شيعتي الذين هم في قبورهم يتزاورون، وفي أموالهم يتواسون، وفي الله يتباذلون، خفيفة أنفسهم، عفيفة قلوبهم.
يا نوف! أما الليل فصافون أقدامهم، مفترشون جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء نجباء، كرام أتقياء (١).
١٣٧ - ومنها: التشبه بالبكر في الكت عند الغضب .
يقال: كت البعير يكت - بالكسر - إذا صاح صياحًا بيناً.
والكتيت صوت البكر، وهو فوق الكشيش.
ويقال: كت الرجل من الغضب كتيتاً، وهو كما في "القاموس": صوت في صدر الرجل كصوت البكر من شدة الغيظ.
قال في "القاموس": والكتكات الكثير الكلام، انتهى (٢).
ومن هذا القبيل قول الناس: ما لفلان يكت ويهر: إذا همهم وهينم من شيء لم يعجبه، أو من شيء فاته من الدنيا، أو طلبه فلم يتيسر له.
١٣٨ - ومنها: التشبه في سؤال الناس الشيء وتحسين طعامهم بالكلب والهر .
وفي المثل: أسأل من فَلْحَس - وهو على وزن جعفر -: الكلب،
стр. 5812
والحريص، ومن يتحين طعام الناس (١).
ومنه قولهم: تفلحس إذا تطفل، كما حكاه في "القاموس" (٢).
وقال الزمخشري: في المثل: أسأل من فلحس، وهو الذي يتحين طعام الناس كالطفيلي؛ يقال: جاءنا يتفلحس.
قال: والفلحس الحريص، وبه سمي الكلب.
قال: وقيل: كان رجلاً عزيزاً من شيبان يسأل الغزاة سهمًا لنفسه ولامرأته ولناقته، فيعطى وهو في بيته لعزه (٣).
وقال صاحب "الصحاح": زعموا أنه كان يسأل سهمًا في الجيش وهو في بيته، فيعطى لعزه وسؤدده، فإذا أعطيه سأل لامرأته، فإذا أعطيه سأل لبعيره (٤).
١٣٩ - ومنها: التشبه بالكلب والبعير والحمار ، ونحوها في العض والقضم، وبالكلب والأفعى في النهش.
والنهش - بالمعجمة -: اللسع.
والعض: الأخذ بالأضراس، وبالمهملة: الأخذ بأطراف الأسنان.
روى الأئمة الستة إلا أبا داود عن عمران بن حصين رضي الله
стр. 5813
تعالى عنهما: أن رجلاً عض رجلاً على ذراعه، فنزع يده فوقعت ثنيتاه، فرفع إلى النبي ﷺ ، فأبطلهما، وقال: "يَقْضِمُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَقْضِمُ الفَحْلُ؟ لا دِيَةَ لَكَ" (١).
وروى ابن ماجه عن يعلى، وسلمة ابني أُمية رضي الله تعالى عنهما قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا، فاقتتل هو ورجل آخر ونحن بالطريق؛ قال: فعض الرجل يد صاحبه، فجدب يده من فيه، فطرح ثنيته، فأتى رسول الله ﷺ يلتمس عقل ثَنيته، فقال رسول الله ﷺ : "يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلىْ أَخِيْهِ يَعَضُّهُ كَعِضَاضِ الفَحْلِ ثُمَّ يَأْتيْ يَلْتَمِسُ العَقْلَ؟ لا عَقْلَ لهَا"، فأبطلها رسول الله ﷺ (٢).
١٤٠ - ومنها: التشبه في التظالم والتغاضب، وبطش القوي بالضعيف ، والضعيف بأضعف منه، بالبراذين، والبغال، والحمير لأنها تتكادم، وبالكلاب لأنها تتناهش، وغيرها.
روى الحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه مر بمروان وهو يبني داره بالمدينة قال: فجلست إليه والعمال يعملون، فقلت: ابنوا شديدًا، وأمَّلوا بعيداً، وموتوا قريبًا.
стр. 5814
يا معشر قريش! - ثلاث مرات - اذكروا كيف كنتم أمس وكيف أصبحتم اليوم، تختدمون أرقاءكم فارس والروم.
كلوا خبز السميد واللحم السمين، لا يأكل بعضكم بعضًا، ولا تكادموا تكادم البراذين.
وكونوا اليوم صغاراً تكونوا غداً كباراً، والله لا يرفع رجل منكم درجة إلا وضعه الله يوم القيامة (١).
التكادم - دالُهُ مهملة - من الكدم: وهو العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار (٢).
١٤١ - ومنها: التشبه بالكلب في ترويع المؤمنين كما تفعل الشُّرَطةُ وأعوان الظلمة .
روى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: إنما أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب الأهلية لأنها تروع المؤمنين.
قال ابن عمر: فالشُّرَطي والجاسوس بمنزلة الكلب الأهلي.
وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أصحاب النبي ﷺ : أنه قال: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" (٣).
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" - ورواته ثقات - عن النعمان بن
стр. 5815
بشير رضي الله تعالى عنهما، والبزار عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (١).
١٤٢ - ومنها: التشبه في التعدي واستلاب مال الغير منه واختطافه بالحدأة .
وهي من الفواسق؛ فإنها لا تصيد، وإنما تخطف اللحم وغيره.
فأشبه الناس بها من يخطف العمائم وغيرها من الناس، وربما أشبه في ذلك بعض السنانير والكلاب.
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب قال: قال عيسى ﵇ لأحبار بني إسرائيل: لا تكونوا للناس كالذئب السارق، وكالثعلب الخدوع، وكالحداء الخاطف (٢).
١٤٣ - ومنها: التشبه بالحية في غصب بيوت الناس وأرضيهم وأمتعتهم .
وفي المثل: أظلم من أفعى (٣).
قال في "حياة الحيوان": وذلك لأنها لا تحفر جحرًا، وإنما تأتي
стр. 5816
إلى الجحر وقد احتفره غيرها، فتدخل فيه.
وقال الشاعر: [من الرجز]
وَأَنْتَ كَالأَفْعَى الَّتِي لا تَحْتَفِر ... ثُمَّ تَجِيْءُ سادِراً فَتَجْتَحِرْ (١)
وأنشده الزمخشري: ثُمَّ تَجِيْءُ سادِراً فَتَنْحَجِر (٢).
قال الدميري: وكل بيت قصدت إليه هرب أهله منها وتتركه لها.
قلت: وهذا حال الينكجرية والبلوكباشية الذين في زماننا هذا إلا قليلاً منهم؛ يغتصبون بيوت الناس، ويستولون عليها وعلى سائر ما يشاؤون من عقار وإقطاع إلا ما وقى الله تعالى منهم؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل!
