وفي معناه المثل الآخر: فلان مع كل قوم مغيرة، من أغار الفرس: إذا أسرع في الغارة وغيرها، أو: من أغار على القوم غارة وإغارة، فيكون المعنى: مغيرة أصحابها.
ومن الأول قولهم: أغار إغارة الثعلب: إذا شدَّ العدو، وأسرع، أو ذهب في الأرض (١).
وفي المثل: عنزٌ عزوز لها در جم؛ يُضرب للبخيل الواجد.
والعزوز: الضيقة الأحاليل، وهي كثيرة اللبن، فلا يخرج لبنها إلا قليلاً قليلاً (٢).
وفي المثل أيضًا: عنزٌ نزت في حبل فاستتيست؛ أي: صارت تيساً بعد أن كانت عنزاً.
وربما قالوا: عنز استتيست؛ يُضرب للرجل يعز بعد الذل (٣).
وفي المثل: استنوق الجمل؛ أي: صار ناقة بعد ما كان جملاً.
وأصله من كلام طرفة (٤).
أنشد المسيب بن علس وهو بين يدي بعض الملوك، وهو عمرو
стр. 5882
ابن هند كما في "القاموس":
وَقَدْ أتنَاسَى الْهَمَّ عِنْدَ اِحْتِضَارِهِ ... بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّةُ مكدَمِ
كُمَيْت كِنازُ اللَّحْمِ أَوْ حُمَيْرِية ... مُواشِكَة، تَتْفِي الْحَصا بِمُثَلَّمِ
وطرفة بن العبد حاضر وهو غلام، فقال: استنوق الجمل؛ أشار إلى انتقاله من ذكر الجمل إلى ذكر الناقة (١).
وقيل: لأن الصيعرية سِمَةٌ لا يوسم بها إلا النوق خاصة.
وكان قوله: استنوق الجمل لقوله في وصف الجمل: عليه الصيعرية، فغضب المسيب، وقال عن طرفة: ليقتلنه لسانه، وكان كما تفرس فيه (٢).
قال الجوهري: يُضرب للرجل يكون في حديث أو صفة شيء، ثم يخلطه بغيره، وينتقل إليه (٣).
وذكر الزمخشري أنه يُضرب لذلك، ولمن يظن به غناء وجَلَد، ثم يكون على غير ذلك.
قال الكميت: [من الطويل]
стр. 5883
هَزَزْتُكُمْ لَو كانَ فيكُم مَهزةٌ ... وَذَكَرْتُ ذا التَّأْنِيثَ فَاسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ (١)
ومما اتفق لي في هذا المثل: أني لمَّا ابتليت بحسد الشيخ شمس الدين بن المنقار في أوان الطلب، وكان له تعرض للناس، فداريته بقصيدة جاء فيها قولي: [من مجزوء الرجز]
يا شمسَ دِينِ اللهِ، يا ... مَنْ قَدْ عَلا شَمْسَ الْفَلا
فلمَّا عرضتها عليه قبلها وشكر عليها، ثم بعد شهر أو أكثر جرت بيننا وبينه قصة آلتْ إلى أن ناظرته فيما ظهرت فيه الحجة عليه، فشرع يعترض على ما مدحته به، ويذم، ويدعي فيه سوء التركيب، فقلت: [من الطويل]
أتيْتُكَ يَوْمًا مَادِحًا لَكَ مُطْرِبًا ... وَلَمْ أَخْشَ قَوْلَ النَّاسِ عَنِّي لِمَ فَعَلْ
فَنافَقْتَنِي بِالشُّكْرِ حِينَ قَبِلْتَ ما ... أتيْتُ بِهِ نَظْماً عَلى الدُّرَرِ اشْتَمَلْ
وَبَعْدَ زَمانٍ قُلْتَ عَنْهُ بِأنَّهُ ... مَعِيبُ الْمَعانِي ثُمَّ فِي وَزْنهِ خَلَلْ
فَقُلْتُ لِنَفْسِي إِنَّنِي أَسْتَحِقُّ ما ... تَقُولُ وَإِنْ بالغْتَ فِي القَوْلِ وَالعَذلْ
وَما ذاكَ إِلاَّ أَنْ وَصَفْتُكَ كاذِباً ... بِشَمْسٍ، وَلَمْ أَعْلمِ بِأَنَّكَ ذُو عِلَلْ
وَما الشَّمْسُ إِلاَّ مَنْ يُضِيْءُ بِنُورِهِ ... وَلَمْ يَكُ ذا لُؤم كَمِثْلِكَ أَوْ خَطَلْ
فَإِنَّي وَضَعْتُ الشَّيْءَ غَيْرَ مَحَلِّهِ ... وَذَكَّرْتُ ذا التَّأْنِيثَ فَاسْتَنْوَقَ الْجَمَل
стр. 5884
وكان ذلك في سنة أربع وتسعين وتسع مئة، وأنا دون العشرين من عمري، وكان المذكور قد تجاوز السبعين.
ومن لطائف العرب أنهم يقولون للملك: أصيد، أو يسمونه أصيد.
قال في "الصحاح": وأصله في البعير يكون له داءٌ في رأسه فيرفعه.
قال: ويقال: إنما قيل للملك أصيد؛ لأنه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً.
وقال: الصيد - بالتحريك -: مصدر الأصيد، وهو الذي يرفع تكبراً، ومنه قيل للملك: أصيد (١).
قلت: وفيه وجه ثالث، وهو الأصيد من أسماء الأسد، وكذلك المصطاد، والصياد كما حكاه في "القاموس" (٢).
والعرب تعبر عن السلطان بالأسد؛ فإنه - كما قال الدميري، والسيوطي - أشرف الحيوان المتوحش لأنه ينزل منها منزلة الملك (٣).
ومن الأمثال المشهورة: الكلاب على البقر، والكراب على البقر - بالرفع، والنصب فيهما - على الابتداء، وإضمار الفعل؛ أي: دع
стр. 5885
الكلاب على البقر؛ أي: خل امرأً وصناعته (١).
قال أبو عبيد في "أمثاله": من قلة المبالاة قولهم: الكلاب على البقر؛ يُضرب مثلاً في قلة عناية الرجل واهتمامه بشأن صاحبه.
قال: وأصله أن يخلى بين الكلاب وبقر الوحش.
وقال الخليل، وابن دريد، وغيرهما: ومنهم من يقول: الكراب على البقر، وهو كالكرب، وهو - بالفتح فيهما -: حرث الأرض، وإثارتها على البقر (٢).
البقر في هذا اللفظ هي: الأهلية، وفي اللفظ الأول: الوحشية.
وحاصل معنى الأول: أن أهل الشَّر إذا سَطَتْ على أهل الشر فلا تُبَال بِهم، وهو من جملة الإعراض عن الجاهلين.
