قلت: وفي معنى ما ذكره أبو عاصم من حضور مناقرة الديوك ومُناطحة الكباش الوقوف في حلق القرادة، والذبابة، والمشعبذين، والذين يحكون الحكايات المكذوبة، والمجان، وأهل السخرية.
وفي معنى حضور يوم عرض المسجونين على السلطان شهود من يقتل من أهل الجرائم والتهم، والدوران مع مَنْ يعزر منهم في البلد، وكذلك سائر المفترجات المكروهة والمحرمة، والجلوس في بيوت القهوات، وحوانيت البرش والحشيش؛ كل ذلك لا يعكف عليه إلا الغوغاء، فلا ينبغي التشبه بهم في ذلك.
وروى الدينوري في "المجالسة" عن المعافى بن عمران: أنَّ عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه مرَّ بقوم يتبعون رجلاً فقال: لا مرحباً بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في الشر (١).
وقرأت بخط البرهان بن جماعة: أنَّ معاوية رضي الله تعالى عنه قال لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس؟
فقال: خلق الناس أصنافاً؛ فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة للبأس والنجدة، وفيما بين ذلك رجرجة يكدرون الماء، ويغلون السعر، ويضيقون الطريق، وينغصون الحياة (٢).
قلت: والعلماء خاصة أهل العبادات.
стр. 5917
والرجرجة - بكسر الراء، وبالجيم -: من لا عقل له؛ قاله في "القاموس" (١).
وأصلها بقية الماء في الحوض الكدرة المختلطة بالطين، من الرجرجة - بالفتح - وهي الاضطراب لاختلاطهم، واضطرابهم في أنفسهم.
ونحوه تسمية الضعفاء من الناس رجاجاً - بفتح الراء -، أُخذ من الرجاج - بالفتح أيضاً - وهي مهازيل الغنم، وضعاف الإبل.
وأنشد الأصمعي: [من الرجز]
أَقبلْنَ مِنْ نيرٍ وَمِنْ سُواجِ ... بِالقومِ قَدْ مَلُّوا مِنَ الإِدْلاجِ
فَهُمْ رَجاجٌ وَعلى رجاجٍ ... يَمْشُون أَفْواجاً عَلى أَفْواجِ
مَشيَ الفراريجِ مع الدجاجِ (٢)
أي: ضعفوا من السفر، وضعفت رواحلهم.
ونير - بكسر النون، وبالراء، بينهما تحتانية -: اسم جبل لبني عاضرة.
وسواج - بالضم -: اسم موضع عنده.
وكذلك الرعاعة - بالفتح -: اسم النعامة، ثم سمي به من لا فؤاد له ولا عقل، والجمع: رعاع.
стр. 5918
والرعاع أيضاً: الأحداث الطَّغَام من الناس.
وتقدم ذكر الرعاع في كلام علي رضي الله تعالى عنه في حديث كُميل بن زياد.
والهمج: هو ذباب صغار كالبعوض، يقع على وجوه الغنم والحمير وأعينها؛ الواحدة: همجة.
والهمجة أيضاً: الشاة المهزولة.
قال في "الصحاح": ويقال للرعاع من الناس الحمقى: إنما هم همج، وقولهم: (همج هامج) تأكيد له (١).
والهمج أيضاً: سوء التدبير في المعاش والجوع، وعليهما حُمِلَ قول الراجز:
قَدْ هَلَكَتْ جارَتُنا مِنَ الْهَمَجِ ... وَإِنْ تَجُعْ تَأْكُلْ عتوداً أَوْ هرج (٢)
ونقل الشيخ علوان الحموي في "شرح تائية ابن حبيب" عن الصفدي، عن شيخه السيد أبي الحسن علي بن ميمون المغربي: أنه كان ينهاه عن الدخول بين العوام والحكام، ويقول: ما رأيت لهم مثلاً إلا الفأر والحيات؛ فإنَّ كلًّا منهما مفسدٌ في الأرض، فالحيات مسلطة على الفأر، والفأر مسلطة على الناس.
قلت: وهذا ليس على إطلاقه، بل العالم القادر على الأمر
стр. 5919
والنهي متى لم يخش ضرراً بسبب ذلك، وقد رأى من الحكام جوراً ولو على العوام، تعين عليه الإنكار والنهي.
فهو إذا علم أنَّ الأمر والنهي لا يجدي، فهل سقط عنه الأمر والنهي، أم لا؟
الأول: مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه.
والثاني: مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه.
ووقع تمثيل العوام بالأفاعي في كلام عيسى ﵇.
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: دخل عيسى بن مريم ﵉ بيت المقدس وهم يتبايعون فيه، فجعل ثوبه مخراقاً، وسعى عليهم ضرباً، وقال: يا بني الحيات والأفاعي! اتخذتم مساجد الله أسواقاً (١)؟
قلت: وأما أزمنتنا هذه فالعامة فيها لا ترضى بالبيع والشراء في المساجد، بل يجعلونها مجتمعاً لأخذهم وعطائهم، ومجادلاتهم وخصوماتهم، وفي كثير من القرى الآن يجعل المسجد سجناً لأهل تلك القرية، فإذا كانوا في الصلاة خصوصاً يوم الجمعة قَعَدَ جباة الظلم والمكس عند باب المسجد وحبسهم فيه، فلا يدع خارجاً يخرج حتى يُعطي الجريمة المفروضة عليه عن يدٍ وهو صاغر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 5920
وكم من مسجد في كثير من المدائن وغيرها ضم إلى بيت، أو جعل مخزناً لمتاع، وكل ذلك لرقة الدين.
وروى أبو نعيم عن أبي زرعة يحيى بن عمرو الشيباني قال: مَثَلُ بيت المقدس في الكتب مثل طَسْتِ من ذهب مملوءة عقارب (١).
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: أول من يُخرج أهلَ مكة من مكة القردةُ.
يحتمل أنه أراد القردة حقيقة، تكثر آخر الزمان في مكة حتى يخرج أهل مكة منها من أذاها، ويحتمل أنه أراد قوماً كالقردة في الطباع والشدة، وهو أقرب كما في الحديث: أنه ﷺ رأى بني أمية تنزو على منبره كما تنزو القردة.