ولعلهم يلينون، وما أشبههم في ذلك بلين الحية، ويحلون ألسنتهم لمن يطمعون فيه حتى يزوجهم أو يشاركهم، فإذا تمكنوا منهم طردوهم وأهانوهم، وربما أغرموهم أو قتلوهم، فما أشبه حالهم بما ذكره الزمخشري في "المستقصى" في قولهم في المثل: أظلم من حية (٣).
وروي: أظلم من حية الوادي.
قال: يزعمون أن رجلاً أخذ حية وقد خمدت من البرد حتى لا
стр. 5817
حراك بها، فلم يزل يدفئها تحت ثيابه حتى تحركت، فنهشته، فقال لها: ويحك! هذا جزائي منك؟
قالت: لا، ولكنه طبعي (١).
وقالوا: من أظلم من ذئب.
قال الزمخشري: ربَّى بدوي ذئباً، فلما كبر وشب فرس سخلة له، فقال: [من الوافر]
فَرَسْتَ شُوَيْهَتِي وَفَجَعْتَ طِفْلاً ... وَنِسْوانًا وَأَنْتَ لَهُمْ رَبِيبُ
نشَأْتَ مَعَ السِّخالِ وَأَنْتَ طِفْلٌ ... فَمَنْ أَدْراكَ أَنَّ أَباكَ ذِئْبُ
إِذا كانَ الطَّباعُ طِباعَ سُوءٍ ... فَلَيْسَ بِمُصْلِحٍ طَبْعاً أَرِيبُ
قال: وقال آخر: [من الطويل]
وَأَنْتَ كَذِئْبِ السَّوْءِ إذْ قالَ مَرَّةً ... لِعمروسةٍ وَالذِّئْبُ غَرثانُ مُرْسَلِ
أَأَنْتَ الَّذِي مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ سَبَيْتَنِي ... فَقالَ مَتَى ذا قالَ ذا عامَ أَوَّلِ
فَقالَ وُلِدْتُ العامَ قَدْ رُمْتَ ظُلْمَنا ... فَدُونَكَ كُلْنِي لا هَنا لَكَ مَأْكَلي
قال: وقال آخر: [من الطويل]
وَأَنْتَ كَجَرْوِ الذِّئْبِ لَيْسَ بِآلِفٍ ... أَبَى الذِّئْبُ إِلاَّ أَنْ يَخُونَ وَيَظْلِما (٢)
وروى البيهقي في "الشعب" عن الأصمعي: قال: دخلت البادية
يضرب للماكر الخدَّاع (١).
يقال: أدوت له، وأديت له بمعنىً، والدال مهملة فيهما.
أنشد في "الصحاح" عن أبي زيد:
أَدَوْتُ لَهُ لآخُذَهُ ... وَهَيْهاتَ الفَتَى حَذِرا (٢)
في الحديث: "المَكْرُ وَالخَدِيْعَةُ فيْ النَّارِ" (٣).
١٤٤ - ومنها: التشبه في أذية الناس بالعقرب، والحية، والسبع، والزنابير، والدبر .
وفي الحديث: "مَنْ عَضَّ عَلَىْ شِبْدِعِهِ - بكسر الشين المعجمة، والدال المهملة؛ أي: عقربه - سَلِمَ مِنَ الآثَامِ" (٤).
أي: من عض على لسانه؛ يعني: سكت، ولم يخض مع الخائضين، ولم يلسع به الناس؛ لأن العاض على لسانه لا يتكلم، فشبه اللسان بالعقرب الضارب؛ ذكره في "حياة الحيوان" (٥).
روى الأصبهاني في "الترغيب" عن الفضيل بن عياض قال: قيل
стр. 5820
لحذيفة رضي الله تعالى عنه: ما لك لا تتكلم؟
قال: إن لساني سَبُعٌ أتخوف إن تركته يأكلني (١)؛ أي: أخاف أن يأكلني إذا تركته منطلقًا في الكلام ولم أحبسه.
وروى البيهقي في "الشعب" عن معن بن عيسى رحمه الله تعالى قال: قيل لراهب: ما لك لا تتكلم؟
قال: لساني سَبُعٌ إن أرسلته أكلني (٢).
وروى أبو نعيم عن منصور بن حوشب قال: قيل لقيس بن السكن: ألا تتكلم؟
قال: لساني سَبُعٌ أخاف أن أدعه فيعقرني (٣).
وروى الأصبهاني عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: إنما لسان أحدكم كلب؛ فإذا سلطته على نفسك أكلك (٤).
وقيل لراهب: يا راهب!
قال: لست براهب، إنما أنا حابس كلب عقور (٥)؛ يعني: لسانه، أو نفسه.
стр. 5821
قال الشاعر: [من الكامل]
احْفَظْ لِسانَكَ أَيُّها الإِنْسانُ ... لا يَلْدَغَنَّكَ لَدْغَةَ الثُّعْبانِ
وأنشد القاضي الماوردي لبعض أهل العلم: [من البسيط]
لا تَرْكَنَنَّ إِلَى ذِي مَنْظَرٍ حَسَنٍ ... فَرُبَّ رائِقَةٍ قَدْ ساءَ مَخْبَرُها
ما كُلُّ صَفْراءَ دِينارٌ تُصَرِّفُهُ ... صُفْرُ العَقارِبِ أَنْكاها وَأَنْكَرُها (١)
وأنشد ابن أبي الدنيا، والأصبهاني بإسناديهما لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: [من مجزوء الرمل]
خَلِّ جَنْبَيْكَ لِرامِ ... وَامْضِ عَنْهُ بِسَلامِ
مُتْ بِداءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ ... لَكَ مِنْ داءِ الكلامِ
إِنَّما السَّالِمُ مَنْ أَلْـ ... ـجَمَ فاهُ بِلِجامِ
وَالْمَنايا آكِلاتٌ ... شارِباتٌ لِلأَنامِ
شبه اللسان بالدابة السريعة التي تحتاج إلى اللجام والفدام.
١٤٥ - ومنها: التشبه في إطلاق اللسان في كل زمان ومكان
بالعقرب؛ فإنها تضرب ما وجدت حتى الحجر والمدر .
