بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك لترى أحدهم كأنه بغل شموس (١).
وإنما شبه بالبغل لأن شماس البغل أشد من شماس غيره.
فينبغي لمن كان في صلاته وأمر بتسوية الصف، أو أشير إليه بذلك، أو جذبه منفرد خلفه ليكونا صفًّا ثانيًا, ولا يبقى الجاذب منفردًا وحده خلف الصف، أن يسارع إلى المطاوعة، ولا يمتنع.
فقد روى عبد الرزاق عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُكُمْ أليَنكُمْ مَنَاكِبَ فيْ الصَّلاَةِ" (٢).
وهو في "سنن أبي داود" متصلًا مرفوعًا (٣).
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، والبزار بسند حسن، عن ابن عمر (٤) ﵄ (٥).
стр. 5777
وفي الحديث: "المُؤْمُنُوْنَ هَيِّنُوْنَ لَيِّنُوْنَ". أخرجه البيهقي في "الشعب" من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (١).
١٠٧ - ومنها: العبث بالشيء , والولوع به خصوصاً في الصلاة، ومجالس الذكر، ودروس العلم تشببهاً بالقرد، والهر، ونحوها من الحيوانات العابثة.
وفي المثل -كما ذكره الزمخشري-: أعبث من قرد، وأولع من قرد (٢).
وقال النبي ﷺ وقد رأى رجلًا يعبث في صلاته: "لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ".
رواه الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٣).
وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ سُكُوْنُ الأَطْرَافِ" (٤).
стр. 5778
١٠٨ - ومنها: التشبه بالفرس الصافن في الصلاة، أو الفرس المقيد .
فقد ذكر رزين العبدوي في "صحيحه" عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصفن والصفد في الصلاة، وعزاه إلى الترمذي.
قال العراقي: ولم أجده عنده ولا عند غيره، وإنما ذكره أصحاب الغريب كابن الأثير في "النهاية" (١).
والذي في "النهاية": نهي عن صلاة الصافد -بالدال المهملة-؛ وهو أن يقرن (٢) بين قدميه معاً كأنه في قيد (٣).
ونهى عن صلاة الصافن -بالنون-؛ قال: وهو الذي يجمع بين قدميه.
وقيل: هو أن يثني قدمه إلى ورائه، كما يفعل الفرس إذا ثنى حافره (٤).
قال في "الصحاح": والصافن من الخيل: القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، انتهى (٥).
ويتحقق الصفن من المصلي وغيره بأن يقف على إحدى رجليه
стр. 5779
ممكِّناً لها من الأرض، ويقف على أصابع الأخرى، أو يرفعها مثنية إلى ورائه، وهو خلاف الأدب في الصلاة؛ إن الأدب أن يقف على قدميه معًا مفرجًا بينهما قدر أربع أصابع.
وأما الحديث الذي أورده الجوهري: كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا خلفه صفوناً تبعناه، فالصفن فيه ليس على المعنى المتقدم المنهي عنه، بل هو بمعنى صف القدمين كما فسره به الجوهري، فلا تعارض بينه وبين حديث النهي، وحقيقة صف القدمين: مساواتهما في الوقوف عليهما معاً (١).
وروى سعيد بن منصور في "سننه": أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رأى رجلًا صافداً، أو صافناً قدميه، فقال: أخطأ هذا السنة (٢).
١٠٩ - ومنها: أن يفترش ذراعيه في السجود افتراشاً كافتراش الكلب .
روى الشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ نهى أن يفترش الرجل ذراعيه كما يفرش الكلب (٣).
стр. 5780
وهو كما في "النهاية": أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض (١).
١١٠ - ومنها: أن يشم الطعام قبل أكله تقذرًا لأنه يشبه بذلك السباع والبهائم .
روى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "لا تَشَمُّوْا الطَّعَامَ كَمَا تَشَمُّهُ السِّبَاعُ" (٢).
١١١ - ومنها: النشبه بالبهائم في تناول الطعام بالفم من الإناء ونحوه .
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]: إن كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا ابن آدم؛ فإنه يرفعه إلى فيه بيده (٣).
قلت: فإذا تناول الطعام بفيه دون يده كسائر الحيوانات فكأنه أبى تلك الكرامة، وكَفَر تلك النعمة.
стр. 5781
١١٢ - ومنها: التشبه بالكلب ونحوه في الولوغ .
قال أهل اللغة: وَلَغ يَلِغ ولُوغًا: إذا شرب بطرف لسانه، وأكثر ما يكون في السباع.
وفي المثل: أولغ من كلب. ذكره الزمخشري (١).
وروى ابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَلَغْ أَحَدُكُمْ كَمَا يَلَغُ الكَلْبُ، وَلا يَشْرَبْ بِاليَدِ الوَاحِدَةِ كمَا يَشْرَبُ القَوْمُ الَّذِيْنَ سَخِطَ اللهُ عَلَيهِمْ، وَلا يَشْرَبْ بِاللَّيْلِ في إِنَاءٍ حَتَّى يُحَرِّكَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ إِنَاءً مُخَمَّرًا، وَمَنْ شَرِبَ بِيَده وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَىْ إِنَاءٍ يُرِيْدُ التَّوَاضُعَ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِعَدَدِ أَصَابِعِهِ حَسَنَاتٍ، وهو إناء عيسى بن مريم ﵉ إذا طرح القدح، فقال: إن هذا من الدنيا" (٢).
١١٣ - ومنها: التشبه بالبهائم في كَرْع الماء ونحوه .
قال أهل اللغة: كرع الماء يَكْرَعه كَرْعا: إذا تناوله بفيه من غير أن يشرب بكفيه، ولا بإناء كما تشرب البهائم لأنها تُدخل أكارعها في الماء.
روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: مررنا
стр. 5782
على بِركة، فجعلنا نكرع منها، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَكْرَعُوْا، وَلَكِن اغْسِلُوْا أَيْدِيَكُمْ ثُمَّ اشْرَبُوْا فِيْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ إِنَاء أَطْيَبَ مِنَ اليَدِ" (١).
وحكي عن بعض العلماء: أنه مر برجل يكرع الماء ولا يشرب بيديه، فقال له: اشرب بحافريك، اشرب بحافريك.
