والذي سأل النظرة إبليس.
ويحتمل أنها كانت حية على أصل خَلْقها، وإنما أنطقها الله تعالى لتكون عبرة لابن حمير، ولِيُتِمَّ ابتلاؤه بها.
وقد اختلف الناس في اصطناع المعروف، هل يتعين أن يكون مع أهله أم لا؟
فمنهم مَنْ قال بالأول، وقال:
وَمَنْ صَنَعَ الْمَعْرُوفَ مَعْ غَيْرِ أَهْلِهِ ... أَضاعَهُ كَمُجِيرِ أُمِّ عامِرِ
وروى أبو نعيم عن علي بن أبي حملة قال: قال لي زياد بن صخر اللخمي: إذا صنعت يدًا فاصنعها إلى ذي دين وحسب (١).
وروى البيهقي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يَصْلُحُ المَعْرُوْفُ إِلاَّ عِنْدَ ذِيْ حَسَبٍ وَدِيْنٍ، كَمَا لا تَصْلُحُ الرِّيَاضَةُ إِلاَّ فيْ نَجِيْبٍ" (٢).
وروى أبو نعيم عن الربيع قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: إذا أخطأتك الصنيعة إلى مَنْ يتقي الله، فاصنعها إلى مَنْ يتَّقي العار.
قال: وسمعت الشافعي كتابه يقول: ما رفعت أحدًا فوق منزلته
стр. 5847
إلا وضع مني بمقدار ما رفعت منه (١).
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وصححوه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلاَّ تَقِيٌّ" (٢).
وقيل:
ضاعَ مَعْرُوفُ واضعِ العُرفِ في غَيرِ أَهْلِهِ.
- ومنهم من قال بالثاني: إن ضاع المعروف عند مَنْ صنعته إليه فهو لا يضيع عند الله تعالى، كما تقدم في قصة ابن حمير عن المَلَك المسمى بالمعروف.
وروى الإمام الشافعي، والبيهقي في "المعرفة" عن محمد بن علي مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "افْعَلِ المَعْرُوْفَ إِلىْ مَنْ هُوَ أَهْلُهُ وَإِلىْ مَنْ لَيْسَ هُوَ أَهْلُهُ؛ فَإِنْ أَصَبْتُمْ أَهْلَهُ فَقَدْ أَصَبْتُمْ أَهْلَهُ، وَإِنْ لَمْ تُصِيبوْا أَهْلَهُ فَأَنْتُمْ أَهْلُهُ" (٣).
وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: [من البسيط]
стр. 5848
مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوائِزَهُ ... لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللهِ والناسِ
وهذا أليق بالجودة فإنَّ فِعْل المعروف سواءَ كان ببذل مالٍ، أو شفاعة، أو مساعدة في حمل متاع، أو حمل هم، أو دفع عدو، أو نحو ذلك كله من أحوال الدنيا، وهي لا قيمة لها حتى يتوقف باذلها على أن يجد أهلاً للمعروف أو لا يجد.
وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن الله تعالى يعطي الدنيا لمن يحب ومَنْ لا يحب (١).
وصدق؛ ألا ترى أن الله تعالى يرزق في الدنيا الكافر، والمنافق، والفاسق، والشياطين، والأفاعي، والهوام؟
والعبد ينبغي أن يتخلق بأخلاق الله تعالى.
وأمَّا إذا كان المعروف من متعلقات الآخرة كالعلم، فهل يعلِّمه لكل أحدٍ، أم ينظر في نية الطالب إنْ كان طلبه للعلم لله علَّمه أو للدنيا لم يعلمه؟
- فمنهم مَنْ قال: لا بدَّ من حسن نية الطالب، وإلا كان واضح الدُّرَّ في أعناق الخنازير.
- ومنهم مَنْ قال: يعلمه مطلقًا - وإنْ كانت نيته الدنيا - فعسى أن يكون علمه داعيًا إلى حُسن نيته.
وقد قال جماعة من السَّلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن
стр. 5849
يكون إلاَّ لله.
وعلى كل قول: لا بدَّ أن يكون المعروف مع من لم يمنع الشرع من اصطناعه معه، فلا تجوز الشفاعة في حدود الله عند الحاكم، ولا الحماية من إقامة الحد كأن يشفع في سارق أنْ لا تُقْطَع يده، أو يمنع من قطعه وكذلك بقية الحدود.
وكذلك ليس من اصطناع المعروف أن تشفع في هذا الزمان في تولية القضاء والحكم والإمارة؛ إذ تعلم يقيناً أنَّ القضاة يمنعون الحكم، ويأخذون عليه الجُعَل، والأمراء يظلمون.
وليس من المعروف تحليل المطلقة، ولا السعي في تحصيل ما يسميه القضاة الآن محصولاً، ولا جهد المفتي في تحصيل وجه للمستفتي يحتال فيه على إضاعة حق الغير، أو التوصل إلى مال الغير بالباطل، فليس منه [ ... ] حية، أو عقرب، أو نحوهما وقد قدرت عليه؛ لأنَّ الشرع قد أمر أن تقتل الحيات والعقارب، وبقية الفواسق والمؤذيات.
وأما قصة ابن حمير فلعله لم يكن فقيهًا.
وكذلك لا يحتج بقصة مالك بن خزيم، ونحوها مما حُكي عن أهل الجاهلية.
وإنما نذكر هذه القصص ونحوها للاعتبار فقط، وإنما القدوة بالنبي ﷺ والخلفاء بعده.
