← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

لَقَدْ أَصْبَحْتُ مَهْجُورَ النَّواحِي ... مِنَ الإِخْوانِ مَقْصُوصَ الْجَناحِ فَلا خِلٌّ يُوافِقُنِي على ما ... يُؤَدِّينِي إِلَى حالِ الفَلاحِ إِذا لاقَيْتُهُمْ بِالْجِدِّ قالُوا ... بِجِدِّي يَرْجِعُونَ إِلَى الْمزاحِ لِذَلِكَ قَدْ عَدَلْتُ إِلَى انْفِرادِي ... بِمَطْلُوبِي، وَعُدْتُ إِلَى ارْتِياحِ فَلا أُصْغِي إِلَى ما هُمْ عَلَيْهِ ... وَلا أُصْغِي إِلَى مَلْحاةِ لاحِي وقال الخطابي: أخبرني محمد بن إبراهيم المكتب، قال: حدثنا سكن قال: حدثنا عيسى بن أبي موسى الأنصاري قال: سمعت سليمان بن موسى يُنشد: [من الخفيف] حالَ عَمَّا عَهِدْتُ رَيْبُ الزَّمانِ ... وَاسْتحالَتْ مَوَدَّةُ الإِخْوانِ وَاسْتَوى الناسُ فِي الْخَدِيعَةِ وَالْمَكْـ ... ـرِ فَكُلٌّ لِسانُهُ إثْنانِ فَلَعَمْرِي لَئِنْ بَلَوْتُ النَّاسَ ... وِدًّا وَجَدْتُ ذا أَلْوانِ (١) قال: وأنشدني ابن أبي الدنيا قال: أنشدني أعرابي من بني أسد: [من الوافر] أَلا ذَهَبَ التَّكَرُّمُ وَالْوَفاءُ ... وَبادَ رِجالُهُ وَبَقِيْ العَناءُ وَأَسْلَمَنِي الزَّمانُ إِلَى أُناسٍ ... كَأَنَّهُمُ الذِّئابُ لَهُمْ عُواءُ إِذا ما جِئْتُهُمْ يَتَدافَعُونِي ... كَأَنِّي أَجْرَبٌ أَعْيَاهُ داءُ

стр. 5987

أَوِ دَّاءٌ إِذا اسْتَغْنَيْتُ عَنْهُمْ ... وَأَعْداءٌ إِذا نَزَلَ البَلاءُ أقولُ وَلا أُلامُ عَلى مَقالِي ... عَلى الإِخْوانِ كُلِّهِمُ العَفاءُ (١) ولا شك أنَّ الأخوة الحقيقية لا تذم، ولا يُقال على الإخوان المنصفين بها العفاء، ولكن لمَّا قلَّ الإخوان الحقيقيون الأخوة حتى صارُوا أعزَّ شيءٍ موجوداً وملحقين بالعدم، استعاروا للمعارف اسم الإخوان، ثم كانوا لا يكادون يجدون السوء إلا من المعارف؛ كما قال بعض السلف: ما وجدْتُ ضرراً قط إلا ممن عرفت. وقال آخر: [من مجزوء الخفيف] جَزَى اللهُ خَيْراً كُـ ... ـلَّ مَنْ لَسْتُ أَعْرِفُ فأطلقوا الذمَّ على اسم الإخوان، وعليه يحمل كل ما في ذلك. وروى الخطابي في "العزلة" عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه قال: كنا نتحدث أنَّ أمر هذه الأمة سيرجع أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة (٢). ثم قال الخطابي: أنشدني التمار النحوي قال: أنشدنا ابن الأنباري لأبي حازم: [من المنسرح] إِخْوانُ هَذا الزَّمانِ كُلُّهُمُ ... إِخْوانُ غَدْرٍ عَلَيْهِ قَدْ جُبِلُو أَخُوهُمُ الْمُسْتَحِقُّ وَصْلَهُمُ ... مَنْ أَكَلُوا عِنْدَهُ وَمَنْ أَكَلُوا

стр. 5988

طَوَوْا ثِيابَ الْوِصالِ بَيْنَهُمُ ... فَصارَ ثَوْبُ الرِّياءِ يُبْتَذَلُ وَلَيْسَ فِيما رَأَيْتُ بَيْنَهُمُ ... وَبَيْنَ مَنْ كانَ مُعْدِماً عَمَلُ فَاحْفَظْ مِنَ النَّاسِ إنْ ظَفِرْتَ بِهِ ... مَنْ لَمْ يَكُنْ إِخاؤُهُ دَخَلُ (١) وقال: سمعتُ أبا جعفر العتبي يُنشد لعلي بن الجهم، قلت: ولقد أجاد فيما شاد: [من الوافر] تَوَقَّ النَّاسَ يا ابْنَ أَبِي وَأُمِّي ... فَهُمْ تَبَعُ الْمَخافَةِ وَالرَّجاءِ أَلَمْ تَرَ مُظْهِرينَ عَلَيَّ عَيْباً ... وَكانُوا أَمْسِ إِخْوانَ الصَّفاءِ بُلِيْتُ بِنَكْبَةٍ فَغَدَوْا وَراحوا ... عَلَيَّ أَشَدَّ أَسْبابِ القَضاءِ أَبَتْ أَقْدارُهُمْ أَنْ يَنْصُرونِي ... بِجاهٍ أَوْ بِمالٍ أَوْ بِراءِ وَخافُوا أَنْ يُقالَ لَهُمْ: خَذَلْتُم ... صَدِيقاً فَادَّعَوْا قِدَمَ الْجَفاءِ (٢) وقال: حدثنا الخلدي جعفر بن محمد بن نصير: ثنا أحمد بن مسروق الطوسي: ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو عبد الله النباحي رحمه الله تعالى: [من الرجز] ارْفُضِ النَّاسَ وَكُلَّ مَشْغَلَةْ ... قَدْ بَخِلَ النَّاسُ بِمِثْلِ الْخَرْدَلَةْ لا تَسْأَلِ النَّاسَ وَسَلْ مَنْ أَنْتَ لَهْ (٣)

стр. 5989

وبالغ المتنبي في وصف أهل زمانه، فقال: [من الطويل] أَذُمُّ إِلَى هَذا الزَّمانِ أُهَيْلَه ... فَأَعْلَمُهُمْ فَذمٌ، وَأَحْزَمُهُمْ وَغْدُ وَأَكْرَمُهُمْ كَلْبٌ، وَأَبْصَرُهُمْ عَمٍّ ... وَأَسْهَدُهُمْ فَهْدٌ، وَأَشْجَعُهُمْ قِرْدُ وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيا عَلى الْمَرْءِ أَنْ يَرَى ... عَدُوًّا لَهُ ما مِنْ صَداقَتِهِ بُدُّ (١) وقال: [من البسيط] أَفاضِلُ النَّاسِ أَغْراضٌ لِذا الزَّمَنِ ... يَخْلُو مِنَ الْهَمِّ أَخْلاهُمْ مِنَ الفِطَنِ وَإِنَّما نَحْنُ فِي جِيلٍ كَواسِيَةٍ ... شَرٍّ عَلى الْحُرِّ مِنْ سُقْمٍ عَلى بَدَنِ حَوْلي بِكُلِّ مَكانٍ مِنْهُمُ خَلْقٌ ... تُخْطِيْ إِذا جِئْتَ فِي استفهامها بِمَنِ لا أَفْتَرِي بَلَداً إِلاَّ عَلى غررٍ ... وَلا أَمُرُّ بِخَلْقٍ غَيْرِ مُضْطَغَنِ وَلا أعاشرُ مِنْ أَمْلاكِهِمْ أَحداً ... إِلاَّ أَحَقَّ بِضَرْبِ السَّيْفِ مِنْ وَثَنِ إِنِّي لأَعْذُرُهُمْ مِمَّا أُعَنِّفُهُمْ ... حَتَّى أُعَنِّفَ نَفْسِي فِيْهِمْ وأَنِّيْ فَقْرُ الْجَهُولِ بِلا قَلْب إِلَى أَدَبٍ ... فَقْرُ الْحِمارِ بِلا رَأْسٍ إِلَى رَسَنِ وَمُدْقِعينَ بِسبروتٍ صَحِبْتُهُمُ ... عارِينَ مِنْ حُلَلٍ، كاسِينَ مِنْ دَرَنِ خرابُ بادِيَةٍ غَرْثَى بُطُونُهُمُ ... [مكن الضَّبابِ لهم زادٌ بلا ثَمنِ يستخبرونَ فلا أُعْطِيهمُ خَبري] ... وَما يَطَيْشُ لَهُمْ سَهْمٌ مِنَ الظَّننِ