١١٤ - ومنها: التشبه بالبعير ونحوه في الشرب في نَفَس واحد .
وقد تقدم أنه من شرب الشيطان أيضًا.
روى الترمذي، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَشْرَبُوْا نَفَسًا وَاحِدًا كَشُرْبِ البَعِيْرِ، وَلَكِنْ اشْرَبُوْا مَثْنىَ وَثُلاثَ، وَسَمُّوْا إِذَا شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوْا إِذَا فَرَغْتُمْ" (٢).
قال الحافظ زين الدين العراقي في وجه تشبيه من شرب مرة بشرب البعير مع أن البعير يشرب بنفس ونفسين وثلاثة وأكثر باعتبار شدة عطشه، وكونه له مدة لم يشرب.
قال: والجواب أن البعير إذا عرض على الماء يشرب حاجته، وإن تنفس فإنما يتنفس في الحوض الذي يشرب منه بخلاف المكلف؛ فإنه منهي عن التنفس في الإناء.
стр. 5783
١١٥ - ومنها: التشبه بالبعير أيضًا ونحوه في التنفس، كما يؤخذ من كلام العراقي المذكور آنفاً .
وينبغي أن يعدَّ هذا من المعاني التي لأجلها كره التنفس في الإناء؛ كذا خطر لي، ثم رأيت البغوي صرح بذلك في "شرح السنة"، فذكر في سبب النهي عن التنفس في الإناء وجوهاً: - منها:
أنه من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني جرعت، ثم تنفست، ثم عادت فشربت.
- ومنها: أنه ربما حصل للإناء تغير من التنفس فيه (١).
وروى الشيخان، وغيرهما عن قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يتَنَفَّسْ فيْ الإِنَاءِ" (٢).
واحترز بقوله: "في الإِناءِ" عما لو تنفس خارج الإناء؛ فإنه هو السنة كما في قوله: "وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاثَ" (٣).
وأما حديث مسلم عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثًا، ويقول: "هُوَ أَمْرَأ وَأَرْوَىْ" (٤)؛ فمعناه: يتنفس على الإناء، كما في قوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: عليها, وليس
стр. 5784
المراد أنه يتنفس في نفس الإناء قبل أن يرفع رأسه عنه لأنه قد صح النهي عنه.
وصحح الترمذي حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القَذَاة أراها في الإناء؟
قال: "أَهْرِقْهَا".
قال: فإني لا أروى من نفس واحد.
قال: "فَأَبِنِ القَدَحَ إِذًا عَنْ فِيْكَ" (١).
١١٦ - ومنها: أكل المرء وشربه قائما كالبهائم .
وهو خلاف الأولى، والأفضل أن يأكل ويشرب قاعدًا غير متكئ.
روى الضياء في "المختارة" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب قائما والأكل قائمًا (٢).
١١٧ - ومنها: التشبه بالكلب في فتح الفم عند التثاؤب .
روى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال
стр. 5785
رسول الله ﷺ . "إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيْهِ وَلا يَعْوِيْ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ" (١).
قال العراقي في "شرح الترمذي": شَبَّه ﷺ حال الذي يتثاءب ولا يكظم ذلك بعِواء الكلب تنفيرًا عن ذلك واستقباحًا له؛ فإن الكلب يرفع رأسه ويفتح فاه، وكذلك التثاؤب.
والسنة لمن تثاءب أن يكظم فاه، فإن لم يرتد عنه التثاؤب وضع يده على فيه منفتحاً، أو بعد إطباقه مبالغة في الكظم.
١١٨ - ومنها: التشبه بالكلاب النابحة في الصخب ، والصياح لغير ضرورة ولا فائدة، وفي الاستطالة باللسان على الناس خصوصاً على الأخيار، وبها وبالضفادع والغربان في الجَلَبة، والاجتماع على اللغط من غير فائدة ولا حاجة.
بل قد يفرق بين ذلك وبين نقيق الضفادع، وأصوات الطير بأن نقيقها وأصوات الطير تسبيح، فيكون الإنسان بذلك أسوء حالًا من الحيوانات المذكورة.
وفي وصف النبي ﷺ في التوراة: ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا صَخَّاب في الأسواق (٢).
وروى ابن أبي الدنيا بسند ضعيف، عن جابر ﵁ قال: قال
стр. 5786
رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَاحِشَ المُتَفَحِّشَ الصَّيَّاحَ فيْ الأَسْوَاقِ" (١).
قلت: وما أشبهه بالكلاب السوقية والسلوقيَّة.
١١٩ - ومنها: التشبه بالحمر الناهقة بالنطق فيما لا يعنيه، أو فيما لا يفهم .
قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].
وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت" بسند رواته ثقات، عن عمرو ابن دينار رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: تكلم رجل عند رسول الله ﷺ فأكثر، فقال ﷺ : "كَمْ دوْنَ لِسَانِكَ مِنْ بَابٍ؟ ".
قال: شفتاي وأسناني.
فقال: "أَمَا فيْ ذَلِكَ مَا يَرُدُّ كَلامَكَ؟ " (٢).
وفي رواية أنه قال ذلك في رجل أثنى عليه فاستحفز في الكلام، ثم قال: "مَا أتى رَجُلٌ بِشر مِنْ فَضْلِ لِسَانٍ" (٣).
стр. 5787
١٢٠ - ومنها: الضحك من غير عجيب، والطرب لما لا يفهم معناه تشبهاً بالقرد والدب .
قال في "الصحاح": يقال: القرد يضحك إذا صوت (١).
والذي ذكره الدميري، والسيوطي أنه يضحك، ويقهقه، ويطرب، ويقعي (٢).
قال السيوطي في "ديوان الحيوان": ناظر الإِمام أبو زيد الدبوسي من أئمة الحنفية بعض الفقهاء، فكان كلما ألزمه أبو زيد إلزامًا تبسم أو ضحك، فأنشده أبو زيد: [من السريع]
ما لِي إِذا ألزَمْتُهُ حُجَّةً ... قابَلَنِي بِالضَّحِكِ وَالقَهْقَهَةْ
إِنْ كانَ ضِحْكُ الْمَرْءِ مِنْ فِقْهِهِ ... فَالدُّبُّ في الصَّحْراءِ ما أَفْقَهَهْ (٣)
١٢١ - ومنها: التشبه بالثعلب والقرد في محاكاة الناس .
