إلى فيه بيده (٣). قلت: فإذا تناول الطعام بفيه دون يده كسائر الحيوانات فكأنه أبى تلك الكرامة، وكَفَر تلك النعمة.
следующие страницы →