стр. 5990

وَخلةٍ مِنْ جَلِيسٍ أَتَّقِيهِ بِها ... كَيْلا يُرى أَنَّنا مِثْلانِ فِي الوَهَنِ (١) وأحسن ما قيل: [من البسيط] غَيْرِي بِأَكْثَرِ هَذا النَّاسِ يَنْخَدِعُ ... إِنْ قاتَلُوا جَبُنوا أَوْ حَدَّثوا شَجُعُوا أَهْلُ الْحَفِيظَةِ إِلاَّ أَنْ تُجَرِّبَهُمْ ... وَفِي التَّجارِبِ بَعْدَ العَيِّ ما يَزَغُ (٢) وأجاد مهيار في قوله: [من مخلَّع البسيط] وَلائمٍ فِي عُزوفِ نَفْسِي ... قُلْتُ لَهُ أَنتَ وَالْخُطُوبُ عَساك خُبْراً بِالنَّاسِ مِثْلِي ... إِنْ رَدَّ من عِلْمِكَ الغَرِيبُ فَفِي قِلى مَنْ تُراكَ تَلحى ... مِنْهُمْ وَفِي تَرْكِ مَنْ تَعِيبُ اللهُ لِي إِنْ طَرَحْتُ عِرْضِي ... آكِلَةُ آمالهِمْ حَسِيبُ قَدْ كُنْتُ أَبْكِي وَهُمْ فروقٌ ... شَتَّى، وَأَشْكُو وَهُمْ ضروبُ فَما أَرى مِنْهُمُ بَرِيئاً ... يَخْشى افْتِضاحاً بِهِ الْمريبُ وما أحسن قوله: [من الوافر] أُقضِّي ما أُغالِطُ مِنْ زَمانٍ ... بِلَوْعاتٍ تَكادُ عَلَيَّ تَقْضِي

стр. 5991

وَمَسْبُوقِينَ فِي طُرُقِ الْمَعالِي ... وَإِنْ زُجِروا بِحَثٍّ أَوْ بِحَضِّ أُصاحِبُهُمْ فيُمْسِي الوِدُّ عَنْهُمْ ... عَلى زَلَقٍ مِنَ الشَّحْناءِ دَحْضِ وَأُبْرِمُ فِيهِمْ مِدَحاً مِتاناً ... فتَلْقاها مَعانِيهِمْ بِنَقْضِ وله أيضاً: [من الرجز] مَنْ لَكَ بِالنَّاسِ وَلا ناسَ لَهُمْ ... إِلاَّ كَلامَ الْخَدِعِ الْمُكاثِرِ نَفْسَكَ صُنْ لَيْسَ أَخُوكَ غَيْرَها ... فَقالِلِ النَّاسَ بِها أَوْ كاثِرِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ عِزَّها قنوعُها ... بِرِزْقِها الْمَيْسورِ فِي الْمعاشرِ وَإِنْ وَصَلْتَ فَأَخاً مُصَافِياً ... صَحَّ عَلى التَّجْرِيبِ وَالْمخابرِ أخٌ ترى لِوَجْهِهِ قَبْلَ الْجدى ... أَسِرَّةً تَلْقاكَ بِالْبَشائِرِ قلت: وقد ذيَّلت عليه بقولي: [من الرجز] مَنْ لِي بِهَذا الأَخِ لَوْ أَبْصَرْتُهُ ... أَصْفَيْتُهُ بِباطِنِي وَظاهِرِي وَكُنْتُ مِنْهُ بِمَكانِ العَيْنِ مِنْ ... إِنْسانِها وَالْقَلْبِ مِنْ بَصائِرِي أَرْعاهُ مِثْلَما رَعَى الظَّبْيُ الرَّشا ... وَالوِدُّ أدْنَى رَحِمٍ وَناصرِ لَكِنَّهُ أَعَزُّ مِنْ عَنْقاءَ مُغْـ ... ـربٍ وَأَخْفَى مِنْ خَفِيِّ الْخاطِرِ وروى البيهقي في "الزهد" عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إذا رأيتَ الأسد فلا يهولنك، وإذا رأيتَ إنساناً فخذ

стр. 5992

ثوبك وفِرَّ (١). وروى أبو نعيم عن ابن المبارك رحمه الله تعالى: فرَّ من الناس كفرارك من الأسد (٢). وقال الخطابي: حدثنا عن الشافعي ﵁ أنه قال: ما أشبه هذا الزمان إلا بما قال تَأَبَّطَ شرًّا: [من الطويل] عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأنَسْتُ لِلذِّئْبِ إِذْ عَوى ... وَصَوَّتَ إِنْسانٌ فَكِدْتُ أَطِيرُ (٣) قال: وأنشدني الآبري لمنصور بن إسماعيل: [من المجتث] النَاسُ بَحْرٌ عَمِيقٌ ... وَالبُعْدُ عَنْهُمْ سَفِينَةْ وَقَدْ نَصَحْتُكَ فانْظُرْ ... لِنَفْسِكَ الْمِسْكِينَة قال: وأَنْشَدُونا له:

стр. 5993

كُلُّ مَنْ أَصْبَحَ فِي دَهـ ... ـرِكَ مِمَّنْ [قد] تَراهْ فَهْوَ مِنْ خَلْفِكَ مِقْـ ... ـراضٌ وَفِي الْوَجْهِ مِرَاةْ (١) قال الخطابي: والمثل من قديم الدهر: ما لقي الناس من الناس. انتهى (٢). وقلت مضمناً: [من الرجز] إنَّ بَلاءَ النَّاسِ بِالنَّاسِ ... ما لَقِيَ النَّاسُ مِنَ النَّاسِ أو يُقال: ما لَقِيَ النَّاسُ مِنَ النَّاسِ ... إِنَّ بَلاءَ النَّاسِ بِالنَّاسِ فَاحْذَرْ مِنَ النَّاسِ وَلا تَغْدُ لِلـ ... أَمْرِ الَّذِي أوْصيتَ بِالنَّاسِ وروى الخطابي، وأبو نعيم عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: [من البسيط] لَيْتَ الْكِلابَ لَنا كانَتْ مُجاوِرَةً ... وَلَيْتَنا لا نَرى مِمَّنْ نَرى أَحَداً إِنَّ الْكِلابَ لَتُهْدا فِي مَرابِضِها ... وَالنَّاسُ لَيْسَ بهادٍ شَرُّهُمْ أَبداً فَانجُ بِنَفْسِكَ وَاسْتَأْنِسْ بِوَحْدَتِها ... أَنْتَ السَّعِيدُ إِذا ما كُنْتَ مُنْفَرِداً (٣)