وقصة ابن خزيم رواها ابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" عن
стр. 5850
أعشى همدان الشاعر قال: سمعت رجلاً منا يحدث قال: خرج مالك ابن خزيم الهمداني الشاعر في الجاهلية ومعه نفر من قومه يريدون عكاظ، فاصطادوا ظبيا في طريقهم وقد أصابهم عطش، فانتهوا إلى مكان يُقال له: أجيرة، فجعلوا يفصدون دم الظبي ويشربونه من العطش حتى إذا نفد ذبحوه، ثم تفرقوا في طلب الحطب، ونام مالك في الخباء، وأتى أصحابه فإذا بشجاع، فانساب حتى دخل خباء مالك، فأقبلوا فقالوا: يا مالك! عندك الشجاع فاقتله، فاستيقظ مالك، فقال: أقسمت عليكم لمَّا كففتم عنه، فكفوا، فانساب الأسود فذهب، وأنشأ مالك يقول: [من الوافر]
وَأَوْصَانِي الْخُزيمُ بِعِزِّ جارِي ... فَأَمْنَعَهُ، وَلَيْسَ بِهِ اِمْتناعُ
وَأَدْفَعُ ضَيْمَهُ وَأَذُودُ عَنْهُ ... وَأمْنَعُهُ إذا مُنِعَ الْمَتاعُ
فَذَلِكُمُ فَإِنِّي لَسْتُ أَسْخُو ... بِشَيْءِ ما اسْتَجارَ بِيَ الشُّجاعُ
وَلا تتحمَّلوا دَمَ مُسْتجيرٍ ... تَضَمَّنَهُ أجيْرة فَالقداعُ
فَإِنَّ لِما تَرَوْنَ خَفِيَّ أَمْرٍ ... لَهُ مِنْ دُونِ أَمْرِكُم قِناعُ
ثم ارتحلوا وقد أجهدهم العطش، فإذا هاتف يهتف بهم، ويقول: [من البسيط]
يا أَيُّها القَومُ لا ماءٌ أَمامَكُمْ ... حَتَّى تَسُومُوا الْمَطايا يَوْمَها تَعَبا
ثُمَّ اعْدِلُوا شامَةً فَالْماءُ عَنْ كَثَبٍ ... عَيْنٌ رواءٌ وَماءٌ يُذْهِبُ اللَّغبا
حَتَّى إِذا ما أَصَبْتُمْ مِنْهُ رَيَّكُمُ ... فَاسْقُوا الْمَطايا وَمِنْهُ فَامْلَؤُوا القِرَبا
стр. 5851
قال: فعدلوا شامة، فإذا هم بعين خرارة، فشربوا وسقوا إبلهم، وحملوا منه ريهم، وأتوا عكاظ، ثم انصرفوا إلى موضع العين فلم يروا شيئًا، فإذا هاتفٌ يقول: [من البسيط]
يا مالُ عَنِّي جَزاكَ اللهُ صالِحَةً ... هَذا وَداعٌ لَكُمْ مِنِّي وَتَسْليمُ
لا تَزْهَدُوا فِي اصْطِناعِ العُرْفِ مِنْ أَحَدٍ ... إِنَّ الَّذِي حُرِمَ الْمَعْرُوفَ مَحْرومُ
أَنَّا الشُّجاعُ الَّذِي أَنْجَيْتَ مِنْ رَهَقٍ ... شَكَرْتُ ذَلِكَ إِنَّ الشُّكْرَ مَقْسُومُ
مَنْ يَفْعلِ الْخَيرَ لا يَعْدَمْ جَوائِزه ... ما عاشَ، وَالْكُفْرُ بَعْدَ الغَبِّ مَذْمُومُ (١)
١٦٢ - ومن الخصال الملحقة ذويها بالبهائم - وهو خاتمتها -: أن لا يحمل الإنسان الغيرة الإنسانية على التشبه بأهل الكمال، ولا ينهض به الحِجى عن حضيض أحوال أهل الزيع والإضلال.
وقد قالوا: مَنْ لا يغار حمار، والمراد: غيرة العقل، لا غيرة الشهوة؛ فافهم! وقد قلت: [من المجتث]
стр. 5852
لَوْلا يَهِيْجُكَ عَقْلٌ ... إِلَى اكْتِسَابِ الْمَعالِي
إِنَّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ سَا ... لِكًا إِلَى طَرِيقِ الكَمالِ
قَدِ انْتَهَى النَّقْصُ فِيهِ ... وَباءَ بِالابْتِذالِ
مَنْ لا يَغارُ حِمارٌ ... وَلَوْ يُسامُ بِغالِ
على أنهم قالوا في المثل السائر في تهييج أهل البصائر إلى تحصيل أفضل المطالب، وطلب أرفع المراتب: العاشية تهيج الأبية (١)؛ أي: إذا رأت التي تأبى العشاء من الإبل التي تتعشى، تبعتها فتعشت معها.
يُقال: عشت الإبل - من باب رضي - يعشي عشاءً: إذا نفشت، فهي عاشية.
كما يُقال: أَبَيت الإبل، فرضيَتْ، فهي أَبِية إذا لم ترد العشاء.
قال في "القاموس": أبيت الطعام، كرضيت، أبىً: انتهيت عنه من غير شبع (٢).
والمثل المذكور قال الزمخشري: يضرب في نشاط الرجل للأمر إذا رأى غيره يفعله - وإن لم ينشط له قبل ذلك -. انتهى (٣).
стр. 5853
فإذا كان الإنسان لا يهيجه النظر إلى أصحاب الأحوال المحمودة والأخلاق الممدوحة لأن يتحلى بها، ولا تحمله على الاتصاف بها، كان أسوأ حالاً من الإبل الأبية، كما أنه إذا هاجه ما يراه من غيره مما يشتهى طبعًا ويذم عقلاً وشرعًا كان كالحمار الذي رأى حمارًا آخر يَبُول فبال، أو بالكلب إذا رأى كلبًا آخر يعدو إلى جِيْفة، فعدا إليها ومال.
وقد تقدم أنهم قالوا في الأمثال: بال حمَار فاستبال أحمرة؛ يضرب للوضيع يأتي أمرًا قبيحاً، فيتبعه أقرانه فيه.
وهذه الجملة كافية لأهل العقول الصافية، والعافية من الله، فنحن نسأله العافية؛ فإنها هي الكافية الشافية.
وهذه فوائد، وتتمات فوائد لهذا الباب الذي ذكرناه في النهي عن التشبه بالبهائم والسباع والهوام.
روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أنه دخل المدينة فقال: يا أهل المدينة! ما لي لا أرى عليكم حلاوة الإيمان؟ والذي نفسي بيده لو أن دُبَّ الغابة طَعِمَ الإيمان لرئي عليه حلاوة الإيمان (١).
وروى أبو داود عن جندب رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته، ثم عقلها، ثم دخل المسجد وصلَّى خلف رسول الله ﷺ
стр. 5854
فلمَّا سلَّم رسول الله ﷺ أتى راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا تشرك في رحمتنا أحدًا.
فقال رسول الله ﷺ : "أتقُوْلُوْنَ: هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيْرُهُ، ألمْ تَسْمَعُوْا إلى مَا قَالَ؟ ".
قالوا: بلى (١).
وروى ابن أبي شيبة عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى قال: إنَّ لكل قومٍ كلباً؛ فاتق الله لا يضرُّ بك شره (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن الحسنِ - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثُ خِصَالٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ الكَلْبُ خَيْرًا مِنْهُ: وَرعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ ، أَوْ حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ جَاهِلٍ، أَوْ حُسْنُ خُلُقٍ يَعِيْشُ بِهِ فيْ النَّاسِ" (٣).
وروى محمد بن خلف المرزباني في كتاب "فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: رأى النبي ﷺ رجلاً مقتولاً، فقال: "مَا شَأْنُهُ؟ ".
فقالوا: إنه وثب على بني زهرة، فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية، فقتله.
стр. 5855
فقال ﷺ : "قتَلَ نَفْسَهُ وَأَضَاعَ دِيْنَهِ، وَكَانَ الكَلْبُ خَيْرًا مِنْهُ" (١).
قلت: وجه ذلك أن الكلب نصح لصاحبه مالك الماشية، وحفظ له وده، وحرس ماشيته، وهذا السارق خان أخاه المسلم، ولم يحفظ فيه ذمة الإسلام، فكان الكلب خيرًا منه من هذا الوجه.
قال المرزباني: وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كلبٌ أمين خيرٌ من صاحب خؤون (٢).