ذكر الزمخشري، والدميري، والسيوطي: أن من أمثال العرب: أولع من قرد لأنه إذا رأى الإنسان يولع بفعل شيء أخذ يفعل مثله (٤).
стр. 5788
وقالوا: أحكى من قرد؛ لأنه يحكي الناس في أفعاله سوى النطق (١).
قال أبو الطيب المتنبي: [من الطويل]
يَرُومُونَ شَأوِيَ في الكَلامِ وَإِنَّما ... يُحاكِي الفَتَى فِيما سِوى النُّطُقِ القِرْدُ (٢)
وفي "حياة الحيوان"، وغيره عن الشعبي أنه قيل له: يقال في المثل: إن شريحاً أدهى من الثعلب وأحيل؛ فما هذا؟
فقال: خرج شريح أيام الطاعون إلى النجف، وكان إذا قام يصلي يجيء ثعلب فيقف تجاهه، فيحاكيه ويحيل بين يديه، فلما طال ذلك عليه نزع قميصه، وجعله فوق قصبة، وأخرج كميه، وجعل قَلَنْسُوته وعمامته عليه، فأقبل الثعلب فوقف على عادته، فأتاه شريح من خلفه وأخذه بَغْتة، فلذلك يقال: أدهى من الثعلب وأحيل (٣).
١٢٢ - ومنها: محاكاة الناس في الأقوال تشبهاً بالببغاء وأبي زريق .
قال السيوطي: ويقال له: الزرياب، والقوقاء: طائر ألوف يقبل
стр. 5789
التعليم، سريع الإدراك، يزيد على الدرة إذا انتُحبَ وإذا تكلم جاء بالحروف مبينة حتى لا يشك سامعه أنه إنسان، انتهى (١).
واعلم أن محاكاة الإنسان للطير وغيره من الحيوانات من قبيل العبث الذي لا يليق بالعقلاء الاشتغال به.
وأما محاكاة الناس في الأقوال والأفعال وتقليدهم في أمورهم على سبيل الاستهزاء ليعجب السامعين وإضحاكهم؛ فإنه من الغيبة المحرمة لإيذائه.
وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حكيت إنساناً، فقال النبي ﷺ : "مَا يَسُرُّنيْ أَنِّيْ حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَلي كَذَا وَكَذَا" (٢).
يقال: حكيت، وحكيت فعله، وحاكيت: إذا فعلت مثل فعله.
وأكثر ما تستعمل المحاكاة في القبح كما في "النهاية" (٣).
١٢٣ - ومنها: التشبه بالثعلب والخنزير في الرَّوغان، وعدم الاستقامة؛ فإن لهما روغاناً يُضرب به المثل .
قال السيوطي: والخنزير أروغ من الثعلب (٤).
стр. 5790
روى الإِمام أحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، والدينوري عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه قال على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال: لم يروغوا روغان الثعلب (١).
وأنشد ابن قتيبة: [من الكامل]
خَيْرُ الصَّدِيقِ هُوَ الصَّدُوقُ مَقالَةً ... وَكَذاكَ شَرُّهُمُ الْمَنُونُ الأكذَبُ
وإذا غَدَوْتَ لَهُ تُرِيدُ نِجازَهُ ... بِالوَعْدِ راغ كَما يَرُوغُ الثَّعْلَبُ (٢)
وأنشد الدميري في "حياة الحيوان" من قصيدة يقال: إنها لعلي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولا يصح: [من الكامل]
لا خَيْرَ فِي وِدِّ امْرِئٍ مُتَمَلِّقٍ ... حُلْوِ اللِّسانِ وَقَلْبُهُ يَتَلَهَّبُ
يَلْقاكَ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَكَ وامِقٌ ... اِذا تَوَلَّى عَنْكَ فَهْوَ العَقْرَبُ
يُعْطِيكَ مِنْ طَرَفِ اللسانِ حَلاوَةً ... وَيرُوغُ عَنْكَ كَما يَرُوغُ الثَّعْلَبُ (٣)
وقال آخر: [من السريع]
كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ خالَلْتُهُ ... لا تَرَكَ اللهُ لَهُمْ واضِحَةْ
كُلُّهُمُ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ ... ما أَشْبَهَ الليلَةَ بِالبارِحَةْ (٤)
стр. 5791
١٢٤ - ومنها -وهو قريب مما قبله-: تشبه المتردد بين الحق والباطل بالشاة العاشرة بين الغنمين .
قال الله تعالى فيهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣].
وروى البخاري في "تاريخه"، ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ المُنَافِقِ مَثَلُ الشَّاةِ العَائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَصِيْرُ إِلىْ هَذِهِ مَرَّةً وإلىْ هَذهِ مَرَّةً لأَنَّهَا لا تَدْرِيْ أيَّهَا تَتْبعُ، وَكَذَلِكَ حَالُ المُنَافِقِ في الآخِرَةِ" (١).
روى الإِمام أحمد، والبيهقي عن ابن عمر أيضاً ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مَثَلَ المُنَافِقِ يَوْمُ القِيَامَةِ كَالشَّاةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ؛ إِنْ أتتْ هَؤُلاَءِ نَطَحَتْهَا، وإنْ أتتْ هَؤُلاَءِ نَطَحَتْهَا" (٢).
يعني: إن أهل الإيمان يذمونهم بتخلفهم عن الإيمان, وأهل النار يلعنونهم؛ لأن أهل النار يتلاعنون ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
١٢٥ - ومنها: التشبه بالثعلب في الكذب .
وقالوا: أكذب من فاختة (٣).
стр. 5792
روى ابن أبي شيبة عن عامر -يعني: الشعبي- قال: أتى رجل أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: إني رأيت في المنام كأني أجري ثعلبًا.
قال: أنت رجل كذوب (١).
ورواه صاحب "الغيلانيات" عن الشعبي، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى أبي بكر الصديق ﵁ فقال: رأيت كأني أجري مع الثعلب أحسن جري.
فقال: أجريت ما لا يجري؟ أنت رجل في لسانك كذب؛ فاتَّقِ الله (٢).