стр. 5994

وأنشد الخطابي في المعنى لبعض أهل عصره: [من البسيط] شَرُّ السِّباعِ الضَّوارِي دُونَهُ وَزَرُ ... وَالنَّاسُ شَرُّهُمْ ما دُونَهُ وزَرُ كَمْ مَعْشَرٍ سَلِموا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبُعٌ ... وَما تَرى بَشَراً لَمْ يُؤْذِهِ بَشَرُ (١) وقال آخر؛ أنشده الدميري والسيوطي: [من الكامل] وَالنَّاسُ أَهْدى فِي القَبِيحِ مِنَ القَطا ... وَأَضَلُّ فِي الْحُسْنَى مِنَ الغِرْبانِ (٢) وروى الخطابي عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: اعلموا أنَّ الناس شجرة بغي، وفراش نار، وذبان طمع؛ إنَّ الدنيا لمَّا فتحت على أهلها كَلَبوا - والله - أسوأَ الكَلَب حتى غار بعضهم على بعض بالسيوف، واستقل بعضهم حرمة بعض، تجانفوا على قبيحةٍ كسبوها من كل حرام، وأنفقوها في كل شر، وطبقوا الأرض ظلماً (٣). قال الخطابي: وقرأت لمنصور بن عمار رحمه الله تعالى في صفة الزمان فقال: تغير الزمان حتى كَلَّ عن وصفه اللسان، فأمسى خَرِفاً بعد حداثته، شرساً بعد لِيْنه، يابس الضرع بعد غزارته، يابس الفرع بعد نضارته، قاحل العود بعد رطوبته، بشع المذاق بعد عذوبته، فلا نكاد نرى لبيباً إِلاَّ ذا كمد، ولا ظريفاً واثقاً بأحد، وما أصبح له حليفاً

стр. 5995

إلا جاهل، ولا أمسى به قرير عين إلَّا غافل، فما بقي من الخير إلا الاسم، ولا من الدين إلا الرسم، ولا من التواضع إلا المخادعة، ولا من الزهادة إلا الانتحال، ولا من المروءة إلا عذوبة اللسان، ولا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا حمية النفس، والغضب لها، وتضلع الكبر منها، ولا من الاستفادة إلا التعزز والتبجل، ولا من الإيمان إلا التراؤس، والتجلل بالغرور المائق المذموم عند الخلائق، النادم من العواقب، المحظوظ عن المراتب، من اغترَّ ولم يحسم رجاءَه باليأس، ولم يطلق قلبه بشدة الاحتراس. فالحذرَ الحذرَ من الناس؛ فقد أفلَ الناس وبقي النسناس، ذئاب عليهم ثياب، إنْ استرفدتهم حرموك، وإن استنصرتهم خذلوك، وإن استنصحتهم غشوك، وإن كنت شريفاً حسدوك، وإن كنت وضيعاً حقروك، وإن كنت عالماً ضللوك وبدَّعوك، وإن كنت جاهلاً عيروك ولم يرشدوك، وإن نطقت قالوا: مِهْذار مِكثار وصَفيق، وإن سكتَّ قالوا: عَمى بطيء وبَلِيْد، وإن تعمقت قالوا: متكلف متعمق، وإن تغافلت قالوا: جاهل أحمق؛ فمعاشرتهم داءٌ وشقاء، ومزايلتهم دواءٌ وشفاء، ولا يؤمن أن يكون في الداء مرارة وكراهة، فاختاروا الدواء بمرارته وكراهته على الداء لغائلته وافته؛ والله المستعان (١)! وقال الخطابي: أنشدني أبو رجاء الغنوي قال: أنشدني العتبي

стр. 5996

من قصيدة له: [من الرجز] إِنِّي تَبَدَّلْتُ بِإِخْوانِ الصَّفا ... قَوْماً يَرَوْنَ النُّبْلَ تَطْوِيلَ اللِّحى لا عِلْمَ دُنيا عِنْدَهُمْ وَلا تُقَى ... غُذُّوا صِغاراً ثُمَّ خَلُّوهُمْ سُدَى يَغْمُرُهُ الْجَهْلُ وَآدابُ النِّسا ... فَلَوْ تَرى شَيْخَهُمُ إِذا احْتَبَى ثُمَّ ابْتَدَا فِي وَصْفِ شَيْءٍ وَبَدا ... مِنْ رخْصِ أَسْعارٍ وَمِنْ فَرْطِ غَلا وَرَفَعُوا أَصْواتَهُمْ بُكًى وَلا ... حَسِبْتَهُمْ ضَأناً تَناغَوْا بِثغا أَوْ سِرْبَ بَطٍّ جَاوَبَتْ سِرْبَ قَطا ... فَذَلِكَ الدَّأْبُ إِلَى وَقْتِ العِشا وَالقَلْبُ يَزْدادُ صَدًى إِلَى صَدى ... لِقُرْبِهِمْ وَالعِلْمُ يَزْدادُ فَنا وَكُلُّهُمْ فِي العِلْمِ يَمْشِي القَهْقَرى ... يُرِيدُ قُدَّاماً فَيَجْرِي مِنْ وَرا (١) وروى ابن عدي في "الكامل" عن سفيان بن عيينة قال: سمعت علي بن زيد بن جُدْعان سنة سبع وستين يقول: مثل النساء إذا اجتمعن بمنزلة البط؛ إذا صاحت واحدة صِحْن جميعاً (٢). وقال الدينوري في "المجالسة": أنشدنا ابن أبي الدنيا قال: أنشدني شيخ من الأزد: [من البسيط] قَدْ ضَيَّعَ اللهُ ما جَمَّعْتُ مِنْ أَدَبٍ ... بَيْنَ الْحَمِيْرِ وَبَيْنَ الشَّاءِ وَالْبَقَرِ

стр. 5997

أقولُ إِنْ سَكَتُوا أُنْسٌ، وَإِنْ نَطَقُوا ... قُلْتُ: الضَّفادِعُ بَيْنَ الْماءِ وَالشَّجَرِ لا يَسْمَعُونَ إِلَى شَيْءٍ أَجِيْءُ بِهِ ... وَكَيْفَ تَسْتَمعُ الأَنْعامُ لِلْبَشَرِ (١) وروى أبو نعيم عن أبي علي النيسابوري الفقيه: أن الشافعي رضي الله تعالى عنه لمَّا دخل مصر أتاه جُلُّ أصحاب مالك في مسائل، فتنكروا له وجَفَوه، فأنشأ يقول: [من الطويل] أَأَنثرُ دُرًّا بَيْنَ سارِحَةِ النَّعَمْ ... وَأَنْظُمُ مَنْثُوراً لِراعِيَةِ الغَنَمْ لَعَمْرِي لَئِنْ ضُيِّعْتُ فِي شَرِّ بَلْدَةٍ ... فَلَسْتُ مُضِيْعاً بَيْنَهُمْ غُرَرَ الْحِكَمْ فَإِنَّ فَرَّجَ اللهُ اللَّطِيفُ بِلُطْفِهِ ... وَصادَفْتُ أَهْلاً لِلْعُلُومِ وَلِلْحِكَمْ بَثَثْتُ مُفِيداً وَاسْتَفَدْتُ وِدادَهُمْ ... وَإِلاَّ فَمَخْزُونٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ وَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْماً أَضاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِيْنَ فَقَدْ ظَلَمْ (٢) وأنشد الإمام فخر الدين الرازي للإمام الشافعي ﵁ أيضاً: [من الوافر] نَعِيبُ زَماننَا وَالْعَيْبُ فِينا ... وَما لِزَمانِنا عَيْبٌ سِوانا وَقَدْ نَهْجُو الزَّمانَ بِغَيْر جُرْمٍ ... وَلَوْ نَطَقَ الزَّمانُ بِهِ هَجانا دِيانَتُنا التَّصَنُّعُ وَالتَّرائِي ... فَنَحْنُ بِهِ نُخادِعُ مَنْ يَرانا