وفي معناه ما حكاه الشيخ علوان الحموي في شرح "تائية ابن حبيب" الصفدي عن شيخه سيد علي بن ميمون: أنه كان يقول: الحكام كالحيات، والفسقة من العوام كالفئرة؛ فدعوا الحيات تأكل الفئران.
ومعناه: أنَّ الله تعالى سلَّط هؤلاء على هؤلاء عقوبة لهم.
وحاصل معنى اللفظ الثاني: أنَّ العمل إذا كان له أهل يقومون به
стр. 5886
فلا تتكلفه أنت، بل دع صناعتهم لهم، واكتف بهم عن اهتمامك بها.
وقرأت بخط البرهان بن جماعة لأبي فراس بن حمدان لمَّا أُسِر: [من مجزوء الكامل المرفل]
ما لِلْعَبِيدِ مِنَ الَّذِي ... يَقْضِي بِهِ اللهُ امْتِناعُ
ذُدْتُ الأُسودَ عَنِ الفَرا ... ئِسِ ثُمَّ تَأْكُلُنِي الضِّباعُ
ومن لطائف العلاء بن الجارود؛ أنشده ابن قتيبة في "عيون الأخبار" عنه: [من مجزوء الرمل]
أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ زُهْدًا ... وَعَلى الْمَنْقُوشِ دارُوا
وَلَهُ صلَّوا وَصَامُوا ... وَلَهُ حَجّوا وَزارُوا
لَوْ رَأَوْهُ فِي الثُّرَيَّا ... وَلَهُمْ رِيشٌ لَطارُوا
ومن لطائف ابن الدهان النحوي؛ أنشد السيوطي في "طبقات اللغويين والنحاة":
لا تَحْسَبَنْ أَنْ بِالْكُتْـ ... ـبِ مِثْلَنا سَتَصِيرُ
فَلِلدَّجاجَةِ رِيشٌ ... لَكِنَها لا تَطِيرُ (١)
وقال آخر، وهو من الأمثال: [من الوافر]
стр. 5887
وَمَنْ يَكُنِ الْغُرابُ لَهُ دليلاً ... يَمُرُّ بِهِ عَلى جِيَفِ الْكِلابِ (١)
وقال آخر، وهو مثل يُضرب للبخيل؛ أنشد: [من الرجز]
كَالْحُوتِ لا يَرْوِيهِ شَيْءٌ يَلْهَمُهْ ... يُصْبحُ ظَمآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ (٢)
وأنشد الزمخشري في "المستقصى" عن الفراء: [من البسيط]
مِثْلَ النَّعامَةِ كانَتْ وَهْيَ سَائمةٌ ... إِذْ ناءَ حَتَّى رَمَاها الْحينُ وَالْجُبنُ
جاءَتْ لِتَشْرِي قَرْناً أَوْ تُعَوِّضُهُ ... وَالدَّهْرُ فِيهِ رباحُ البَيْعِ وَالغَبْنُ
فَقِيلَ أُذناكَ ظُلما ثمتَ اصْطَلَمَتْ ... إِلَى الصُّماخِ، فَلا قَرْنٌ وَلا أُذُنُ (٣)
قال: وقال آخر: [من الكامل]
أَوْ كَالنَّعامَةِ إِذْ غَدَتْ مِنْ بَيْتِها ... لِيُصاغ قَرْناها بِغَيْرِ أُذَينِ
فَاجْتَثَّتِ الأُذنانِ مِنْها فَانْتَهَتْ ... صَلْماءَ لَيسَتْ مِنْ فَواتِ قُرونِ (٤)
وأنشد السيوطي في "ديوان الحيوان" للشيخ جمال الدين بن نباتة: [من الطويل]
стр. 5888
أَصَمُّ حَدِيثُ القَرْنِ ما يا روقَ مَسْمعي ... بِتَأْخِيرِهِ يا جالِسينَ النَّدَى عَنَّي
فَلا تَجْعَلُونِي فِي العفاةِ نَعامَةً ... غَدَتْ تَبْتَغِي قَرنًا فَعَادَتْ بلا قَرْنِ
قلت: وهذا من الكلام الذي وضعته العرب على ألسنة البهائم، والمقصود منه ضرب المثل، وإعطاء الحكمة، والتنبيه على الاعتبار.
كما روى أبو نعيم عن الشعبي رحمه الله تعالى قال: مرض الأسد فعادَهُ السباع ما خلا الثعلب، فنمَّ عليه الذئب، فقال: إذا حضر فأَعْلمني، فلمَّا حضر أَعْلمه، فعتبه في ذلك، فقال: كنت في طلب الدواء لك.
قال: فأي شيء أصبت؟
قال: خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج.
فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب، وانسلَّ الثعلب، فمرَّ به الذئب بعد ذلك ودمه يسيل، فقال له: يا صاحب الخف الأحمر! إذا قعدت عند الملوك فانظر ما يخرج من رأسك.
قال أبو نعيم: لم يقصد الشعبي من هذا سوى ضرب المثل، وتعليم العقلاء، وتنبيه الناس، وتأكيد الوصية في حفظ اللسان، انتهى (١).
وفي رواية: أنَّ الثعلب قال للأسد حين عتبه: ذهبتُ أَلْتَمِسُ
стр. 5889
لمرضك دواء حتى وجدته.
قال: فما هو؟
قال: خصيتا الذئب، فسلهما الأسد، وذهب الثعلب، فقعد على مدرجة الذئب، فلمَّا مرَّ به ودمه يسيل على فخذيه قال له: يا صاحب السراويل الحمر! إذا جلست عند الملوك فانظر ماذا تتكلم به (١).
وروى أبو نعيم عن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: سمعت سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول: لم أرَ للسلطان إلا مثلاً ضرب للثعلب قال: قال الثعلب: عرفتُ للكلب نيفًا وسبعين دستاناً، ليس منها دستان خيرًا مِنْ أَلاَّ أرى الكلب [ولا يراني].
وأخرجه المنذري في "تاريخه" بنحوه (٢).
قالوا: قيل للثعلب: ما لك تعدو أكثر من الكلب؟
قال: لأني أعدو لنفسي، والكلب يعدو لغيره (٣).
وقال عمارة اليمني: [من الطويل]
رَأَيْتَ رِجَالاً أَصْبَحَتْ فِي مآدِبِ ... وَحالِي لَدَيْكُمْ أَصْبَحَتْ فِي نَوادبِ
تَأَخَّرْتُ لَمَّا قَدَّمَتْهُمْ عُلاكُمُ ... عَلَيَّ وَتأبَى الأُسْدُ سَبْقَ الثَّعالبِ (٤)
стр. 5890
وروى ابن أبي شيبة، وغيره عن علي رضي الله تعالى عنه قال: إنما مثلي ومثل عثمان رضي الله تعالى عنه كمثل أثوار ثلاثة كُنَّ في أجمة؛ أبيض، وأسود، وأحمر، ومعها فيها أسد، وكان لا يقدر منهنَّ على شيء لاجتماعهنَّ عليه، فقال - يعني: الأسد - للثور الأسود، والثور الأحمر: لا يدل علينا في أجمتنا إلا الأبيض؛ فإنَّ لونه مشهور، ولوني على لونكما، فلو تركتماني آكله خلت لكما الأجمة وصفت.