وكان للحارث بن صعصعة نُدَماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة، فخرج في بعض منتزهاته ومعه ندماؤه، فتخلف واحدٌ منهم، فدخل على زوجته، فأكلا وشربا، ثم اضطجعا، فوثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما ميتين، فعرف الأمر، فأنشأ يقول: [من الطويل]
فيا عَجَبًا للخلَّ يَهْتِكُ حُرْمَتِي ... وَيا عجبًا للكَلْبِ كَيْفَ يَصُونُ
وما زالَ يَرْعَى ذِمَّتي ويَحُوطُنِي ... وَيحْفَظُ عِرْسِي والخليلُ يَخُونُ (٣)
وذكر ابن قتيبة في كتاب "مختلف الحديث" عن أبي عبيدة: أنه كان يذكر أنَّ رجلين سافرا فوقع عليهما اللصوص، فقاتل أحدهما حتى غلب، فأخذ، فدفن وترك رأسه بارزًا، وجاءت الغربان وسباع الطير
стр. 5856
فحامت حوله تريد أن تنتهشه، ورأى ذلك كلب كان معه، فلم يزل ينبش التراب حتى استخرجه، ومن قبل ذلك قد فرَّ صاحبه وأسلمه.
قال: ففي ذلك يقول الشاعر: [من الطويل]
يعردُ عَنْهُ جارُهُ ورفيقُهُ ... وَينْبُشُ عَنْهُ كَلْبُهُ وَهْوَ ضَارِبه (١)
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن جعفر بن سليمان قال: رأيت مع مالك بن دينار كلباً فقلت: ما تصنع بهذا؟
قال: هذا خيرٌ من جليس السوء (٢).
وروى أبو داود عن عبدِ الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِيْ يَسْتَرِدُّ مَا وَهَبَ كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيْءُ فَيَأْكُلُ قَيْئَهُ، فَإِذَا اسْتَرَدَّ الوَاهِبُ فَلْيُوَقَّفْ فَلْيُعَرَّفْ بِمَا اسْتَرَدَّ، ثُمَّ لِيُدْفَعْ إِلَيْهِ مَا وَهَبَ" (٣).
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الَّذِي يَعُوْدُ فيْ هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُوْدُ فيْ قَيْئهِ".
وفي رواية: "كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيْءُ، ثُمَّ يَعُوْدُ فيْ قَيْئهِ" (٤).
стр. 5857
وروى مسلم، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِيْ يَتَصَدَّقُ ثُمَّ يَرْجِعُ فيْ صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الكَلْبِ يَقِيْءُ، ثُمَّ يَعُوْدُ فيْ قَيْئِهِ فَيَأْكُلَهُ" (١).
وروى ابن عساكر عن محمد بن عمرو بن حسن قال: كنا مع الحسين رضي الله تعالى عنه بنهر كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال: صدق الله ورسوله؛ قال رسول الله ﷺ : "كَأَنَّيْ أَنْظُرُ إِلىْ كَلْبٍ أَبْقَعَ يَلَغُ فيْ دِمَاءِ أَهْلِ بَيْتيْ"، وكان شمر أبرص (٢).
وذكر ابن عبد البر في كتاب "بهجة المجالس": أنه قيل لجعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: كم تتأخر الرؤيا؟
فقال: خمسين سنة؛ لأن النبي ﷺ رأى كلباً أبقع يلغ في دمه، فأوَّلَه بأن رجلاً يقتل الحسين ابن بنته، فتأخرت الرؤيا بعدُ خمسين سنة.
وقريبٌ من هذا ما رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن الحارث الخزاعي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول في خطبته: إني رأيت البارحة ديكاً ينقرني، ورأيته يُجليه الناس عني، فلم يلبث إلا ثلاثاً حتى قتله عبد المغيرة أبو لؤلؤة (٣).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: خطب
стр. 5858
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الناس فقال: إني رأيت في منامي ديكاً أحمر نقرني في معقد إزاري ثلاث نقرات، فاستعبر لها أسماء بنت عُميس، وقالت: إنْ صَدَقَتْ رؤياك قتلك رجلٌ من العجم (١).
وروى ابن أبي الدنيا عن عمار الكراع قال: رأيت بيتي مملوءاً حيَّات في النوم، فأتيت ابن سيرين فقصصتها عليه، فقال: ليتق الله هذا الرجل، ولا يولجن عدوًا للمسلمين.
قال: وكان الخوارج وأهل الأهواء يختصمون في بيته.
وتقدم نظير ذلك عن أبي بكر الصديق ﵁ في التشبه بالثعلب في الكذب.
وروى الخطابي في "العزلة"، والبيهقي في "الشعب": أنَّ الفقيه منصور التميمي الشافع كان ينشد لنفسه: [من مجزوء الكامل المرفل]
الْكَلْبُ أَغْلى قِيْمةً ... وَهُوَ النِّهايةُ فِي الْخَساسَة
مِمّنْ يُنازعُ فِي الرَّئا ... سَةِ قَبْلَ أَوْقاتِ الرِّئاسَة (٢)
ونقل المطوعي في "عيون المجالس" عن الجاحظ أنه قال: منْ طلب الرئاسة صبر على الدراسة، ومَنْ لم يُواظب على الدراسة فهو كالثور في الدياسة.
وقلت في المعنى: [من الرجز]
стр. 5859
مَنْ ليسَ يَصْبِرُ على الدِّراسَة ... فَلَيْسَ تَكْمُلُ لَهُ الرِّئاسَة
وَالعالِمُ التَّارِكُ للدِّراسَة ... كَأَنَّهُ الثَّوْرُ بِلا دِياسَة
وروى أبو نعيم من طريق الطبراني عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا أيها الناس! تواضعوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ اللهُ، وَقَالَ: انتُعِشْ رَفَعَكَ اللهُ؛ فَهُوَ فيْ نَفْسِهِ صَغِيْرٌ وَفيْ أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيْمٌ، وَمَنْ تَكَبَّرَ خَفَضَهُ اللهُ، وَقَالَ: اخْسَأْ خَفَضَكَ اللهُ؛ فَهُوَ فيْ نَفْسِهِ كَبِيْرٌ وَفيْ أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيْرٌ حَتَّى يَكُوْنَ أَهْوَنَ مِنْ كَلْبٍ" (١).
ولمحمد بن أبي الصقر الواسطي: [من الخفيف]
أَبَداً ما يُقاسُ بِالْكَلْبِ إِلاَّ الـ ... ـبُخَلاءُ الأَراذِلُ السُّفَهاءُ
وَمَتَى قُلْتُ أَنْتَ كَلْبٌ فَلِلْكَلـ ... ـبَ وَفاءٌ، وَلَيْسَ فِيكَ وَفاءُ (٢)
وذكر الشيخ محي الدين بن العربي في "مُسامراته": أنَّ رجلاً وقف على واعظٍ من وعاظ العجم، فقال له: أيها الشيخ! أنت خيرٌ من الكلب أم الكلب خير منك؟
فأطرق ساعةً، ثم قال: إنْ دخلت الجنة فأنا خيرٌ من الكلب،
стр. 5860
وإن دخلت النار فالكلب خيرٌ مني.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: حُدَّثت أنَّ البهائم إذا رأت بني آدم يوم القيامة قد تصدعوا بين يدي الله تعالى صنفين؛ صنف في الجنة، وصنف في النار، نادتهم: الحمد لله يا بني آدم الذي لم يجعلنا اليوم مثلكم؛ فلا جنة نرجو، ولا عقاباً نخاف (١).
