وقال الحارث بن حِلِّزة: [من الكامل]
وَمُدامَةٍ قَرَّعْتُها بِمُدامةٍ ... وَظِباءِ محنيةٍ ذَعَرتْ بِسَمحجِ
وَكَأَنَّهُنَّ لآلِئُ وَكَأَنَّهُ ... صَقْرٌ يَلُوذُ حمامُهُ بِالعَوْسَجِ
صَقْرٌ يَصِيدُ بِظُفْرِهِ وَجَناحِهِ ... فَإِذا أَصابَ حَمامَةً لَمْ تدرُجِ (١)
والعوسج: شجر له شوك، وإنما قيل في المثل: يَلُوذ حمامه بالعوسج؛ لأنه مُتداخل الأغصان، فالطير يلُوذ به من الجوارح.
ولطف ابن قلاقس في قوله من قصيدة يمدح فيها القاضي الفاضل عبد الرحيم: [من السريع]
وَعاذِلٍ دَامَ دوامَ الدُّجَى ... بَهِيمَةً نادَمْتُها فِي بَهِيمْ
يَغِيظُنِي وَهْوَ عَلى رِسْلِهِ ... وَالْمَرْءُ فِي غَيْظِ سِواهُ حَلِيمْ
قُلْتُ لَهُ لَمَّا عدا طَورَهُ ... وَالقَلْبُ مِنْهُ فِي العَذابِ الأَلِيمْ
اعْذُرْ فُؤادِي إِنَّهُ شاعِرٌ ... مِنْ حُبِّهِ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمْ (٢)
ودخل صقلية فاتصل بأبي القاسم بن الحجر، فأحسن إليه، فلما فارق صقلية راجعاً إلى الديار المصرية - وكان في زمن الشتاء - ردته الريح إلى صقلية، فكتب إلى أبي القاسم المذكور: [من مجزوء الكامل المرفّل]
стр. 5952
مَنَعَ الشِّتاءُ مِنَ الوصُو ... لِ مَعَ الرَّسُولِ إِلَى دِيارِي
فَأَعادَنِي وَعَلى اخْتِيا ... رِي العَودُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيارِي
وَلَرُبَّما وَقَعَ الْحِما ... رُ فَكانَ مِنْ غَرَضِ الْمُكارِي (١)
ولطف الشهاب فتيان بن علي بن فتيان، الشاعر المعروف بالشاغوري في قوله وقد دخل حمَّاماً شديد الحرارة، وكان قد شاخ وكبر؛ كما أورده والذي قبله ابن خلكان: [من المتقارب]
أَرَى ماءَ حَمَّامِكُمْ كَالْحَمِيمِ ... نُكابِدُ مِنْهُ عَناءً وَبُوْساً
وَعَهْدِي بِكُمْ تَسمطونَ الْجِدَى ... فَما بالُكُمْ تَسْمُطونَ التُّيوسا (٢)
ومن أمثال العوام: كم كبش في المرعى! وكم جدي في المسمط! يُضرب في أنَّ الموت بالأجل يلحق الصغار والكبار، وربما كان منه في الصغار أكثر منه في الكبار.
وذكر الغزالي في "الإحياء": أنَّ سفيان الثوري رحمه الله تعالى كان إذا شبع أحيا تلك الليلة، وكان يقول: [من مجزوء الرمل]
أَشْبَعَ الزُّنْجِيَّ وكرُهْ ... إِنَّما الزُّنْجِيْ حِمارُ (٣)
وروى أبو نعيم عن جبير بن نفير رحمه الله تعالى: أنَّ نفراً قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما رأينا رجلاً أقْضى بالقسط،
стр. 5953
ولا أَقْول بالحق، ولا أشدَّ على المنافقين منك؟ فأنت خير الناس بعد رسول الله ﷺ .
فقال عوف عن مالك رضي الله تعالى عنه: كذبتم والله، لقد رأينا خيراً منه بعد رسول الله ﷺ .
فقالوا: مَنْ هو؟
فقال: أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
فقال عمر: صدق عوف؛ والله لقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه أطيب من ريح المسك، وأنا أضلُّ من بعير أهلي (١).
وجملة: (وأنا أضل من بعير أهلي) - في كلامه - حالية.
أي: إنه كان أضل من بعير أهله في الحال الذي كان فيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه أطيب من ريح المسك؛ فإنه كان في جاهلية بُرْهة من الزمان، وأبو بكر في إسلام وتصديق.
ونظير ذلك ما رواه الإمام أحمد، وغيرهُ: أنَّ الطاعون وقع بالشام، فقال عمرو بن العاص ﵁: إنه رجس فتفرقوا عنه.
فقال شرحبيل بن حسنة رضي الله تعالى عنه: محمد رسول الله ﷺ ، وعمرو أضلُّ من بعير أهله، وإنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّهَا رَحْمَةُ رَبِّكُمْ، وَدَعْوَةُ نبِيّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُمْ".
стр. 5954
فبلغ ذلك عمرو بن العاص، فقال: صدق.
وفي رواية: فبلغ ذلك شرحبيل فغضب، فقال وهو يجرُّ ثوبه معلق نعله بيده، فقال: صحبت رسول الله ﷺ وعمرو أضل من حمار أهله (١).
فأشار إلى أن حال الجاهلية كحال البعير والحمار في الجهل، بل هي أبلغ.
وروى الخطابي في "العزلة" عن العتبي قال: كنا عند سفيان بن عيينة، فَتَلاَ هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فقال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم مَنْ يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدُو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نبُاح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو أُلقيَ إليها الطعام الطيب عافَتْه، فاذا قام الرجل عن رجيعه وَلَغَتْ فيه.
ولذلك تجد من الآدميين مَنْ لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، وإن أخطأ الرجل عن نفسه، أو حكى خطأً عن غيره تروَّاه وحفظه.
قال الخطابي: ما أحسن ما تأول أبو محمد - يعني: سفيان بن
стр. 5955
عيينة - هذه الآية، واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أنَّ الكلام إذا لم يكن كله مطاوعاً لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله تعالى عن وجود المماثلة بيننا وبين كل دابة وطائر، وكان ذلك ممتنعاً من جهة الخلقة والصورة، وعدماً من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفاً إلى المماثلة في الطباع والأخلاق.
قال: وإذا كان الأمر كذلك، فاعلم يا أخي أنك إنما تُعاشر البهائم والسباع، وليَكُن حذرُكَ منهم ومُباعدتك إياهم على حسب ذلك (١).
وروى أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التستَري رحمه الله تعالى قال: خلق الله تعالى الإنسان على أربع طبائع: طبع البهائم، وطبع الشياطين، وطبع السَّحرة، وطبع الأبالسة.
فمن طبع البهائم: البطن والفرج؛ قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣].
ومن طبع الشياطين: اللهو واللعب، والزينة، والتكاثر؛ قوله تعالى: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠].