стр. 5998

وَلَيْسَ الذِّئْبُ يَأْكُلُ لَحْمَ ذِئبٍ ... وَيَأْكُلُ بَعْضنا بَعْضاً عِياناً لَبِسْنا لِلتَّخادُعِ مَسْكَ ضَأنٍ ... فَوَيْلٌ لِلمُغِيْرِ إِذا أَتانا (١) وروى ابن عساكر عن الخطيب البغدادي قال: أنشدنا أبو عبد الله الصُّوري لنفسه: [من المجتث] نِعْمَ الأَنِيسُ الْكِتابُ ... إِنْ خانَكَ الأَصْحابُ يَحْوِي ضُروبَ عُلُومٍ ... تَزِيْنُها الآدابُ تَنالُ مِنْهُ فُنوناً ... تَحْظَى بِها وَتُثابُ لا مُظْهرٌ لَكَ سِرًّا ... وَلا عَلَيْهِ حِجابُ وَلا يَصُدُّكَ عَنْه ... إِنْ جِئْتَهُ بَوَّابُ وَلا يَسُوؤُكَ مِنْه ... تَقَطُّبٌ أَوْ عِتابُ وَلا يَعِيبُكَ إِنْ كا ... نَ فِيكَ شَيْءٌ يُعابُ خِلافَ قَوْمٍ تَراهُمْ ... لَيْسَتْ لَهُمْ أَلْبابُ لَكِنَّهُمْ كَذِئابٍ ... طُلْسٍ عَلَيْهِمْ ثِيابُ إِذا تَقَرَّبْتَ مِنْهُمْ ... أَرْضاكَ مِنْهُمْ خِطابُ وَإِنْ تَباعَدْتَ مِنْهُمْ ... فَكُلُّهُمْ مُغْتابُ

стр. 5999

ما هَؤُلاءِ بِناسٍ ... بَلْ هُمْ لَعَمْرِي كِلابُ فَالْبُعْدُ عَنْهُمْ ثَوابٌ ... وَالقُرْبُ مِنْهُمْ عِقابُ (١) ومن لطائف شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى: [من الخفيف] مَنْ عَذِيرِي مِنْ مَعْشَرٍ هَجَرُوا العقـ ... ـل وَحادُوا عَنْ طُرُقهِ الْمُسْتَقِيمَةْ لا يَرَوْنَ الإِنْسانَ قَدْ نالَ حَظًّا ... مِنْ صَلاحٍ حَتَّى يَكُونَ بَهِيمَةْ (٢) وأنشد القاضي أبو الحسن الماوردي في "أدبه" لأبي بكر بن دريد: [من مجزوء الكامل المرفّل] النَّاسُ مِثْلُ زَمانِهِمْ ... قُدَّ الْحذاءُ عَلى مِثالِهْ وَرِجالُ دَهْرِكَ مِثْلُ دَهْـ ... ـرِكَ فِي تَقَلُّبِهِ وَحالِه وَكَذا إِذا فَسَدَ الزَّمانُ ... جَرى الفَسادُ عَلى رِجالِهْ (٣) وروى الخطابي في "غريب الحديث" بإسناده، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: ما أنكرتم فيما غبرتم من أعمالكم؛ إنْ يك خيرًا فواهاً واهاً، وإنْ يك شرًّا فآهاً آهاً (٤).

стр. 6000

وروى أبو عمرو الداني في "الفتن" عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه كان يقول: ما أنكرتم من زمانكم فبسوء أعمالكم (١). وروى هو وأبو نعيم عن الشعبي رحمه الله تعالى قال: ما بكيت من زمانٍ إلا بكيت عليه (٢). وروى أبو عمرو عن ميسرة بن حليس قال: ما لنا لا يأتينا زمان إلا بكينا منه، ولا تولَّى عنا إلا بكينا عليه (٣). وقال أبو العتاهية: [من مخلع البسيط] يا رَبِّ لَمْ نَبْكِ مِنْ زَمانٍ ... إِلاَّ بَكَيْنا عَلى الزَّمانِ (٤) وذكر الإمام أبو سعيد عبد الملك بن محمد الخركوشي في كتاب "الشرف" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَيَأتِيَنَّ عَلَىْ النَّاسِ زَمَانٌ يَكُوْنُوْنَ عَلَىْ شِبْهِ أَسَدٍ، وَذِئْبٍ، وَكَلْبٍ، وَثَعْلَبٍ، وَخِنْزِيْرٍ، وَشَاةٍ. فَأَمَّا الأسدُ: فَمُلُوْكُ الدُّنْيَا يُغَيِّرُوْنَ سُنَنَهَا، وَيَدَعُوْنَ حُدُوْدَهَا، ويحَرِّمُوْنَ حَلالهَا، وَيُحِلُّوْنَ حَرَامَهَا، لا يَطْمَعُ أَحَدٌ فيْ فَرِيْسَتِهِ.

стр. 6001

وَأَمَّا الذِّئْبُ: فَالتَّاجِرُ الفَاجِرُ، يَذُمُّ إِذَا اشْتَرَىْ، وَيَمْدَحُ إِذَا بَاعَ. وَأَمَّا الكَلْبُ: فَالرَّجُلُ الْكَذَّابُ. وَأَمَّا الثَّعْلَبُ: فَالرَّجُلُ القَارِئُ الَّذِيْ يَأْكُلُ بِدِيْنِهِ. وَأَمَّا الخِنْزِيْرُ: فَالرَّجُلُ المُتَشَبِّهُ بِالنِّسَاءِ لا يَظْلِفُ نَفْسَهُ عَنْ شَيْءٍ. وَأَمَّا الشَّاةُ: فَالرَّجُلُ المُؤْمِنُ يُجَزُّ صُوْفُهُا، ويؤْكَلُ لَحْمُهَا، وَيُحْلَبُ لَبَنُهَا؛ فَكَيْفَ بِشَاةٍ بَيْنَ أَسَدٍ، وَذِئْبٍ، وَكَلْبٍ، وَثَعْلَبٍ، وَخِنْزِيْرٍ". وروى أبو عمرو الداني عن [إبرهيم بن] أبي عبلة قال: تقوم الساعة على أقوام أحلامهم أحلام العصافير (١). وفي كلام بعض السلف: لا يكون العبد من المتقين حتى يرى الناس كالأباعر في ذات الله تعالى (٢). أي: لا يتصورهم في فعل الطاعة لأجلهم، ولا في تركها لأجلهم. فأما ازدراء الناس فلا إلا أن يكون ازدراؤه لأهل المعصية منهم بزجرهم وتأديبهم، وازدراءُ أهل العلم والدين قبيحٌ مذموم.