وروى الثعلبي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إذا كان يوم القيامة مدَّت الأرض مدَّ الأديم، وحُشرت الدواب والبهائم والوحوش، ثم يُجعل القصاص بين الدواب حتى تقتص للشاة الجَمَّاء من القَرْناء تنطحها، فإذا فرغ من القصاص قال لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنتُ ترابًا (٢).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - نحوه (٣).
وذكر الثعلبي عن مقاتل رحمه الله تعالى أنه قال: إنَّ الله يجمع الوحوش، والهوائمَّ، والطير، وكل شيء غير الثقلين، فيقول: مَنْ ربكم؟
стр. 5861
فيقولون: الرحمن الرحيم.
فيقول لهم الرب ﵎ بعد ما يقضي بينهم حتى يقتص من القرناء للجماء: أنا خلقتكم، وسخرتكم لبني آدم، وكنتم مطيعين أيام حياتكم، فارجعوا إلى الذي كنتم منه، كونوا تراباً، فيكونون تراباً.
فإذا التفت الكافر إلى شيء صار تراباً يتمنى فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا صورة خنزير، رزقه كرزقه، وكنتُ اليوم ترابًا.
قلت: ومن شعر الإمام الكبير عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه كما رواه عنه أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار"، وغيره: [من البسيط]
وَكَيْفَ قَرَّتْ لأَهْلِ العِلْمِ أَعْيُنُهُمْ ... أَوِ اسْتَلَذُّوا لَذِيذَ النَّوْمِ أَوْ هَجَعُوا
وَالْمَوْتُ يُنذِرُهُمْ دَهْراً عَلانِيَةً ... لَوْ كانَ لِلْقَوْمِ أَسْماعٌ لَقَدْ سَمِعُوا
وَالنَّارُ ضاحِيةً لا بُدَّ مَوْرِدُهُمْ ... وَلَيْسَ يَدْرُون مَنْ يَنْجُو وَمَنْ يَقَعُ
قَدْ أَمْسَتِ الطَّيْرُ وَالأَنْعامُ آمِنةً ... وَالنونُ فِي البَحْرِ لا يَخْتالُها فَزَعُ
وَالآدَمِيُّ بِهَذا الكَسْبِ مُرْتَهَنٌ ... لَهُ رَقِيبٌ عَلى الأَمْرارِ يَطَّلِعُ
стр. 5862
حَتَّى يُوافِيْهِ يَومَ الْجَمْع مُنفَرِداً ... وَخَصْمُهُ الْجِلْدُ والأَبْصارُ وَالسَّمَعُ
إِذِ النَّبِيُّونَ وَالأَشهادُ قائِمةٌ ... وَالْجِنُّ وَالإنْسُ وَالأَمْلاكُ قَدْ خَشَعُوا
وَطارَتِ الصُّحْفُ فِي الأَيْدِي مُنَشَّرةً ... فِيها السَّرائرُ وَالأخبارُ تُطَّلَعُ
يَوَدُّ قَومٌ ذَوو عِزِّ لَوْ أنَّهُم ... هُمُ الْخَنازِيرُ كَيْ يَنْجُو أو الضَّبعُ
طالَ البُكاءُ فَلَمْ يُرحَمْ تَضَرُّعُهُم ... هَيْهاتَ لا رِقَّةٌ تُغْنِي وَلا جَزَعُ
لِيَنْفَعِ العِلمُ قَبْلَ الْمَوْتِ عالِمَهُ ... قَدْ سَيلَ قومٌ بِها الرُّجْعى فَما رَجَعُوا (١)
وروى ابن أبي الدنيا في "ذم المسكر" عن سويد بن سعيد قال: حدثني بعض أصحابنا قال: السكر على ثلاثة:
- منهم: مَنْ إذا سَكِرَ تقيأ وسلح، فهذا الخنزير.
- ومنهم: مَنْ إذا سَكِرَ كدم وجرح، فمثله مثل الكلب.
стр. 5863
- والثالث: إذا سَكِر تغنى ورقصَ، فمثله مثل القرد (١).
وعن الحكم بن هشام: أنه قال لابنِ ابنٍ له وكأنه يتعاطى الشراب: أي بني! إيَّاك والنبيذة فإنه قيءٌ في شدقك، وسلح في عقبك، وحد في ظهرك، وتكون ضحكة للصبيان، وأميرًا للذبان (٢).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن مبشر بن بشير: أنَّ رجلاً هرب من الحجاج، فمرَّ بساباط فيه كلبٌ بين جبين يقطر عليه ماؤها، فقال: يا ليتني كنت مثل هذا الكلب.
فما لبث أن مرَّ بالكلب في عنقه حبل، فسأل عنه.
فقالوا: جاء كتاب الحجاج يَأمر بقتل الكلاب (٣).
قال الجوهري في المثل: أجِعْ كلبك يتبعْكَ (٤).
وكذلك أورده الزمخشري، ويروى: جَوَّع كلبك يتبعْك (٥).
- وكذلك أورده الدميري، والسيوطي، وقالا: يضرب في معاشرة اللئام (٦).
стр. 5864
والمعنى كما قال الزمخشري: اضطر اللئيم إليك بالحاجة ليقر عندك؛ فإنه إذا استغنى عنك تركك.
قال الزمخشري: ويُحكى أنَّ المنصور قال ذات يومٍ لقواده: لقد صدق الأعرابي حيث قال: جوع كلبك يتبعك.
فقال له أحدهم: يا أمير المؤمنين! أخشى إنْ فعلتُ ذلك أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويتركك.
[فأمسك المنصور، ولم يُحِرْ جواباً]، انتهى (١).
وقال بعضهم: إنما جرى للمنصور مع أبي بكر بن عياش رحمه الله تعالى، وهو الذي أجاب المنصور بذلك، وكان جريئًا عليه.
قلت: وكيفما اعتبرت حال الكلب اعتبرته لئيمًا؛ إنْ جوعته تبعك، وإنْ أطعمه غيرك تركك وأَقْبل على غيرك، ثم هو لا يقبل حقيقة إلاَّ على طمعه؛ ألا تراه إذا استوفى ما طمع فيه عاد إلى صاحبه؟
ومن هنا قيل في المثل: كلب غيرك ما تبعك، وولد غيرك ما نفعك؛ أي: وإن تبعك كلب غيرك مرَّة، أو نفعك ولد غيرك مرَّة لا يدوم ذلك لك؛ فكأن الكلب لم يتبع، والولد لم ينفع.