ومن طبع السَّحرة: المكر والخديعة؛ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ﴾ [الأنفال: ٣٠].
﴿إِيُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
стр. 5956
ومن طبع الأبالسة: الإباء والاستكبار؛ ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قال: واستعبد الله العباد بأكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي ﷺ حتى يسلموا من طبع البهائم.
واستعبدهم بالتسبيح، والتقديس، والتمجيد، والشكر حتى يَسْلَمُوا من طبع الشياطين.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠].
ومن طبع السَّحرة استعبدهم بالاقتداء بالنبي ﷺ ، والنصيحة، والرحمة، والصدق، والإنصاف، والتفضيل، والاستعانة بالله تعالى، والصبر على ذلك إلى الممات.
ومن طبع الأبالسة استعبدهم الله تعالى بالدعاء، والصُراخ، والالتجاء، والتضرع؛ ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، انتهى (١).
فقد أشار سهل رحمه الله تعالى إلى أن الله ابتلى الناس بهذه الأخلاق، ثم استعبدهم بالانسلاخ عنها والتلبس بما هو يُناقضها من الاقتداء بالنبي ﷺ في أكل الحلال، وأداء الفرائض، والذكر، والشكر، والنصيحة، والرحمة، والإنصاف، والإفضال، والدعاء، والتضرع إلى الله تعالى حتى تتبدل أرضُ إنسانيةِ أوليائه غير أرض
стр. 5957
الحيوانية والسماوات؛ ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
وعند ذلك يُقال لهم: أبدال.
وقد أشار إلى هذا المعنى أبو طالب المكي في "القوت"؛ فإنه ذكر أنَّ النفس مُبتلاة بأوصاف الربوبية كالكبر، والجبروت، وحب المدح، والغنى، والعز، وأخلاق الشياطين كالخداع، والحيلة، والحسد، والضِنة؛ يعني: البخل، وطبائع البهائم، وهي حب الأكل والشرب، والنكاح، وهي مع ذلك مطالبة بأوصاف العبودية كالخوف، والتواضع، والذلة.
ثم قال رحمه الله تعالى: ولا يكون المرء بدلاً حتى يتبدل بمعاني صفات الربوبية وصفات العبودية، وبأخلاق الشياطين صفات المؤمنين، وبطبائع البهائم أوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم، فعندها كان مقرباً، انتهى (١).
وقال الشيخ علوان الحموي في "شرح تائية ابن حبيب" عند قوله: [من البسيط]
إِيَّاكَ نَفْسَكَ احْذَرْ إِن لَدْغَتَها ... فَوقَ السَّعِيرِ وَأَنْواعِ السُّمُوماتِ
رَوَّاغةٌ سِحْرُها أَسْرى وَأَعْظمُ مِنْ ... هاروتَ ماروتَ أَقْوى فِي الرَّزِّياتِ
стр. 5958
قال: وهذا الروغان مما أودع فيها - يعني: النفس - من أخلاق الوحوش؛ فإنها مستمدة من أخلاق البهائم، والحيوانات، والوحوش، والحشرات، فبجهلها تشبه الثور، وبالشَّره تشبه الخنزير، وبالحرص النمل، وبالوقوع على النجاسة الذباب، وبالتَّهافُتِ على الشهوات الفراش، وبالضراوة والحسد الكلب، وبالتمزيق للأموال الذئب، وبالرئاسة السَّبع، وبالخبث الذئب، وبالروغان الثعلب، وبالجبن الضبع، وبالسرقة والاختلاس الفأر والجرذان، وبالنميمة القرد، وبالكبر النمر، وبالحقد الجمل، وبكثرة السؤال الهر، وبالبلادة الحمار، وبالجماح الخيل الشموسية، وباللدغ العقرب، وبعظم الأذية مع حسن الصورة الحية، وبالمكر والخديعة الشيطان، انتهى.
قلت: ولما كانت النفس منطوية على هذه الأخلاق الخبيثة، يتعاقب عليها خلق بعد خلق، ويعتورها طبع بعد طبع مع غلبتها، لم يَسَعِ العاقل أن يغفل عن رياضة نفسه وسياستها.
ومن ثمَّ قال علي رضي الله تعالى عنه: ما أنا ونفسي إلا كراعي غنمٍ؛ كما ضممتها من جانبٍ نفشَتْ من جانب.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]: لا تغفلوا عن أنفسكم لأنَّ مَنْ غفل عن نفسه فقد قتلها (١).
стр. 5959
وقال البوصيري: [من البسيط]
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلى ... حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
مَنْ لِي بِرَدٍّ جماحٍ مِنْ غَوايَتِها ... كَما يُرَدُّ جماحُ الْخَيْلِ بِاللُّجُمِ
وروى الخطابي في "غريب الحديث" عن عمرو بن العاص ﵁ قال: انتهى عجبي عند ثَلاث: المرء يفرُّ من الموت وهو لاقيه، والمرء يرى في عين أخيه القذى فيُعيْبهُ، ويكون في عينه الجذع فلا يُعيبه، والمرء يكون في دابته الضغن فيقومها جهده، ويكون في نفسه الضغن فلا يقوم نفسه.
قال الخطابي: الضغن في الدابة: أن تكون عسرةَ الانقياد (١).
قال في "الصحاح": فرسٌ ضاغن: لا يُعطي ما عنده من الجَرِي إلا بالضرب.
وقال: وقناة ضَغنة؛ أي: عوجاء (٢).
قلت: والسبب في ذلك أمران:
الأول: حُسن ظن الإنسان بنفسه، وإعجابه بها، ورضاه عنها، وهذا لا يُظهر عيبها.
стр. 5960
[من الطويل]
وَعَيْنُ الرِّضا عَنْ كُلِّ عَيبٍ كَلِيلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبدي الْمَسَاوِيا
وسُئِلَ ذو النون رحمه الله تعالى عن كمال معرفة النفس؛ قال: كمال سوء الظن بها.
الأمر الثاني: أنَّ النفس لا يكون فيها عيب إلا وهو متسبب عن هواها، أو داعٍ إليه كالصَّوْلة والظلم؛ فإنهما متسببان عن الرئاسة والقوة، وهما من هوى النفس، وكالروغان والحيلة؛ فإنهما يوصلان إلى غرض النفس.
ومهما كان الهوى في شيء لم تتصور النفس أن يكون ذلك الشيء عيباً أصلاً.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "حُبُّكَ لِلشَّيءِ يُعْمِي وَيَصُمُّ" (١).
ورُوِيَ من حديث أبي برزة، وعبد الله بن أنيس أيضاً رضي الله تعالى عنهما.
ولأجل ذلك كان خلاف الهوى صواباً مطلقاً، وآفة العقل الهوى، فمَنْ علا على هواه عفته فقد نجا.