والعرب تصف الفاختة بالكذب لأن صوتها عندهم: هذا أوان الرُّطَب، وتقول ذلك والنخل لم يطلع.
قال الشاعر: [من مجزوء الرجز]
أَكْذَبُ مِنْ فاخِتَةٍ ... تَقُولُ وَسْطَ الكُرَبِ
وَالطَّلْعُ لَمْ يَبْدُ لَها ... هَذا أَوانُ الرُّطَبِ (٣)
١٢٦ - ومنها: التشبه في الفرار من الموت كفرار الثعلب .
روى العسكري في "الأمثال"، والبيهقي في "الشعب" عن سمرة
стр. 5793
رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الَّذِيْ يَفِرُّ مِنَ المَوْتِ كَالثَّعْلَبِ تَطْلُبُهُ الأَرْضُ بِدَيْنٍ، فَجَعَلَ يَسْعَىْ حَتَّى إِذَا عَيَّ وَابْتَهَرَ دَخَلَ جُحْرَهُ، فَقَالَتْ لَهُ الأَرْضُ عِنْدَ سبلتِهِ: أَبَا ثَعْلَبَةَ! دينيْ دينيْ، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى انْقَطَعَتْ عُنُقُهُ فَمَاتَ" (١).
١٢٧ - ومنها: التشبه في منازعة الرئاسة والمناصب بالكِباش المتناطحة .
كما وقع ذلك في كلام الزاهد المشهور شعيب بن حرب المدائني أحد الأفراد حيث قال: من طلب الرئاسة ناطحته الكباش، ومن رضي أن يكون ذَنبًا أبى الله إلا أن يجعله رأساً. رواه الخطيب، وغيره (٢).
والعرب تسمي السيد كبشاً.
وقلت عاقداً للمثل.
دعِ الْمَناصِبَ لِمَنْ ... نازَعَ فيها تَسْتَرِحْ
فَإِنَّ [ .. ] لَهُمْ ... دعِ الكِبشَ تَنْتَطِحْ
١٢٨ - ومنها: طلب الرئاسة قبل حينها ؛ فإنه لا يسلمها له من هو أحق بها منه، فيصير مغلوباً مدحوراً، فيكون متشبهاً بذلك بالكبش أو
стр. 5794
التيس الأجم الذي لا قرن له.
وكذلك من يخاصم أشد منه، أو يصارع أشد منه.
ومن أمثال العرب: عند النطاح يغلب الكبش الأجم (١).
ويروى: التيس الأجم كما ذكره الزمخشري، وقال: يضرب للاستعداد للنوائب قبل حلولها (٢).
قلت: ويضرب لمن خاصم من هو أشد منه وأقوى منه.
ومن أمثال العوام: لا يقاتل موضع يقتل إلا الكلب.
ولمنصور الفقيه: [من مجزوء الكامل المرفل]
الْكَلْبُ أَغْلا قِيمَةً ... وَهْوَ النهايَةُ في الْخَساسَة
مِمَّنْ يُنازِعُ في الرِّئا ... سَةِ قَبْلَ إِبَّانِ الرِّئاسَة (٣)
وقال بعض الحكماء: من طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
وقال لي بعض العارفين: لا تطلب الرتبة حتى تطلبك الرتبة.
وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: إذا تصدَّر الحَدَث فاته علمٌ كثير (٤).
стр. 5795
وقلت: [من الرجز]
لا تَطْلُبِ الرُّتْبَةَ قَبْلَ حِينها ... خَشْيَةَ أَنْ تَنالَها فَتُتْعِبَكْ
فَقَدْ سَمِعْتُ عارِفًا يَقُولُ لِي ... لا تَطْلُبِ الرُّتْبَةَ حَتَّى تَطْلُبَكْ
وقلت: [من الرجز]
مَنْ طَلَبَ الرُّتْبَةَ قَبْلَ حِينها ... فَرُبَّما يُصِيبُهُ ما أتعَبَهْ
وإنَّما يَهْنَأُ بِالرُّتْبَةِ مَنْ ... لا يَطْلُبُ الرُّتْبَةَ حَتى تَطْلُبَهْ
١٢٩ - ومنها: التشبه بالتيس في الاكتفاء بطول اللحية على اكتساب العلوم ومحاسن الآداب .
ذكر الحافظ المزي في كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" في ترجمة عبد العزيز بن مسيب القرشي -وكان طويل اللحية- أن علي ابن حجر السعدي نظر إليه وقال: [من مجزوء المنسرح]
لَيْسَ بِطُولِ اللِّحا ... يَسْتَوْجِبُونَ القَضا
إِنْ كانَ هَذا كَذا ... فَالتَّيْسُ عَدْلٌ رِضا
قال: ومكتوب في التوراة: لا يغرنك طول اللحى؛ فإن التيس له لحية (١).
ومن كلام بعض الحكماء: من طالت لحيته تكوسَج عقلُه (٢).
стр. 5796
وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن الرياشي قال: روي عن كعب الأحبار أنه قال: مكتوب في بعض الكتب: إن اللحية مخرجها من الدماغ، فمن كثر شعر لحيته قل دماغه، ومن قل دماغه قل عقله، ومن قل عقله كان أحمق، ومن كان أحمق فلا مستمتع فيه (١).
وقلت: [من البسيط]
إِنَّ الَّذِي يَكْتَفِي عَنْ حِلْيةِ الأَدَبِ ... وَالْعِلْمِ بِاللِّحْيَةِ الطُّولَى وَبِالنَّشَبِ
كَالتَّيْسِ ذا لِحْيَةٍ طُولَى وَذا شَعَرٍ ... لا يبتَغِي ما سِوى الْمَرْعَى مِنَ الأَدَبِ
إِنَّ الْجَمالَ التُّقَى وَالدِّين لا [ .. ] ... وَلا أَناقَةُ ثَوْبٍ أَوْ عُلا نَسَبِ
لَوْ كانَ ذا كانَ أَوْلَى بِالْجَمالِ وَبِالـ ... حُسْنِ الأَباقِرُ ذاتُ الرَّوْقِ وَالغببِ
إِنَّ الكمالَ بِلُبِّ الْمَرْءِ تَبْصِرَةٌ ... وَبِالبرى تكمل [ ... ] وَاللببِ
١٣٠ - ومنها: التشبه في الحماقة والخرق بالضبع والكروان وغيرهما .