ومن أحسن ما قيل في ذلك: [من المتقارب]
رَأَيْتُ عَلى صَخْرَة عَقْربا ... وَقَدْ جَعَلَتْ ضَرْبَها دَيْدَنا
стр. 5822
فَقُلْتُ لَها إِنَّها صَخْرَةٌ ... وَطَبْعُكِ مِنْ طَبْعِها أَلْيَنا
فَقالَتْ صَدَقْتَ وَلَكِنَّنِي ... ارِيْدُ أُعَرَّفُها مَنْ أَنا (١)
وهذا الشاعر أراد وصف العقرب بالأذى في كل وقت وبالجهل؛ فإن جهلها أدى إلى مداومة ضرب الصخرة وهي لا تتأثر من ضربها، وهذا أشبه شيء بحال الطَّغَّان على الأئمة، وهو مقصر عن بلوغ شأوهم في الفضل والعلم، أو على الأكابر والأشراف والأكارم، وهو من الأراذل الذي لا يعتنى بمدحه، ولا يلتفت إلى ذمه.
ونظير ذلك الكلاب تنبح السحاب.
وفي المثل: لا يضر السحاب نبيح الكلاب (٢).
ومن كلام بعض الأدباء في زجل له:
إِنْ عَوى عَلى القَمَرِ الكَلْبُ يخس مِنْ بَعِيد
وقال الفرزدق: [من الطويل]
وَقَدْ يَنْبَحُ الكَلْبُ السَّحابَ وَدُونهَا ... مَهامِهُ تُعشي نَظْرَةَ الْمُتَأَمَّلِ (٣)
وقال الكميت: [من البسيط]
فَإِنَّكمْ وَنزارًا فِي عَداوَتنا ... كَالْكَلْبِ هرَّ مدى وَطفاء مِدْرارُ
стр. 5823
وفي رواية في المثل: هل يضر السحاب نباح الكلاب؟ ذكره الزمخشري.
وأنشد مع الكلام للفرزدق: [من الطويل]
وَما لِي لا أَغْزُو وَلِلدَّهْرِ كَرَّةٌ ... وَقَدْ نَبَحَتْ نحوَ السَّحابِ كِلابُها (١)
١٤٦ - ومنها: التشبه بالكلب العقور في العقر والجراحة .
وقد سبق قول الراهب: أنا لست براهب، إنما أنا حابس كلب عقور؛ يعني: نفسه.
والكلب العقور من الفواسق التي تُقتل في الحِلِّ والحرم.
وقد سميت فواسق وأمر بقتلها وهي لا تعقل، فكيف بمن يتشبه بها من المكلفين؟
وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فيْ الدِّمَاءِ" (٢).
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ يَزَالَ الرَّجُلُ فيْ فُسْحَةٍ مِنْ دِيْنِهِ مَا لَمْ يُصِبْ
стр. 5824
دَمًا حَرَامًا" (١).
وقال ابن عمر: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حد (٢).
والورطات: الهلكات، والأمور التي يعسُر التخلص منها.
١٤٧ - ومنها: التشبه بالعقرب في التظلم مع الظلم .
فإن العرب تقول في المثل: العقرب تضرب وتصيء؛ يضربونه للظالم في صورة المتظلم. ذكره في "حياة الحيوان" (٣).
قال في "الصحاح": ومثل: تلدغ العقرب: تضرب وتصيء.
أورد المثل الزمخشري: تلدغ المرأة (٤) وتصيء؛ قال: والمعنى: أنها تظلم بعلها، وتزعم أنه يظلمها؛ يضرب لمن يؤذي ويشتكي (٥).
قلت: روى الخطابي في "الغريب" بإسناده، عن أبي طلق: أن امرأة حدثته أن امرأة وطئت صبيًا مولداً فشدخته، فشهد عليها نسوة عند علي رضي الله تعالى عنه أنها قتلته، فأجاز شهادتهنَّ، فلما رأت
стр. 5825
المرأة قالت: إني جزعت، فقال لها: أنت مثل العقرب تلدغ وتصيء (١).
١٤٨ - ومنها: التشبه بالإفساد في الأرض بالأرَضة ، والجراد، والجرد، والفأرة، والدب، والضبع، وغيرها.
والمفسد مع كونه متشبهًا بهذه المفسدات ملحق بالمنافقين.
قال الله تعالى في ما حكاه عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢].
وكذلك تلك المفسدات لا شعور لها بأن ما هي فيه فساد، بل هو عندها صلاح.
وفي المثل: أعيث من جِعَار - وهي كقطام: الضبع - (٢).
قال في "الصحاح": العيث: الإفساد، يقال: عاث الذئب في الغنم، انتهى (٣).
[قال الزمخشري]: ويقال: إن الضبع أفسد حيوان (٤).
وأنشد قول الشاعر: [من الطويل]
стр. 5826
فَقُلْتُ: أَلا عِيثِي جِعَارُ وَأَبْشِرِى ... بِلَحْمِ امْرِئِ لَمْ يَشْهَدِ اليَوْمَ ناصِرَه (١)
وقال الزمخشري أيضًا: هي فوق الذئب في العيث إذا وقعت في الغنم، ولإفراطها في الفساد استعاروا اسمها للأزمة فقالوا: أكلتنا الضبُع - كرَجُل -: السنة المجدبة (٢).
وفي المثل أيضًا: أفسد من خُلد، وهو - بضم الخاء المعجمة، وكسرها - كما ذكره صاحب "الكفاية" عن الخليل، ونبه عليه السيوطي في "ديوان الحيوان": دويبة عمياء تشبه الفأر، أو هو نوع منه (٣).
وفي المثل أيضًا: أفسد من الأَرَضة (٤)، وهي دويبة بيضاء كالنمل تأكل الخشب.
وأفسد من الجرد، ومن الفأر، ومن السوس، ومن الجراد، وليس في الحيوان أفسد لما يتقوت به الإنسان من الجراد (٥).
وقالوا في المثل؛ كالجراد لا يبقي ولا يذر (٦).
стр. 5827
وقال [الزمخشري]: أجرد من الجراد، يقال: جرد الأرض الجراد: أكل ما عليها؛ من هذا اشتقاق اسمه (١).
وروى الحاكم في "تاريخ نيسابور"، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن جرادة وقعت بين يدي النبي ﷺ ، فإذا مكتوب على جناحها بالعبرانية: نحن جند الله الأكبر، ولنا تسعة وتسعون بيضة، ولو تمت لنا لأكلنا الدنيا بما فيها.
فقال النبي ﷺ : "اللهُمَّ أَهْلِكِ الجَرَادَ، اقْتُلْ كِبَارَهَا، وَأَمِتْ صِغَارَهَا، وَأَفْسِدْ بَيْضَهَا، وَشُدَّ أَفْوَاهَهَا عَنْ مَزَارِعِ المُسْلِمِيْنَ وَمَعَاشِهِمْ؛ إِنَّكَ سَمِيع الدُّعَاءِ".