стр. 6002

ومن لطائف ابن دقيق العيد: [من البسيط] أَهْلُ الْمَناصِبِ فِي الدُّنْيا وَرِفْعَتِها ... أَهْلُ الفَضائِلِ مَرْذُولُونَ بَيْنَهُمُ قَدْ أَنْزَلُونا لأَنَّا غَيْرُ جِنْسِهِمُ ... مَنازِلَ الوَحْشِ فِي الإِهْمالِ عِنْدَهُمُ فَما لَهُمْ فِي تَوَقِّي ضُرِّنا نَظَرٌ ... وَلا لَهُمْ فِي تَرَقِّي قَدْرِنا هِمَمُ فَلَيْتَنا لَوْ قَدَرْنا أَنْ نُعرِّفَهُمْ ... مِقْدارَهُمْ عِنْدَنا أَوْ لَوْ دَرَوْهُ هُمُ لَهُمْ مُرِيْحانِ مِنْ جَهْلِ وَفَرْطِ غِنًى ... وَعِنْدَنا الْمُتْعبانِ العِلْمُ وَالعَدَمُ (١) وقد ناقضه الفتح الثقفي المنسوب إلى الزندقة؛ قال ابن السبكي: وأجاد: [من البسيط] إِنَّ الْمَراتِبَ وَالدُّنْيا وَرِفْعَتَها ... عِنْدَ الَّذِي حازَ عِلْمًا لَيْسَ عِنْدَهُمُ لا شَكَّ أَنَّ لَنا قَدْرًا رَأَوْهُ وَما ... لِقَدْرِهِمْ عِنْدَنا قَدْرٌ وَلا لَهُمُ هُمُ الوحُوشُ وَنَحْنُ الإِنْسُ حِكْمَتُنا ... تَقُودُهُمْ حَيْثُما شِئْنا وَهُمْ نعمُ وَلَيْسَ شَيْءٌ سِوَى الإِهْمالِ يَقْطَعُنا ... عَنْهُمْ لأَنَّهُمُ وِجْدانهمْ عَدَمُ لَنا الْمُرِيْحانِ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ عَدَمٍ ... وَفِيهِمُ الْمُتْعِبانِ الْجَهْلُ وَالْحَشَمُ (٢) وقلت: [من البسيط]

стр. 6003

إِنَّ الْمُلُوكَ وَأَرْبابَ المَناصِبِ قَد ... عَمُوا وَصَمُّوا بِما هُمْ فِيه وَابْتَكَمُوا بَدَتْ لَهُمْ زِينَةُ الدُّنْيا وَأَمْكَنَهُمْ ... مِنْها هواهُمْ فَظَنُّوا أَنَّهمْ كَرُمُوا وَلَمْ يَرَوْا طَلَبَ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ وَلا ... لِطاعَةِ اللهِ كانَتْ عِنَدَهُمْ هِمَمُ قَدْ غَرَّهُمْ زُخْرُفُ الدُّنْيا وَزِيْنتُها ... فَهُمْ هُمُ النَّاسُ دُونَ النَّاسِ عِنْدَهُمُ وَمَنْ تَجَرَّدَ عَنْ دُنْياهُمُ وَغَدا ... بِالعِلْمِ مُتَّصِفًا لَمْ يَحْسَبُوهُ هُمُ لِذا افْتَرَقْنا، فَلا هُمْ يَحْفِلونَ بِما ... بِهِ احْتَفَلْنا، وَقَدْ خَلَّوْهُ كُلُّهُم وَما لَنا رَغْبَةٌ فِيما بِهِ احْتَفَلُوا ... لأَنَّهُ عِنْدَنا وِجْدانُهُ عَدَمُ عَلَوا وَخالُوا بِما خالوه مَكْرُمَةً ... وَلَمْ نَخِلْ، وَاتَّضَعْنا نَحْنُ دُونَهُمُ لَنا الْمُرِيْحانِ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ ضَعَةٍ ... وَالْمُتْعِبانِ لَهُمُ الْجَهْلُ وَالشَّمَمُ

стр. 6004

* تَنْبِيهٌ نَجْعَلُهُ خاتِمَةً لِهذا الفَصْلِ: يجري على ألسنة الناس قولهم للخادم والمخاصم: يا كلب! أو: يا حمار! أو: يا خنزير! أو: ما فَعَل هذا الكلب، أو: لأخرجن من حق هذا الخنزير، أو نحو ذلك. هذا إن كان يريد به مطلق الذم والشتم تشفيًا وتسلِّيًا فهو مكروهٌ قبيحٌ بوجهين: أحدهما: أنه كاذب. والثاني: أنه إيذاء. وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم -يعني: النخعي- قال: كانوا يقولون: إذا قال الرجل للرجل: يا كلب! يا حمار! يا خنزير! قال الله تعالى له يوم القيامة: أتراني خلقته كلبًا، أو حمارًا، أو خنزيرًا (١)؟ وعن المسيب قال: لا تقل لصاحبك: يا حمار! يا كلب! يا خنزير! فيقول لك يوم القيامة: أتراني خُلِقْتُ كلبًا أو حمارًا أو خنزيرًا (٢)؟ وخُلِقْتُ -بضم الخاء المعجمة، وكسر اللام-: مبني لنائب الفاعل. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن هانئ البربر قال: دخل على

стр. 6005

عثمان رضي الله تعالى عنه دِهْقان من أهل فارس، فإذا هو يأكل مع أمرأته وغلام له حبشي، فقال في كلامه: يأكل هذا الكلب معكما، فكأن الحبشي فهمها، فكف، فقال: كُلْ. ثم قال عثمان رضي الله تعالى عنه: هو لله وإنا لله، وما أدري أيُّنا أفضل عند الله. قال: فلما قتل عثمان رضي الله تعالى عنه وثب الحبشي إلى قاتله فضربه أيضًا، فقتل، فاختلفت دماؤهما. وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: استسقى موسى ﵇ لقومه فقال: اشربوا يا حمير. فقال الله تعالى له: لا تُسَمِّ عبادي حميرًا (١). وإنما سمَّاهم موسى ﵇ حميرًا لِمَا رأى من جزعهم وغفلتهم عن قدرة الله تعالى لأنهم كانوا قد امتنعوا عن مقاتلة الجبارين جُبْنًا عن جهادهم، ولم يثقوا بقدرة الله تعالى وعونه بحيث إن من قدرته وعونه أن ينصر أولياءه وإن كانوا قليلين مستضعفين على أعدائه وإن كانوا كثيرين؛ كما وثق الله تعالى جند طالوت حيث قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. بل قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ

стр. 6006

عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٢، ٢٤]. ثم لمَّا دخلوا التِّيه ونَفِدَت أزوادهم، وفرغت مياههم، جزعوا، وخافوا أن يموتوا عطشًا وجوعًا، فلما استسقى لهم موسى ﵇، فاستجاب الله له، وأمره أن يضرب الحجر بعصاه، وكان فِهْرًا بقدر الكف، فانفجرت منه اثنتا عشرة عَيْنًا بالماء العذب المَعين، وكان موسى ﵇ يطالع القدرة التي بها الماء الكثير من الحجر الصغير، وكانوا هم مشتغلين عن ذلك بالتشوف إلى الماء والعطش إليه، فكانوا والحمير على حدٍّ سواء، فعند ذلك قال لهم موسى ﵇: اشربوا يا حمير؛ أي: يا أشباه الحمير، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه للمبالغة، أو سمَّاهم حميرًا ادعاءً للمبالغة، ومثل هذا شائع في الكلام. وقد تقدم أنَّ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال لرجلٍ كلَّم صاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب، فقال له: أما أنت فحمار، وأما صاحبك فلا جمعة له (١). وإنما نهى الله تعالى موسى ﵇، وقال له: لا تُسَمِّ عبادي حميرًا؛ لأنه كان مُشرِّعًا يُقتدى بأفعاله وأقواله، فربما اقتدى به بعض الجهال في تسمية الإنسان حمارًا، وخاطب بذلك من لا يصلح أن