وقد علمت أن العقل والنطق هما الفارق بين الإنسان وسائر أنواع الحيوان.
قالوا في المثل: أحمق من الضبع، ومن أم عامر؛ وهي كنيتها.
وفي المثل أيضًا: خامري أم عامر؛ يضرب للأحمق.
стр. 5797
وذلك لأن الصائد يدخل عليها وجارها -بفتح الواو، وكسرها-: جحرها، فيقول: خامري أم عامر، أم عامر ليست في وجارها، أم عامر أبشري بكمر الرجال، أبشري بشاء هَزْلى وجراد عظلى، وهو في خلال ذلك يشد عراقيبها فلا تتحرك (١).
وخامري: أي: الجئي إلى أقصى وجارك.
قال الكميت: [من مجزوء الكامل المرفل]
أَمَّا أَخُوكَ أَبُو الوَليـ ... ـد فَلابسٌ ثَوْبَي مُخامِرْ
فعلَ المقرةِ لِلْمَقالَةِ ... خامِري يا أُمَّ عامِرْ (٢)
وقالوا: أحمق من جهيزة؛ قال الزمخشري: وهي الذئبة لأنها تترك أولادها وترضع أولاد الضبع؛ فعلَ النعامة بالبيض.
ويقال: إذا صيدت الضبع تكفل الذئب بأولادها (٣).
وقوله: فعلَ النعامة بالبيض؛ أشار إلى ما نقله الدميري والسيوطي: أن النعامة تخرج لطلب الطعم، فمتى وجدت بيض نعامة أخرى تحضنه وتنسى بيضها؛ قالا: ولهذا توصف بالحمق، ويضرب بها المثل في ذلك.
قال ابن هرمة: [من المتقارب]
стр. 5798
فإنيِّ وتَرْكي نَدَى الأكرَمِينَ ... وَقدحِي بِكَفِّي زِنداً شحاحا
كَتارِكَةِ بَيْضِها بِالعراءِ ... وَمُلْبِسَةِ بَيْضِ أُخْرى جَناحا (١)
قال السيوطي في "ديوان الحيوان": ومن أمثالهم: أطرق كرا يجلب لك؛ يضرب للأحمق الذي يمنى أمنية بباطل، فيصدق بذلك.
وقالوا: أخرق من حمامة.
قال الزمخشري: تعتش بثلاثة أعواد في مهب الريح، فبيضها أضيع شيء.
قال عبيد بن الأبرص: [من مجزوء الكامل المرفل]
عَيَّوْا بِأَمْرِهِمْ كَما ... عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الْحَمامَة
جَعَلَتْ لَها عُودينِ مِنْ ... نشم وَآخَرَ مِنْ ثمامَة (٢)
ومن لطائف المجاز قولهم في المثل: أحمق من رجلة، ويقال لها: الحية الحمقاء؛ سميت بذلك، ووصفت بالحمق لأنها تنبت في مسيل الماء، فيقلعها السيل.
قال الزمخشري: والرجلة: المسيل، فسميت باسمه.
وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تسميها السيدة حُبًّا لها، انتهى (٣).
стр. 5799
وفي "القاموس": الرجلة: مسيل الماء من الحَزَة إلى السهلة (١).
١٣١ - ومنها: التشبه في الجبن، والوهن بالضبع ، والقرد، والصافر، والقرد، والكروان، وغيرها من البهائم والطير.
قالوا في المثل: أجبن من رباح، وهو من أسماء القرد؛ لأنه لا ينام إلا منتصباً لكي ينتبه إذا سقط من يده عند استثقاله في النوم (٢).
وقالوا: أجبن من صافر؛ لأن الصفير في نعاب الطير دون سباعها.
وقيل: هو طائر يتعلق برجليه، وينكس رأسه، ويصفر طول الليل لئلا ينام فيؤخذ (٣).
وقالوا: أجبن من الكروان -بفتحتين-.
قال الزمخشري: اشتقاقه من الكَرَى، وهو النعاس؛ سمي بضد ما يفعله لأنه لا ينام طولَ الليل جُبناً.
قيل: كانوا يصيدونه بهذه الرقية: [من مجزوء الرجز]
أَطْرِقْ كَرا، أَطْرِقْ كَرا، ... إِنَّ النَّعامَ في القُرى
أَطْرِقْ كَرا، فَلا تُرى ... ما إِنْ أَرَى هُناكَرا
إذا سمعها تلبد بالأرض فيلقى عليه ثوب فيصاد (٤).
стр. 5800
وفي المثل: أجبن من ليل؛ قال الزمخشري: وهو فرخ الكروان، ومن نهار؛ قال: وهو فرخ الحُبارى (١).
قال السيوطي في "ديوان الحيوان": وقالوا: أسلح من حُبارى حالة الخوف، ومن الدجاج حالة الأمن (٢).
والحبارى تصاد ولا تصيد، وسِلاحها سُلاحها.
قال الشاعر: [من الوافر]
وَهُمْ تَرَكُوهُ أَسْلَحَ مِنْ حُبارى ... رَأَى صَقْرًا وَأشْرَدَ مِنْ نَعامِ (٣)
وقلت: [من المديد]
قَدْ غَلَبَ الْجُبْنُ فِيكَ حَتَّى ... إِنَّكَ أَوْهَى مِنَ الزُّجاجِ
فَأَنْتَ في الْخَوْفِ كَالْحُبارَى ... وَأَنْتَ في الأَمْنِ كَالدَّجاجِ
وقد يحمل الجبن الجبان عند الخوف على الحبق والضراط والسلح.
ومنه حُصاص الشيطان -قبحه الله تعالى- عند الأذان لذعره منه.
وفي المثل: أجبن من المنزوف ضرطاً؛ أورده في "الصحاح" (٤).
стр. 5801
قيل: وهو دابة بين الكلب والذئب: إذا صيح به أخذه الضراطُ من الجبن.
وقيل: جبان تزوجته أعرابية، وكان ينام الصبحة، فكانت إذا نبهته قال لها: لو لغادية نبهتني، فامتحنه النسوة ذا صباح بأن قلن له: هذه نواصي الخيل، فجعل يقول: الخيل الخيل، ويضرط حتى مات.