قال: فجاء جبريل ﵇ فقال: قد استجيب لك في بعضه (٢).
وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز الدعاء على المفسدين والظلمة، وقد عدَّ هلاك الظالم والمُفسد نعمة.
قال الله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥].
стр. 5828
وفيه دليل على أنه يُحمد ويُشكر عند هلاك الظالم والمفسد، والله يعلم المفسد والمصلح.
١٤٩ - ومنها: الغدر، وهو ترك الوفاء تشبهًا بالذئب والضبع، ونحوهما .
وفي المثل: أغدر من الذئب، وأغدر من أم أدراص، وهي اليربوع.
قال طفيل: [من الطويل]
وما أمُّ أدراصِ بِأَرْضٍ مُضِلَّةٍ ... بِأَغْدرَ مِنْ قَيْسِ إِذا اللَّيْلُ أَظْلَما (١)
روى مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لِكُلَّ غَادِرٍ لِوَاء عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢).
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن ابن مسعود، وهما والبخاري عن أنس، ومسلم عن ابن عمر؛ قالوا رضي الله تعالى عنهم: قال رسول الله ﷺ : "لِكُل غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣).
стр. 5829
١٥٠ - ومنها: التشبه في الضلال، وهو نقيض الهدى والرشد بالبعير الضَّال، وبالضب، واليربوع .
في المثل: أضل من ضب.
ذكر الدميري والسيوطي: أن الضَّب يُضرب به المثل في الحيرة وعدم الهداية، ولذلك لا يحفر جحره إلاَّ عند أكمة أو صخرة لئلا يضلَّ عنه إذا خرج لطلب الطعم (١).
وقالوا في المثل: ضل ضريس نَفَقَهُ؛ أي: جحره (٢).
قال الجوهري: تقول: إنك تهدي الضَّال، لا تهدي المتضال (٣).
وهو مثل معناه: وإن من ضلاله من غير قصد منه؛ فإنك إذا أهديته اهتدى واتبع الهدى، بخلاف من يسلك مسالك الضلال عن قصد ويتبع غير سبيل الهداية مستحسنًا لها؛ فإنه لا يهتدي وإن هديته.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦].
وروى الإمام أحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي أمامة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ
стр. 5830
هُدًى كَانُوْا عَلَيْهِ إِلَّا أُوْتُوْا الجَدَلَ" (١).
١٥١ - ومنها: التشبه بضعاف الحيوانات المؤذية في الأذى مع الضعف .
ومن ثمَّ قيل في المثل: فلان ضعيف جبار.
وإذا كان للضعيف أذى فلا ينبغي أن يهمل الحذر منه لضعفه.
ولقد أحسن البهاء زهير في قوله: [من الطويل]
تَوَقَّ الأَذى مِنْ كُلَّ نَذْلٍ وَساقِطٍ ... فَكَمْ قَدْ تَأَذَى باِلأَراذِلِ سَيَّدُ
ألمْ تَرَ أَن اللَّيْثَ تُؤْذِيهِ بَقَّةٌ ... وَيَأْخُذُ مِنْ حَدِّ الْمُهَنَّدِ مِبْرَدُ
وقال آخر: [من البسيط]
لا تَحْقِرَنَّ صَغِيراً فِي مُخاصَمَةٍ ... إِنَّ الذُّبابَةَ أَدْمَتْ مُقْلَةَ الأَسَدِ (٢)
١٥٢ - ومنها: التشبه في الصولة عند الجوع بالأسد والسباع، وعند الشبع بالبغال والحمير .
روى الدينوري في "مجالسته" عن الأصمعي قال: قال بزرجمهر الحكيم: احذروا صولة اللئيم إذا شبع، والكريم إذا جاع (٣).
стр. 5831
واعلم أن الكريم - وإن كان في طبعه الغضب عند الجوع - فإنه إذا استرسل مع غضبه حتى يبطش، فقد خدش كرمه، وأُلحق بعالَم الضباع، والأكمل في حقه أن يصبر كما قال بعض العارفين: إذا وجدنا أَكْلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الأبطال (١).
فالكريم يغضب عند الجوع، لكنه يملك نفسه عند الغضب.
ولا يُلام على أصل الغضب والضجر كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ثلاثة لا يلامون على الضجر: الصائم، والمسافر، والمريض. أخرجه ابن أبي الدنيا في "التوبة" (٢).
١٥٣ - ومنها: تشبه السفيه في إتلافه ماله على مَنْ لا نَفْعَ له من الناس ، وما لا فائدة فيه من الأمور الدنيوية والأغراض النفسانية مع منعه الحقوق اللازمة كترك العيال بلا نفقة، والتقتير عليهم ليصرف ما يمنعهم منه على غيرهم بالذئبة والنعامة؛ فإنها تنسى بيضها وتَحْضُن بيض غيرها، والذئبة ربما تركَتْ أولادها وأَرْضعت أولاد الضَّبع.
ولهذا قالت العرب في أمثالهم: أحمق من جهيزة (٣)، وهي أنثى الذئب كما تقدم.
وهذا حال أكثر الناس الآن؛ ربما شحَّ أحدهم على ولده وزوجته وأقربائه، وصرف أمواله على أهل هواه، بل ربَّما أنفق في
стр. 5832
تُرَّهاته في اليوم الواحد ما يكفي عياله لو أنفقه عليهم أيامًا كثيرة.
١٥٤ - ومنها: التشبه بالضباع ونحوها في نبش القبور .
إلاَّ أن الضبع ينبش القبر رغبةً في لحم ابن آدم، والنباش من بني آدم نَبْشُهُ رغبةً في الكفن، وهذا من أقبح الحرام؛ فإنه سرقة، وقسوة قلب، وانتهاك حُرمة، وجُرأة على الله تعالى، وانكلاب على الدنيا.
وفي الحديث: "أَبْعَدُ القُلُوْبِ عَنِ اللهِ القَلْبُ القَاسِيْ" (١).
وفي المثل: أنبش من جَيْأل - على وزن فيعل - وهي اسم الضبع (٢)، معرَّفة بلا ألف ولام.
١٥٥ - ومنها: التشبه بالخيل الجامحة في اتباع الهوى، والبغال الرامحة في الحركات التي لا تختار ولا تجتبى .
وكذلك تشبه المرأة في الخروج من بيت زوجها بغير إذنه بالفرس الجموح.
قال الجوهري: جمحت المرأة من زوجها، وهو خروجها من بيتها إلى أهلها قبل أن يُطلقها.