стр. 5961
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
وقد وقع الذم في القرآن العظيم على اتباع الهوى كثيراً.
وروى الشيخ نصر المقدسي في "الحجة" عن [عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄] (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُوْنَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" (٢).
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن مزيدة بن قضيب الرهاوي قال: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذ جاء قومٌ فقالوا: إنَّ لنا إماماً يُصلي بنا العصر، فإذا صلَّى صلاته تغنَّى بأبيات.
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قوموا بنا إليه، فاستخرجه عمر من منزله، فقال له: إنه بلغني أنك تقول أبياتاً إذا قضيْتَ صلاتك، فأنشدنيها؛ فإنْ كانت حسنة قُلْتُها معك، وإنْ كانت قبيحة نَهْيْتُكَ عنها، فقال - الرجل: [من الرمل]
وَفُؤادِي كُلَّما نبَّهْتُهُ ... عادَ فِي اللَّذَّاتِ يَبْغِي تَعَبِي
لا أُراهُ الدَّهْرَ إِلَّا لاهياً ... فِي تَمَادِيْهِ فَقَدْ برَّحَ بِي
يا قَرِينَ السُّوءِ ما هَذا الصِّبا ... فَنِيَ الْعُمْرُ كَذا باللَّعِبِ
وَشَبابٌ بَانَ مِنِّي فَمَضى ... قَبْلَ أنْ أَقْضِيَ مِنْهُ أَرَبِي
стр. 5962
ما أُرَجِّي بَعْدَهُ إِلاَّ الفَنا ... ضَيَّقَ الشَّيْبُ عَلَيَّ مَطْلَبِي
نَفْسي لا كُنْتِ وَلا كانَ الْهَوى ... اتَّقِ اللهَ وَخافِي وَارْهَبِي
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: نعم: نفسي لا كنتِ ولا كان الهوى، وهو يبكي، ويقول: اتق الله وخافي وارْهبي.
ثم قال عمر رضي الله تعالى عنه: مَنْ كان مُغَنياً فَلْيُغَنِّ هكذا (١).
قلت: وهذا الأثر ناطق باستحسان عمر رضي الله تعالى عنه لما كان من الشعر في الزهد، والرياضة، والحث على التقوى.
وقد تقدم بيان ذلك في التشبه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبسطنا القول عليه في "منبر التوحيد" أيضاً.
وقلت في معنى هذه الجملة التي نقلتها: [من مخلَّع البسيط]
حُبُّكَ لِلشَّيْءِ عَنْكَ يُعْمِي ... ما كانَ فِيهِ مِنْ كُلِّ مُؤْلِمْ
تُعْجِبُكَ النَّفْسُ، ثُمَّ تَرْضَى ... عَنْها، وَعَنْ عَيْبِها تَلَعْثمْ
تُقَوِّمُ الضغنَ مِنْ حِمارٍ ... تَرْكَبُهُ ما عَسَى تقَوِّمْ
وَلَمْ تُقَوِّمْ مِنْ نَفْسِكَ الضغـ ... ـنَ وَهِيَ أَوْلَى بِأَن تُعَلِّمْ
وَتَزْجُرُ العَبْدَ حِينَ يُخْطِيْ ... لَمْ تَرْضَ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ يُسْلِم
وَأَنْتَ تَعْصِي الإِلهَ جَهْراً ... وَلَمْ تَتُبْ، لا وَلَمْ تُسَلِّمْ
حَتَّى مَتَى يا أَرِيبُ تُقْدِمْ ... عَلى الْمَعاصِي وَلَسْتَ تُحْجِمْ
стр. 5963
تُنْجِدُ طوراً لِغَيْرِ شَيْءٍ ... وَتارَةً يا أَرِيبُ تُتْهِمْ
إِنَّ الثوى فِي الْمدى قَلِيلٌ ... فارْقُدْ لأُخْراكَ ثُم قَدِّمْ
لِلَّهِ كَمْ بَيْنَ ذا ثَراءٍ ... وَذاكَ مِنْ طاعَةٍ وَمُعْدِمْ
فابْنِ ديارَ الرِّضى وَأَحْكِمْ ... وَلَو لِدَارِ البَوَارِ تَهْدِمْ
وَاسْلُكْ طَرِيقَ السَّدادِ قَصْداً ... إِنَّ طَرِيقَ السَّدادِ قَيِّمْ
وَاسْأَلْ مِنَ اللهِ فَهْوَ يُلْهِمْ ... مَنْ شاءَ طاعاتِهِ وينْعِمْ
يا رَبِّ خُذ بِي عَنِ الْهَوى إِنَّ ... الْهَوى مُوْبِقٌ وَمُقْحِمْ
كَمِ اسْتَزَلَّ الْهَوى أُناساً ... يا سَلِّمْ، يا رَبِّ سَلِّمْ
* تَنْبِيهٌ:
روى ابن جرير عن سعيد بن أبي هلال: أنَّ عبد الله بن علي حدَّثه: أنَّ ناساً من أصحاب النبي ﷺ جَلَسُوا يوماً ورجل من اليهود قريبٌ منهم، فجعل بعضهم يقول: إني لآتي اِمرأتي وهي مضجعة، ويقول آخر: إني لآتيها وهي قائمة، ويقول الآخر: إني لآتيها وهي باركة.
فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم، إنا نأتيها على هيئةٍ واحدة.
فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (١).
стр. 5964
وهذا غلطٌ محضٌ من هذا اليهودي في التشبيه، بل كذبٌ بهْتٌ منه، وإنما يُشبه البهائم في لزومهم هيئة واحدة في الجماع؛ فإنَّ البهائم تلزم طريقة واحدة في السفاد، ولا يستطيع التصرف في إتيان الأنثى على هيئات مختلفة إلا ابن آدم، وهو من جملة ما كرَّمه الله تعالى به، وفضله به على سائر البهائم؛ فافهم!
وإياك أن يشتبه عليك التشبه في محمود أو مذموم كما اختلف على هذا اليهودي المذكور.
стр. 5965
فَصلٌ
لا يخفى عليك أنَّ الإنسان حيث هو مُبتلى بالصفات الربوبية، والأخلاق الشيطانية، والطبائع البهيمية والسَّبعية، وهي كثيرة الشعب والأنواع، فقد قلَّ أن يكون إنسانٌ سالماً من شيء منها؛ فإنه إنْ سَلِمَ من البخل لم يَسْلم من الطمع مثلاً، وإنْ سَلِمَ من الحسد لم يَسْلم من محبة النفس وتزكيتها، وإنْ سَلِمَ من الصَّولة والجرأة لم يَسْلم من الخديعة والحيلة، وهكذا.
وكل واحدٍ من هذه الأخلاق والطبائع لا يخلو أن يكون الهوى متسبباً عنه، أو داعياً إليه، والشيطان آمراً به.