وقد مثلوا اللئيم بالكلب بأمثال أخرى، فقالوا: أحبَّ الكلب خانقه؛ كما أورده الزمخشري (٢).
стр. 5865
وأورده غيره: أحبُّ أهلِ الكلب إليه خانقه؛ يُضرب للئيم؛ فإنك إذا أكرمته تعدى طوره، فإذا مسَّه غيرك بالسوء انقاد له ومال إليه (١).
قال الزمخشري: يضرب في صحبة اللئيم المسيء إليه.
قال ابن عادية السلمي: [من الكامل]
رَكِبُوكَ مُرْتَحَلاً فَظَهْرُكَ مِنْهُمُ ... دُبْرُ الْحَراقِفِ وَالفقارُ مُوْقَّعُ
كَالْكَلْبِ يَتْبَعُ خانِقِيْهِ وَينْتَحِي ... نَحْوَ الَّذِي بِهِمُ يُعَزُّ ويمْنَعُ (٢)
وقالوا: سَمِنَ كلب ببؤس أهله.
ويروى: نَعِمَ كلبٌ ببؤس أهله.
وذلك أنهم إذا أصاب أموالهم السنون، وقعوا في البأساء والضَّراء، وهزلَتْ مواشيهم، فتكثر فيهم الجيف، وفي ذلك نعيم الكلاب.
وأنشد الزمخشري لامرأة من الأعراب: [من الطويل]
أَتُهْدِي لِيَ الْقِرطاسَ وَالْخُبْزُ حَاجَتِي ... وَأَنْتَ عَلى بابِ الأَمِيرِ بَطِينُ
стр. 5866
إِذا غِبْتَ لَمْ تَذْكرْ صَدِيقاً وَإِنْ تُقِمْ ... فَأَنْتَ على ما فِي يَدَيْكَ ضَنِيْنُ
فَأَنْتَ كَكَلْبِ السَّوْءِ فِي جُوعِ أَهْلِهِ ... فيُهْزَلُ أَهْلُ البَيْتِ وَهْوَ سَمِينُ (١)
وقولها: فيُهزل - بضم الياء -: من أُهزل القوم: إذا أصاب مواشيهم سنة، فهَزُلَتْ.
ويُناسب المثل من يفرح بعيشه ونعيمه - وإن كان الناس في شدة وبؤس - وخصوصًا إذا كانت معيشته مترتبة على مصائبهم كالمحتكر في زمن الغلاء، وبائع الأكفان والحنوط في زمن الطاعون والوباء، وهو مخالف في حاله لما أرشده إليه النبي ﷺ بقوله: "مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ المُسْلِمِيْنَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ". أخرجه الطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه، والحاكم في "المستدرك" نحوه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٢).
стр. 5867
وقلت في المعنى: [من مخلَّع البسيط]
مَنْ لَيْسَ لِلْمُسْلِمينَ يَهْتَمُّ ... نابَهُم دَهْرُهُم بذُلِّهْ
فَلَيْسَ مِنْهُمُ كَما رَواهُ ... مُوَثَّقٌ فِي صَحِيحِ نَقْلِهْ
يَنْعُمُ وَالْبُؤْسُ فِي ذَوِيهِ ... نَعِيمَ كَلْبٍ بِبُؤْسِ أَهْلِهْ
وروى الدينوري في "المجالسة" عن ابن عباس ﵄ قال: تكلَّم ملك من الملوك [بكلمة بغي] وهو على سريره، فمسخه الله تعالى، فما يدرى أيَّ شيءٍ مُسِخَ، أذباب أم غير ذلك، إلا أنه ذهب فلم يُرَ (١).
وحاصل ما ذكره ابن عباس: أنَّ هذا الملك مُسِخَ شيئًا تافهًا حقيرًا، وذلك من باب معاملته بضد ما أراد أن يتظاهر به من القوة والكبرياء.
ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، والنسائي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: [أن النبي ﷺ ] قال: "يُحْشَرُ المتكبرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُورة الرِّجالِ، يَغْشَاهُمُ النَّاسُ من كلِّ مكانٍ، يُساقُون إلى سجنٍ في جهنم يُقال له: بُولَس، تعلُوهُم نارُ الأنيارِ، يُسقَون من عُصارة أهلِ النار؛ طينة الخَبَالِ" (٢).
стр. 5868
وبولس؛ بضم الموحدة، وفتح اللام.
ونار الأنيار: نار النيران؛ جَمَعَ ناراً على أنيار، وإن كان واوياً؛ للفرق بين جمع النار وجمع النور؛ كما قالوا في عيد: أعياد، وحقها الواو، إلا أنه فرَّق بينه وبين جمع عود.
وفي الباب حديث أبي هريرة المتقدم.
وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن أبي العالية قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: إذا أتى العالم السلطان فهو فاسق، وإذا زار الأغنياء فهو ذئب.
والمراد أنْ يأتيهم ويزورهم لغير غرض صحيح، أو لغير ضرورة، بل لمجرد التعزز بهم، والقرب منهم، والطمع فيما عندهم.
وروى أبو نعيم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الجَلاوِزَةُ وَالشُّرَطُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ كِلابُ النَّارِ" (١).
وقرأت بخط الشيخ برهان الدين بن جماعة: أنَّ عمر ﵁ خرج يمشي وبين يديه رجل عظيم يقول: أنا ابن بطحاء مكة، فوقف عليه عمر رضي الله تعالى عنه، وقال له: إن يكن لك دين فلك كرم، وإنْ يكن لك عقل فلك مروءة، وإن يكن لك مالٌ فلك شرف، وإلاَّ أنت والحمار سواء.
стр. 5869
ورأيت أنَّ الخرائطي رواه في أول باب من "مكارم الأخلاق"، والعسكري في "أمثاله" عن محمد بن سلام قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يمشي ورجل يخطر بين يديه ويقول: أنا ابن بطحاء مكة؛ كداها وكدائها، فقال عمر: إنْ يكن لك ... إلى آخره (١).
وقريب من هذا قول علي بن عبد الواحد البغدادي - عُرف بصريع الدلاء - وأجاد: [من الرجز]
مَنْ فاتَهُ الْعِلمُ وأَخطَأَهُ الغِنَا ... فَذاكَ وَالكَلْبُ عَلى حَدًّ سَوا (٢)
وأنشد الدينوري في "المجالسة" عن محمد بن سلام الجمحي: [من الطويل]
إِذا أنْتَ لَم تَسَلِ اصْطِبارًا وَحِسْبَةً ... صَبَرْتَ عَلى الأَيَّامِ مِثْلَ البَهائِمِ (٣)
стр. 5870
وأنشد أيضًا لعبد الله بن مصعب الزبيري: [من البسيط]
ما لِي مَرِضْتُ وَلَمْ يَعُدْنِي عائِدٌ ... مِنْكُمُ وَيَمْرَضُ كَلْبُكُمْ فَأَعُودُ (١)
كنى بالكلب هنا عن أدنى القوم، وخَدَمَتِهم.