стр. 6007

يُخاطب بمثل هذا الخطاب. والأولى في حق القدوة أن يبعد في أقواله وأفعاله عمَّا يحتمل التأويل، فكان الأليق بمنصبه ﵊ أن يقول لهم: يا أمثال الحمير، أو: يا إخوان الحمير؛ كما قال الله تعالى في حق أحبار بني إسرائيل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] حين أمرهم أن يأخذوا بما فيها فلم يعلموا بها، فقال النَّبي ﷺ لليهود حين أنزل الله تعالى عليه فيهم: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]، فقال النبي ﷺ : "يَا إِخْوَانَ القِرَدَةِ". وفيه تورية لطيفة؛ فإنه يصلح أن يُراد به: يا إخوان القردة الممسوخين قردة، وأن يُراد به: يا أمثال القردة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]؛ أي: أمثالهم. وأما قوله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ؟ المُحَلِّلُ" (١)؛ فإنَّ النبي ﷺ لم يخاطب به مخصوصًا معينًا، ولم يصرح فيه بالتمثيل، بل سمَّى المحلل تيسًا مستعارًا على سبيل المبالغة للتنفير من التحليل. وهذا جائزٌ سائغ -وإن كان النبي ﷺ في مقام التشريع - لأنَّ هذا اللفظ لا يتوهم منه إباحة تسمية كل إنسان تيسًا، بل لا يحتمل إلا

стр. 6008

تسمية كل محلل تيسًا مستعارًا وقد عرفت الوجه في ذلك، بخلاف قول موسى ﷺ لكافة بني إسرائيل: اشربوا يا حمير. وأيضا، فإنَّ النبي ﷺ أشار إلى سبب إلحاق المحلل بالتيس المستعار، وهو التحليل، بخلاف موسى ﵇؛ فإنه لم يُعين سبب تسمية بني إسرائيل حميرًا، ولو بين لهم سبب ذلك لاستفادوا منه التنبه إلى استقباح ما يلحق الإنسان بالحمار، ونفروا عنه كما يتنبه الرجل من هذه الأمة إلى استقباح ما يلحقه بالتيس من التحليل بقوله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ"، فينفر عن ذلك. ومن هنا يظهر لك أن من سمى إنسانًا كلبًا لاشتماله على الضراوة، والكلب، والجشع لينفر هو عن هذه الأخلاق، أو لينفر عنها غيره، فلا يكون ذلك مكروهًا، بل هو مستحسن كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما للمتكلم والإمام يخطب: أما أنت فحمار (١)؛ زجرًا له عن التكلم في مثل هذا الوقت، وقد تقدم لهذا نظائر كثيرة. وأما ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد عن صالح بن خالد أنَّه قال: إذا أردت أن تعمل شيئا من الخير فأنزل الناس بمنزلة البقر إلا أنَّك لا تحقرهم (٢)؛ فإنَّما أراد به ألا تتصور للناس وجودًا في طاعة الله تعالى، فتؤثر رؤيتهم لك في ذلك بفعل أو ترك، أو زيادة أو نقص، أو اجتهاد

стр. 6009

أو تقصير، كما لا تؤثر في الطَّاعة رؤيتك للبقر وسائر البهائم شيئًا من ذلك، فأما أنْ ترى لنفسك عليهم فضلًا ومزية فلا، كما أشار إليه بقوله: إلا أنك لا تحقرهم. وعلى هذا المنوال ما سبق عن أبي الدَّرداء وغيره: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس كالأباعر في ذات الله تعالى (١). وأمَّا أنك تراهم كالأباعر والأباقر والأحمرة ازدراءً لهم واحتقارًا، وتزكية لنفسك عليهم فهذا حرام. ومن لطائف الأعمش رحمه الله تعالى -ولا يلحق بذلك- ما رواه أبو نعيم عن مندل قال: قلت للأعمش: هل تأذيت بالْمُسَوِّدة قط؟ قال: نعم، كنت في السواد فلقيني رجل منهم عند نهر، فقال: احملني حتى أعبر هذا النهر، قال: فحملته، فلما استوى على ظهري قال: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مقرنين. قال: فلما توسطتُ النهر رميتُ به وقلت: اللهم أنزلنا منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين، ثم تركته يتلبط في ثيابه في النهر، وهربت (٢). فانظر في جفاء هذا السوادي كيف امتهن الأعمش -وإن لم يعرفه- بالتسخير في هذا الأمر المُشِق، ثم لم يكتفِ من جفائه حتى جعله

стр. 6010

بمنزلة الدابة التي يُقال عند ركوبها ذلك. لا جرم استجاز الأعمش أن يلقيه في النهر، ومثل ذلك انتصار واقتصاص من غير أن يؤدي هذا الفعل إلى الهلاك. * تَتِمَّةٌ: اعلم أنه لا يستطيع فعل كل شيء حسن، وترك كل شيء قبيح أو مكروه مما ذكرناه في القسم الأول من الكتاب، وفي القسم الثاني إلا نبي، أو صديق، بل لا يتم ذلك للصديقين إلا من عزَّ منهم كأبي بكر رضي الله تعالى عنه. ولقد قال الهاتف: [من مجزوء الرجز] مُحَمَّدُ الْهادِي الَّذِي ... عَلَيْهِ جِبْرِيلٌ هَبَطْ في جواب القائل: مَنِ الَّذِي ما ساءَ قَطٌّ ... وَمَنْ لَهُ الْحُسْنَى فَقَطْ (١) فإذا كان كذلك فلم يبق للعبد المتعلق بجناب القُرب من الله تعالى، القاصد إليه إلا أن يستعين بالله تعالى للترقي إلى هذا المقام بقدر الإمكان، ويتقي الله تعالى بحسب الإمكان، كما علَّمه الله تعالى فيما يقرؤه في كل صلاة أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وكما قال النبي ﷺ : "اسْتَقِيْمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا" (٢).

стр. 6011

وليحذر من الغفلة عن نفسه حتَّى يترك الخيرات، ويرتكب الزلات خشية أن يُؤخذ على أسوء الأحوال؛ والعياذ بالله ! وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَدْخُلُ النَّارَ إِلاَّ شَقِيٌّ". قيل: ومن الشقي؟ قال: "الَّذِيْ لا يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالى، وَلا يَتْرُكُ للهِ مَعْصِيَةً" (١). وروى الإمام أحمد عن ثابت البُناني، عن مُطرِّف رحمة الله عليهما قال: إني نظرتُ في بدء هذا الأمر ممن؟ فإذا هو من الله ، ونظرت على من تمامه، فإذا تمامه على الله تعالى، ونظرت ما ملاكه؟ فإذا ملاكه الدعاء (٢). وقلت في معنى كلام مطرف: [من الخفيف] مِنْكَ يا رَبِّ بَدْءُ كُلِّ جَمِيلٍ ... وَعَلى فَضْلِكَ الكَرِيْمِ تَمامُهْ وَالَّذِي يَسْتَطِيعُ عَبْدُكَ فِيهِ ... لَيْسَ إِلاَّ الدُّعاءُ فَهْوَ خِتامُهْ وَكَفَى بِافْتِقارِ عَبْدِكَ سُؤْلًا ... فَهُوَ وَالذُّلُّ حالُهُ وَمَقامُهْ جُدْ بِتَوْفِيقِهِ إِلَى [كُلِّ] خَيْرٍ ... وَلْيَكُنْ بِالقَبُولِ مِنْكَ خِتامُهْ

стр. 6012

فَصْلٌ [في شِرَارِ النَّاسِ] قد تقدم لنا في القسم الأول من الكتاب فصلٌ في خيار الناس، فينبغي أن نذكر هنا في هذا الفصل من ورد النص على أنهم من شرار الناس، أو من شرارهم تحذيرًا من مثل ما سموا لأجله شرارًا؛ ليكون هذا الكتاب كالمبين والمفسر لما أجملته هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٦، ٧]. بيَّن في هاتين الآيتين الكريمتين مجموع أمر القسمين من البرية. وبيَّن في الآية الأولى مقام شر الشرار وقدَّمها؛ إشارةً إلى أنَّ من سوى أهل هذا الوصف مرجو له؛ فإن قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]؛ أي: البالغون في الشر، المُعْرِقون فيه، المتناهون فيه بسبب الكفر، ومن سواهم خير البرية. إلا أنَّ هؤلاء يتفاوتون في الخيرية؛ فإنَّ الشر إذا حضر في قوم