وقلَّ أن يخلو من خليلٍ أو قريبٍ يسأله فيه، أو يحضه عليه، ويُساعده فيه.
وقلَّ أن يكون له مَنْ يدعوه منه إلى ضده من أخلاق البر والتقوى.
فبقي العقل منفرداً وحده في دعائه إلى البر والتقوى، فإن يسر الله تعالى له مَنْ هو في جانب العقل من أخلاء الصدق ورفقاء الرفق
стр. 5966
- وقليلٌ ما هم - وإلا كان العقل وحده.
فإن ساعدته العناية، وأَدْركه التوفيق نَجَا بصاحبه، وإن غلب عليه الهوى وجنوده، وأُغمضَتْ عنه عين العناية والتوفيق هلك مع صاحبه.
فمن ثمَّ كان الكُمَّل في الأخلاق الجيدة من أهل العلم والدين من أقل الناس في كل زمان، وكان أهل الجهل والفسق والشَّره والانحلال عن الدين، الملحقون بالبهائم والسباع والهوام والشياطين والأبالسة أكثرَ الناس في كل وقت.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وقال تعالى لبني اسرائيل: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣].
وقال: حكايةً عن داود ﵇: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] إلى غير ذلك.
ثم إنَّ الزمان الذي بُعثَ فيه النبي ﷺ إلى أن تُوفي ﷺ لا شكَّ أنه كان أَصْلح الأزمنة، وأَلْيقها بظهور الكمالات وكثرة الظاهرين بها، حيث كان ﷺ بين ظهرانيهم، فكان يفيض عليهم من علوم السنة، ويطبع في مرآتهم آثار المعارف وأنوار أخلاقه الزكية شيئاً فشيئاً، حتى ظهر سلطان الدين، وبَهَرَ برهان الحق، فكان كمال الدين وتمام النعمة حين كان في حجة الوداع، ونزلت عليه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
стр. 5967
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
ثم كان زمان الصحابة ﵃ أجمعين أقرب الأزمنة إلى صلاحية ظهور الناس بالكمالات، ثم زمان التابعين كما أشار إليه بقوله ﷺ : "خَيْرُ القُرُوْنِ القَرْنُ الَّذِيْ بُعِثْتُ فِيْهِ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنهمْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنهمْ" (١).
ثم ظهرت أوائل البِدع والإحداثات في الدين، فكان كل زمان تنقص فيه السنن والكمالات عن الزمان الذي كان قبله، وتزيد فيه البدع والحوادث على الزمان قبله، وهَلُمَّ جراً، وكان أهل الخير والديانة في كل زمانٍ إذا نظروا إلى مَنْ مضى من أكابر سلفهم من أهل السنة والكمال، ومن خَلَفَ فيهم من الأحداث الذين نشؤوا في البدعة والاختلال، وظنوا أنهم على شيء، استوحشوا لفراق من فارقوا، ولم يستأنسوا بمَنْ لَقُوا، فبكوا على الزمان الغابر، وبَكُوا من الزمان العابر، وأَسِفُوا على السلف، واتقوا من الخلف، لم يُعجبهم شأنهم، ولم ترج عليهم سوقهم، فأطلقوا الذمَّ عليهم جميعاً ولو كان فيهم أفراد محمودون لأنهم قليلون جداً.
روى الإمام أحمد عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه قال: ذَهَبَت المعارف، وبقيت المناكر، ومَن بقي من المسلمين فهو مغموم (٢).
стр. 5968
وروى أبو نعيم عنه قال: والله لقد أدركْتُ سبعين بدريًّا، أكثر لباسهم الصوف، لو رأيتموهم قُلْتُم: مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خَلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: لا يؤمن هؤلاء بيوم الحساب (١).
وهذا موافقٌ لما أخبر به النبي ﷺ .
روى الخطابي في "العزلة" عن مستورد الفهري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُوْنَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَىْ حُثَالةٌ كَحُثَالَةِ الشَّعِيْرِ، لا يُبَالي اللهُ بِهِمْ" (٢).
ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النبي ﷺ قال: "يُوْشِكُ أَنْ يَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَان يُغَرْبَلُ فِيْهِ النَّاسُ غَرْبَلَةً، وَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مُزِجَتْ عُهُوْدُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَاخْتَلَفُوْا وَكَانُوْا هَكَذَا - وشبك بين أصابعه -".
قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟
قال: "تَأْخُذُوْنَ مَا تَعْرِفُوْنَ، وَتَدَعُوْنَ مَا تُنْكِرُوْنَ، وَتُقْبِلُوْنَ عَلَىْ أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُوْنَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ" (٣).
стр. 5969
قال الخطابي: حُثالة الشعير - أي: ونحوه -: رذالته، وما لا خير فيه منه (١).
وصحح الحاكم عن رويفع بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: قُرِّبَ للنبي ﷺ تمرٌ أو رُطَبٌ، فأكلوا منه حتى لم يبقَ إلا نواه وما لا خير فيه، فقال رسول الله ﷺ : "تَدْرُوْنَ مَا هَذَا؟ تَذْهَبُوْنَ الخَيِّرُ فَالخَيِّرُ حَتَّى لا يَبْقَىْ مِنْكُمْ إِلاَّ مِثْلُ هَذَا" (٢).
وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ إِلاَّ وَالَّذِيْ بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ" (٣).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: أمسٌ خيرٌ من اليوم، واليوم خيرٌ من غد، وغد خيرٌ من بعد الغد، وكذلك إلى يوم القيامة (٤).
وروى ابن حبان في "الثقات" عن الحسن أنه قال: مَنْ رأى محمداً ﷺ فقد رآه غادياً رائحاً لم يضع لبنةً على لبنة، ولا قصبة على قصبة، رفع له عَلَم فشمَّر إليه، الوَحاءَ الوَحَاءَ، ثم النجاة النجاة على ما تعرجون، وقد أسرع بخياركم، وذهب نبيكم وأنتم في كل عامٍ
стр. 5970
ترذلون العيان العيان (١).
وروى ابن أبي شيبة، والخطابي في "العزلة" عن هشام بن عروة، عن أبيه رحمة الله عليهما، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت تتمثل بهذين البيتين؛ يعني: من شعر لبيد - رضي الله تعالى عنها -: [من الكامل]
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنافِهِمْ ... وَبَقِيْتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ
يَتَحَدَّثُون مجانةً وَمُلاذةً ... وَيُعابُ قائِلُهمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغبِ (٢)
ووقع لنا هذا الخبر من طريقٍ مُسلسلاً، قالت عائشة فيه: يرحمُ الله لبيداً حيث يقول:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ فِي أَكْنافِهِمْ ... وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَقارِ الأَجْرَبِ
فكيف لو أدركت زماننا هذا؟
قال: عروة: يرحم الله عائشة! فكيفَ لو أدركت زماننا (٣).