قال: والجموح من الرجال الذي يركب هواه فلا يمكن رده.
قال الشاعر: [من الطويل]
стр. 5833
خَلَعْتُ عَذاري جامِحاً ما يَرُدُّنِي ... عَنِ البِيضِ أَمْثالِ الدُّمى زَجْرُ زاجِرِ
قال: وأصله من جموح الفرس، وهو اعتزازه صاحبه، وغلبته عليه (١).
وقال البوصيري: [من البسيط]
مَنْ لِي بِرَدِّ جِمَاحٍ مِنْ غَوايَتِها ... كَما يُرَدُّ جِماحُ الْخَيْلِ بِاللُّجُمِ
١٥٦ - ومنها: التشبه في العجز والقصور عن طلب المنازل العلية والمراتب السنيَّة بدواب الجُحَر كالضب، وغيره .
والجُحَر - بضم الجيم، وفتح المهملة - جمع جُحر - بالضم -: وهو ما تحتفره السباع والهوام لأنفسها.
قال الطرطوشي في "سراج الملوك": وقد كان جُهيل رئيس القندهاريين يرى من تصديق القدر وتكذيب الطلب دون أهل زمانه من الملوك ما حجزه عن الطلب والتدبير، فأخرجه إخوته من سلطانه، وقهروه على مملكته، فقال له بعض الحكماء: إنَّ ترك الطلب يُضعف الهمَّة ويُذل النفس، وصاحبه صائر إلى أخلاق ذوي الأجحرة من الحيوان كالضب.
وسائر الحشرات تنشأ في أجحرتها وفيها يكون موتها.
قال الطرطوشي: ثم جمعوا بين الطلب والقدر، وقالوا: إنهما كالعدلين على ظهر الدابة؛ إنْ يُحمل في واحدٍ منهما أرجح مما يُحمل
стр. 5834
في الآخر سقطا جملة ... إلى آخر كلامِهِ (١).
وقلت: [من الرجز]
أَلا اعْمَلُوا كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما ... خَلَقَهُ اللهُ لَهُ مِنَ العَمَلْ
وَما كَسَبْتَهُ وَإِنَّ قُدْرَةَ اللـ ... ـهِ تَعالَى مُسْقِطٌ عَنْكَ العَذَلْ
وَرُبَّما نالَ الفَتَى مَأْمُولَهُ ... وَرُبَّما نُوَّلَ مِنْ غَيْر أَمَلْ
إِنَّ النَّشاطَ لَمْ يُذَمَّ وَهْوَ لا ... يُعارِضُ القَضاءَ بَلْ ذُمَّ الكَسَلْ
وَلَكَ أَجْرُ الاكْتِسابِ نِلْتَ ما ... حاوَلْتَهُ مُوَفَّرًا أَوْ لَمْ تَنَلْ
١٥٧ - ومنها: تشبه الإنسان في مشاركة أخيه في الرَّفاهية، ومفارقته في الحزن والشدائد بالجَمَل والجدي يرتع، وغيره في الشدة .
والأخ الحق والصديق الصدق هو الذي لا يُفارق أخاه في الشدة كما لا يفارقه في الرخاء.
وقد قيل: [من الرجز]
أَخُوكَ مَنْ واسَاكَ عِنْدَ الشَّدَّةْ ... فَذاكَ عِنْدَ النَّائِباتِ عُدَّةْ
وفي المثل: يربض حجرة ويرتعي وسطًا.
وربما قالوا: يأكل خضرة ويربض حجرة.
والحجرة: الناحية.
стр. 5835
قال الزمخشري: وأصله الجمل أو الجدي يرتع في الروضة، فإذا شبع ربض ناحية.
يضرب لمشاركة الرجل أخاه في الرفاهية، وخذلانه إياه في الشدائد (١).
١٥٨ - ومنها: تشبه الإنسان بالجمل والجدي في إيثار الدعة والراحة على الاهتمام بما يعنيه .
كما يشير إليه المثل المتقدم: يربض حجره ويرتعي وسطًا.
ومن الأمثال كما ذكره الدميري، والسيوطي: فلان كالخروف يتقلب على الصوف؛ يضرب للرجل المكفي المؤنة (٢).
ومن أمثال العوام: فلان كالجدي يصيح الناس الغرق، وهو يقرض الحبال.
١٥٩ - ومنها: تربص الدوائر بالمؤمن، وتمني السوء له، وإشاعة ما يُحزنه تشبهًا بالبوم .
وذلك من خصال المنافقين كما تقدم في التشبه بهم.
ومن أمثال العوام: فلان كالبوم لا يصيح إلا بالخراب.
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ
стр. 5836
قال: "الرَّجُلُ الصَّالحُ يَأْتي بِالخَبَرِ الصَّالحُ، وَالرَّجُلُ السُّوْءُ يَأْتي بِالخَبَرِ السُّوْءِ" (١).
١٦٠ - ومنها: التشبه في صرف العمر الطويل في غير اكتساب العلوم والمعارف بالنسر ، والحية، والقراد، والحِسل - بكسر الحاء المهملة - وهو ولد الضب.
يُقال: إِنه يعيش ثلاث مئة سنة، والنسر يعيش ثمانين سنة، ويُقال: خمس مئة سنة، ويقال: ألف سنة.
وروي أنه يقول في صياحه: عش ما شئت؛ فإنك ميت.
وقالوا في المثل: أعمر من نسر (٢).
وقالوا: أعمر من لبد، وهو آخر أنسُر لقمان العادي، تزعم العرب أنَّ لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم ليَسْتقي لها، فلمَّا هلكوا خُيَّر لقمان بين بقاء سبع بقرات سمر مراظب عُفر في جبل وَعر لا يمسها القطر، وبقاء سبعة أنسر كما هلك نسر خَلَفَ بعده نسر، فاختار النسور، وكان آخر نسوره يُسمى لبداً؛ قاله في "الصحاح" (٣).
وقال الزمخشري في "المستقصى": سمَّاه لبداً معتقداً فيه أنه لبد فلا يموت ولا يذهب.
стр. 5837
قال: ويزعمون أنه حين كبر قال له: اذهب لبد، فأنت نسر الأبد (١).
وقالوا: أعمر من القراد؛ قيل: إنه يعيش سبع مئة سنة، يضرب لمن استطيل عمره ضجراً منه (٢).
وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححاه، والطبراني بإسناد صحيح، وغيرهم عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟
قال: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ".
قال: فأيُّ الناس شر؟
قال: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ" (٣).
وفي الحديث: "عِشْ مَا شِئْتَ؛ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ" (٤).