стр. 6013

فالخير في من عداهم لأنَّ الخير والشر ضدان، ولا واسطة بينهما من حيث أصل الاعتقاد؛ إذ هما كفر وإيمان لا غير، فأهل الكفر لا تفاوت بينهم في أصل دخول النار ولا في الخلود فيها، وإنما التفاوت بينهم في العذاب الدائم؛ لا في دوامه، بل في إيلامه، وعمل هؤلاء الذي ظاهره حسن لا عبرة به ولا وزن له. وأهل الإيمان متساوون في أصل التصديق واليقين، وإنما تفاوتهم في الأعمال، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩]؛ فكلما استكثر المؤمن من الأعمال الصَّالحات، وحسَّنها وأحسن فيها، ازداد بذلك إيمانًا مع إيمانه؛ أي: اتضح إيمانه ورسخ يقينه، فينتقل من أصل اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين، وأهل الإيمان كلهم على خير وإلى خير. نعم، تنقص أحوالهم بارتكاب الأعمال غير الصَّالحة، والنقصان في الأحوال شر بالنظر إلى الكمال فيها، فمن هنا أطلق اسم الشر، وشر الناس في بعض العبارات على مُرتكبي كثير من المعاصي دون الشرك تنفيرًا منها، ولأنها قد تُوصل مرتكبها بالإصرار عليها، أو بالاستصغار لها إلى حد الشر البالغ والسوء المتناهي. وبهذه الجملة يتضح لك وجه اختلاف إطلاق اسم الشر على نوع من المعاصي تارةً، وعلى نوع آخر منها تارة. ومن شان الفَطِن الْحَذِر أن يتباعد عن كل ما يطلق عليه اسم الشر -وإن قلَّ بالنسبة إلى غيره- لئلا يتناهى فيه فيكون ممن دخل تحت

стр. 6014

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]. وإذا انتهى به الحذر إلى اجتناب صغير المعاصي وكبيرها، فينبغي أن تسلك به الرغبة مع ذلك سبيل الترقي في الخيرات ليتناهى في الخيرية إلى المقام الذي قدَّر الله تعالى له من المقامات التي بيَّناها وشرحناها في القسم الأول؛ فإنه بالترقي في الأعمال الصالحات في دار الدُّنيا يزداد رضى عنه من الله تعالى، ورضى منه عن الله تعالى؛ فإنَّ الله تعالى يقول بعد أن فتح لخير البرية باب الترقي في الخيرية بذكر عمل الصالحات معطوفًا على الإيمان: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٨]. فانظر كيف أخبر عن جزائهم بأنه جنات، فذكر الجنة بلفظ الجمع إشارة إلى أنَّ لكل واحد منهم جنة، أو أكثر من جنة تليق بعمله، وأضاف الجنات إلى عدن إشارة إلى الخلود؛ إذ العدن الإقامة، ولا يخفى ما بين (عند) و (عدن) من الجناس المحرف، وما أحسنه من جناس تابع مقصود بديع لأجله ذكر لفظ: ﴿عِنْدَ﴾ وهو الإشارة إلى أن هذا الجزاء مقرون بالقرب وحسن التربية؛ فإنه أضاف: ﴿عِنْدَ﴾ الدالة على الحضور إليه باسم الرب مضافًا إليهم. وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ نكتة أخرى، وهي حسن الضمان والتكفل، كما تقول لمن تريد تسكين خاطره عن ماله: حقك عندي، وجزاؤك عندي؛ أي: في قبلي، وأنا المتكفل به.

стр. 6015

ثم وصف الجنات بقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ولم يقل: تجري فيها الأنهار، إشارة إلى أن أنهارها نفع محض، ومتاع صِرْف، ونعيم خالص، لا طغيان لمآبها، ولا خطر ولا محذور فيها. ثم أشار إلى الخلود فيها بعد وصفها بأنها جنات عدن، فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. ثم أكَّد الخلود فيها بقوله: ﴿أَبَدًا﴾. وقيد الخلود بقوله: ﴿فِيهَا﴾ إشارة إلى أنهم ليسوا بخارجين منها، بل هم دائمون فيها باقون، ثم أكدَ هذا البقاء والخلود والدوام بذكر سببه، فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وفاقًا لرضاه عنهم، دام رضاه عنهم. ثم ذيَّل على وصفهم، ووصف جزاءهم بعد تمامه بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك الجزاء الحسن الدائم والرضا ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] من العباد، إشارةً إلى أن العبد لا يتم له الإيمان والعمل الصَّالح، والخيرية ودخول الجنَّة، والفوز بالرضا، بل لا يكون له ذلك إلاَّ بالخوف والخشية؛ كما قال تعالى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] الآيات. وكما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]؛ أي: له. ثم في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] مع قوله: ﴿إِنَّمَا

стр. 6016

يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] إشارة إلى فضل العلم، وأن هذه السَّعادة لا تتم إلا به، فالعلم وصف الأخيار، والجهل وصف الأشرار، وكل خصلة جميلة فالعلم أوَّلُها، وكل خصلة قبيحة فالجهل أولها، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من العلماء العاملين، ونعوذ بالله أن نكون من الجاهلين. فالجهل منبع كل شر، ثم تتضاعف الشرية على قدر الإغراق في الجهل، فمن ثمَّ حَسُن فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢، ٢٣]. قال القاضي ناصر الدين البيضاوي في الآية: عدَّهم من البهائم، ثم جعلهم شرَّها لإبطالهم ما مُيزوا به وفضلوا لأجله (١). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عبَّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]: لا يتبعون الحق (٢). وروى الشيخان، وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: "ائْذَنُوْا لَهُ؛ فَبِئْسَ أَخُوْ العَشِيْرَةِ"، فلما دخل أقبل عليه، فلما خرج راجعته، فقال: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ الَّذِي يُكْرَمُ اتَّقَاءَ شَرِّه" (٣).

стр. 6017

وفي رواية: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتَّقَاءَ فُحْشِهِ" (١). وفي رواية: فقال: "يَا عَائِشَةُ! مَتىَ عَهِدْتِنيْ فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكُهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّه" (٢). وفي رواية للترمذي وقال: حسن صحيح: "يَا عَائِشَةُ! إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" (٣). ومعنى: من تركه الناس؛ أي: ترك الناس الإنكار عليه. أو هو على ظاهره؛ أي: مَنْ هجره خوفًا من شره أو من فحشه. والأول أليق بسياق سبب الحديث. وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ يَخَافُ النَّاسُ شَرَّه" (٤). وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة" عن أنس رضي الله تعالى

стр. 6018

عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ يُخَافُ لِسَانُهُ، أَوْ يُخَافُ شَرُّهُ" (١). وروى الخطيب في "المتفق والمفترق"، وابن النجار عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ النَّبيَّ قال: "شَرُّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ مَن اتُّقِيَ مَجْلِسُهُ لِفُحْشِهِ" (٢). وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "تَجِدُوْنَ النَّاسَ مَعَادِنَ؛ فَخِيَارُهُمْ فيْ الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فيْ الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوْا، وَتَجِدُوْنَ خَيْرَ النَّاسِ فيْ هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيةً قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ، وَتَجِدُوْنَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ اللهِ ذَا الوَجْهَيْنِ؛ الْذِي يَأْتِي هَؤُلاء بِوَجْهٍ وَيَأتِي هَؤُلاء بَوَجْهٍ" (٣). وهذا داخل في من يُكرم، أو يترك اتقاء شره أو فحشه، ومن يخاف شره، فلا معارضة بين الحديثين. ثم قوله: "شَرُّ الناسِ"؛ أي: في كل زمان، أو من كل قوم؛ فالكفار شرهم ذو الوجهين، والمسلمون شرهم ذو الوجهين.