وقال الحاكم في "تاريخه": أنشد البخاري: [من الرمل]
خَالِقِ النَّاسَ بِخُلْقٍ واسِعٍ ... لا تَكُنْ كَلْباً على النَّاسِ يَهرُّ
قال: وأنشد أبو عبد الله؛ يعني: البخاري: [من الكامل]
مِثْلَ البَهائِمِ لا تَرى آجالَها ... حَتَّى تُسَاقَ إِلَى الْمَجازرِ تُنْحرُ (٢)
وروى أبو نعيم عن الشعبي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: [من الطويل]
إِذا أَنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدْرِ ما الْهَوى ... فَأَنْتَ وَعيْرٌ فِي الفَلاَةِ سَواءُ (٣)
стр. 5871
ومن لطائف ابن الجوزي أنه وعظ يومًا، فقال في أثناء كلامه: [من البسيط]
أَصْبَحْتُ أَلْطَفَ مِنْ مَرِّ النَّسِيمِ على ... مَتْنِ الرِّياضِ يَكادُ الوَهْمُ يُؤْلمُنِي
مِنْ كُلِّ مَعْنًى لَطِيفٍ أَجْتنِي قدحاً ... وَكُلُّ ناطِقَةٍ فِي الكَوْنِ تُطْرِبُنِي
فنهض إليه حسودٌ فقال له: فإذا نطق الحمار، قال: أقول له: اسكت يا حمار.
قرأته من خط البرهان بن جماعة.
وقال حجة الإسلام في "الإحياء": كانت نساء العرب يعلمن بناتهن اختبار الأزواج؛ كانت المرأة تقول لابنتها: اختبري زوجك قبل الإقدام والجرأة، انزعي زُجَّ رمحه، فإنْ سكت لذلك فقطَّعي اللحم على تُرسه، فإنْ سكت فكسّري العظام بسيفه، فإنْ صبر فاجعلي الإكاف على ظهره، ثم امتطيه؛ فإنما هو حمارك (١).
وقال مسكين الدارمي كما أنشده ابن قتيبة: [من الرمل]
قال النووي: الأشهر أنه من جنس البهائم.
وقال المفضل: هو ذكر البوم، وجمعه أضواع، وضيعان، والضواع صوته (١).
وقد اشتمل كلام سويد على تمثيل الحاسد بالضوع، وبالجرد، وبالسبع.
ومن لطائف معاوية رضي الله تعالى عنه تشبيه المتلدد في الخصومة، المُتَلَون في الجدال بالحرباء التي تتلون كما ذكر الخطابي في "الغريب" عن ثعلب، عن ابن الأعرابي: أنَّ رجلين تقدما إلى معاوية رضي الله تعالى عنه، فادعى أحدهما على صاحبه مالاً، وكان المدَّعى قبلَه حوَّلاً قُلَّباً مخلطاً مزيلاً، فأنشأ معاوية يقول:
أَنَّى أُتِيحُ لَهُ حرْباءَ تَنضبهُ ... لا تُرْسِلِ السَّاقَ إِلاَّ مُمْسَكاً سَاقاً
ثم دعا بمالٍ فأعطى المدعي، وفرَّق بينهما (٢).
والقُلَّب - بضم القاف، وفتح اللام المشددة -: الذي يقلب الأمور ظهراً لبطن.
والْحُوَّل - بضم المهملة، وفتح الواو المشددة -: ذو التصرف والاحتيال.
والمِخْلَط - بكسر الميم، وإسكان المعجمة، وفتح اللام -:
стр. 5874
الذي يَخْلِط شيئًا بشيء فَيَلْبِسهُ عن السامعين.
والمِزْيَل -بكسر الميم، وإسكان الزاي، وفتح المثناة تحت-: الجَدِل في الخصومات، الذي يزول من حجة إلى حجة.
وأنشد ثعلب: [من الخفيف]
ألمَعِيُّ الظُّنونِ مُتَّقِدُ الذِّهْـ ... ـنِ أَعانتهُ فِطْنةٌ وَذَكاءُ
مِخْلَطٌ مِزْيَلٌ مِعَنٌّ مِفَنٌّ ... كُلِّ داءٍ لَدَيْهِ مِنْهُ دَواءُ (١)
والمعن - بكسر الميم، وفتح المهملة، مشدد النون -: الخطيب، أو: الذي يدخل فيما لا يعنيه، ويعرض في كل شيء.
والمفن - بالفاء على وزنه -: الذي يأتي بالعجائب، ويقال: امرأة مِفنة.
وروى الخطيب في "تاريخه" عن أحمد بن أبي طاهر طيفور أنه أنشد لنفسه: [من البسيط]
يا مَنْ تَلْبَّسُ أَثْواباً يَتِيهُ بِها ... تَيْهَ الْمُلوكِ عَلى بَعْضِ الْمَساكِينِ
ما غَيَّبَ الجلُّ أَخْلاقَ الْحِمارِ وَلا ... تَحْمِي البَراقِعُ أَخْلاقَ البَراذَينِ (٢)
وأنشد السيوطي في "ديوان الحيوان" ليعقوب بن أحمد
стр. 5875
النيسابوري: [من الطويل]
يُرِي النَّاسَ زُهْداً كَالْمَسِيحِ بْنِ مَرْيَمٍ ... وَفِي ثَوْبِهِ التِّمْساحُ أَوْ هُوَ أَغْدَرُ
أَغَرَّكُمْ مِنْهُ تَقَلُّصُ ثَوْبِهِ ... وَذَلِكَ حبٌّ دُونَهُ الفَخُّ فَاحْذَرُوا
وروى الدينوري في "المجالسة" عن ابن قتيبة قال: قرأتُ في كتب الهند: ذو المروءة يُكرم وإنْ كان معدمًا؛ كالأسد يُهاب وإنْ كان رابضاً، ومَنْ لا مروءة له يهان وإنْ كان موسرًا؛ كالكلب وإنْ طوق وحُلي (١).
وروى الزجاجي في "أماليه" عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يُنشد: [من الوافر]
كلابُ النَّاسِ إِنْ فَكَّرْتَ فِيهِمْ ... أَضَرُّ عَلَيْكَ مِنْ كَلْبِ الْكِلابِ
لأنَّ الْكَلْبَ لا يُؤْذِي صَدِيْقاً ... وَإِنَّ صَدِيقَ هَذا فِي عَذابِ
وَيَأْتِي حِيْنَ يَأْتِي فِي ثِيابٍ ... وَقَدْ حُزِمَتْ عَلى حدِّ النِّصابِ
فَأَخْزَى اللهُ أَثْواباً عَلَيْهِ ... وَأَخْزَى اللهُ ما تَحْتَ الثِّيابِ (٢)
ومن لطائف الحكايات قصة يحيى بن لوغان ملك تلمسان؛ قال الشيخ محي الدين بن العربي في "المسامرات" - وهو من خؤولتنا -:
стр. 5876
حدثني أخوالي ووالدتي قالوا: كان بتلمسان الملك يحيى، فنزل يوماً في موكبه من مدينة أقادره يُريد المدينة الوسطى، بينهما بقيع فيهِ قبور، فبينما هو يسير وإذا برجلٍ مُتعبد يمشي لحاجته، فأمسك عنانه وسلم عليه، فردَّ الرجل العابد السَّلام، وكلَّمه بأشياء، وكان مما كلَّمه الملك أن قال له: أيها العابد! ما تقول في الصلاة في هذه الثياب التي عليَّ؟
فاستغرب العابد يضحك.