وقال العجاج: [من الرجز]
إِنَّكَ لَوْ عُمَّرْتَ عُمْرَ الْحِسْلِ ... أَوْ عُمْرَ نُوحٍ زَمَنَ الفطحْلِ
وَالصَّخرُ مُبْتَلٌّ كَطِينِ الوَحْلِ ... كُنْتَ رَهِينَ هَرَمٍ وَقَتْلِ (٥)
стр. 5838
١٦١ - ومنها: التشبه في الإساءة إلى مَنْ أحسن إليه بالبغل، والضبع، والكلب، والذئب، والحية .
ومن أمثال العوام: كالبغل تُهيء له العَلَف وهو يُهيء لك الرَّفْسة.
وتقول العرب فيمن عمل المعروف مع غير أهله: مُجيرُ أُمِّ عامر، وهي كنية الضبع (١).
روى البيهقي في "الشعب" عن أبي عبيدة: أنه سأل يونس بن حبيب عن المثل المشهور: كمجير أم عامر؛ قال: كان من حديثه أنَّ قومًا خرجوا إلى العيد في يومٍ حار، فرأوا ضبعا فطردوها، فاقتحمت حيَّ أعرابي، فأجارها منهم، وسقاها ماءً ولبناً، فبينما هو نائم إذ وثبَتْ فبقرَتْ بطنه وشربَتْ دمه، وأكلَتْ حشوته، فجاء ابن عم له فرآها فاتبعها حتى قتلها، وأنشأ يقول: [من الطويل]
ومَنْ يَصْنعِ المعروفَ مَعْ غَيْرِ أَهْلِهِ ... يُلاقِي الَّذِي لاَقَى مُجِيرُ امَّ عامِرِ
أَدَامَ لَها حِينَ اسْتَجارَتْ بقُربِه ... قِراها مِنْ أَلْبانِ اللِّقاحِ الغَرائِر
стр. 5839
فَقُلْ لِذَوِي الْمَعْرُوفِ: هَذا جَزاءُ مَنْ ... غَدَا يَصْنعُ الْمَعْرُوفَ مَعْ غَيْرِ شاكِرِ (١)
وذكره الزمخشري بنحوه، وأنشد البيت الثاني مضمومًا إليه هكذا: [من الطويل]
أَدَامَ لها حينَ استجارَتْ بِقُرْبِه ... لَها مَحْضَ أَلْبانِ اللِّقاحِ الدَّرائرِ
وَأَسْمَنَها حَتَّى إِذا ما تَكامَلَت ... فَرَتْهُ بِأَنْيابٍ لَها وَأَظَافرِ
فَقُلْ لِذَوِي الْمَعْرُوفِ هَذا جَزاءُ مَنْ ... بَدَا يَصْنعُ الْمَعْرُوفَ مَعْ غَيْرِ شاكرِ (٢)
وقالوا: سَمَّنْ كلبك يأكلْك.
قال الزمخشري: يُضرب للئيم يجازي بالإحسان إساءة، والنهي عن بره.
وقال: كان لرجلٍ من طسم كلبٌ يُربيه رجاء الصيد به، فضرب، فجاع يومًا، فوثب عليه حتى افترسه، وفيه يقول طرفة: [من المنسرح]
стр. 5840
كَكَلْبِ طسْمٍ وَقَدْ تُرَبيَّهِ ... يَعُلُّهُ بِالْحَلِيبِ فِي الغَلَسِ
ظَلَّ عَلَيْهِ يَومًا يُفَرْفِرُهُ ... إِنْ لا يَلِغْ فِي الدَّماءِ يَنْتَهِسِ
قال: وأنشد أبو زيد: [من البسيط]
مَنْ ذا يُسَمِّنُ كَلبًا سَوْفَ يَأكلُهُ ... يَعْدُو عَلَيهِ كَعَدْوِ الباسلِ الضَّاري
قال: وقال حاجب بن دينار المازني: [من الطويل]
وَكَمْ مِنْ عَدُوًّ قَدْ أَعَنْتُمْ عَلَيكُمُ ... بِمالٍ وَسُلْطانٍ إِذا أَسْلم الْحبلُ
كَذِي الكَلْبِ لَمَّا أَسْمنَ الكَلْبَ رابَهُ ... بِإحْدى الدَّواهي حِينَ فارَقَهُ الْهزلُ (١)
وقالوا في المثل: لا تقتن من كلب سوءٍ جرواً.
قال الزمخشري: يضرب في النهي عن اصطناع من لا عرق له (٢).
وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن عبد الملك بن قُريب؛ هو الأصمعي رحمه الله تعالى قال: دخلت البادية، فإذا أنا بأعرابية ترعى، وهي تقول: [من الوافر]
قَتَلْتَ شُويْهَتِي، وَفَجَعْتَ قَوْمِي ... مَحاوِيْجًا وَأَنْتَ لَهُمْ رَبِيبُ
غُدِيتَ بِدِرَّها وَنَشَأْتَ فِينا ... فَمَنْ أدْراك أن أباكَ ذِئْبُ
إِذا كانَ الطَّباعُ طِباعَ سَوْءٍ ... فَلَيْسَ بِنافي أَدَبٌ أَدِيبُ
فقلت: يا خالة! ما هذا الكلام؟
стр. 5841
فقالت: لا والله إني التقطت فرخ ذئب، فألفيته على شويهتي، فلم تزل ترضعه حتى اشتد وقوي، فخرجتُ يومًا لبعض حوائجي ثم رجعت، فإذا هو يَلَغ في دمها، فقلت ما قلت.
وروى البيهقي في "الشعب" قريبًا من هذه القصة، وتقدمت.
وروى أبو نعيم عن يحيى بن عبد الحميد قال: كنت في مجلس سفيان بن عُيينة رحمه الله تعالى، فاجتمع عليه ألف إنسان أو يزيدون أو ينقصون، فالتفت في آخر مجلسه إلى رجل كان عن يمينه، فقال: قم حدث القوم حديث الحية.
فقال الرجل: أسندوني.
فأسندناه، وشال جفون عينيه، فقال: ألا فاسمعوا وعُوا:
حدثني أبي عن جدي: أن رجلًا كَان يُعرف بابن حمير، وكان له ورع، يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج ذات يومٍ يتصيد إذ عرضت له حية، فقالت: يا محمد بن حمير! أجرني أجارك الله.
قال لها: ممن؟
قالت: من عدوِّ قد ظلمني.
قال لها: وأين عدوك؟
قالت له: من ورائي.
قال لها: ومن أمة مَنْ أنت؟
قالت: من أمة محمد ﷺ .
стр. 5842
قال: ففتحت ردائي، وقلت: ادخلي فيه.