стр. 5971
ثم هذا تسلسل، وقد وصلنا مسلسلاً في غير هذا الكتاب.
وقلت: [من الرمل]
قُلْ لِمَنْ ذَمَّ زَماناً سَلَفا ... كانَ خَيْراً مِنْ سِواهُ سَلَفَا
كَيْفَ لَوْ تُدْرِكُ ما عَنَّ بِنا ... مِنْ زَمانٍ هُوَ شَرٌّ خَلَفَا
كَلَّ فِيهِ الفِكْرُ مِمَّا قَدْ يَرى ... وَاسْتَذَلَّ الأَقْوِياءُ الضُّعَفا
لا كَبِيْرٌ بِوَقارٍ ظافِراً ... لا صَغِيْرٌ حاطَهُ مَنْ رَأَفا
رَأَسَ السُّقَّاطُ فِيهِ وَانْزَوى ... كُلُّ ذِي مَجْدٍ يَؤُمُّ السُّجَفا
راجَ فِيهِ ما جِنٌ أَوْ فاسِقٌ ... عُدَّ بَيْنَ النَّاسِ مِمَّنْ ظَرُفا
لِعَظِيمَينِ مُلِئْنا حَزَناً ... وِلَهَذَيْنِ انتُهَينا دَلَفا
بَيْنَما نبكِي زَماناً سَلَفا ... إِذْ بِنا نَبْكِي زَماناً خَلَفَا
فَعَسى نَمْضِي بِأَجْرَي ثَكِلٍ ... وَاغْتِمامٍ لا نَخافُ التَّلَفَا
وحيث ذكرنا في هذا الفصل أنه أكثر في كلام السَّلف تمثيل الناس بالبهائم والسباع على الأخلاق، إشارةً إلى أنَّ الصالحين والأخيار كأنهم مُستثنون منهم، فلا يدخلون في إطلاقهم إذا ذموا لقلتهم فيهم وغُربتهم بينهم، فينبغي أن نذكر جملة:
- فمن ذلك: ما رواه أبو نعيم عن ابن عباس ﵄: ذهب الناس وبقي النسناس.
قيل: وما النسناس؟
стр. 5972
قال: الذين يُشبهون الناس، وليسوا الناس (١).
ورواه الخطابي في "العزلة" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢).
وممن ذَكره عن أبي هريرة الزمخشري في "الفائق"، والهروي في "الغريب"، وابن الأثير في "النهاية" (٣).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن الحسن رحمه الله تعالى: أنه قال: ذهب الناس، وبقي النسناس، ولو تكاشفتم ما تدافنتم (٤).
والنَسناس - بفتح النون، وقد تُكسر -: جنسٌ من الخَلْق على سورة الإنسان، يَثِبُ على رِجْلٍ واحدة.
وقيل: له عين واحدة، ويد واحدة، ورجل واحدة؛ حكاه الدينوري في "المجالسة" عن أبي إسحاق (٥).
وقيل: هو على سورة نصف إنسان.
وقيل: إنها في طباع البهائم تشبه الإِنسان صورة، وتتكلم، إلا أنها تفرس الكلاب أن تأخذها.
стр. 5973
ونقل الدميري، والسيوطي عن "تاريخ صنعاء": أنَّ تاجراً سافر إلى بلادهم، فرآهم يَثبُون على رِجْلٍ واحدة، وسمع واحداً منهم يقول: [من الرجز]
فَرَرْتُ مِنْ خَوفِ الشّراة شَدَّا ... إِذْ لَمْ أَجِدْ مِنَ الفِرارِ بُدَّا
قَدْ كُنْتُ قِدْماً فِي زَمانِي جَلْدَا ... فَها أَنا اليَومَ ضَعِيفٌ جِدَّا (١)
وقيل: هو جنسٌ من القردة.
وقيل: كانت حيًّا من عادٍ فَمُسخوا.
وقال الشاعر في معنى الأثر: [من الخفيف]
ذَهَبَ النَّاسُ فَاسْتَقَلُّوا وَصارُوا ... خَلَفَاً فِي أَراذلِ النَّسْناسِ
فِي أُناسٍ نعدُّهُمْ فِي عَدِيدٍ ... فَإِذا فُتِّشُوا فَلَيْسُوا بِنَاسِ
كُلَّما جِئْتُ أَبْتَغِي النَّيْلَ مِنْهُمْ ... بَدَرُونِي قَبْلَ السُّؤالِ بِبَاسِ
وَبَكَوْا لِي حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي ... مِنهُمْ قَدْ أَفلْتُ رَأسَاً بِرَاسِ (٢)
وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الذين يُشبهون الناس ولَيْسُوا بناس، إشارةٌ إلى أنَّ الناس هم الكمل الذين لم يتصفوا بشيء من صفات البهائم.
стр. 5974
ومن لطائف الإمام فخر الدين الرازي في "تفسيره" قال: إنَّ الله تعالى قال في موضع: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا يقتضي أنَّ الناس هم المتقون، فمَنْ ليس من المتقين فليس من الناس، انتهى (١).
وفي الأمثال: يا نفس هوني، وعلى ما كانت الناس كوني.
ووقع لأخي شيخ الإسلام العارف شهاب الدين أحمد الغزي: أنه سأل بعض العارفين من أهل عصره عن هذا المثل؛ فإنَّ ظاهره الإرشاد إلى موافقة الناس فيما هم فيه من خيرٍ أو شر، وهو مشكل.
فقال له العارف: ليس المراد بالناس في المثل مَنْ نراهم، بل المراد بالناس أبو بكر، وعمر، وأمثالهما.
يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: أي: صدقوا كما صدق أصحاب محمد. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
وفي "تاريخ ابن عساكر" - بسندٍ ضعيف - عن ابن عباس أيضاً في
стр. 5975
قوله: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]
قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (١).
وروى الخطابي في "الغريب" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: أنه كان عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فلمَّا قام من عنده قال: إذا ذهب هذا وضرباؤه لم يبقَ من الناس إلا رجاجة.
قال الخطابي: الرجاج: صغار الإبل، وحواشيها، فشبه صغار الناس، ومَنْ لا طائل عنده بها. انتهى (٢).
وقد سبق أنَّ الرجاج مهازيل الغنم، والضعفاء من الناس والإبل.
قلت: وفيه إشارة إلى غلبة الجهل والوهن على الناس بعد عصر الصحابة والتابعين، وكلما تأخر العصر كان الجهل في أهله أكثر، وكلما كثر الجهل استوى الناس فيه، فلا ينكر بعضهم على بعض، ولهذا قلَّ في هذه الأزمنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً كما أخبر به النبي ﷺ .
وفي حديث: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا تَفَاضَلُوْا فيْ الْعِلْمِ والتنافُسِ فيْ طَلَبِ الفَضَائِلِ؛ فَإِذَا اسْتَوَوْا فيْ الجَهْلِ وَاتِّبَاعِ الهَوَىْ هَلَكُوْا، وَلا يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَىْ بَعْضٍ" (٣).