وقيل: سافر رجلان فلاحت لهما شجرة، فقال أحدهما: أرى قومًا قد رصدونا.
وقال الآخر: إنما هي عُشَرَة - على وزن همزة - فظنه يقول: عَشَرة، فجعل يقول: وما عناء اثنين في عشرة؟ ويضرط حتى مات (١).
ومن أمثالهم: روغي جَعار، وانظري أين المفر.
قال الزمخشري: يضرب في فرار الجبان وخضوعه (٢).
١٣٢ - ومنها: التشبه في الحقد بالجمل .
قالوا في المثل: أحقد من جمل.
قال الزمخشري: يصفون الجمل بالحقد وغلظ الكبد.
قال بلعاء بن قيس الكناني: [من البسيط]
يُبْكَى عَلَيْنا وَلا نبكِي عَلى أَحَدٍ ... إنَّا لأَغْلَظُ أَكْباداً مِنَ الإِبِلِ
стр. 5802
قالوا: ويزعمون أنه ينطوي على الحقد سنين حتى يتشفى منه (١).
وحقيقة الحقد الانطواء على العداوة والبغضاء.
قيل: وأوله الحسد.
روى ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الحسد"، والطبراني في "الأوسط" بإسناد جيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ أنه قال: "سَيُصِيْبُ أُمَّتيْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ".
قالوا: وما داء الأمم؟
قال: "الأشرُ، وَالبَطَرُ، وَالتَّكاثُرُ، وَالتَّنَافُسُ فيْ الدُّنْيَا، وَالتَّبَاعُدُ، وَالتَّحَاسُدُ حَتَّى يَكُوْنَ البَغْيُ، ثُمَّ يَكُوْنُ الهَرْجُ" (٢).
وروى الترمذي عن الزبير رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، وَالبُغْضَةُ هِيَ الحَالِقَةُ، لا أَقُوْلُ حَالِقَةُ الشَّعْرِ، وَلَكِنْ حَالِقَةُ الدَّيْنِ.
وَالَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوْنَ الجَنّةَ حَتَّى تُؤْمُنُوْا، وَلَنْ تُؤْمُنُوْا حَتَّى تَحَابُّوْا، أَلا أُنبَّئُكُمْ بِمَا يُثْبِتُ لَكُمْ ذَلِكَ؟
أَفْشُوْا السَّلامَ بَيْنَكُمْ" (٣).
стр. 5803
واللائق بالإنسان الكامل سلامة صدره على أخيه، وأن يحب له مثل ما يحب لنفسه، وأن يعفو عن زلته؛ فإن ذلك يريح جسده ويكسب راحته.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: [من البسيط]
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلى أَحَدٍ ... أَرَحْتُ نفسِي مِنْ حَمْلِ الْمَشَقَّاتِ (١)
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ فقال: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الفَجِّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ".
قال: فطلع رجل من الأنصار تَنْطُف لحيته من وضوئه، قد علَّق نعله في يده الشمال، فسلم، فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل، وقاله في اليوم الثالث، فطلع ذلك الرجل، فلما قام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت تؤويني إليك حتى تمضي فعلت.
فقال: نعم.
فبات عنده ثلاث ليال، فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله تعالى، ولم يقم حتى قام لصلاة الفجر.
قال: غير أني ما أسمعه يقول إلا خيرًا.
стр. 5804
فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله! لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، فأردت أن أعرف عملك، فلم أرك تعمل عملاً كثيرًا، فما الذي بلغ بك ذلك؟
قال: ما هو إلا ما رأيت.
فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشًا ولا حسدًا على خير أعطاه الله إياه.
قال عبد الله: هي التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق (١).
* تَنْبِيهٌ:
قال بعض العلماء: خمسة من الناس اعتادوا أكل خمسة من الحيوانات فاكتسبوا منها طباعها:
- الفرنج اعتادوا أكل لحم الخنزير، فغلبت عليهم الأُبنة.
- والتتار اعتادوا أكل لحم الخيل، فغلبت عليهم السياسة والجماح.
- والترك اعتادوا أكل لحم الغنم، فغلب عليهم الحرن.
- والأعراب اعتادوا أكل لحم الإبل، فغلب عليهم الحقد.
стр. 5805
- والسودان اعتادوا أكل لحم الفئران، فاكتسبوا الرقاعة والخلاعة.
قلت: وعلى هذا فمن أتى بشيء من ذلك فهو متشبه بما ذكر.
١٣٣ - ومنها: التشبه في الحسد بالتيس .
والحسد أن تتمنى زوال النعمة المحسود وانتقالها إليك.
روى الأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "يَأْتيْ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَحْسُدُ الفُقَهَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَغَارُ بَعْضُهُمْ عَلَىْ بَعْضٍ كَتَغَايُرِ التُّيُوْسِ" (١).
وروى الخطابي في "العزلة" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: أجيز شهادة القراء في كل شيء إلا بعضهم على بعض.
قال: وجدتهم أشد تحاسداً من التيوس، توثق الشاة فيرسل عليها التيس، فيهب هذا ويهب هذا (٢).
١٣٤ - ومنها: التشبه بالتيوس في اجتماع رجال على امرأة يتناوبون الزنا بها كما يشير إليه كلام مالك بن دينار .
وهم في ذلك أشبه شيء بالفحول من الدواب تتناوب الإناث كالكلاب، والهررة، والخيل، والحمير، والخنازير.
والزنا فاحشة بنص القرآن العظيم، وبذلك يتضاعف فحشه
стр. 5806
ويتكاثف قبحه.
روى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سأل رسول الله ﷺ متى الساعة؟
فقال: "عِنْدَ حَيْفِ الأَئِمَّةِ، وَتَكْذِيْبٍ بِالقَدَرِ، وَإِيمَانٍ بِالنُّجُوْمِ، وَقَوْمٍ يَتَّخِذُوْنَ الأَمَانة مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةَ مَغْرَمًا، وَالفَاحِشَةَ زِيَارَةً".
قال: فسألته عن الفاحشة زيارة.