قالت: يراني عدوي.
قال: فشلت طمري، وقلت: ادخلي بين طمري وبطني.
قالت: يراني عدوي.
قلت: فما الذي أصنع بك؟
قالت: إنْ أردْتَ اصطناع المعروف فافتح لي فاك حتى أنساب فيه.
قلت: أخشى أن تقتليني.
قالت: لا والله لا أقتلك، الله شاهدٌ عليَّ بذلك، وملائكتُه، وأنبياؤه، وحملة عرشه، وسكان سماواته إنْ أنا قتلْتُك.
قال محمد: ففتحت فيَّ، فانسابَتْ فيه ثم مَضَيْتُ، فعارضني رجلٌ معه صمصامة، فقال لي: يا محمد!
قلت: وما تشاء؟
قال: لقيت عدوي؟
قلت: ومَنْ عدوك؟
قال: حية.
قلت: اللهم لا، واستغفرت ربي من قولي (لا) مئةَ مرة، ثم مضيت قليلاً، فأَخْرَجَتْ رأسها من فيَّ، وقالت: انظر مضى هذا العدو؟
стр. 5843
فالتفت، فلم أرَ أحدًا، قلت: لم أرَ أحدًا، إنْ أردْتِ أن تخرجي لها خرجي.
فقالت: الآن يا محمد! فاختر واحدةً من اثنتين: إما أن أُفَتَّتْ كبدك، أو أثقب فؤادك وأَدَعُكَ بلا روح.
فقلت: سبحان الله! أين العهد الذي عهدت، واليمين الذي حلفت؛ ما أسرع ما نسيت!
قالت: يا محمد! لِمَ نسيت العداوة التي كانت بيني وبين أبيك آدم ﵇ حيث أخرجته من الجنة؟
على أي شيءٍ أردت اصطناع المعروف مع غير أهله؟
قلت لها: لا بدَّ أن تقتليني؟
قالت: لا بدَّ من ذلك.
قلت لها: فأمهليني حتى أصير تحت هذا الجبل فأُمَهِّد لنفسي موضعاً.
قالت: شأنَك.
فمضيت أريدُ الجبل وقد أيست من الحياة، فرفعت رأسي إلى السماء، وقلت: يا لطيف! يا لطيف! يا لطيف! الطف بي بلطفك الخفي، يا لطيف! بالقدرة التي استويت بها على العرش، فلم يعلم العرش أين مستقرك منه، إلاَّ كفيتني هذه الحية، ثم مشيت، فعارضني رجل طيب الرائحة نقي الدرن، فقال لي: سلامٌ عليكم.
قلت: وعليك السلام يا أخي.
стр. 5844
قال لي: ما لي أراك قد تغير لونك؟
قلت: من عدو قد ظلمني.
قال: وأين عدوك؟
قال: في جوفي.
قال لي: افتح فاك.
قال: ففتحت فمي، فوضع فيه مثل ورقة زيتونة خضراء، ثم قال لي: امضغ وابلع.
قال: فمضغت وبلعت، فلم ألبث إلا يسيرًا حتى مغصني بطني، ودارَتْ في بطني، فرميْتُ بها من أسفلَ قطعةً قطعةً، فتعلَّقْت بالرجل، وقلت: يا أخي! مَنْ أنت الذي مَنَّ الله عليَّ بك؟
فضحك، ثم قال: ألا تعرفني؟
قلت: اللهم لا.
قال: يا محمد بن حمير! إنه لما كان بينك وبين الحية ما كان دَعَوْتَ الله بذلك الدعاء، فضجت ملائكة السَّبعِ سماوات إلى الله تعالى، فقال: وعزتي وجلالي! بعيني كل ما صنعت الحية بعبدي.
وأمرني وأنا يقال لي: المعروف، مستقري في السماء الرابعة - أنِ انطلق إلى الحية، وخذ ورقة خضراء، والحق بها عبدي محمد بن حمير.
يا محمد! عليك باصطناع المعروف؛ فإنه يقي مصارع السوء،
стр. 5845
وإنه - وإن ضيَّعه المصطنع إليه - لم يضع عند الله تعالى (١).
قلت: وفي هذا المعنى ما أسنده ابن السمعاني في "أماليه" عن أبي العباس أحمد بن يحيى: [من الوافر]
يَدُ الْمَعْرُوفِ غُنْمٌ حَيثُ كانَتْ ... تَجَمَّلَها شَكُورٌ أَوْ كَفورُ
فَفِي شُكْرِ الشَّكُورِ لَها جَزاءٌ ... وَعِنْدَ اللهِ ما كَفَرَ الكَفُورُ (٢)
وروى ابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فِعْلُ المَعْرُوْفِ يَقِيْ مَصَارِعَ السُّوْءِ، وَعَلَيْكُمْ بِصَدَقَةِ السَّرِّ؛ فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبَّ " (٣).
وروى أبو الشيخ في "الثواب" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "المَعْرُوْفُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُوَ يَقِيْ مَصَارِعَ السُّوْءِ" (٤).
والحية في قصة محمد بن حمير يحتمل أنها كانت شيطاناً في صورة حية، والله تعالى يُهلك مَنْ يشاء من الشياطين.
стр. 5846
والذي سأل النظرة إبليس.
ويحتمل أنها كانت حية على أصل خَلْقها، وإنما أنطقها الله تعالى لتكون عبرة لابن حمير، ولِيُتِمَّ ابتلاؤه بها.
وقد اختلف الناس في اصطناع المعروف، هل يتعين أن يكون مع أهله أم لا؟
فمنهم مَنْ قال بالأول، وقال:
وَمَنْ صَنَعَ الْمَعْرُوفَ مَعْ غَيْرِ أَهْلِهِ ... أَضاعَهُ كَمُجِيرِ أُمِّ عامِرِ
وروى أبو نعيم عن علي بن أبي حملة قال: قال لي زياد بن صخر اللخمي: إذا صنعت يدًا فاصنعها إلى ذي دين وحسب (١).
وروى البيهقي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يَصْلُحُ المَعْرُوْفُ إِلاَّ عِنْدَ ذِيْ حَسَبٍ وَدِيْنٍ، كَمَا لا تَصْلُحُ الرِّيَاضَةُ إِلاَّ فيْ نَجِيْبٍ" (٢).
وروى أبو نعيم عن الربيع قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: إذا أخطأتك الصنيعة إلى مَنْ يتقي الله، فاصنعها إلى مَنْ يتَّقي العار.
قال: وسمعت الشافعي كتابه يقول: ما رفعت أحدًا فوق منزلته
стр. 5847
إلا وضع مني بمقدار ما رفعت منه (١).