стр. 5976
وفي المعنى قلت: [من مجزوء الخفيف]
عَمَّمَ الْجَهْلُ وَالْهَوى ... فَالوَرى فِي الْهَوى سَوا
فَلِذا لا تَرى فَتًى ... مُنْكِراً غَيَّ مَنْ غَوى
آهٍ آهٍ لِما جَرى ... فَلِمَنْ نَشْتَكِي الْجَوى
فَاجْتَنِبْ كُلَّ ما تَرى ... مِنْ ضَلالٍ وَمِنْ هَوى
لِتَنَالَ الرِّضى إِذا ... باءَ ذُو الْجَهْلِ بِالنَّوى
ولأبي الأسود الدؤلي من قصيدته المشهورة "ذوات الأمثال": [من الكامل]
وَالنَّاسُ قَدْ صارُوا بَهائِمَ كُلُّهُمْ ... وَمَعَ البَهائِمِ فاتِكٌ وَزَعِيمُ
صُمٌّ وَبُكْمٌ لَيْسَ يُرْجَى نَفْعُهُمْ ... وَزَعِيمُهُمْ فِي النَّائِباتِ مَلُومُ
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله ﷺ : "يَخْرُجُ فيْ آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتَلِسُوْنَ الدُّنْيَا بِالدِّيْنِ، يَلْبَسُوْنَ لِلنَّاسِ جُلُوْدَ الضَّأنِ مِنَ اللبنِ، ألسِنتهُمْ أَحْلَىْ مِنَ العَسَلِ، وَقُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الذِّئَابِ، يَقُوْلُ اللهُ تَعَالىْ: أَفَبِيْ يَغْتَرُّوْنَ، أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُوْنَ؟ لأَبْعَثَنَّ عَلَىْ أُوْلَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيْمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ" (١).
стр. 5977
وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتي زَمَانٌ عَلَىْ النَّاسِ هُمْ ذِئَابٌ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذِئْبًا أَكَلَتْهُ الذِّئَابُ" (١).
وفي رواية تقدمت: "فَمَنْ لمَ يَكُنْ لَهُ ذِئْبٌ أَكَلَتْهُ الذِّئَابُ" (٢).
وليس المراد إرشاد الإنسان إلى التذاؤب، بل هو من باب المشاكلة؛ أي: مَنْ لم يُخفْ الناس بجرأته وبتوعِيْدهم بعقوبته، طَمِعُوا في ظلمه واستهانوا به.
ونظيره قول ابن دريد:
مَنْ ظَلَمَ النَّاسَ تَحامَوْا ظُلْمَهُ ... وَعَزَّ عَنْهُمْ جانِباهُ وَاحْتَمَى
وروى الخطابي عن ابن أبي ليلى قال: سيأتي على الناس زمانٌ يقال له: زمان الذئاب، فمَنْ لم يكن في ذلك الزمان كلباً أكلوه.
قال قتيبة بن سعيد: وهو هذا الزمان (٣).
قلت: إذا كان قتيبة - وهو من شيوخ البخاري ومسلم - قد نزَّل الحديث على أهل زمانه، فكيف بأهل زماننا؟ وقد مضى بعد زمان قتيبة نحو ثمان مئة عام.
وفي هذا المعنى يقول القائل:
стр. 5978
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَقْرباً يَتَّقِي ... سَعَتْ بَيْنَ أَثْوابِهِ العَقْرَبُ (١)
وليس في ذلك كله رخصة في الظلم والعدوان والأذية، ولكن من باب المشاكلة.
والمراد أن يكون للرجل قوة وشوكة يدفع بها ظلم الجبارين عنه؛ فافهم!
وروى الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يُرَبِّي الرَّجُلُ فِيْهِ جَرْوًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُرَبِّيَ وَلَدًا" (٢).
والجرو - مثلث الجيم -: الصغير من أولاد الكلاب وسائر السباع.
وفي المثل: لا تقتني من كلب سوءٍ جَرْواً.
قال الزمخشري: يُضرب في اصطناع من لا عرق له، انتهى (٣).
واقتناء المال وغيره: اتخاذه.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى في "طبقاته": أنشدنا قاضي بلدنا أبو علي الداودي قال: أنشدنا أبو الفرج؛ يعني:
стр. 5979
المعافى بن زكريا النهرواني: [من الوافر]
أَأَقْتَبسُ الضِّياءَ مِنَ الضَّبابِ ... وَأَلْتَمِسُ الشَّرابَ مِنَ السَّرابِ
أُرِيدُ مِنَ الزَّمانِ النَّذْلِ بَذْلاً ... وَأَرْياً مِنْ جَنَى سَلْع وَصابِ
أَأَرْضَى أَنْ أُلاقِي لاشْتِياقِي ... خِيارَ النَّاسِ فِي زَمَنِ الْكِلابِ (١)
وللوزير المغربي: [من الطويل]
أَرى النَّاسَ فِي الدُّنْيا كَراعٍ تَنَكَّرَتْ ... مَرَاعِيهِ حَتَّى لَيْسَ فِيهِنَّ مَرْتَعُ
فَماءٌ بِلا مَرْعًى وَمَرْعًى بِغَيْرِ ما ... وَحَيْثُ تَرى ماءً وَمَرْعًى فَمَسْبَعُ (٢)
وفي "روض الرياحين" لليافعي: أنَّ مالك بن دينار قال للسمنون المجنون: لِمَ لا تُجالس الناس وتُخالطهم؟ فأنشأ يقول: [من مجزوء الخفيف]
كُنْ مَعَ النَّاسِ جانِباً ... وَارْضَ بِاللهِ صاحِبا
قَلِّبِ النَّاسَ كَيْفَ شِئْـ ... ـتَ تَجِدْهُمْ عَقَارِبا (٣)
وروى الحافظ عبد الكريم بن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد"
стр. 5980
عن أبي الفتح بن الحسن المذكر: أنه أنشد لبعضهم: [من مجزوء الخفيف]
كُنْ مِنَ النَّاسِ هارِباً ... كَيْ يَعُدُّوكَ راهِبا
إِنَّ دَهْراً أَظَلَّني ... قَدْ أرانِي عَجائِبا
قَلِّبِ النَّاسَ كَيْفَ شِئْـ ... ـتَ تَجِدْهُمْ عقارِبا
ارْضَ بِاللهِ صاحباً ... وَدعَ النَّاسَ جانِبا (١)
ولابن العميد في معنى أخص من ذلك: [من مجزء الكامل المرفّل]
آخِ الرِّجالَ مِنَ الأَبا ... عِدِ وَالأَقارِبَ لا تُقارِبْ
إِنَّ الأَقارِبَ كَالْعَقا ... رِبِ، بَلْ أَضَرُّ مِنَ العَقارِبْ (٢)
وقال غيره: [من الخفيف]
لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ الْخَلاصُ مِنَ النَّا ... سِ وَقَدْ أَصْبَحُوا ذِئابَ اعْتِداءِ
قُلْتُ لَمَّا بَلاهُمُ صِدْقُ قَوْلي ... رَضِيَ اللهُ عَن أبِي الدَّرْداءِ
لمَّح يقول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: كان الناس ورقاً لا شوك فيه، والناسُ اليوم شوكٌ لا ورق فيه (٣).