فقال له: مم تضحك؟
قال: من سُخف عقلك؛ ما رأيْتُ لك في هذه المسألة شبيهاً إلاَّ الكلب.
قال: وكيف؟
قال: الكلب يتمَعَّك في الجِيْفة، ويتلطَّخُ بدمها، فإذا أراد أن يبول رفع رجله حتى لا يُصيبه البول، وأنت بطنك حرامٌ كله، وتسأل عن ثيابك.
فاسْتعبر الملك، ونزل من حِيْنه عن دابته، وتجرَّد من ثيابه، فرمى عليه بعض العامة من أهل الدين ثوبًا، ثم قال لأهل دولته: انظروا لأنفسكم، فَلَسْتُ لكم بصاحب.
فاقتفى أثر العابد، فصعد معه إلى العبادة في موضعٍ عالٍ بقبة تلمسان، وأقام معه ثلاثة أيام، ثم أمره العابد بالاحتطاب، فجعل الملك يحتطب، ويبيع بسوق تلمسان، ويأكل ويتصدق بالفضل، فكان الناس إذا أتوا إلى العابد يسألونه الدعاء؛ يقول: اسألوا يحيى
стр. 5877
الدعاء؛ فإنه خرج عن قدرة.
قال الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى: ويُقال ذلك العابد كان أبا عبد الله التونسي، وقفت أنا على قبره وقبر الشيخ أبي مدين بظاهر تلمسان.
وروى الإمام عبد الله بن المبارك عن خالد بن معدان رحمه الله تعالى: لا يَفْقَهُ الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه فتكون هي أحقر حاقر (١).
ويروى هذا عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه (٢).
ومعناه أن ليس إليه ولا إلى أحد من الخَلْق، ولا لهم من الأمر شيء، وأنَّ الأمر كله بيد الله تعالى.
ويحتمل أن يكون له معنى آخر.
روى أبو نعيم عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ما أقلَّ أكياسَ الناس، لا يُبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس، وإلى ما أمروا به، وإلى ما قد أكبوا عليه من الدنيا، فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر التي لا همَّ لها إلا ما تجعل في أجوافها، حتى إذا أَبْصر غفلتهم نظر إلى نفسه فقال: إني لأراني من شرهم بعيرًا واحدًا (٣).
стр. 5878
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أنه سُئِلَ عن أَلْين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَلا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ شَرَدَ عَنِ اللهِ شِرَادَ البَعِيْرِ عَلَىْ أَهْلِهِ" (١).
وروى أبو نعيم عن مسلم بن عبد الله قال: دخل مالك بن دينار رحمه الله تعالى دار الخَراج يومًا، فإذا هو برجل من هؤلاء الكبار قد وضع الكَبْل في رجله - والكَبل: بفتح الكاف وقد تكسر: القيد، أو أعظم القيود -؛ قال: فبينا هو ينظر إذ أُتِيَ بطعام، فوضعَ بين يديه، وجعل مالك ينظر ويتعجب من أكله ومما هو فيه، فقال له: تعالَ كُل يا أبا يحيى.
فقال: أخاف إنْ أكلتُ مثل هذا أنْ يُوضع في رجلي مثل هذا.
قال: فتقدم إليه ابن عم الرجل، فقال له: يا أبا يحيى! إنَّ هذا ابن عمٍ لي، وهو ينفق علىَّ وعلى عيالي، فادعُ الله أنْ يُنجيه.
فقال مالك: أتدري ما مثل ابن عمك؟ مثل شاة أكلت عجين قوم، فانتفخ بطنها، فماتت، وصاحب العجين يدعو الله على مَنْ أكل عجينه، وصاحب الشاة يدعو الله على مَنْ قتل شاته، فلأيَّهم ترى إليه أسرع الإجابة (٢).
стр. 5879
ومن أمثالِهم: يا شاة! أين تذهبين؟
قالت: أُجَزُّ مع المجزوزين.
أجز - بالبناء لنائب الفاعل -: من جزَّ الشاة - بالجيم والزاي - فهي جزوزة كالحلوبة: إذا أخذ صوفها.
قال الزمخشري: يُضرب للأحمق يتكلم مع القوم، ويفعل فعلهم، وما يدري ما هم فيه (١).
وفي معناه قول الناس في بعض أمثالهم: قيل للأحمق: أين تغدو؟
قال: معهم.
قيل له: أين تروح؟
قال: معهم.
وهذا حال المقلد من غير استظهار معنى ما يُقلد؛ كما قال أولئك: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢].
وقولهم في المثل حكايةً عن الشاة: أُجزُّ مع المجزوزين، وحقه مع المجزوزات؛ فإنما عُدِلَ عنه لأن الشاة لمَّا نزلتْ منزلة العقلاء فخُوطِبَتْ، ناسَبَ أنْ يكون جوابها جواب العقلاء.
ومن المعلوم أنَّ الأمثال تقع موقعها الأول، فتدور في الألسنة كما هي، ولا تغير؛ هذا قانونها.
стр. 5880
وقالوا في المثل: عنزٌ بها كل داء؛ يُضرب للكثير العيوب من الناس والدواب (١).
وقد قيل: للعنز تسعة وتسعون داء (٢).
ومن أمثالهم في المخلط: كل نجار إبل نجارها؛ أي: فيه كل لونٍ من الأخلاق، وليس له رأي يثبت فيه؛ نقله في "الصحاح" عن أبي عبيد (٣).
والنجار - بالفتح، والكسر - والنجر - بالفتح -: الأصل واللون.
وأصل المثل من قول بعض اللصوص وقد سُئل عن أصل إبل كان يعرضها للبيع: [من الرجز]
تَسْأَلُنِي الباعَةُ ما نِجارُها ... إِذْ زَعْزَعُوها نَسَمَتْ أَبْصارُها
كُلُّ نِجارِ إِبلٍ نجارُها ... وَكُلُّ دارٍ لأُناسٍ دارُها
وكُلُّ نارِ العالَمِينَ نارُها
قال الزمخشري: يُضرب لمَنْ كان له كل لون من الأخلاق، انتهى (٤).
стр. 5881
وفي معناه المثل الآخر: فلان مع كل قوم مغيرة، من أغار الفرس: إذا أسرع في الغارة وغيرها، أو: من أغار على القوم غارة وإغارة، فيكون المعنى: مغيرة أصحابها.