وقال حجة الإسلام الغزالي في "الإحياء": سُئل ابن المبارك: مَن الناس؟
فقال: العلماء.
قال حجة الإسلام: ولم يجعل غير العلماء من الناس؛ لأن الخاصة التي تتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسانٌ بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه؛ فإنَّ الجمل أقوي منه، ولا ليأكل؛ فإنَّ الجمل أوسع بطناً منه، ولا ليجامع؛ فإن العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم، انتهى (٢).
стр. 5921
أنشد أبو تمام في "الحماسة" للعباس بن مرداس: [من الوافر]
تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيْهِ ... وَفِي أَثْوابِهِ أَسَدٌ مَرِيرُ
ويعْجِبُكَ الطَّريرُ فَتَبْتَلِيهِ ... فَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطرِيرُ
فَما عِظَمُ الرِّجالِ لَهُمْ بِفَخْرٍ ... وَلَكِنَّ فَخْرَهُمْ كَرمٌ وَخِيْرُ
ضِعافُ الطَّيْرِ أَطْولُها جُسُوماً ... وَلَمْ تَطُلِ البزاةُ وَلا الصُّقورُ
بُغاثُ الطَّيْرِ أَكْثَرُها فِرَاخًا ... وَأُمُّ الصَّقْرِ مِقلاةٌ نزورُ
لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ ... فَلَمْ يَسْتَغْنِ بِالعِظَمِ البَعِيرُ
فَيَصْرِفُهُ الصَّغِيرُ بِكُلِّ وَجْهٍ ... وَيَحْبِسُهُ عَلى الحشفِ الْخَبِيرُ (١)
والخبير في البيت الأخير يعني: الأَكَّار، ومنه المخابرة.
والطرير: ذو الرواء والمنظر، كما ذكره الجوهري، وأنشد البيت (٢).
وروى ابن أبي حاتم، والضياء المقدسي في "المختارة" عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] قال: المُكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير (٣).
стр. 5922
وروى الطستي عنه: أنَّ المكاء: صوت القنابر، والتصدية: صوت العصافير، وأنَّ النبي ﷺ كان يُصلي قائماً بين الحجر والركن اليماني، فيجيء رجلان من بني سهم، أحدهم عن يمينه والآخر عن يساره، فيصيح أحدهما كما يصيح المكاء، والآخر يُصفق بيديه تصدية العصافير (١).
ونقل القرطبي، وغيره عن السدي في الآية، قال: المكاء: الصفير على لحن طائر أبيض بالحجاز يُقال له: المكاء.
قال الشاعر:
إِذا غَرَّدَ الْمُكاءُ فِي غَيرِ رَوْضِهِ ... فَوَيْلٌ لأَهْلِ الشَّاءِ وَالْحمراتِ
والمكاء: على وزن خطاف، وزنار.
قال القرطبي، وغيره: في الآية رد على الجُهَّال من الصوفية الذين يُصفقون ويصعقون لما فيه من التشبه بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت (٢).
وتقدم بيانه في التشبه بالجاهلية.
وقرأت بخط البرهان بن جماعة ما مثاله: سألت شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي الدمشقي - سقى الله عهده صوب الرحمة - عن سماع الصوفية، فقال: مَنْ كان منهم ذا مراقبة لَحِظَ المعنى، ولم ينظر إلى
стр. 5923
الصوت والتلحين، ومن سمع التلحين مع المعنى تحرك وتنهد، ومَنْ سمع التَّلحين وناطه بالحلو الشمائل فسماعه بَهِيْمي لا روحاني، وهذا سماع الشباب البطلة، فما لك ودعوى المحبة، رقصٌ كالدبة، ودفن كالمذبة، وبطن كالقربة، وأنت تلطخ على أرباب المحبة، فما ثم إلا تنعم وتلذد، ولعبٌ وشهوة، قبلها مأكولٌ ومشروب، وملبوسٌ، ومشموم مع مليحٍ وصديق، ثم بعدها نومٌ وتكبيس، ثم حمام، ومصلوقة بلا خشوع، أنت الصوفي على الوضع؟ أكول، بطول، جهول، سؤولٌ، كثير الفضول؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله! انتهى.
وقال أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار": سمعت أبا بكر ابن بيان الدينوري قال: سمعت شيخنا أبا علي ممشاد يقول ذات يومٍ لأصحابه: ترقصون مثل الدب من كثرة ما تسمعون.
فقال له محمد بن علي بن يزيد - وهو من كبار أصحابه وكان ينبسط معه -: يا أبا علي! أنت لا تُحسن تسمع.
قال أبو علي: ولِمَ يا أبا بكر؟
قال: لأنه لا يقع لك انزعاج.
فقال ممشاد: رأيت جبلاً تحرك قط، لو أنَّ كل ملاهي الدنيا وضِعَتْ في مسامعي هذه، ما شفي بعض همي، ولقد أمد الله لي في كل شيء منه عليَّ، لا يشبه بعضه بعضاً، وليس أهل الحق هاهنا؛ فاعلم!