فقالا: دونك، فأكله، فلمَّا مضت أيام قال للأحمر: لوني على لونك، فدعني آكل الأسود، ففعل، فلما مضت أيام قال للأحمر: إني آكلك لا محالة.
فقال: دعني أُنادي ثلاث أصوات.
فقال: افعل.
فقال: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض؛ قالها ثلاثًا.
قال علي رضي الله تعالى عنه: وأنا إنما هنت يوم قتل عثمان؛ رفع بها صوته.
وقالوا: إنَّ ثعلبًا وأرنبًا تحاكما إلى الضب، فقالا: يا أبا الحِسل! جئناك لتحكم بيننا.
فقال: في بيته يؤتى الحكم.
فقال الأرنب: إني اجتنيت تمرة.
فقال: حلواً اجتنيت.
стр. 5891
فقال: إنَّ هذا أخذها مني.
فقال: لنفسه بغى الخير.
فقال: وإني لطمته.
قال: البادئ أظلم.
فقال: ثم لطمني.
فقال: كريم انتصر.
فقال: احكم بيننا.
فقال: حدث حديثين امرأة، فإن لم تفهم فأربعة، وقيل: فاربع (١)؛ أي: كف، فذهبت كلماته أمثالاً.
وفي طريقته في الحكم: أنَّ عدي بن أرطأة أتى إياس بن معاوية قاضي البصرة وهو في مجلس حكمه، وعدي أمير، وكان أعرابي الطبع، فقال: يا هناه! أين أنت؟
قال: بينك وبين الحائط.
قال: فاسمع مني.
قال: للاستماع جلست.
قال: إني تزوجت امرأة.
قال: بالرَّفاء والبنين.
قال: شَرَطْتُ لأهلها أني لا أُخرجها من بيتهم.
стр. 5892
قال: الشرط أملك؛ أوفِ لهم.
قال: وأنا أريد الخروج.
قال: في حفظ الله.
قال: فاقض بيننا.
قال: قد فعلت (١).
ومما وضعوه على ألسنة البهائم ما قيل: إن الثعلب نظر إلى عنقود فلم يَنَلْهُ، فقال: هو حامض (٢).
وقال بعض القدماء: [من مجزوء الرمل]
أَيُّهَا العائِبُ سَلْمى ... أَنْتَ عَنْها كَثُعالَة
رامَ عُنْقوداً فَلَمَّا ... أَبْصَرَ العُنْقودَ طَالَه
قالَ: هَذا حامِضٌ لَمَّـ ... ـا رَأى أنْ لا يَنالَه (٣)
وقيل: إنه قيل للنعامة: احملي.
قالت: أنا طير.
فقيل لها: طيري.
قالت: أنا بعير.
قال الشاعر: [من الوافر]
стр. 5893
كَمَثَلِ نَعامَةٍ تَدَّعِي بَعِيراً ... تَعاظَمَها إِذا ما قِيلَ: طِيْرِي
فَإِنْ قِيلَ: احْمِلِي قالَتْ: فَإِنِّي ... مِنَ الطَّيْرِ الْمُرَتَّبِ فِي الوكُورِ (١)
وقيل للحمار: لم لا تجتر؟
قال: أكره مضغ الباطل (٢).
وهو مثل قول الأعرابي الذي دفع إليه عِلْك، فلمَّا مضغه رمى به، وقال: تعب الحنجرة، وخيبة المعدة (٣).
وقيل للثعلب: أما تحمل كتابًا إلى الكلب وتأخذ منه مئة دينار؟
فقال: أما الكراء فواف، ولكن الخطر عظيم (٤).
وقيل: خرج أسد وذئب وثعلب على أنهم مشتركون فيما يتصيدون، فأصابوا حمارًا وظبيًا وأرنبًا، فقال الأسد للذئب: اقسم بيننا واعدل.
فقال: أمَّا الحمار فلك، وأما الظبي فلي، وأما الأرنب للثعلب.
فغضب الأسد، فضربه ضربةً، فأندر رأسه، فوضعه بين يديه، ثم قال للثعلب: اقسم بيننا واعدل.
стр. 5894
فلمَّا رأى الثعلب ما صنع بالذئب خَشِيَ أنْ يُصيبه مثله، فقال: أما الحمار فلك تتغذى به، وأما الأرنب فهو لك خلالٌ تتخلل به فيما بينك وبين الليل، وأما الظبي فلك تتعشى به.
فقال الأسد للثعلب: ويلك يا ثعلب! ما ينبغي إلا أن تكون قاضياً؛ من علمك هذا القضاء؟
فقال: الرأس الذي بين يديك، ثم وثب ناحية عن الأسد (١).
فهذا وأمثاله إنما وضعته العقلاء على طريقة ضرب الأمثال للتنبيه على ما ينفع أو يضر من الخلال؛ ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣].
ألا ترى أنهم يقولون في المثل السَّائر: ليس بِعُشُّكِ فادرُجي؛ يريدون ليس لك في هذا الأمر حق فامضي، كما في "القاموس" (٢).
وقال الزمخشري: يُضرب لمَنْ يدعي أمرًا ليس من شأنه؛ أي: ليس بمباتك فاخرج منه (٣).
وقريب من قولهم في المثل الآخر: خلا لكِ الجو فبِيضي واصْفِرِي (٤).
стр. 5895
وأول من قاله طرفه بن العبد وهو ابن سبع سنين، وذلك أنه خرج مع صويحب له إلى مكان كانا يعهدان فيه القنابر، فنصبا فخيهما، فإذا قنبرة تحوم بالفخ، تقع تارةً وتَفْزع أخرى حتى ذهب النهار، ثم لمَّا توجَّها إلى أهلهما راجعين والقنبرة تحوم قال: [من الرجز]
يا لَكِ مِنْ قنبرةٍ بِمعمرٍ خَلا ... لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي
وَنَقِّرِي ما شِئْتِ أنْ تُنَقِّري ... قَدْ رُفِعَ الفَخُّ، فَماذا تَحْذَرِي؟
وَرَجَعَ الصَّيَّادُ عَنْكِ فَأْبْشِرِي ... لا بُدَّ مِنْ أَخْذِك يَومًا فَاحْذَرِي (١)
ومن أمثالهم: حيل بين العَير والنزوان (٢).
العَير - بالفتح -: حمار الوحش، والنزوان: الوثوب.
وأبلغ من هذا المثل قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ (٥٤)﴾ [سبأ: ٥٤]؛ يُضرب المثل في منع الرجل مُراده.