قال: "الرَّجُلانِ مِنْ أَهْلِ الفِسْقِ يَصْنعُ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ طَعَامًا وَشَرَابًا، وَيَأْتِيْهِ بِالمَرْأةِ، وَيَقُوْلُ: اصْنَعْ ليْ كمَا صَنَعْتُ لَكَ، قَالَ: فَيَتَزَاوَرَانِ عَلَىْ ذَلِكَ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ هَلَكَتْ أُمَّتيْ يَا بْنَ الخَطَّابِ" (١).
١٣٥ - ومنها: التشبه في تحليل المطلقة ثلاثًا بالتيس المستعار، وهو من الكبائر .
روى ابن ماجه بإسناد حسن، والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ؟ ".
[قالوا: بلى يا رسول اللَّه.
قال: "هو الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ الله الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ له" (٢).
стр. 5807
قال الدميري: قيل: إنما لعنه النبي ﷺ مع حصول التحليل؛ لأن التماس ذلك هتك للمروءة والملتمس ذلك هو المحلل له، وإعارة التيس للوطء لغرض الغير أيضًا رذيلة.
ولذلك شبهه بالتيس المستعار وإنما يكون كالتيس المستعار] (١) إِذَا سَبَقَ التِمَاسٌ مِنَ المُطَلِّقِ.
قال: والعرب تعير بإعارة التيس (٢).
قلت: لعلهم إنما يعيرون باستعارة التيس للغنم لا بإعارته؛ لأن استعارته تدل على الشح والخسة من حيث إن صاحب الغنم الكثير لا صاحب الواحدة والثلاث لم يدع لها فحلاً للضراب مع أن قيمته قليلة، ولا كلفة له حتى إذا جاء وقت الضراب التمس تيساً يستعيره لغنمه، فأما إعارة الفحل فإنها من الجود والكرم، وهي مستحبة، فلا ينافي التعيير بها.
هذا، وعندي أن وجه تشبيه المحلل بالتيس المستعار أن نكاح المحلل لا يقصد به حصول المودة والرحمة بينه وبين المنكوحة كما في الأنكحة المقصودة للدوام، بل يقصد لتعود فائدة التحليل على المطلق بالاستمتاع، وكذلك التيس المستعار لا يقصده المستعير للتربية والقُنية، بل للاستنتاج يومًا من الدهر ثم يرده إلى أهله.
стр. 5808
وعلى هذا فالمحلل تيس مستعار سواء التمسه المطلق لذلك أم لا، وإنما خصه الدميري بالملتمس؛ لظهور المعنى فيه أكثر من غيره.
وعلى ما ذكره الدميري فالذي يتزوج المطلقة لتحل لمطلقها لم تنفك عنه صفة التيسية، وإنما ينفك عنه كونه مستعارًا فقط.
قال الجوهري: وقد قيل مستعار بمعنى متداول (١).
وعليه فإنما كان المحلل تيسًا مستعاراً لأنه متى رضي بالتحليل مرة تداوله المطلقون ثلاثًا، فإنه يعرف بذلك فيقصد له، ويصير كالتيس الذي اعتاد الناس طلبه واستعارته فيتداولونه.
وهذا الحديث أصل قول الناس: فلان كالتيس المستعار.
واعلم أن التشبيه بالتيس من التمثيل بأمثال السوء، حتى يمثل به أهل اللؤم والجهل والوقاحة.
ومن لطائف حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قوله: [من البسيط]
أَمَّا الْحماسُ فَإِنِّي غَيْرُ شاتِمِهِمْ ... لا هُمْ كِرامٌ وَلا عِرْضي لَهُمْ خَطَرُ
قَوْمٌ لِئامٌ فَلَنْ تَلْقَى لَهُمْ شَبَهًا ... إِلاَّ التُّيوسَ عَلى أَكْتافِها الشَّعَرُ
стр. 5809
إِنْ سابَقُوا سَبَقُوا أو نافَروا نَفَرُوا ... أَوْ كاثَرُوا أَحداً مِنْ غَيْرِهِمْ كَثرُوا
شِبْهَ الدَّعاعِيكِ لا دِينٌ ولا حَسَبٌ ... لَوْ قامَرُوا الرِّيحَ عَنْ أَحْسابِهِمْ قَمرُوا
تَلْقَى الْحماسيَّ لا يَمْنَعْكَ حُرْمَتَهُ ... شِبْهَ النبيطِ إِذا اسْتَعْبَدْتَهُم صَبَرُوا
قَدْ رَفَعَ اللهُ قَوْلي فَوْقَ قَوْلهِمُ ... كَما النُّجُومُ تَعَلَّى فَوْقَها القَمَرُ
قَوْمٌ لِئامٌ أَقَلَّ اللهُ جُنْدَهُمُ ... كَما تَساقَطَ حَوْلَ النَّعْجَةِ البعرُ
كَأَنَّ رِيْحَهُمْ فِي النَّاسِ إِذْ بَرَزُوا ... رِيحُ الْكِلابِ إِذا ما بَلَّها الْمَطَرُ
الدعاعيك: السفلة.
١٣٦ - ومنها: التشبه في سوء الخلق بالكلب الضاري الهار .
والهر صوت الكلب دون نباحه لقلة صبره على البرد؛ قاله في "القاموس" (١).
стр. 5810
وقد يطلق الهر على التعرض على الناس باللوم والعتب، وغيرهما لضيق الخلق.
قال بعض بني طيء: [من الرمل]
خالِقِ النَّاسَ بِخُلْقِ واسِعٍ ... لا تَكُنْ كَلْبًا عَلى النَّاسِ يَهِرْ
وَالْقَهُمْ مِنْكَ بِبِشْرٍ ثُمَّ كُنْ ... لِلَّذِي تَسْمَعُ مِنْهُمْ مُغْتَفِرْ
وقال شيخ الإسلام جدي رحمه الله تعالى:
كَلْبٌ عَلى لَيْثٍ يهرُّ دائِمًا ... مِنْ ضَعْفِ قَلْبِهِ تُرى أَوْ مِنْ حَسَدْ
فَلا تَلُمْهُ إِنْ سَطا بِهِ فَذا ... جَزاءُ كَلْبٍ اجْتَرى عَلى الأَسَدِ
وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن محمد بن علي، عن أبيه، عن آبائه، عن علي رضي الله تعالى عنه: أنه قال لنَوف الشامي مولاه وهو معه على سطح: يا نوف! أنائم أم نبهان؟
قال: نبهان أرمقك يا أمير المؤمنين.