стр. 5924
وذكر السيوطي في "ديوان الحيوان" عن ابن زهير قال: نهيق الحمار يضرُّ بالكلاب حتى ربما عوى الكلب من كثرة ما يؤلمه، ثم أنشد للمظفر الأعمى: [من الوافر]
لِحادِي القَوْمِ أَلْفاظٌ عِذابُ ... كَما زَعَمُوا وَفَاتَهُمُ الصَّوابُ
حَدا فِيهِمْ بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ ... عَلى نَغَماتِهِ طَرِبُوا وطَابُوا
فَقُلْتُ وَقَدْ بَكَوا لَمَّا تَغَنَّى ... إِذا نهقَ الْحِمارُ بَكَتْ كِلابُ
وقال الشيخ محي الدين بن العربي رحمهُ الله تعالى: أنشدني ابن ثابت قال: أنشدني الحسن بن محمد البلخي، قال: أنشدني طاهر بن الحسين - وهو أبو الحسن المخزومي - لنفسه بالصفا: [من الكامل]
لَيْسَ التَّصَوُّفُ أَنْ يُلاقِيْكَ الفَتَى ... وَعَلَيْهِ مِنْ نَسْجِ الْمَسِيحِ مُرَقَّعُ
بِطَرائِقَ بِيضٍ وَسُودٍ لُفِّقَتْ ... فَكَأَنَّهُ فِيها غُرابٌ أَبْقَعُ
إنَّ التَّصَوُّفَ مَلْبَسٌ مُتَعارَفٌ ... فِيهِ لِمُوْجِدِهِ الْمُهَيْمِنِ يَخْشَعُ
قلت: أخبرنا شيخ الإسلام الوالد - إجازةً، ووجادةً - قال: أخبرنا الشيخ شرف الدين قاسم بن عمر المغربي القيرواني المالكي، خادم ضريح الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه قال: أخبرتنا السيدة حسناء بنت الشيخ العارف بالله سيدس علي وفا، عن أبيها: أنه أنشد لنفسه [من الكان وكان]:
كُنْ بِالصَّلاحِ مَوْصُوفْ ... وَالْبَسْ صُنوفْ
ومن لطائف أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد اليماني السودي المعروف بالهادي: أنه شبه العازفين عن محبة الله تعالى والإقبال على طاعته بالخفافيش لأنها لا تُبصر في ضوء الشمس والقمر، وما كفاه حتى جعلهم عور، فقال: [من الكان وكان]
بِاللهِ بِاللهِ زُوروا ... فَكُلَّما قِيلَ زُوروا
وَما رَوى ذاكَ عَنِّي ... إِلاَّ خَفافِيشُ عُورُ
تَيَمَّمُوا نَحْوَ نَجْدِه ... فَقُلُتْ: هَيْهاتَ غُوروا
إِنَّ الْمَعالِيْ غَوالِي ... لَها النُّفوسُ مُهورُ
[ ... ] للحق مُتَّهَمٌ ... إِذْ هُمْ عَنِ الْحَقِّ زُورْ
دَخَلْتُ مِصْرَ هَواكُمْ ... وَقُلْ: هُوَ اللهُ سورُ
فَصِرْتُ فِيها عَزِيزاً ... تِجارَتِي لا تَبورُ
وَقَدْ أَتانِي بِأَمْنِي ... قَبْلَ الدُّخولِ البَشِيرُ
وَجارُكُمْ فِي سُرُورٍ ... يَغارُ مِنْهُ السُّرورُ
حاشا عَلى الْحالِ حاشا ... يا سَادَتِي أَنْ تَجُوروا
واتفق لنا في سنة أربع وألف، وقد قعد بعض المحرومين ممن يُنسب إلى العلم بالجامع الأموي في بعض الأيام آخر النهار ينتظرني حتى أخرج إلى الدرس، فيأخذ مني تفسير شيخ الإسلام الوالد وقال: لآخذنه منه وأُمزقنه، وكان قد تقوى بقرين له وافقه على الحسد،
стр. 5928
وجاءا معاً ينتظران خروجي، فبلغني الخبر وقيل لي: لو كسرت الفتنة وتركت الدرس اليوم.
فقلت: لا والله، لا بدَّ من الخروج، والله يكفيني إياهما، واطمأننت إلى قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]، فلمَّا خرجت إلى المسجد الجامع خرجا معاً هاربين من الناس، واتفق أنَّ الدرس كان في ذلك اليوم في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] الآية، فقلت في هذه الحالة: [من المجتث]
إِنَّ الْخَفافِيشَ تَبْدو ... فِي جُنْحِ لَيْلِ التَّمارِي
وَلَمْ نَكُنْ لِنَراها ... عِنْدَ اتِّضاحِ النَّهارِ
فَقُلْ لَها حِينَ يَشْدُو ... الْهزارُ بَيْنَ القمارِي
بِاللهِ فِي أَيِّ غابٍ ... يَكُونُ مِنْكِ التَّوارِي
وقلت: [من الكان وكان]
أَيْنَ الْخَفافِيشُ لِما ... تَجْتَنِي الأَحْرارْ
غُرَّ الثِّمارِ مِنَ الـ ... أَشْجارِ وَالأَزْهارْ
هاتِيكَ لا شَكَّ عَميا ... واتٌ عَنْ إِبْصارْ
ضَوْءِ النَّهارِ إِذا ... أَشْرَقَ عَلى الأَقْطارْ
стр. 5929
ويُناسب هذا ما ذكره ابن خلكان في ترجمة أبي العباس الخضر ابن عقيل الإربلي الفقيه الشافعي: أنَّ ابن أخيه عز الدين أبا القاسم نصر بن عقيل بن نصر بعد موته تولى تدريسه، وكان فاضلاً، فسخط عليه الملك المعظم صاحب إربل، وأخرجه منها، فانتقل منها إلى الموصل، فكتب إليه أبو الدر ياقوت الرومي من بغداد، وكان صاحبها: [من الطويل]
أَيا ابْنَ عَقِيلٍ لا تَخَفْ سَطْوةَ العِدَى ... وَإِنْ أضَمَرَتْ ما أَضْمَرَتْ مِنْ عِنادِها
وَأَقْصَتْكَ يَوْماً عَنْ بِلادِكَ فِتْيَةٌ ... رَأَتْ فِيكَ فَضْلاً لَمْ يَكُنْ فِي بِلادِها
كَذا عادَةُ الغِرْبانِ تَكْرهُ أنْ تَرى ... بَياضَ البزاةِ الشُّهْبِ بَيْنَ سَوادِها
أشار بذلك إلى الجماعة الذين سعوا به حتى غيروا خاطر الملك عليه، وكان ذلك في سنة ست وست مئة؛ قاله ابن باطيش (١).
قال ابن خلكان: وفي تلك السنة خرجت الكرج على مدينة مرند، فقتلوا وسبوا وأسروا، فعمل شرف الدين محمد ولد عز الدين المذكور في إخراجهم من إربل.