قال الزمخشري: وأول مَنْ قاله صخر بن عمرو أخو الخنساء، وذلك أنه طعنه ربيعة الأسدي، فأدخل حلقة من حلقات الدرع في جوفه، فَضَمِر زمانًا - أي: زمن - حتى ملته امرأته، فمرَّ بها رجلٌ وكانت ذات خلق وإدراك، فقال لها: كيف مريضكم؟
فقالت: لا حي فيُرجى، ولا ميت فيُنْعى.
стр. 5896
ثم قال لها: هل يُباع الكفل؟
فقالت: نعم عمَّا قليل؛ وذلك بمسمع من صخر.
فقال: أما والله لئن قَدِرْتُ لأقدمنك قبلي.
فقال لها: ناوليني السيف لأنظر هل تُقله يدي، فناولته فإذا هو لا يُقلَّه، فقال: [من الطويل]
أَرى أُمَّ صَخْرٍ لا تَمَلُّ عِيَادَتي ... وَمَلَّتْ سُلَيْمى مَضْجَعِي وَمَكانِي
فَأَيُّ امْرِئٍ سَاوى بِأمٍّ حَلِيلَةً ... فَلا عاشَ إِلاَّ فِي شَقى وَهَوانِ
أَهُمَّ بِأَمْرِ الْحَزْمِ لَوْ أَسْتَطِيعُهُ ... وَقَدْ حِيْلَ بَيْنَ العَيْرِ وَالنَّزَوانِ
وَما كُنْتُ أَخْشى أَنْ كون جنازة ... عليكَ وَمَنْ يغترَّ بِالْحَدَثانِ
وَلَلْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ حَياةٍ كَأَنَّها ... معرس يعسوبٍ بِرَأْسِ سِنانِ (١)
ومن أمثالهم: على أهلها دلت براقش، وعلى أهلها جنت براقش (٢).
قال صاحب "القاموس": وبراقش كلبة سمعت حوافر دواب فنبحت، فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم.
أو: اسم امرأة لقمان بن عاد، استحلفها زوجها، وكان لهم موضع إذا فزعوا دخنُوا فيه فيجتمع الجند، وإن جوارها عبثن ليلة، ودخن فاجتمع الجند، فقيل لها: إنْ رددتهم ولم تستعملهم في شيء
стр. 5897
لم يأتكِ أحد مرةً أخرى، فأمرتهم فبنوا بناءً، فلما جاء سأل عن البناء فأخبرته، فقال: على أهلها تَجْنِي براقش؛ يُضرب لمَنْ يعمل عملاً يرجع ضرره عليه.
قال: أو كان قومهم لا يأكلون الإبل، فأصاب لقمان من براقش غلاماً، فنزل لقمان في بني أبيها، فراح ابن براقش إلى أبيه بعرق من جزور، فأكل لقمان، فقال: ما هذا؟ فما تعرقت طيبًا مثله.
فقال: جزورٌ نحرها أخوالي.
فقال: جمل واجتمل؛ أي: أطعمنا لحم الجمل، واطعم أنت منه.
وكانت براقش أكثر قومها بعيرًا، فأقبل لقمان على إبلها فأسرع فيها، وفعلوا ذلك بنو أبيه لمَّا أكلوا لحم الجزور، فقيل: على أهلها تجني براقش، انتهى (١).
قال الزمخشري: وقيل: براقش الحية تدلُّ على نفسها بجرسها (٢).
قال حمزة بن بيض: [من الخفيف]
لَمْ تَكُنْ عَنْ جِنايَةٍ لَحِقَتْنِي ... لا يَسارِي وَلا يَمِيني جَنَتْنِي
بَلْ جَنَاها أَخٌ عَليَّ كَرِيْمٌ ... وَعلى أَهْلِها براقِشُ تَجْنِي (٣)
стр. 5898
وربما قيل للمُتَلون: أبو براقش.
قال الجوهري: بَرْقَشْتَ: إذا نقشته بألوان شتى.
وأصله من أبي براقش، وهو طائر يتلون ألوانًا (١).
وقال صاحب"لقاموس"، برقش علىَّ في الكلام: خلطه.
قال: وتبرقش لها: تزين بألوان مختلفة.
وقال: أبو براقش طائر صغير يُرى كالقنفذ، أعلى ريشه أغر، وأوسطه أحمر، وأسفله أسود، فإذا يصيح انتفش فتغير لونه ألوانًا شتي (٢).
ومن ألطف التمثيل قول البوصيري رحمه الله تعالى في وصف النفس: [من البسيط]
وَراعِها وَهِيَ فِي الأَعْمالِ سائِمَةٌ ... وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ الْمَرْعَى فَلا تَسِمِ
مثلها بالبهيمة لا يمنعها عقل عن الشر الذي ربما أدى إلى هلاكها، فصاحبها ينبغي أن يمنعها مما يضرها كما يمنع صاحبُ الدابةِ الدابةَ.
وكذلك قوله: [من البسيط]
مَنْ لِي بِرَدِّ جماحٍ مِنْ غَوايَتِها ... كَما يُرَدُّ جِماحُ الْخَيْلِ بِاللُّجُمِ
وروى [أبو نعيم] عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال:
стр. 5899
الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حَرُون؛ إنْ فَتَرَ قائدها ضَلتْ عن الطريق ولم تستقم لسائقها، وإن فَتَرَ سائقها حَرَنَتْ ولم تتبع قائدها، فإذا اجتمعا استقامت طوعاً أو كَرْهًا، ولا يستطيع الدَّين إلا بالطوع والكره، إن كان كما كره الإنسان شيئًا من دينه تركه أوشك أن لا يبقى معه من دينه شيء (١).
وروى أبو نعيم أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أُحِبُّ مَوْتًا كَمَوْتِ الحِمَارِ".
قيل: يا رسول الله! وما موت الحمار؟
قال: "مَوْتُ الفَجْأَةِ" (٢).
والحكمة في ذلك: أنَّ موت الفجأة يُؤخذ فيه العبد عن غير وصية ولا تذكرة، وكذلك موت الحمار، وغيره من البهائم، ونحوها.
وروى أبو نعيم عن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه قال [قال رسول الله ﷺ ]: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عَجَّلَ له عقوبةَ ذنبِهِ في الدُّنيا، وإذا أراد اللهُ بعبدِهِ شرًّا أَمْسكَ عليه عقوبةَ ذنبِهِ حتَّى يوافيَهُ يومَ القيامةِ كأنَّه عَيرٌ" (٣).
стр. 5900
وللحديث قصة ذكرها الإمام أحمد في روايته (١)، وقد ذكرناها من طريقه في التشبه بالجاهلية.
وفي معنى الحديث وجهان:
الأول: حتى يُوافي العبد ربه في حال كون العبد مثل العَير - بفتح العين - وهو الحمار الوحشي، شُبه بحال الحمار الذي وقع في قنص الصائد في الذل، وعدم القدرة على استخلاص نفسه.
والثاني: حتى يُوافي العبد ذنبه كأن ذنبه عَير.
قال أبو نعيم: وعير جبل بالمدينة شبه النبي ﷺ عظم ذنوبه وكثرتها به (٢).