قال: تدري من شيعتي؟
قال: لا والله.
قال: شيعتي إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن مرضوا لم يعادوا.
شيعتي من لم يهر هرير الكلب، ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس وإن مات جوعًا، وإن رأى مؤمنًا أكرمه، وإن رأى فاسقًا هجره.
стр. 5811
شيعتي الذين هم في قبورهم يتزاورون، وفي أموالهم يتواسون، وفي الله يتباذلون، خفيفة أنفسهم، عفيفة قلوبهم.
يا نوف! أما الليل فصافون أقدامهم، مفترشون جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء نجباء، كرام أتقياء (١).
١٣٧ - ومنها: التشبه بالبكر في الكت عند الغضب .
يقال: كت البعير يكت - بالكسر - إذا صاح صياحًا بيناً.
والكتيت صوت البكر، وهو فوق الكشيش.
ويقال: كت الرجل من الغضب كتيتاً، وهو كما في "القاموس": صوت في صدر الرجل كصوت البكر من شدة الغيظ.
قال في "القاموس": والكتكات الكثير الكلام، انتهى (٢).
ومن هذا القبيل قول الناس: ما لفلان يكت ويهر: إذا همهم وهينم من شيء لم يعجبه، أو من شيء فاته من الدنيا، أو طلبه فلم يتيسر له.
١٣٨ - ومنها: التشبه في سؤال الناس الشيء وتحسين طعامهم بالكلب والهر .
وفي المثل: أسأل من فَلْحَس - وهو على وزن جعفر -: الكلب،
стр. 5812
والحريص، ومن يتحين طعام الناس (١).
ومنه قولهم: تفلحس إذا تطفل، كما حكاه في "القاموس" (٢).
وقال الزمخشري: في المثل: أسأل من فلحس، وهو الذي يتحين طعام الناس كالطفيلي؛ يقال: جاءنا يتفلحس.
قال: والفلحس الحريص، وبه سمي الكلب.
قال: وقيل: كان رجلاً عزيزاً من شيبان يسأل الغزاة سهمًا لنفسه ولامرأته ولناقته، فيعطى وهو في بيته لعزه (٣).
وقال صاحب "الصحاح": زعموا أنه كان يسأل سهمًا في الجيش وهو في بيته، فيعطى لعزه وسؤدده، فإذا أعطيه سأل لامرأته، فإذا أعطيه سأل لبعيره (٤).
١٣٩ - ومنها: التشبه بالكلب والبعير والحمار ، ونحوها في العض والقضم، وبالكلب والأفعى في النهش.
والنهش - بالمعجمة -: اللسع.
والعض: الأخذ بالأضراس، وبالمهملة: الأخذ بأطراف الأسنان.
روى الأئمة الستة إلا أبا داود عن عمران بن حصين رضي الله
стр. 5813
تعالى عنهما: أن رجلاً عض رجلاً على ذراعه، فنزع يده فوقعت ثنيتاه، فرفع إلى النبي ﷺ ، فأبطلهما، وقال: "يَقْضِمُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضِمُ الفَحْلُ؟ لا دِيَةَ لَكَ" (١).
وروى ابن ماجه عن يعلى، وسلمة ابني أُمية رضي الله تعالى عنهما قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا، فاقتتل هو ورجل آخر ونحن بالطريق؛ قال: فعض الرجل يد صاحبه، فجدب يده من فيه، فطرح ثنيته، فأتى رسول الله ﷺ يلتمس عقل ثَنيته، فقال رسول الله ﷺ : "يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلىْ أَخِيْهِ يَعَضُّهُ كَعِضَاضِ الفَحْلِ ثُمَّ يَأْتيْ يَلْتَمِسُ العَقْلَ؟ لا عَقْلَ لهَا"، فأبطلها رسول الله ﷺ (٢).
١٤٠ - ومنها: التشبه في التظالم والتغاضب، وبطش القوي بالضعيف ، والضعيف بأضعف منه، بالبراذين، والبغال، والحمير لأنها تتكادم، وبالكلاب لأنها تتناهش، وغيرها.
روى الحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه مر بمروان وهو يبني داره بالمدينة قال: فجلست إليه والعمال يعملون، فقلت: ابنوا شديدًا، وأمَّلوا بعيداً، وموتوا قريبًا.
стр. 5814
يا معشر قريش! - ثلاث مرات - اذكروا كيف كنتم أمس وكيف أصبحتم اليوم، تختدمون أرقاءكم فارس والروم.
كلوا خبز السميد واللحم السمين، لا يأكل بعضكم بعضًا، ولا تكادموا تكادم البراذين.
وكونوا اليوم صغاراً تكونوا غداً كباراً، والله لا يرفع رجل منكم درجة إلا وضعه الله يوم القيامة (١).
التكادم - دالُهُ مهملة - من الكدم: وهو العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار (٢).
١٤١ - ومنها: التشبه بالكلب في ترويع المؤمنين كما تفعل الشُّرَطةُ وأعوان الظلمة .
روى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: إنما أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب الأهلية لأنها تروع المؤمنين.
قال ابن عمر: فالشُّرَطي والجاسوس بمنزلة الكلب الأهلي.
وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أصحاب النبي ﷺ : أنه قال: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" (٣).
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" - ورواته ثقات - عن النعمان بن
стр. 5815
بشير رضي الله تعالى عنهما، والبزار عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (١).
١٤٢ - ومنها: التشبه في التعدي واستلاب مال الغير منه واختطافه بالحدأة .
وهي من الفواسق؛ فإنها لا تصيد، وإنما تخطف اللحم وغيره.
فأشبه الناس بها من يخطف العمائم وغيرها من الناس، وربما أشبه في ذلك بعض السنانير والكلاب.
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب قال: قال عيسى ﵇ لأحبار بني إسرائيل: لا تكونوا للناس كالذئب السارق، وكالثعلب الخدوع، وكالحداء الخاطف (٢).
١٤٣ - ومنها: التشبه بالحية في غصب بيوت الناس وأرضيهم وأمتعتهم .
وفي المثل: أظلم من أفعى (٣).
قال في "حياة الحيوان": وذلك لأنها لا تحفر جحرًا، وإنما تأتي