стр. 5930
إِنْ يَكُنْ أَخْرَجوا النِّساءَ مِنَ الأَوْطانِ ... ظُلْماً وَأَسْرَفوا فِي التَّعَدِّي
فَلَنا أُسْوَةٌ بِمَنْ جارَتِ الكَرْخُ ... عَلَيْهِمْ وَأُخْرِجوا مِنْ مَرَندِ (١)
وروى الإمام أحمد، والبزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً يشرب قائما، فقال: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَشْرَبَ مَعَكَ الهِرُّ؟ ".
قال: لا.
قال: "فَقَدْ شَرِبَ مَعَكَ [مَنْ هُو شَرٌّ مِنْهُ] الشَّيْطَانُ" (٢).
يُحتمل أنه ﷺ أراد بذلك أنَّ الإنسان إذا شرب قائماً شاركه الشيطان حقيقةً في مشروبه، فأشار إلى كراهية الشرب قائماً.
ويحتمل أنه أراد المشابهة في الشرب قائماً، وأنَّ من شرب قائماً فقد تشبه بالشيطان في ذلك كما تقدم في موضعه، وهو في ذلك متشبهٌ بالهر وغيره من الحيوانات؛ فإنَّ شأنها أنْ تشرب قائمة.
стр. 5931
وحاصل معنى الحديث: أنَّ النبي ﷺ نفَّر الإنسان من فعل يُشاركه فيه الشيطان والهر ونحوه، أو يُماثله فيه، ومن شأن الحكماء والعقلاء تنفير النفوس مما يشاركها فيه البهائم والسباع كما سبق.
وقال الفرزدق: [من الوافر]
رَأَيْتُ النَّاسَ يَزْدادُونَ يَوْماً ... وَيَوْماً فِي الْجَمِيلِ وَأَنْتَ تَنْقُصْ
كَمَثَلِ الْهِرِّ فِي صِغرٍ يُغالَى ... بِهِ حَتَّى إِذا ما شَبَّ يَرْخُصْ
فيه التحذير من الانتقال من الحال الجميلة التي استصحبها الإنسان في صغره، ثم عدل إلى ضدها في كبره.
وفي المعنى ما تقدم في تشبه الكبير بالصغير من قول القائل: [من الطويل]
أَطَعْتُ الْهَوى عَكْسَ الْقَضِيَّةِ لَيْتَنِي ... خُلِقْتُ كَبِيراً وَانْقَلَبْتُ إِلَى الصِّغَرْ وكذلك حال من ابتذل جماله في صباه بالهوى، فَخضعَتْ لجماله الرجال، وتعزز عليهم بأنواع الدلال، ثم عاد بعد الالتحاء إلى ذل الهجر واللفظ، والابتذال بالحال واللفظ، وأكثر ما يؤول من أوله جمال منتاب إلى أن يكون آخراً خداماً، أو قواداً، أو ساعياً، أو طفيلياً مدفوعاً بالأبواب، أو منبوذاً، أو ممقوتاً بين الأصحاب.
стр. 5932
ومن لطائف الفقيه عمارة اليمني قصيدته التي كتبها إلى الكامل
ابن شاور السعدي، وكان بينه وبينه صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه، فلما
وزر استحال عليه، فكتب إليه: [من الطويل]
إِذا لَمْ يُسالِمْكَ الزَّمانُ فَحارِبِ ... وَباعِدْ إِذا لَمْ تَنْتَفِعْ بِالأَقاربِ
وَلا تَحْتَقِرْ كَيْداً ضَعِيفاً فَرُبَّما ... تَمُوتُ الأَفاعِي مِنْ حُمامِ العَقارِبِ
فَقَدْ هَدَّ قِدْمًا عَرْشَ بَلْقِيسَ هُدْهدٌ ... وَخَرَّبَ فَأْرٌ قَبْلَ ذا سَدَّ مأْرِبِ
إِذا كانَ رَأْسُ الْمالِ عُمْرَكَ فْاحْتَرِزْ ... عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفاقِ فِي غَيْرِ واجِبِ
فَبَيْنَ اخْتِلافِ اللَّيلِ وَالصُّبْحُ مَعْركٌ ... يَكرُّ عَلَيْنا جَيْشُهِ بِالْعَجائِبِ
وَما راعَنِي غَدْرُ الشَّبابِ لأَنَّنِي ... أَنِسْتُ بِهذا الْخَلْقِ مِنْ كُلِّ جانبِ
وَغَدْرُ الفَتَى فِي عَهْدِهِ وَوفائِهِ ... وَغَدْرُ الْمواضي فِي نبوءِ الْمضارِبِ
وجُبْنه، وإياه عَنى في البيت، ويقال: للأحمق يراعة أيضاً.
ويقال في المثل: أخف من يراعة؛ وهي الذباب، أو القصبة.
وقد اشتهر تشاؤم الناس جاهلية، وتشاؤم جهلتهم إسلاماً بالبوم، والغراب، والطاووس، وبارح الطير، والوحش.
والحقُّ أنه لا طِيرَة، وأنَّ الطِيرَة شرك، وأنَّ مَنْ تطير طير له.
وسبق الكلام على ذلك، وعلى الحديث: "الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالدَّابَّةِ".
ونقل بعض العارفين معنى غراب البين إلى البعير الذي عليه تنزح الأحباب عن الأحباب، حتى قال بعضهم: ما غرابُ البَيْنِ إلا ناقة أو جمل.
ومما فتح الله تعالى به عليَّ، وألقاه توفيقه وإلهامه إليَّ أنْ قلت: [من المجتث]
الذَّنْبُ أَشْأَمُ عِنْدِي ... مِنْ شُؤْمِ كُلِّ غُرابِ
لا يَذْهَبُ الشُّؤْمَ عَنِّي ... إِلاَّ بِيُمْنِ الْمَتابِ
ومن أعجب الأشياء: أنَّ الطاووس مع حُسنه تتشاءم الناس به.
قال السيوطي: كأنه لكونه سبباً لدخول إبليس الجنة، وخروج آدم منها، انتهى.