وذكر القرطبي في "تفسيره": أن نوحًا ﵇ لمَّا أُهبط من الطوفان أراد أن يبعث مَنْ يأتيه بالخبر، فبعث الغراب، فأصاب جيفة فوقع عليها، فاحتبس، فلعنه، فلذلك يقتل في الحرم، ودعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، وبعث الحمامة فلم تجد قراراً، فوقعت على شجرة بأرضٍ يَبسٍ، فحملَتْ ورقة ورجعَتْ إلى نوحٍ ﵇، فعَلِمَ أنها لم تستمكن من الأرض، ثم بعثها بعد ذلك، فطارَتْ حتى وقعَتْ بوادي الحرم، فإذا الماء قد نَضَب من موضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء فاختضبت رجلاها، وجاءت إلى نوحٍ ﵇ فقالت: بُشرايَ منكَ أنْ تهبَ ليَ الطوق في
стр. 5901
عنقي، والخضاب في رجلي، وأن أسكن الحرم، فمسح بيده عليها، وطوَّقها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها ولذريتها بالبركة (١).
أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس بنحوه (٢).
قلت: الاعتبار في هذه القصة أن يكون العبد طائعاً لإمامه، ممتثلاً لأمره وكلامه، فيكون ظافراً بالأمن واليُمْن، يَرْفُل في ثياب الطاعة، ويألف أهل السنة والجماعة كما اتفق من أمن الحمامة، وأنَّ من خرج عن الطاعة جهل وابْتُلِيَ بالخوف كما صار للغراب، وكذلك يُعتبر حال من أحسن في طاعة الإنسان، ومَنْ لم يرعَ حرمته وطاعته؛ فافهم!
وذكر القرطبي أيضاً عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: استصعب على نوح ﵇ الماعزة أن تدخل السفينة، فدفعها من ذنبها، ثم انكسر فصار معقوفاً، وبدا حياها، ومضت النعجة حين دُفعت، فمسح على ذنبها فستر حياها (٣).
وهذا أخرجه ابن عساكر، وغيره (٤).
وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن ابن عباس رضي الله تعالى
стр. 5902
عنهما قال: عجبت للكلاب والشاء؛ إنَّ الشاء يُذبح منها في السنة كذا وكذا، ويهدى منها كذا وكذا، والكلاب تضع الكلبة الواحد منها كذا وكذا، والشاء أكثر منها (١)؛ أي: والواحدة منها تلد واحدة في الغالب.
قلت: وقد قال بعض أهل الإشارة: إنما بُورك في الغنم، ومُحِقَت الكلاب لأنَّ الغنم تنام أول الليل وتقوم عند السَّحر، فتذكر الله تعالى وتجتر، والكلاب تسهر الليل كله تنبح لأنها ترى الشياطين، فتنبح عند ذلك كما تقدم في التشبه بالشيطان، وأكثر ما تنتشر الشياطين أول الليل، فإذا كانت وقت السَّحر أو الفجر وقت الطاعة والعبادة نامت الكلاب.
وكذلك حال مَنْ يسهر الليل في اللهو واللعب وكثرة الكلام، فإذا جاء وقت السَّحر غلب عليه النوم، وربما نام عن صلاة الصبح، فيبُول الشيطان في أذنه، ويكون بعيداً عن رحمة الله تعالى، ولمثل هذا يُقال: يا نائم! فاتتك الغنائم، ماذا فاتك يا نائم؟
وقد قالوا في المثل: أنوم من كلب، وأنعس من كلب؛ أي: في النهار (٢).
وقالوا: مطل كنعاس الكلب، أي: متصل دائم وفيه قرمطة، ومن شأن الكلب أن يفتح من عينيه بقدر ما يكفيه من الحراسة (٣).
стр. 5903
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الذَّرَّة، وآخر ما حمله الحمار، فلما دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح ﵇ يقول: ويحك! ادخل، فينهض ولا يستطيع، حتى قال نوح ﵇: ويحك! ادخل وإنْ كان الشيطان معك، كلمةٌ زَلتْ عن لسانه، فلمَّا قالها نوح ﵇ خلى الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أَدْخلك عليَّ يا عدوَّ الله؟
قال: ما لك بدٌّ أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك (١).
وقد تقدم أنَّ الحمار والكلب إذا نعق ونبح فيكونان قد رأيا شيطاناً (٢).
والاعتبار في أمر الحمار أنَّ العبد لا ينبغي أن يكون متثاقلاً عن الخير، متقاعداً عن السبق في أمور الآخرة التي بها ينجو العبد خشية أن يتأخر فيحصل له من العوائق ما حصل للحمار حين تأخر عن سفينة نوح ﵇ من عاقة الشيطان حتى صار قرينه إلى الأبد، وصار الحمار مَثَلاً في السوء.
стр. 5904
ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]؟
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]؟
وقد قيل: للتأخير آفات، والعجلة من الشيطان إلا في أمور الآخرة؛ فإنها من الله تعالى، فأمَّا في غير أمور الآخرة فلعلها على وفق مرضاة الشيطان، كما أن الأناة عن الخير موافقةً لمرضاته، فأما الأناة عن غير الفضائل الأخروية فهي من الله تعالى، فليحذر الإنسان أن يكون في طاعة الشيطان وصحبته، خصوصاً عند خروجه من الدنيا ودخوله في الآخرة كما كان الحمار في صحبة الشيطان إذ لم يتأخر خارج عن السفينة غيره وغير الشيطان.
وسفينة نوح ﵇ يمكن دخول الشيطان إليها لأنها - وإن كانت سفينة النجاة - فإنها من أمور الدنيا، والدنيا محل الشيطان بخلاف الجنة.
وإنك مهما صحبك الشيطان في آخر أنفاسك والعياذ بالله، وأَطَعْته حينئذٍ تعلق بك، فيمنعك من دخول الجنة؛ إذ لا يمكن دخوله إليها، ولا يفلتك كما لم يفلت الحمار حين دخل السفينة رجاءَ أن يدخل الجنة معك كما دخل السفينة مع الحمار، ولذلك كان أشد ما يكون الشيطان حريصا على إضلال ابن آدم عند الموت كما تقدم، فإذا المطيع الشيطان في آخر أنفاسه أسوأ حالاً من الحمار.
стр. 5905
ولنا هنا لطيفة، وهي أنَّ نوحاً ﵇ لو كان معه آية الكرسي، أو الآيتان من خواتيم سورة البقرة لم يدخل الشيطان سفينته أصلاً، وإنما كانت هذه الخصوصية لمحمد ﷺ ولأمته.
روى سعيد بن منصور، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سُوْرَةُ البَقَرَةِ فِيْهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ، لا تُقْرَأُ فيْ بَيْتٍ فَيَقْرَبَهُ شَيْطَانٌ".