стр. 5981
أو بقوله: اتقوا الله واحذروا الناس؛ فإنهم ما ركبوا ظهر بعيرٍ إلا أدبروه، ولا ظهر جوادٍ إلا عَقَروه، ولا قلب [مؤمن] إلا خربوه (١).
أو بالحديث السابق الذي رواه عن النبي ﷺ أنه قال: "وَجَدْتُ النَّاسَ: اخْبُرْ تَقْلُهُ، وَثِق بِالنَّاسِ رُوَيْدًا" (٢).
ورواه عنه العسكري في "الأمثال" قال: قال رسول الله ﷺ : "اخْبُرْ تَقْلُهُ" (٣).
قال العسكري: قال معاوية - يعني: ابن سعيد أحد رواته -: إذا عاملت الرجل عرفته.
قال: نظمه أبو العتاهية، فقال: [من مجزوء الخفيف]
اُبْلُ مَنْ شِئْتَ تَقْلُهُ ... عَمَّا قَلِيلٍ لِفِعْلِهْ
وَتُبْدِ لَهُ هَجْرَهُ ... بَعْدَ وِدِّهِ وَوَصْلِهْ
ضاعَ مَعْرُوفُ واضعِ الْـ ... ـمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ أَهْلِهْ
ومثل هذا الحديث ما رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: قال
стр. 5982
رسول الله ﷺ : "النَّاسُ كَإِبِلِ مِئَةٍ؛ لا تَجِدُ فِيْهِمْ رَاحِلَة" (١).
يعني: إنَّ المرضي منهم قليل.
وفي معنى الحديث المثل السائر: وأي الرجال المهذب.
وأول مَنْ قاله النابغة الذبياني، واسمه زياد بن معاوية بن ضباب: [من الطويل]
فَلا تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأَنَّنِي ... إِلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أَجْرَبُ
وَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخاً لا تَلُمُّهُ ... عَلى شَعَثٍ، أَيّ الرِّجالِ الْمُهَذَّبُ
وروى الخطابي في "العزلة" عن سهل بن سعد السَّاعدي رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّاسُ كَأَسْنَانِ المِشْطِ" (٢).
وفيه كما قال الخطابي وجهان:
الأول: أنهم متساوون في الأحكام، لا يتفاوت منها شريفٌ عن وضيع لشرفه، ولا وضيعٍ عن شريفٍ لِضِعَتِه.
والثاني: أنَّ ذلك ذم؛ أي: إنهم سواء في أن الغالب عليهم النقص؛ كقولهم إذا ذموا قبيلة: هم سواسية كأسنان الحمار (٣).
стр. 5983
قال الزمخشري: يُقال: هم سواسية، وسواسوة، وسوىً سية؛ أي: متساوون في الشر (١).
قال كُثيِّر: [من الطويل]
سَواءٌ كَأَسْنانِ الْحِمارِ فَلا تَرى ... لِذِي شَيْبَةٍ مِنْهُمْ عَلى ناشِئٍ فَضْلا
وأنشده غير الزمخشري: سواس كأسنان الحمار ... إلخ.
وهو جمع: سي؛ بمعنى: مثل؛ فإنه يُجمع على أسواء، وسواسية، وسواس، وسواسوة كما في "القاموس" (٢).
قال صاحب "الصحاح": وهما في الأمر سواء، وإنْ شئت سواءان، وهم سواء للجمع، وهم أسواء، وهم سواسية - مثل ثمانية - على غير قياس (٣).
قال الأخفش: وزنه: فعافلة، ذهب عنها الحرف الثالث، وأصله الياء.
ومما أنشده الخطابي في "العزلة" - وقد بين هذا المعنى الذي أشرنا إليه - قولُ أبي العباس الناشئ: [من المتقارب]
خَبَرْتُ الأَنامَ فَما إِنْ وَجَدْتُ ... عَلى مِحْنَةٍ مَنْ يُساوِي نَقِيرا
стр. 5984
فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ أَنِّي الْتَمَسْتُ ... مِنَ النَاسِ شَيْئاً بَعِيداً عَسِيرا
فَزَعْتُ إِلَى الأُنْسِ بِالإنْفِرادِ ... فَكانَ التَّقَلُّلُ مِنْهُمْ كَثِيرا (١)
وأنشد المنصور بن إسماعيل الفقيه التميمي: [من مجزوء الخفيف]
إِنَّما النَّاسُ فُزعةٌ ... لَيْسَ فِي النَّاسِ مَفْزعُ
ذُمَّ مَنْ شِئْتَ مِنْهُمُ ... فَهْوَ لِلذَّمِّ مَوْضعُ (٢)
الفزعة - بضم الفاء -: مَنْ يُفْزَع منه.
والمفزع: الملجأ.
وروى الخطابي عن إبراهيم بن شماس قال: قال لي حفص بن حميد الأكاف: يا إبراهيم! صَحِبْتُ الناسَ خمسين سنة، فلم أجد منهم من سَتَرَ لي عورة، ولا وَصَلَنِي إذا قطعته، ولا أَمِنْته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمقٌ كبير (٣).
قال الخطابي: أنشدني بعض أصحابنا قال: أنشدنا ابن الأنباري: [من مجزوء الرمل]
لَيْسَ لِلنَّاسِ وَفاءٌ ... لا وَلا فِي النَّاسِ خَيْرُ
стр. 5985
قَدْ بَلَوْنا النَّاسَ فَالنَّا ... سُ كَسِيرٌ وَعُوَيرُ (١)
قال الجوهري: ويقال في الخصلتين المكروهتين: كسير وعوير، وكل غير خير، وهو تصغير أعور مرخماً (٢).