فالشؤم ما نقله من حالٍ شريف أو مكانٍ كريم إلى ضده، ولا يكون العبد على حالٍ شريفة ولا مرتبةٍ منيفة إلا حيث كان مُطيعاً لله
стр. 5936
تعالى، فلذلك قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: ما شغلك عن الله من أهل، أو ولدٍ، أو مالٍ فهو عليك شؤم.
وقالوا في المثل: أشأم من طاووس، وهو الطير بعينه.
وأشأم من طويس، وهو طويس المغني من موالي آل كريز، وهو مولى أروى بنت كريز، وهي أم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، واسمه عيسى بن عبداه، وقيل: عبد الملك، وكنيته: أبو عبد المنعم، وغَيَّرها المخنثون إلى عبد النعيم (١).
قال الجوهري: والطاووس طائر، ويصغر على طوس بعد حذف الزيادات.
قال: وقولهم: أشأم من طوس، وهو مخنث كان بالمدينة، وقال: يا أهل المدينة! توقعوا خروج الدجال ما دُمْتُ حياً بين أَظْهركم، فإذا مِتُّ فقد أمنتم لأني [ولدت] في الليلة التي مات فيها رسول الله ﷺ ، وفطمْتُ في اليوم الذي مات فيه أبو بكر ﵁، وبلغت الحلم في اليوم الذي مات فيه عمر رضي الله تعالى عنه، وتزوجت في اليوم الذي قُتل فيه علي رضي الله تعالى عنه.
قال: وكان اسمه طاووسا، فلما تخنث جعله طويساً، وتسمى بعبد النعيم، وقال في نفسه: [من مجزوء الرمل]
إِنَّنِي عَبْدُ النَّعِيمِ ... أَنا طاووسُ الْجَحِيمِ
стр. 5937
وَأَنا أَشْأَمُ مَنْ يَمْـ ... ـشِي عَلى ظَهْرِ الْحطِيمِ (١)
وذكر صاحب "القاموس": أنَّ طويساً أول من غنَّى في الإسلام.
قال: وكان يقول: إنَّ أمي كانت تمشي بالتمائم بين نساء الأنصار، ثم وَلَدَتْني في الليلة التي مات فيها رسول الله ﷺ ، وفطمتني يوم مات أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وبلغت الحلم يوم مات عمر رضي الله تعالى عنه، وتزوجت يوم قُتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وولِدَ لي في يوم علي رضي الله تعالى عنه، فمَنْ مثلي (٢).
وذكر ابن خلكان نحو ذلك، وأنه ختَن يوم قُتل عمر، وأنه ولد له يوم قُتل علي.
وقيل: بل اليوم الذي مات فيه الحسن بن علي ﵄، ولعله ولد له مولودان في الوقتين.
قال ابن خلكان: وكان طويس من المبرِّزين في الغناء المجيدين فيه.
قال: وكان مُفرطاً في الطول، مضطرباً في خلقه، أحول العين، أقعس يسكن المدينة، ثم انتقل عنها إلى السويداء، وهي على مرحلتين في طريق الشام، فلم يزل بها حتى توفي سنة اثنتين وتسعين للهجرة، انتهى (٣).
قلت: ولعله من هنا قيل: ما في السويداء رجالٌ.
стр. 5938
ولطف ابن الوردي في قوله معتذراً عن مقاطيعه التي عملها في الغلمان: [من السريع]
وَاللهِ ما الْمُرْدُ مُرادِي، وَإِنْ ... نَظَمْتُ فِيْهِمْ كَعُقودِ اللآَّلْ
ما فِي سُوَيدائيَ إِلاَّ النِّسا ... ما حِيْلَتِي ما فِي السُّوَيْدا رِجالْ (١)
ومن ألطف ما قيل في ذم الشاعر ما ينسب للإمام الشافعي ﵁: [من الكامل]
عِنْدِي يَواقِيتُ القَرِيضِ وَدُرُّهُ ... وَعَلَيَّ إِكْلِيلُ الْكَلامِ وَتاجُهُ
تَرْبَى عَلى رَوْضِ الرُّبى أَزْهارُهُ ... وَيرِفُّ فِي نادِي النَّدى دِيْباجُهُ
وَالشَّاعِرُ الْمِنْطِيقُ أَسْودُ سالِخٌ ... وَالشِّعْرُ مِنْهُ لُعابُهُ وَمُجاجُهُ
وَعَداوةُ الشُّعَراءِ داءٌ معضِلٌ ... وَلَقَدْ يَهُونُ على الكَرِيْمِ عِلاجُهُ (٢)
ومن أمثال العرب: أنكحنا الفرا فسوف يُرى؛ يُضرب في الحذر من سوء العاقبة.
وأصله: أنَّ رجلاً خطب إلى رجلٍ ابنته، فأبى أن يزوجها، ورضيَتْ أمها فزوجت منه، فقال الأب: أنكحنا الفرا فسوف يُرى، والفرا العير؛ أي: زوجنا مَنْ لا خير فيه كأنه حمار، فسيعلم كيف
стр. 5939
تكون العاقبة.
وقيل: يُضرب في طلب الحاجة من رجل عظيم، وانتظار ما يكون منه (١).
والفرا مهموز، إلا أنه خُفف في المثل.
قال في "الصحاح": وقد أبدلوا من الهمزة الفاء فقالوا: أنكحنا الفرا فسترى (٢).
وذكر ابن خلكان في ترجمة أبي القاسم هبة الله بن الفضل، الشاعر المعروف بابن القطان: أنَّ الوزير شرف الدين أبا الحسن علي ابن طراف الزينبي لمَّا ولي الوزارة دخل عليه ابن الفضل المذكور والمجلس محتفل للهنا، فوقف بين يديه، ودعا له، وأظهر السرور والفرح، ورقص، فقال الوزير لبعض مَنْ يُفضي إليه سرَّه: قبح الله هذا الشيخ؛ فإنه يُشير برقصه إلى ما تقول العوام في أمثالها: ارقص للقرد في زمانه؛ وتقدم لنا ذكر المثل (٣).