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وصححوه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلاَّ تَقِيٌّ" (٢).
وقيل:
ضاعَ مَعْرُوفُ واضعِ العُرفِ في غَيرِ أَهْلِهِ.
- ومنهم من قال بالثاني: إن ضاع المعروف عند مَنْ صنعته إليه فهو لا يضيع عند الله تعالى، كما تقدم في قصة ابن حمير عن المَلَك المسمى بالمعروف.
وروى الإمام الشافعي، والبيهقي في "المعرفة" عن محمد بن علي مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "افْعَلِ المَعْرُوْفَ إِلىْ مَنْ هُوَ أَهْلُهُ وَإِلىْ مَنْ لَيْسَ هُوَ أَهْلُهُ؛ فَإِنْ أَصَبْتُمْ أَهْلَهُ فَقَدْ أَصَبْتُمْ أَهْلَهُ، وَإِنْ لَمْ تُصِيبوْا أَهْلَهُ فَأَنْتُمْ أَهْلُهُ" (٣).
وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: [من البسيط]
стр. 5848
مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوائِزَهُ ... لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ والناسِ
وهذا أليق بالجودة فإنَّ فِعْل المعروف سواءَ كان ببذل مالٍ، أو شفاعة، أو مساعدة في حمل متاع، أو حمل هم، أو دفع عدو، أو نحو ذلك كله من أحوال الدنيا، وهي لا قيمة لها حتى يتوقف باذلها على أن يجد أهلاً للمعروف أو لا يجد.
وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن الله تعالى يعطي الدنيا لمن يحب ومَنْ لا يحب (١).
وصدق؛ ألا ترى أن الله تعالى يرزق في الدنيا الكافر، والمنافق، والفاسق، والشياطين، والأفاعي، والهوام؟
والعبد ينبغي أن يتخلق بأخلاق الله تعالى.
وأمَّا إذا كان المعروف من متعلقات الآخرة كالعلم، فهل يعلِّمه لكل أحدٍ، أم ينظر في نية الطالب إنْ كان طلبه للعلم لله علَّمه أو للدنيا لم يعلمه؟
- فمنهم مَنْ قال: لا بدَّ من حسن نية الطالب، وإلا كان واضح الدُّرَّ في أعناق الخنازير.
- ومنهم مَنْ قال: يعلمه مطلقًا - وإنْ كانت نيته الدنيا - فعسى أن يكون علمه داعيًا إلى حُسن نيته.
وقد قال جماعة من السَّلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن
стр. 5849
يكون إلاَّ لله.
وعلى كل قول: لا بدَّ أن يكون المعروف مع من لم يمنع الشرع من اصطناعه معه، فلا تجوز الشفاعة في حدود الله عند الحاكم، ولا الحماية من إقامة الحد كأن يشفع في سارق أنْ لا تُقْطَع يده، أو يمنع من قطعه وكذلك بقية الحدود.
وكذلك ليس من اصطناع المعروف أن تشفع في هذا الزمان في تولية القضاء والحكم والإمارة؛ إذ تعلم يقيناً أنَّ القضاة يمنعون الحكم، ويأخذون عليه الجُعَل، والأمراء يظلمون.
وليس من المعروف تحليل المطلقة، ولا السعي في تحصيل ما يسميه القضاة الآن محصولاً، ولا جهد المفتي في تحصيل وجه للمستفتي يحتال فيه على إضاعة حق الغير، أو التوصل إلى مال الغير بالباطل، فليس منه [ ... ] حية، أو عقرب، أو نحوهما وقد قدرت عليه؛ لأنَّ الشرع قد أمر أن تقتل الحيات والعقارب، وبقية الفواسق والمؤذيات.
وأما قصة ابن حمير فلعله لم يكن فقيهًا.
وكذلك لا يحتج بقصة مالك بن خزيم، ونحوها مما حُكي عن أهل الجاهلية.
وإنما نذكر هذه القصص ونحوها للاعتبار فقط، وإنما القدوة بالنبي ﷺ والخلفاء بعده.
وقصة ابن خزيم رواها ابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" عن
стр. 5850
أعشى همدان الشاعر قال: سمعت رجلاً منا يحدث قال: خرج مالك ابن خزيم الهمداني الشاعر في الجاهلية ومعه نفر من قومه يريدون عكاظ، فاصطادوا ظبيا في طريقهم وقد أصابهم عطش، فانتهوا إلى مكان يُقال له: أجيرة، فجعلوا يفصدون دم الظبي ويشربونه من العطش حتى إذا نفد ذبحوه، ثم تفرقوا في طلب الحطب، ونام مالك في الخباء، وأتى أصحابه فإذا بشجاع، فانساب حتى دخل خباء مالك، فأقبلوا فقالوا: يا مالك! عندك الشجاع فاقتله، فاستيقظ مالك، فقال: أقسمت عليكم لمَّا كففتم عنه، فكفوا، فانساب الأسود فذهب، وأنشأ مالك يقول: [من الوافر]
وَأَوْصَانِي الْخُزيمُ بِعِزِّ جارِي ... فَأَمْنَعَهُ، وَلَيْسَ بِهِ اِمْتناعُ
وَأَدْفَعُ ضَيْمَهُ وَأَذُودُ عَنْهُ ... وَأمْنَعُهُ إذا مُنِعَ الْمَتاعُ
فَذَلِكُمُ فَإِنِّي لَسْتُ أَسْخُو ... بِشَيْءِ ما اسْتَجارَ بِيَ الشُّجاعُ
وَلا تتحمَّلوا دَمَ مُسْتجيرٍ ... تَضَمَّنَهُ أجيْرة فَالقداعُ
فَإِنَّ لِما تَرَوْنَ خَفِيَّ أَمْرٍ ... لَهُ مِنْ دُونِ أَمْرِكُم قِناعُ
ثم ارتحلوا وقد أجهدهم العطش، فإذا هاتف يهتف بهم، ويقول: [من البسيط]
يا أَيُّها القَومُ لا ماءٌ أَمامَكُمْ ... حَتَّى تَسُومُوا الْمَطايا يَوْمَها تَعَبا
ثُمَّ اعْدِلُوا شامَةً فَالْماءُ عَنْ كَثَبٍ ... عَيْنٌ رواءٌ وَماءٌ يُذْهِبُ اللَّغبا
حَتَّى إِذا ما أَصَبْتُمْ مِنْهُ رَيَّكُمُ ... فَاسْقُوا الْمَطايا وَمِنْهُ فَامْلَؤُوا القِرَبا