وفي لفظ: "لا تُقْرَأُ فيْ بَيْتٍ وَفِيْهِ شَيْطَانٌ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ؛ آيَةُ الكُرْسِيِّ" (١).
وله شواهد في "الصحيح" (٢).
وروى الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهَا سُوْرَةَ البَقَرَةِ، لا تُقْرَآنِ فيْ دَارٍ ثَلاثَ ليَالٍ فَيَقْرَبَهَا شَيْطَانٌ" (٣).
стр. 5906
ورواه الحاكم وصححه، ولفظه: "وَلا تُقْرَآنِ فيْ بَيْتٍ فَيَقْرَبَهُ شَيْطَانٌ ثَلاثَ لَيَالٍ" (١).
عوداً على بَدْءٍ: من الأمثال: أثقل من فيل (٢).
وهو من باب تمثيل المعنوي بالحسي.
قال الشاعر:
أنْتَ يا هذا ثَقِيلٌ ... وَثَقِيلٌ وَثَقِيلُ
أنْتَ فِي الْمَنْظرِ إِنْسا ... نٌ، وَفِي الْمِيزانِ فِيْلُ (٣)
وفي المثل: أثقل من الزواقي.
قال هشام بن عروة: يريدون أنها إذا صاحت تفرق السُّمَّار والأحبة (٤).
قال في "الصحاح": وقولهم: أثقل من الزواقي، وهي الديوك لأنهم كانوا يسمرون، فإذا صاحت الديوك تفرقوا (٥).
وذكر الزمخشري: أنَّ الفراء سُئل عن المَثَل فلم يعرفه، فقال
стр. 5907
جليسٌ له: كانت العرب تسمر، فإذا زقت الديكة ثقل عليها زقاؤها، فاستحسنه الفراء (١).
وقال ابن عبد ربه في "العقد": قال أبو زيد: قلت للخليل بن أحمد: لَم قالوا في تصغير واصل: أوَ يْصل، ولم يقولوا: وويصل؟
قالوا: كرهوا أنْ يشبه كلامهم نبيح الكلاب (٢).
وقال فيه: أتى أحمد بن الحسين بعض المتظلمين يوماً، فأخرج رجله من الركاب، فركضه، فقال فيه الشاعر:
قُلْ لِلْخَلِيفَةِ وَابْنِ عَمِّ مُحَمَّدٍ ... اشْكُلْ وَزِيرَكَ إِنَّهُ رَكَّالُ (٣)
وذكر ابن خلكان في ترجمة أحمد بن أبي نصر الخصيب وزير المستنصر: أنه كان ينسب إلى الطيش والتهور، وله في ذلك أخبار، وكان قد ركب يوماً فوقف له متظلم، وشكا حاله، فأخرج رجله من ركابه، ودجَّ المتظلم في فؤاده فقلبه، فتحدث الناس بذلك، فقال بعض شعراء ذلك الزمان: [من الكامل]
قُلْ لِلْخَلِيفَةِ وَابْنِ عَمِّ مُحَمَّدِ ... اشْكُلْ وَزِيرَكَ إِنَّهُ رَكَّالُ
اشْكُلْهُ عَنْ ضَرْبِ الرِّجالِ فَإِنْ تُرِدْ ... مالاً، فَعِنْدَ وَزِيرِكَ الأَموالُ (٤)
стр. 5908
وذكر الدميري، والسيوطي، وغيرهما: أنه ليس في الحيوان ما يحمل ضِعْفَ بدنِه مراراً غير النملة حتى تحمل النواة ونحوها (١).
وهذا مثال من يأخذ من الدنيا فوق كفايته، فحاله كحال النملة التي سرحت مع النمل، فحملت ضعفها مرات، وحمل النمل دونها، ثم تسابقن إلى مسكنهن، فإنك ترى المُخِفَّات منها يدخلن المسكن أولاً فأولاً، فتبقى المُثْقَلات يعالجن ما حملنه ليُدْخِلْنه البيت، فربما أدركهن العطب، ففاز المخفات منهن.
ومن هنا قالوا: فاز المخفون.
وروى البزار بإسناد حسن، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيْكُمْ عَقَبَةً كَؤُوْداً، لا يَنْجُوْ مِنْهَا إِلاَّ كُلُّ مُخِفٍّ" (٢).
قال الجوهري: عقبة كؤود: شاقة المصعد (٣).
وروى الطبراني بإسنادٍ صحيح، عن أم الدرداء قالت: قلتُ له - أي: لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما -: ما لك لا تطلب كما يطلب فلان وفلان؟
فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ وَرَاكمْ عَقَبَةً
стр. 5909
كَؤُوْداً، لا يُجَاوِزُهَا المُثْقَلُوْنَ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لِتِلْكَ العَقَبَةِ" (١).
ويروى نحوه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (٢).
قال الدميري، والسيوطي: ويحمل النمل غذاء سنتين، ولا يكون عمره أكثر من سنة، وبعد السنة يُخلق له أجنحة فيطير فتأكله العصافير، وإذا كان كذلك أخصب العصافير.
ومن عجائبه اتخاذه القرية تحت الأرض، وفيها منازل، ودهاليز، وغرف، وطبقات معلقات، تملؤها حبوباً وذخائر للشتاء.
وكذلك حال أولاد آدم يجمعون ما لا يأكلون، إلا من وَفَّقَهُ الله تعالى منهم للزهد، والتقلل من الدنيا، وهم عُقلاء الناس (٣).
وروى أبو نعيم عن سعيد بن أبي هلال: أنَّ أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه كان يقول: يا أهل دمشق! ألا تستحيون، تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تَبْغُون، قد كان القرون من قبلكم يجمعون فيوعون، ويأملون فيطيلون، ويبنون فيوثقون، فأصبح
стр. 5910
جمعهم بوراً، وأملهم غروراً، وبيوتهم قبوراً، هذه عاد قد ملأت ما بين عدن إلى عمان أموالاً وأولاداً، فمن يشتري مني تركة آل عادٍ بدرهمين (١)؟
خصَّ أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه أهل دمشق بخطابه لأنه كان يسكنها.
والاعتبار بالنمل من حيث إنه إذا نَبَتَ له جناحان طار، فكان في طيرانه هلاكه أن ابن آدم قد يكون في غناه ورِياشه هلاكه، وكثير من الناس إذا كانوا فقراء كانوا صالحين، فإذا راشوا واستغنوا أَشَروا وبَطروا، فهلكوا، وربما حملتهم أموالهم إلى محالِّ هلاكم.