ومن الأول قولهم: أغار إغارة الثعلب: إذا شدَّ العدو، وأسرع، أو ذهب في الأرض (١).
وفي المثل: عنزٌ عزوز لها در جم؛ يُضرب للبخيل الواجد.
والعزوز: الضيقة الأحاليل، وهي كثيرة اللبن، فلا يخرج لبنها إلا قليلاً قليلاً (٢).
وفي المثل أيضًا: عنزٌ نزت في حبل فاستتيست؛ أي: صارت تيساً بعد أن كانت عنزاً.
وربما قالوا: عنز استتيست؛ يُضرب للرجل يعز بعد الذل (٣).
وفي المثل: استنوق الجمل؛ أي: صار ناقة بعد ما كان جملاً.
وأصله من كلام طرفة (٤).
أنشد المسيب بن علس وهو بين يدي بعض الملوك، وهو عمرو
стр. 5882
ابن هند كما في "القاموس":
وَقَدْ أتنَاسَى الْهَمَّ عِنْدَ اِحْتِضَارِهِ ... بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّةُ مكدَمِ
كُمَيْت كِنازُ اللَّحْمِ أَوْ حُمَيْرِية ... مُواشِكَة، تَتْفِي الْحَصا بِمُثَلَّمِ
وطرفة بن العبد حاضر وهو غلام، فقال: استنوق الجمل؛ أشار إلى انتقاله من ذكر الجمل إلى ذكر الناقة (١).
وقيل: لأن الصيعرية سِمَةٌ لا يوسم بها إلا النوق خاصة.
وكان قوله: استنوق الجمل لقوله في وصف الجمل: عليه الصيعرية، فغضب المسيب، وقال عن طرفة: ليقتلنه لسانه، وكان كما تفرس فيه (٢).
قال الجوهري: يُضرب للرجل يكون في حديث أو صفة شيء، ثم يخلطه بغيره، وينتقل إليه (٣).
وذكر الزمخشري أنه يُضرب لذلك، ولمن يظن به غناء وجَلَد، ثم يكون على غير ذلك.
قال الكميت: [من الطويل]
стр. 5883
هَزَزْتُكُمْ لَو كانَ فيكُم مَهزةٌ ... وَذَكَرْتُ ذا التَّأْنِيثَ فَاسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ (١)
ومما اتفق لي في هذا المثل: أني لمَّا ابتليت بحسد الشيخ شمس الدين بن المنقار في أوان الطلب، وكان له تعرض للناس، فداريته بقصيدة جاء فيها قولي: [من مجزوء الرجز]
يا شمسَ دِينِ اللهِ، يا ... مَنْ قَدْ عَلا شَمْسَ الْفَلا
فلمَّا عرضتها عليه قبلها وشكر عليها، ثم بعد شهر أو أكثر جرت بيننا وبينه قصة آلتْ إلى أن ناظرته فيما ظهرت فيه الحجة عليه، فشرع يعترض على ما مدحته به، ويذم، ويدعي فيه سوء التركيب، فقلت: [من الطويل]
أتيْتُكَ يَوْمًا مَادِحًا لَكَ مُطْرِبًا ... وَلَمْ أَخْشَ قَوْلَ النَّاسِ عَنِّي لِمَ فَعَلْ
فَنافَقْتَنِي بِالشُّكْرِ حِينَ قَبِلْتَ ما ... أتيْتُ بِهِ نَظْماً عَلى الدُّرَرِ اشْتَمَلْ
وَبَعْدَ زَمانٍ قُلْتَ عَنْهُ بِأنَّهُ ... مَعِيبُ الْمَعانِي ثُمَّ فِي وَزْنهِ خَلَلْ
فَقُلْتُ لِنَفْسِي إِنَّنِي أَسْتَحِقُّ ما ... تَقُولُ وَإِنْ بالغْتَ فِي القَوْلِ وَالعَذلْ
وَما ذاكَ إِلاَّ أَنْ وَصَفْتُكَ كاذِباً ... بِشَمْسٍ، وَلَمْ أَعْلمِ بِأَنَّكَ ذُو عِلَلْ
وَما الشَّمْسُ إِلاَّ مَنْ يُضِيْءُ بِنُورِهِ ... وَلَمْ يَكُ ذا لُؤم كَمِثْلِكَ أَوْ خَطَلْ
فَإِنَّي وَضَعْتُ الشَّيْءَ غَيْرَ مَحَلِّهِ ... وَذَكَّرْتُ ذا التَّأْنِيثَ فَاسْتَنْوَقَ الْجَمَل
стр. 5884
وكان ذلك في سنة أربع وتسعين وتسع مئة، وأنا دون العشرين من عمري، وكان المذكور قد تجاوز السبعين.
ومن لطائف العرب أنهم يقولون للملك: أصيد، أو يسمونه أصيد.
قال في "الصحاح": وأصله في البعير يكون له داءٌ في رأسه فيرفعه.
قال: ويقال: إنما قيل للملك أصيد؛ لأنه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً.
وقال: الصيد - بالتحريك -: مصدر الأصيد، وهو الذي يرفع تكبراً، ومنه قيل للملك: أصيد (١).
قلت: وفيه وجه ثالث، وهو الأصيد من أسماء الأسد، وكذلك المصطاد، والصياد كما حكاه في "القاموس" (٢).
والعرب تعبر عن السلطان بالأسد؛ فإنه - كما قال الدميري، والسيوطي - أشرف الحيوان المتوحش لأنه ينزل منها منزلة الملك (٣).
ومن الأمثال المشهورة: الكلاب على البقر، والكراب على البقر - بالرفع، والنصب فيهما - على الابتداء، وإضمار الفعل؛ أي: دع
стр. 5885
الكلاب على البقر؛ أي: خل امرأً وصناعته (١).
قال أبو عبيد في "أمثاله": من قلة المبالاة قولهم: الكلاب على البقر؛ يُضرب مثلاً في قلة عناية الرجل واهتمامه بشأن صاحبه.
قال: وأصله أن يخلى بين الكلاب وبقر الوحش.
وقال الخليل، وابن دريد، وغيرهما: ومنهم من يقول: الكراب على البقر، وهو كالكرب، وهو - بالفتح فيهما -: حرث الأرض، وإثارتها على البقر (٢).
البقر في هذا اللفظ هي: الأهلية، وفي اللفظ الأول: الوحشية.
وحاصل معنى الأول: أن أهل الشَّر إذا سَطَتْ على أهل الشر فلا تُبَال بِهم، وهو من جملة الإعراض عن الجاهلين.
وفي معناه ما حكاه الشيخ علوان الحموي في شرح "تائية ابن حبيب" الصفدي عن شيخه سيد علي بن ميمون: أنه كان يقول: الحكام كالحيات، والفسقة من العوام كالفئرة؛ فدعوا الحيات تأكل الفئران.
ومعناه: أنَّ الله تعالى سلَّط هؤلاء على هؤلاء عقوبة لهم.
وحاصل معنى اللفظ الثاني: أنَّ العمل إذا كان له أهل يقومون به