ولنا فيما ابتُلي به عقلاء الناس من مداراة رذال الناس الذين صاروا رؤساء، ورُدَّت إليهم الأمور، وصاروا هم الصدور: [من مجزوء الخفيف]
قال: "يَأْتيْ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُوْنُ المُؤْمِنُ فِيْهِ أَذَلَّ مِنْ شَاتِهِ" (١).
وروى الطبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتيْ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ هُمْ ذِئَابٌ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذِئْبًا أَكَلَتْهُ الذِّئَابُ" (٢).
وقال بعضهم: [من الطويل]
عَوى الذِّئْبُ فَاسْتَأْنَسْتُ لِلذِّئْبِ إِذْ عَوى ... وَصَوَّتَ إِنْسانٌ فَكِدْتُ أَطِيْرُ (٣)
وقال آخر: [من الخفيف]
لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ الْخَلاصُ مِنَ النَّا ... سِ وَقَدْ أَصْبَحُوا ذِئابَ اعْتِداءِ
قُلْتُ لَمَّا بَلاهُمُ صِدْقُ صَبْرِي ... رَضِيَ اللهُ عَنْ أَبِي الدَّرْداءِ (٤)
стр. 5942
لَمَّحَ بما صحَّ عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: وجدتُ الناس: اخْبُرْ تَقْلُهُ (١).
وسيأتي في ذلك مزيد كلام.
وروى الديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتيْ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُقْتَلُ العُلَمَاءُ كَمَا تُقْتَلُ الكِلاب، فَيَا لَيْتَ العُلَمَاءَ فيْ ذَلِكَ الزَّمَانِ تَحَامَقُوْا" (٢).
وروى ابن السني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَسْتَخْفِيْ المُؤْمِنُ فِيْهِمْ كَمَا يَسْتَخْفِي المُنَافِقُ فِيْكُمُ اليَوْمَ" (٣).
وروى الديلمي عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُتَّبَعُ فِيْهِ العَالِمُ، وَلا يُسْتَحْيَى فِيْهِ مِنَ الحَلِيْمِ، وَلا يُوَقَّرُ فِيْهِ الكَبِيْرُ، وَلا يُرْحَمُ فِيْهِ الصَّغِيْرُ، يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَىْ الدُّنْيَا، قُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الأَعَاجِمِ، وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ العَرَبِ، لا يَعْرِفُوْنَ مَعْرُوْفًا، وَلا يُنْكِرُوْنَ مُنْكَرًا، يَمْشِيْ الصَّالِحُ فِيْهِمْ مُسْتَخْفِيًا؛ أُوْلَئِكَ شِرَارُ خَلْقِ اللهِ، لا يَنْظُرُ اللهِ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامةِ" (٤).
وروى الحافظ أبو عبد الله محمد بن قايماز الذهبي في "الميزان"
стр. 5943
بسند واه، عن أنس رضي الله تعالى عنه - موقوفاً عليه - قال: كيف أنتم إذا كان زمَان الأمير فيه كالأسد الأسود، والحاكِم فيهِ كالذِّئب الأَمعطِ، والتَّاجر كالكَلبِ الهرارِ، والمؤْمِن بينهم كالشَّاةِ الوَلهاءِ بينَ الغَنَمَينِ، ليس لها مأوى، فكيف حال شاة بين أسد وذئب وكلب (١)؟
وروى ابن أبي الدنيا عن سعيد بن عبد العزيز قال: قيل لأبي أسيد الفزاري: من أين تعيش؟
فحمد الله وكبره وقال: يرزق الله الكلب والخنزير، ولا يرزق أبا أسيد (٢).
قلت: فيه تنبيه على أنَّ الرزق في الدنيا مقسوم فيها لكل حيوان، فلا ينبغي للعاقل أن يهتم به، وهو مضمون لمن يَعْقِل ولمَنْ لا يَعقل.
وأجاد أبو تمام في قوله: [من الطويل]
فَلَوْ كانَتِ الأَرْزاقُ تَجْرِي عَلى الْحِجَى ... هَلَكْنَ إِذاً مِنْ جَهْلِهِنَّ البَهائِمُ" (٣)
وقال الطغرائي: [من البسيط]
قَدْ رَشَّحَوكَ لأَمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ ... فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أنْ تَرْعى مَعَ الْهَمَلِ (٤)
стр. 5944
قال في "الصحاح": الهمل - بالتحريك -: الإبل بلا راعٍ مثل النفش، إلا أنَ النفش لا يكون إلا لَيلاً، والهمل يكون ليلاً ونهاراً.
يقال: إبل همل، وهامل، وهمال، وهوامل، وتَركتها هملاً؛ أي: سُدى إذا أرسلتها ترعى ليلاً ونهاراً بلا راع (١).
وفي المثل: اختلط الرعي بالهمل، والرعي الذي ليس له راعٍ.
وقال: نفشت الإبل والغنم، تنفش، وتنفش نفوشاً؛ أي: دعت ليلاً بلا راع، وهي إبل نفش - بالتحريك - ونفاش، ونوافش (٢).
ويقال: إبل سُدى - بالضم، وقد تُفتح - أي: مهملة (٣).