قال أبو العتاهية: [من الكامل]
يا صاحبَ الدُّنْيا الْمُحِبَّ لَها ... أَنْتَ الَّذِي لا يَنْقَضِي تَعَبُهْ
أَصْلَحْتَ داراً نَعِيمُها أشبٌ ... جمُّ الفُرُوعِ كَثِيرَةٌ شُعَبُهْ
إِنَّ اِسْتهانتَها بِمَنْ صَرَعَتْ ... بِقَدْرِ ما تَسْمُو بهِ رُتَبُهْ
وَإِذا اسْتَوَتْ لِلنَّمْل أَجْنِحَةٌ ... حَتَّى يَطِيرَ فَقَدْ دَنا عَطَبُهْ (٢)
وقال غيره من القدماء: [من الخفيف]
وَإِذا أَنْبَتَ الْمُهَيْمِنُ لِلنَّمْـ ... ـلِ جَناحاً أَطَارَهُ لِلتَّعَدِّي
стр. 5911
وَلِكُلِّ امْرِئٍ مِنَ النَّاسِ حَدٌّ ... وَهَلاكُ الفَتَى جَوازُ الْحَدِّ (١)
وقريبٌ من هذا المعنى ما رواه ابن جرير، وأبو الشيخ عن الربيع ابن أنس قال: إنَّ البعوضة تجني ما جاعت، فإذا شَبِعَتْ ماتت.
وكذلك ابن آدم إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله عند ذلك، ثم تلا ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] (٢).
وسبب ذلك: أنَّ البعوض فيه من الشَّره أن يمص الدم حتى يموت، أو يعجز عن الطيران والنهوض.
ومن أمثال الناس: إذا استغنى الصعلوك مات.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي، وقد أثرى بعد قلة ذات يده فأَدْركته منيته: لمَّا عشنا متنا (٣).
وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لَسْتُ أَخَافُ عَلَىْ أُمَّتيْ غَوْغَاءَ تَقْتُلُهُمْ، وَلا عَدُوًّا يَجْتَاحُهُمْ، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَىْ أُمَّتي أَئِمَّةً مُضِلِّيْنَ؛ إِنْ أَطَاعُوْهُمْ فَتَنُوْهُمْ، وَإِنْ عَصَوْهُمْ قَتَلُوْهُمْ" (٤).
أخبر ﷺ أنَّ الأئمة المضلين أشدُّ فتنة من العامة الضَّالين وهم
стр. 5912
الغوغاء؛ لأنَّ العاقل يعرف ضلالهم، بخلاف الأئمة المضلين.
وروى أبو نعيم عن الشعبي رحمه الله تعالى أنه قال: نعم الشيء الغوغاء؛ يسدون السيل، ويطفئون الحريق، ويشغبون على ولاة السوء (١).
والشغب: بالتسكين، وقد يُحرك.
وقيل: تهييج الشر وهو شغب الجند؛ يقال: شغب عليهم وبهم، وشغبهم؛ كله بمعنىً (٢).
قلت: ومعنى قول الشعبي: نعم الشيء الغوغاء: عوام الناس.
روى الخطابي في "العزلة" عن الأصمعي أنه قال: الغوغاء الجراد إذا ماج بعضه في بعض.
قال: وبه سمي الغوغاء من الناس (٣).
إنما مدحهم الشعبي لما يحصل بهم من الرفق بهم فيما ذكر، فيؤيد الله بهم الدين مع أنهم في أنفسهم غير ممدوحين لغلبة الجهل عليهم، والغفلة عن الله تعالى، وعن أمور دينهم.
فقوله: نعم الشيء الغوغاء؛ أي: لغيرهم، لا لأنفسهم، ولا في أنفسهم، وهذا من باب تأييد الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خَلاق لهم.
стр. 5913
قيل لبعض الحكماء: إن العامة يثنون عليك، فأظهر الوحشة من ذلك، وقال: لعلهم رأوا مني شيئاً أعجبهم، ولا خير في شيءٍ يسرُّهم ويعجبهم (١).
وقد قلت في هذا المعنى، وفي ضده الذي قال فيه المتنبي: [من الكامل]
وَإِذا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ ناقِصٍ ... فَهِيَ الشَّهادَةُ لِي بِأَنِّي كامِلُ (٢)
فأشرت إلى المعنيين بقولي: [من البسيط]
لا يُعْجِبَنَّكَ أَنْ يُثْنَى عَلَيْكَ بِما ... قَدْ أَعْجَبَ السُّفَهاءَ الشَّاهةَ الْهَمَجا
هِجاؤُهُمْ كَثَناءِ الأَكرَمِينَ كَما ... ثَناؤُهُمْ بِالَّذِي يَرْضَوْنَهُ كَهِجَا
وروى الدينوري في "المجالسة" عن محمد بن المنذر بن الزبير ابن العوام - وكان من سروات الناس -: ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا (٣).
وعن الأصمعي قال: قال المهلب: لأن يطيعني سفهاء قومي أحبُّ إليَّ من أن يطيعني حلماؤهم (٤).
والسفهاء هم العوام بأعيانهم، والغوغاء بأنفسهم.
стр. 5914
وإنما قال ذلك لأن لهم حمية، فإذا كان لهم جار صالح وأوذي كفوه مؤنة الانتقام والانتصار، فعزَّ جارهم بذلك، وكذلك إذا أطاعوا فعلوا ما أمروا به من غير روية ولا نظر في العواقب، فيصل بهم المطاع إلى غرَضه.
وحاصله أنَّ نفعهم لغيرهم، ووبالهم على أنفسهم.
نعم، في طاعتهم للكبير ما قد يوجب عليه رعايتهم والإغضاء عن قبائحهم، فربما استنصر بهم من هذا الوجه، ومن ثم لم يرضَ ذلك الحكيم بثنائهم عليه، وأطلق كثير من الحكماء ذمهم.
وروى الخطابي في "العزلة" عن عطاء: أنه كان يستخف بالغوغاء، ويبلي الناس بهم (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن شوذب رحمه الله تعالى قال: كان الحسن - يعني: البصري رحمه الله تعالى - إذا نظر إلى أهل السوق قال: هؤلاء قتلة الأنبياء (٢).
وقال بعض الحكماء: العامة إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرقوا نفعوا.
قال الخطابي: يريد: إذا تفرقوا رجع كل واحد منهم إلى صناعته، فيخرز الإسكاف، ويخصف الحذاء، وينسج الحائك،
стр. 5915
ويخيط الخياط، وينتفع الناس بهم، انتهى (١).
وقد قيل: لا عبرة بجماعة العوام؛ فإنهم يجمعهم طبلٌ ويفرقهم عصا؛ أي: لا يجتمعون على غرض صحيح، وأدنى شيء يوهمهم يفرقهم.
وروى الخطابي عن أبي عاصم النبيل: أنَّ رجلاً أتاه فقال: إنَّ امرأتي قالت لي: يا غوغاء! فقلت لها: إنْ كنتُ غوغاء فأنت طالق ثلاثاً.
فقال له أبو عاصم: هل أنت ممن يحضر المناطحة بالكباش، والمناقرة بالديوك؟
فقال: لا.
فقال له: هل أنت الرجل يحضر يوم يعرض السلطان أهل السجون، فيقولون: فلان أَجْلد من فلان؟
فقال: لا.