وروى الخطابي عن الزبير بن بكَّار: أنه أنشد لأبي همدة مولى المزنيين: [من الخفيف]
إِخْوَةٌ ما حَضَرْتُ سُرُّوا بِزَوْرِي ... فَإِذا غِبْتُ فَالسِّباعُ الْجِياعُ
بايَنُونِي حَتَّى إِذا بايَنُونِي ... حانَ مِنْهُمْ تَضاؤُلٌ وَاخْتِناعُ
فَهُمُ يَغْمِزُونَ مِنِّي قناةً ... لَيْسَ يِأْلُونَ صَدْعَها ما اسْتَطاعُوا
ما كَذا تَفْعَلُ الكِرامُ وَلَكِنْ ... هَكَذا تَفْعَلُ اللِّئامُ الوِضَاعُ (٣)
وقال: أنشدني بعض أهل الأدب لعبد الله بن المعتز: [من الوافر]
وَأَبْعَدَنِي عَنِ الإِخْوانِ عِلْمِي ... بِهِمْ، فَبَقِيتُ مَهْجُورَ النواحِ
وَكَمْ ذَمٍّ لَهُمْ فِي جَنْبِ مَدْحٍ ... وَجِدٍّ تَحْتَ أثوابِ الْمزاحِ (٤)
قلت: ولنا في هذا الباب؛ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١]: [من الوافر]
стр. 5986
لَقَدْ أَصْبَحْتُ مَهْجُورَ النَّواحِي ... مِنَ الإِخْوانِ مَقْصُوصَ الْجَناحِ
فَلا خِلٌّ يُوافِقُنِي على ما ... يُؤَدِّينِي إِلَى حالِ الفَلاحِ
إِذا لاقَيْتُهُمْ بِالْجِدِّ قالُوا ... بِجِدِّي يَرْجِعُونَ إِلَى الْمزاحِ
لِذَلِكَ قَدْ عَدَلْتُ إِلَى انْفِرادِي ... بِمَطْلُوبِي، وَعُدْتُ إِلَى ارْتِياحِ
فَلا أُصْغِي إِلَى ما هُمْ عَلَيْهِ ... وَلا أُصْغِي إِلَى مَلْحاةِ لاحِي
وقال الخطابي: أخبرني محمد بن إبراهيم المكتب، قال: حدثنا
سكن قال: حدثنا عيسى بن أبي موسى الأنصاري قال: سمعت
سليمان بن موسى يُنشد: [من الخفيف]
حالَ عَمَّا عَهِدْتُ رَيْبُ الزَّمانِ ... وَاسْتحالَتْ مَوَدَّةُ الإِخْوانِ
وَاسْتَوى الناسُ فِي الْخَدِيعَةِ وَالْمَكْـ ... ـرِ فَكُلٌّ لِسانُهُ إثْنانِ
فَلَعَمْرِي لَئِنْ بَلَوْتُ النَّاسَ ... وِدًّا وَجَدْتُ ذا أَلْوانِ (١)
قال: وأنشدني ابن أبي الدنيا قال: أنشدني أعرابي من بني أسد: [من الوافر]
أَلا ذَهَبَ التَّكَرُّمُ وَالْوَفاءُ ... وَبادَ رِجالُهُ وَبَقِيْ العَناءُ
وَأَسْلَمَنِي الزَّمانُ إِلَى أُناسٍ ... كَأَنَّهُمُ الذِّئابُ لَهُمْ عُواءُ
إِذا ما جِئْتُهُمْ يَتَدافَعُونِي ... كَأَنِّي أَجْرَبٌ أَعْيَاهُ داءُ
стр. 5987
أَوِ دَّاءٌ إِذا اسْتَغْنَيْتُ عَنْهُمْ ... وَأَعْداءٌ إِذا نَزَلَ البَلاءُ
أقولُ وَلا أُلامُ عَلى مَقالِي ... عَلى الإِخْوانِ كُلِّهِمُ العَفاءُ (١)
ولا شك أنَّ الأخوة الحقيقية لا تذم، ولا يُقال على الإخوان المنصفين بها العفاء، ولكن لمَّا قلَّ الإخوان الحقيقيون الأخوة حتى صارُوا أعزَّ شيءٍ موجوداً وملحقين بالعدم، استعاروا للمعارف اسم الإخوان، ثم كانوا لا يكادون يجدون السوء إلا من المعارف؛ كما قال بعض السلف: ما وجدْتُ ضرراً قط إلا ممن عرفت.
وقال آخر: [من مجزوء الخفيف]
جَزَى اللهُ خَيْراً كُـ ... ـلَّ مَنْ لَسْتُ أَعْرِفُ
فأطلقوا الذمَّ على اسم الإخوان، وعليه يحمل كل ما في ذلك.
وروى الخطابي في "العزلة" عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه قال: كنا نتحدث أنَّ أمر هذه الأمة سيرجع أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة (٢).
ثم قال الخطابي: أنشدني التمار النحوي قال: أنشدنا ابن الأنباري لأبي حازم: [من المنسرح]
إِخْوانُ هَذا الزَّمانِ كُلُّهُمُ ... إِخْوانُ غَدْرٍ عَلَيْهِ قَدْ جُبِلُو
أَخُوهُمُ الْمُسْتَحِقُّ وَصْلَهُمُ ... مَنْ أَكَلُوا عِنْدَهُ وَمَنْ أَكَلُوا
стр. 5988
طَوَوْا ثِيابَ الْوِصالِ بَيْنَهُمُ ... فَصارَ ثَوْبُ الرِّياءِ يُبْتَذَلُ
وَلَيْسَ فِيما رَأَيْتُ بَيْنَهُمُ ... وَبَيْنَ مَنْ كانَ مُعْدِماً عَمَلُ
فَاحْفَظْ مِنَ النَّاسِ إنْ ظَفِرْتَ بِهِ ... مَنْ لَمْ يَكُنْ إِخاؤُهُ دَخَلُ (١)
وقال: سمعتُ أبا جعفر العتبي يُنشد لعلي بن الجهم، قلت: ولقد أجاد فيما شاد: [من الوافر]
تَوَقَّ النَّاسَ يا ابْنَ أَبِي وَأُمِّي ... فَهُمْ تَبَعُ الْمَخافَةِ وَالرَّجاءِ
أَلَمْ تَرَ مُظْهِرينَ عَلَيَّ عَيْباً ... وَكانُوا أَمْسِ إِخْوانَ الصَّفاءِ
بُلِيْتُ بِنَكْبَةٍ فَغَدَوْا وَراحوا ... عَلَيَّ أَشَدَّ أَسْبابِ القَضاءِ
أَبَتْ أَقْدارُهُمْ أَنْ يَنْصُرونِي ... بِجاهٍ أَوْ بِمالٍ أَوْ بِراءِ
وَخافُوا أَنْ يُقالَ لَهُمْ: خَذَلْتُم ... صَدِيقاً فَادَّعَوْا قِدَمَ الْجَفاءِ (٢)
وقال: حدثنا الخلدي جعفر بن محمد بن نصير: ثنا أحمد بن مسروق الطوسي: ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو عبد الله النباحي رحمه الله تعالى: [من الرجز]
ارْفُضِ النَّاسَ وَكُلَّ مَشْغَلَةْ ... قَدْ بَخِلَ النَّاسُ بِمِثْلِ الْخَرْدَلَةْ
لا تَسْأَلِ النَّاسَ وَسَلْ مَنْ أَنْتَ لَهْ (٣)