وفي كتاب الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]
. وقال المتنبي: [من البسيط]
وَشَرُّ ما قَنَصَتْ راحَتِي قَنَصٌ ... شُهْبُ البزاةِ سواءٌ فِيهِ وَالرَّخَمُ (٤)
وقال أبو العلاء المعري: [من الطويل]
стр. 5945
وَهَلْ يَذْخَرُ الضِّرْغامُ قُوتاً لِيَوْمِه ... إِذا ادَّخَرَ النَّمْلُ الطَّعامَ لِعَامِه
وقال آخر: [من الوافر]
وَلِلزُّنْبورِ وَالبازِيْ جَمِيعاً ... لَدى الطَّيَرانِ أَجْنِحَةٌ وَخَفْقُ
وَلَكِنْ بَيْنَ ما يُصْطادُ بازٍ ... وَما يصطادُ الزُّنْبورُ فَرْقُ (١)
وقال المهذب أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن بن يمان الأنصاري المعروف بابن الإردخل نزيل ميَّافارقين: [من الطويل]
أَقُولُ وَقَدْ قالُوا: نَراكَ مُقَطِّباً ... إِذا ما ادَّعَى دِينَ الْهَوى غَيْرُ أَهْلِهِ
يَحِقُّ لِدُودِ القَزِّ يَقْتُلُ نَفْسَهُ ... إِذا جاءَ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ بِمِثْلِهِ (٢)
وفي معناه قول الجمال أبي محمد القاسم بن عمر بن منصور الواسطي نَزِيْلِ حلب: [من مجزوء الرمل]
لا تُنْكِرِي يا عَزُّ إِنْ ذُلَّ الفَتَى ... ذُو الأَصْلِ وَاسْتَعْلَى لَئِيمُ الْمَحْتِدِ
إِنَّ البُزاةَ رُؤُوسُهُنَّ عَواطِلٌ ... وَالتَّاجُ مَعْقُودٌ بِرَأْسِ الْهُدْهُدِ (١)
وفي المعنى: [من المنسرح]
لا تَنْأَ عَنِّي أَنْ تَرَى خَلَقِي ... فَإِنَّما الدُّرُّ داخِلَ الصَّدَفِ (٢)
وقال جرير: [من البسيط]
وَابْنُ اللَّبُونِ إِذا ما لُزَّ فِي قَرَنٍ ... لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَة البُزْلِ القناعِيسِ
وهو في معنى المثل: قمقامة حكت بجلد البازل؛ يُضرب للضعيف الذليل يحتك بالقوي العزيز؛ قاله الدميري، والسيوطي (٣).
وحُكِي أن سفيان بن عُيينة قال في مسألةٍ قال فيها بشيء، فقيل
стр. 5948
له: إنَّ مالكاً قال فيها بخلاف قولك، فقال: ما مثلي ومثل مالك إلا كما قال الأول، وأنشد بيت جريرٍ المذكور (١).
وأخبرت بأنَّ الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل المعروف بابن الوين، وبابن عماد الدين، وكان له صَوْلة، قال لرجلٍ دُوْنه خاصمه في شيء: فُرَيْرِيجٌ تقاوم البازات.
وقال أبو المظفر بن السمعاني: أنشدنا والدي قال: أنشد سعيد ابن المبارك النحوي لنفسه: [من الطويل]
أَرى الفَضْلَ ساعٍ فِي تَأَخُّرِ أَهْلِهِ ... وَجَهْلُ الفَتَى يَسْعَى لَهُ فِي التَّقَدُّمِ
كَذاكَ أَرى الْخفَّاشَ يُنْجِيْهِ عَيُّهُ ... وَيَحْتَبِسُ القُمْرِيَّ طيبُ التَّرنُّمِ (٢)
وقال القاضي ناصح الدين الأرجاني: [من الكامل]
لَوْ كُنْتُ أَجْهَلُ ما عَلِمْتُ لَسَرَّنِي ... جَهْلِي كَما قَدْ سَاءَنِي ما أَعْلمُ
стр. 5949
كَالصَّعْوِ (١) يَرْتَعُ فِي الرِّياضِ وَإِنَّما ... حُبِسَ الْهَزَارُ لأَنَّهُ يَتَرَنَّمُ (٢)
وأقول كالمخالف له: [من الكامل]
لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ ما جَهِلْتُ لَسَرَّنِي ... عِلْمِي وَلَيْسَ يَسُوؤُنِي ما أَعْلَمُ
كَالبازِ تَرْفَعُهُ الْمُلُوكُ لِعِلْمِهِ ... وَالصَّعو فِي الْحرجاتِ ضاوٍ مُحَجَّمُ
وقال الشاعر: [من البسيط]
لَيْسَ الْمُقَامُ بِدَارِ الذُّلِّ مِنْ شِيَمِي ... وَلا مُعَاشَرَةُ الأَنْذالِ مِنْ هَمِمي
وَلا مُعاشَرةُ الأَنْذالِ تَجْمُلُ بِي ... كَذَلِكَ البازُ لا يَأْوِي مَعَ الرَّخَمِ (٣)
ولبعض الشعراء في الحجاج بن يوسف، وقد كان الحجاج هرب في بعض الوقائع مع شبيب من غزالة امرأة شبيب، وكانت تُقاتل في
стр. 5950
الحروب بنفسها: [من الكامل]
أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعامَةٌ ... فَتخا تُرَفْرِفُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافرِ
هَلاَّ بَرَزْتَ إِلَى غَزالةَ فِي الوَغا ... بَلْ كانَ قَلْبُكَ فِي جَناحَيْ طائِرِ (١)
وقال عمران بن عصام العَنَزي لعبد الملك بن مروان يعني: الحجاج بن يوسف: [من الكامل]
وَبَعَثْتَ مِنْ وَلَدِ الأَغَرِّ معتبٍ ... صَقْراً يَلُوذُ حمَامُهُ بالعَوْسَجِ
فَإِذا طَبَخْتُ بنارِهِ أَنْضَجْتُهُ ... وَإِذا طُبِخَتْ بِغَيْرِها لم تَنْضجِ (٢)
يُشير إلى المثل السَّائر: صقرٌ يَلُوذ حمامُهُ بالعوسج؛ قال القمي: يُضرب للرجل الذي تهابه الناس (٣).
стр. 5951
وقال الحارث بن حِلِّزة: [من الكامل]
وَمُدامَةٍ قَرَّعْتُها بِمُدامةٍ ... وَظِباءِ محنيةٍ ذَعَرتْ بِسَمحجِ
وَكَأَنَّهُنَّ لآلِئُ وَكَأَنَّهُ ... صَقْرٌ يَلُوذُ حمامُهُ بِالعَوْسَجِ
صَقْرٌ يَصِيدُ بِظُفْرِهِ وَجَناحِهِ ... فَإِذا أَصابَ حَمامَةً لَمْ تدرُجِ (١)
والعوسج: شجر له شوك، وإنما قيل في المثل: يَلُوذ حمامه بالعوسج؛ لأنه مُتداخل الأغصان، فالطير يلُوذ به من الجوارح.