فقال: هل أنت الرجل الذي إذا خرج الأمير يوم الجمعة جلست له على ظهر الطريق حتى يمر، ثم تقيم مكانك حتى يُصلي وينصرف؟
فقال: لا.
فقال له أبو عاصم: فلست بغوغاء، إنما الغوغاء من فعل هذا (٢).
стр. 5916
قلت: وفي معنى ما ذكره أبو عاصم من حضور مناقرة الديوك ومُناطحة الكباش الوقوف في حلق القرادة، والذبابة، والمشعبذين، والذين يحكون الحكايات المكذوبة، والمجان، وأهل السخرية.
وفي معنى حضور يوم عرض المسجونين على السلطان شهود من يقتل من أهل الجرائم والتهم، والدوران مع مَنْ يعزر منهم في البلد، وكذلك سائر المفترجات المكروهة والمحرمة، والجلوس في بيوت القهوات، وحوانيت البرش والحشيش؛ كل ذلك لا يعكف عليه إلا الغوغاء، فلا ينبغي التشبه بهم في ذلك.
وروى الدينوري في "المجالسة" عن المعافى بن عمران: أنَّ عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه مرَّ بقوم يتبعون رجلاً فقال: لا مرحباً بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في الشر (١).
وقرأت بخط البرهان بن جماعة: أنَّ معاوية رضي الله تعالى عنه قال لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس؟
فقال: خلق الناس أصنافاً؛ فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة للبأس والنجدة، وفيما بين ذلك رجرجة يكدرون الماء، ويغلون السعر، ويضيقون الطريق، وينغصون الحياة (٢).
قلت: والعلماء خاصة أهل العبادات.
стр. 5917
والرجرجة - بكسر الراء، وبالجيم -: من لا عقل له؛ قاله في "القاموس" (١).
وأصلها بقية الماء في الحوض الكدرة المختلطة بالطين، من الرجرجة - بالفتح - وهي الاضطراب لاختلاطهم، واضطرابهم في أنفسهم.
ونحوه تسمية الضعفاء من الناس رجاجاً - بفتح الراء -، أُخذ من الرجاج - بالفتح أيضاً - وهي مهازيل الغنم، وضعاف الإبل.
وأنشد الأصمعي: [من الرجز]
أَقبلْنَ مِنْ نيرٍ وَمِنْ سُواجِ ... بِالقومِ قَدْ مَلُّوا مِنَ الإِدْلاجِ
فَهُمْ رَجاجٌ وَعلى رجاجٍ ... يَمْشُون أَفْواجاً عَلى أَفْواجِ
مَشيَ الفراريجِ مع الدجاجِ (٢)
أي: ضعفوا من السفر، وضعفت رواحلهم.
ونير - بكسر النون، وبالراء، بينهما تحتانية -: اسم جبل لبني عاضرة.
وسواج - بالضم -: اسم موضع عنده.
وكذلك الرعاعة - بالفتح -: اسم النعامة، ثم سمي به من لا فؤاد له ولا عقل، والجمع: رعاع.
стр. 5918
والرعاع أيضاً: الأحداث الطَّغَام من الناس.
وتقدم ذكر الرعاع في كلام علي رضي الله تعالى عنه في حديث كُميل بن زياد.
والهمج: هو ذباب صغار كالبعوض، يقع على وجوه الغنم والحمير وأعينها؛ الواحدة: همجة.
والهمجة أيضاً: الشاة المهزولة.
قال في "الصحاح": ويقال للرعاع من الناس الحمقى: إنما هم همج، وقولهم: (همج هامج) تأكيد له (١).
والهمج أيضاً: سوء التدبير في المعاش والجوع، وعليهما حُمِلَ قول الراجز:
قَدْ هَلَكَتْ جارَتُنا مِنَ الْهَمَجِ ... وَإِنْ تَجُعْ تَأْكُلْ عتوداً أَوْ هرج (٢)
ونقل الشيخ علوان الحموي في "شرح تائية ابن حبيب" عن الصفدي، عن شيخه السيد أبي الحسن علي بن ميمون المغربي: أنه كان ينهاه عن الدخول بين العوام والحكام، ويقول: ما رأيت لهم مثلاً إلا الفأر والحيات؛ فإنَّ كلًّا منهما مفسدٌ في الأرض، فالحيات مسلطة على الفأر، والفأر مسلطة على الناس.
قلت: وهذا ليس على إطلاقه، بل العالم القادر على الأمر
стр. 5919
والنهي متى لم يخش ضرراً بسبب ذلك، وقد رأى من الحكام جوراً ولو على العوام، تعين عليه الإنكار والنهي.
فهو إذا علم أنَّ الأمر والنهي لا يجدي، فهل سقط عنه الأمر والنهي، أم لا؟
الأول: مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه.
والثاني: مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه.
ووقع تمثيل العوام بالأفاعي في كلام عيسى ﵇.
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: دخل عيسى بن مريم ﵉ بيت المقدس وهم يتبايعون فيه، فجعل ثوبه مخراقاً، وسعى عليهم ضرباً، وقال: يا بني الحيات والأفاعي! اتخذتم مساجد الله أسواقاً (١)؟
قلت: وأما أزمنتنا هذه فالعامة فيها لا ترضى بالبيع والشراء في المساجد، بل يجعلونها مجتمعاً لأخذهم وعطائهم، ومجادلاتهم وخصوماتهم، وفي كثير من القرى الآن يجعل المسجد سجناً لأهل تلك القرية، فإذا كانوا في الصلاة خصوصاً يوم الجمعة قَعَدَ جباة الظلم والمكس عند باب المسجد وحبسهم فيه، فلا يدع خارجاً يخرج حتى يُعطي الجريمة المفروضة عليه عن يدٍ وهو صاغر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 5920
وكم من مسجد في كثير من المدائن وغيرها ضم إلى بيت، أو جعل مخزناً لمتاع، وكل ذلك لرقة الدين.
وروى أبو نعيم عن أبي زرعة يحيى بن عمرو الشيباني قال: مَثَلُ بيت المقدس في الكتب مثل طَسْتِ من ذهب مملوءة عقارب (١).
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: أول من يُخرج أهلَ مكة من مكة القردةُ.
يحتمل أنه أراد القردة حقيقة، تكثر آخر الزمان في مكة حتى يخرج أهل مكة منها من أذاها، ويحتمل أنه أراد قوماً كالقردة في الطباع والشدة، وهو أقرب كما في الحديث: أنه ﷺ رأى بني أمية تنزو على منبره كما تنزو القردة.
وقال حجة الإسلام الغزالي في "الإحياء": سُئل ابن المبارك: مَن الناس؟
فقال: العلماء.
قال حجة الإسلام: ولم يجعل غير العلماء من الناس؛ لأن الخاصة التي تتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسانٌ بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه؛ فإنَّ الجمل أقوي منه، ولا ليأكل؛ فإنَّ الجمل أوسع بطناً منه، ولا ليجامع؛ فإن العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم، انتهى (٢).