стр. 6019

وذو الوجهين إذا كان كافرًا شر من ذي الوجهين إذا كان مسلمًا، فبذلك ونحوه يرتفع تعارض الأحاديث في مثل ذلك. وروى ابن ماجه، والطَّبراني في "الكبير" من حديث أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ". وفي لفظ: "إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ" (١). وأخرجه أبو نعيم من حديث أبي هريرة، ولفظه: "مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً مَنْ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ" (٢). وروى الخِلَعي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في "فوائده" بلفظ: "شَرُّ الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ" (٣). وروى البخاري في "تاريخه" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُل بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ" (٤). وروى الطَّبراني في "الأوسط"، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "آخِرُ الكَلامِ في القَدَرِ

стр. 6020

لشَرِارِ أُمَّتيْ" (١). وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم رضي الله تعالى عنه، والطبراني في "الكبير" عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "خِيَارُ أُمَّتيْ الَّذِيْنَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ أُمَّتيْ المَشَّاؤُوْنَ بِالنَّمِيْمَةِ، المُفَرِّقُوْنَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُوْنَ البُراَءَ الْعَنَتَ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" من حديث ابن عمر ﵄ بنحوه (٣). وأخرج من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "خِيَارُكُمْ أَحَاسِنكُمْ أَخْلاقًا، المُوَطِّئُوْنَ أَكنَافًا، وَشِرَارُكُمْ الثَرْثَارُوْنَ الْمُتَفَيْهِقُونَ المُتَشَدِّقُوْنَ" (٤).

стр. 6021

والثرثرة: كثرة الكلام وترديده. والثرثار: المهذار. وقال الفراء: فلان يتفيهق في كلامه، وذلك إذا توسع فيه وتقطع؛ قال: وأصله الفهق، وهو الامتلاء، كأنه مَلأَ به فمه (١). والمتشدق: الذي يلوي شدقيه؛ أي: جانبي فِيْه للتفصح. وروى ابن أبي الدُّنيا في "ذم النَّميمة"، والبيهقي في "الشعب" عن فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "شِرَارُ أُمَّتي الَّذِيْنَ غُذُّوْا بِالنَّعِيْمِ، الَّذِيْ يَأْكُلُوْنَ ألوَانَ الطَّعَامِ، وَيَلْبَسُوْنَ ألوَانَ الثِّيَابِ، وَيَتَشَدَّقُوْنَ فيْ الْكَلامِ" (٢). وروى الترمذي من حديث جابر رضي الله تعالى عنه -وحسنه-: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِليَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّيْ فيْ الآخِرَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِليَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي في الآخِرَةِ الثَّرْثَارُوْنَ وَالْمُتَفيهِقونَ المُتَشَدِّقُوْنَ". قالوا: يا رسول الله! قد عَلِمنا الثرثارون والمتشدقون؛ فما المتفيهقون؟

стр. 6022

قال: "المُتكبِّرُوْنَ" (١). وهذا الحديث عند الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه بدون هذا التفسير. وزاد فيه: "وَأَبْعَدَكُمْ مِني في الآخِرَةِ أَسْوَؤُكُمْ أَخْلاقًا الثَّرْثَارُوْنَ" ... إلى آخره (٢). وروى أبو الشيخ في كتاب "التوبيخ" عن العلاء بن الحارث - معضلًا -: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الهَمَّازُوْنَ وَاللَّمَّازُوْنَ وَالمَشَّاؤُوْنَ بِالنَّمِيْمَةِ وَالبَاغُوْنَ البُرَآءَ العَنَتَ يَحْشُرُهُمْ اللهُ في وجُوْهِ الكِلابِ" (٣)؛ أي: في وجوهٍ مثل وجوه الكلاب. وروى الإمام أحمد بسند جيد، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَر عِبَادِ اللهِ؟ الفَظُّ المُسْتَكْبِرُ. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ عِبَادِ اللهِ؟ الضَّعِيْفُ المُسْتَضْعَفُ ذُوْ الطِّمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ بِهِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىْ اللهِ لأَبَرَّهُ" (٤).

стр. 6023

وروى البخاري في "تاريخه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ النَّاسِ الَّذِيْ يَسْأَلُ بِاللهِ ثُمَّ لا يُعْطَى" (١). وروى الترمذي -وقال: حديثٌ حسن، واللفظ له- والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" من حديثه رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فيْ سَبِيْلِ اللهِ. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِيْ يَتْلُوْهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فيْ خَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّيْ حَقَّ اللهِ تَعَالىْ فِيْهَا. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللهِ ثُمَّ لا يُعْطى" (٢). وروى الطبراني، وغيره بسند ضعيف، من حديثه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أُنبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ ". قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله.

стр. 6024

قال: "إِنَّ شِرَارَكُمْ الَّذِيْ يَنْزِلُ وَحْدَهُ وَيجْلِدُ عَبْده، وَيَمْنعُ رِفْدَهُ؛ أفلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله إن شئت. قال: "الَّذِيْنَ لا يَقِيْلُوْنَ عَثْرَةً، وَلا يَغْفِرُوْنَ ذَنْبًا". قال: "أفلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "مَنْ لا يُرْجَىْ خَيْرُهُ، وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (١). وروى الإمام أحمد عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا لِلناسِ فيْ الدُّنْيَا" (٢). وشدة العذاب شر ما في الآخرة، وهي مترتبة على شدة الشر في الدُّنيا. والأصل في ذلك قسوة القلب الناشئة عن الغفلة عن الله ، وعن ذكره وذكر عظمته، وانتقامه وشدة عقابه. وفي "موطأ مالك" رضي الله تعالى عنه: أنه بَلَغَهُ أنَّ عيسى بن مريم

стр. 6025

عليه السلام كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم؛ فإنَّ القلب القاسي بعيدٌ من الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد؛ فإنما الناس مُبتلى ومُعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية (١). وهذا ثابتٌ في الحديث المرفوع؛ رواه الترمذي وحسنه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْثِرُوْا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَة لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ القَلْبُ القَاسِيْ" (٢). ولنا في هذا المعنى: [من السريع] اتَّقُوا اللهَ عَلاَ وَلْيَكُنْ ... مِنْكُمْ لَكُمْ عَنْ جَهْلِكُمْ ناهِيَةْ ثُمَّ اذْكُرُوا رَبَّكُمُ وَاتْرُكُوا ... مَا لَمْ يَكُنْ خَيْرًا إِلَى ناحِيَةْ لا تُكْثِرُوا فِي غَيْرِ ذَا قَولَكُمْ ... قُلُوبُكُمْ تَغدُو بِهِ قاسِيَةْ إِنَّ قُلُوبَ النَّاسِ مَهْمَا قَسَتْ ... كانَتْ عَنِ اللهِ علا قاصِيَةْ وَالنَّاسُ ذو عاقِبَةٍ أَوْ ذَوُو ... بَلِيَّةٍ تَظْهَرُ أَوْ خَافِيَةْ أَلا ارْحَمُوا أَهْلَ البَلا كُلَّهُمْ ... ثُمَّ احْمَدُوا اللهَ على العافِيَةْ فَالعَبْدُ بِالرَّحْمَةِ يَرْقى وَبِالـ ... حَمْدِ إِلَى الْمَرْتَبَةِ العَالِيَةْ
следующие страницы →