ولطف ابن قلاقس في قوله من قصيدة يمدح فيها القاضي الفاضل عبد الرحيم: [من السريع]
وَعاذِلٍ دَامَ دوامَ الدُّجَى ... بَهِيمَةً نادَمْتُها فِي بَهِيمْ
يَغِيظُنِي وَهْوَ عَلى رِسْلِهِ ... وَالْمَرْءُ فِي غَيْظِ سِواهُ حَلِيمْ
قُلْتُ لَهُ لَمَّا عدا طَورَهُ ... وَالقَلْبُ مِنْهُ فِي العَذابِ الأَلِيمْ
اعْذُرْ فُؤادِي إِنَّهُ شاعِرٌ ... مِنْ حُبِّهِ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمْ (٢)
ودخل صقلية فاتصل بأبي القاسم بن الحجر، فأحسن إليه، فلما فارق صقلية راجعاً إلى الديار المصرية - وكان في زمن الشتاء - ردته الريح إلى صقلية، فكتب إلى أبي القاسم المذكور: [من مجزوء الكامل المرفّل]
стр. 5952
مَنَعَ الشِّتاءُ مِنَ الوصُو ... لِ مَعَ الرَّسُولِ إِلَى دِيارِي
فَأَعادَنِي وَعَلى اخْتِيا ... رِي العَودُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيارِي
وَلَرُبَّما وَقَعَ الْحِما ... رُ فَكانَ مِنْ غَرَضِ الْمُكارِي (١)
ولطف الشهاب فتيان بن علي بن فتيان، الشاعر المعروف بالشاغوري في قوله وقد دخل حمَّاماً شديد الحرارة، وكان قد شاخ وكبر؛ كما أورده والذي قبله ابن خلكان: [من المتقارب]
أَرَى ماءَ حَمَّامِكُمْ كَالْحَمِيمِ ... نُكابِدُ مِنْهُ عَناءً وَبُوْساً
وَعَهْدِي بِكُمْ تَسمطونَ الْجِدَى ... فَما بالُكُمْ تَسْمُطونَ التُّيوسا (٢)
ومن أمثال العوام: كم كبش في المرعى! وكم جدي في المسمط! يُضرب في أنَّ الموت بالأجل يلحق الصغار والكبار، وربما كان منه في الصغار أكثر منه في الكبار.
وذكر الغزالي في "الإحياء": أنَّ سفيان الثوري رحمه الله تعالى كان إذا شبع أحيا تلك الليلة، وكان يقول: [من مجزوء الرمل]
أَشْبَعَ الزُّنْجِيَّ وكرُهْ ... إِنَّما الزُّنْجِيْ حِمارُ (٣)
وروى أبو نعيم عن جبير بن نفير رحمه الله تعالى: أنَّ نفراً قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما رأينا رجلاً أقْضى بالقسط،
стр. 5953
ولا أَقْول بالحق، ولا أشدَّ على المنافقين منك؟ فأنت خير الناس بعد رسول الله ﷺ .
فقال عوف عن مالك رضي الله تعالى عنه: كذبتم والله، لقد رأينا خيراً منه بعد رسول الله ﷺ .
فقالوا: مَنْ هو؟
فقال: أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
فقال عمر: صدق عوف؛ والله لقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه أطيب من ريح المسك، وأنا أضلُّ من بعير أهلي (١).
وجملة: (وأنا أضل من بعير أهلي) - في كلامه - حالية.
أي: إنه كان أضل من بعير أهله في الحال الذي كان فيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه أطيب من ريح المسك؛ فإنه كان في جاهلية بُرْهة من الزمان، وأبو بكر في إسلام وتصديق.
ونظير ذلك ما رواه الإمام أحمد، وغيرهُ: أنَّ الطاعون وقع بالشام، فقال عمرو بن العاص ﵁: إنه رجس فتفرقوا عنه.
فقال شرحبيل بن حسنة رضي الله تعالى عنه: محمد رسول الله ﷺ ، وعمرو أضلُّ من بعير أهله، وإنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّهَا رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نبِيّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُمْ".
стр. 5954
فبلغ ذلك عمرو بن العاص، فقال: صدق.
وفي رواية: فبلغ ذلك شرحبيل فغضب، فقال وهو يجرُّ ثوبه معلق نعله بيده، فقال: صحبت رسول الله ﷺ وعمرو أضل من حمار أهله (١).
فأشار إلى أن حال الجاهلية كحال البعير والحمار في الجهل، بل هي أبلغ.
وروى الخطابي في "العزلة" عن العتبي قال: كنا عند سفيان بن عيينة، فَتَلاَ هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فقال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم مَنْ يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدُو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نبُاح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو أُلقيَ إليها الطعام الطيب عافَتْه، فاذا قام الرجل عن رجيعه وَلَغَتْ فيه.
ولذلك تجد من الآدميين مَنْ لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، وإن أخطأ الرجل عن نفسه، أو حكى خطأً عن غيره تروَّاه وحفظه.
قال الخطابي: ما أحسن ما تأول أبو محمد - يعني: سفيان بن
стр. 5955
عيينة - هذه الآية، واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أنَّ الكلام إذا لم يكن كله مطاوعاً لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله تعالى عن وجود المماثلة بيننا وبين كل دابة وطائر، وكان ذلك ممتنعاً من جهة الخلقة والصورة، وعدماً من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفاً إلى المماثلة في الطباع والأخلاق.
قال: وإذا كان الأمر كذلك، فاعلم يا أخي أنك إنما تُعاشر البهائم والسباع، وليَكُن حذرُكَ منهم ومُباعدتك إياهم على حسب ذلك (١).
وروى أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التستَري رحمه الله تعالى قال: خلق الله تعالى الإنسان على أربع طبائع: طبع البهائم، وطبع الشياطين، وطبع السَّحرة، وطبع الأبالسة.
فمن طبع البهائم: البطن والفرج؛ قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣].
ومن طبع الشياطين: اللهو واللعب، والزينة، والتكاثر؛ قوله تعالى: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠].
ومن طبع السَّحرة: المكر والخديعة؛ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ﴾ [الأنفال: ٣٠].
﴿إِيُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].