← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

والثرثرة: كثرة الكلام وترديده. والثرثار: المهذار. وقال الفراء: فلان يتفيهق في كلامه، وذلك إذا توسع فيه وتقطع؛ قال: وأصله الفهق، وهو الامتلاء، كأنه مَلأَ به فمه (١). والمتشدق: الذي يلوي شدقيه؛ أي: جانبي فِيْه للتفصح. وروى ابن أبي الدُّنيا في "ذم النَّميمة"، والبيهقي في "الشعب" عن فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "شِرَارُ أُمَّتي الَّذِيْنَ غُذُّوْا بِالنَّعِيْمِ، الَّذِيْ يَأْكُلُوْنَ ألوَانَ الطَّعَامِ، وَيَلْبَسُوْنَ ألوَانَ الثِّيَابِ، وَيَتَشَدَّقُوْنَ فيْ الْكَلامِ" (٢). وروى الترمذي من حديث جابر رضي الله تعالى عنه -وحسنه-: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِليَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّيْ فيْ الآخِرَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِليَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي في الآخِرَةِ الثَّرْثَارُوْنَ وَالْمُتَفيهِقونَ المُتَشَدِّقُوْنَ". قالوا: يا رسول الله! قد عَلِمنا الثرثارون والمتشدقون؛ فما المتفيهقون؟

стр. 6022

قال: "المُتكبِّرُوْنَ" (١). وهذا الحديث عند الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه بدون هذا التفسير. وزاد فيه: "وَأَبْعَدَكُمْ مِني في الآخِرَةِ أَسْوَؤُكُمْ أَخْلاقًا الثَّرْثَارُوْنَ" ... إلى آخره (٢). وروى أبو الشيخ في كتاب "التوبيخ" عن العلاء بن الحارث - معضلًا -: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الهَمَّازُوْنَ وَاللَّمَّازُوْنَ وَالمَشَّاؤُوْنَ بِالنَّمِيْمَةِ وَالبَاغُوْنَ البُرَآءَ العَنَتَ يَحْشُرُهُمْ اللهُ في وجُوْهِ الكِلابِ" (٣)؛ أي: في وجوهٍ مثل وجوه الكلاب. وروى الإمام أحمد بسند جيد، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَر عِبَادِ اللهِ؟ الفَظُّ المُسْتَكْبِرُ. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ عِبَادِ اللهِ؟ الضَّعِيْفُ المُسْتَضْعَفُ ذُوْ الطِّمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ بِهِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىْ اللهِ لأَبَرَّهُ" (٤).

стр. 6023

وروى البخاري في "تاريخه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ النَّاسِ الَّذِيْ يَسْأَلُ بِاللهِ ثُمَّ لا يُعْطَى" (١). وروى الترمذي -وقال: حديثٌ حسن، واللفظ له- والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" من حديثه رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فيْ سَبِيْلِ اللهِ. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِيْ يَتْلُوْهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فيْ خَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّيْ حَقَّ اللهِ تَعَالىْ فِيْهَا. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللهِ ثُمَّ لا يُعْطى" (٢). وروى الطبراني، وغيره بسند ضعيف، من حديثه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلا أُنبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ ". قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله.

стр. 6024

قال: "إِنَّ شِرَارَكُمْ الَّذِيْ يَنْزِلُ وَحْدَهُ وَيجْلِدُ عَبْده، وَيَمْنعُ رِفْدَهُ؛ أفلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله إن شئت. قال: "الَّذِيْنَ لا يَقِيْلُوْنَ عَثْرَةً، وَلا يَغْفِرُوْنَ ذَنْبًا". قال: "أفلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "مَنْ لا يُرْجَىْ خَيْرُهُ، وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (١). وروى الإمام أحمد عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا لِلناسِ فيْ الدُّنْيَا" (٢). وشدة العذاب شر ما في الآخرة، وهي مترتبة على شدة الشر في الدُّنيا. والأصل في ذلك قسوة القلب الناشئة عن الغفلة عن الله ، وعن ذكره وذكر عظمته، وانتقامه وشدة عقابه. وفي "موطأ مالك" رضي الله تعالى عنه: أنه بَلَغَهُ أنَّ عيسى بن مريم

стр. 6025

عليه السلام كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم؛ فإنَّ القلب القاسي بعيدٌ من الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد؛ فإنما الناس مُبتلى ومُعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية (١). وهذا ثابتٌ في الحديث المرفوع؛ رواه الترمذي وحسنه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْثِرُوْا الكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَة لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ القَلْبُ القَاسِيْ" (٢). ولنا في هذا المعنى: [من السريع] اتَّقُوا اللهَ عَلاَ وَلْيَكُنْ ... مِنْكُمْ لَكُمْ عَنْ جَهْلِكُمْ ناهِيَةْ ثُمَّ اذْكُرُوا رَبَّكُمُ وَاتْرُكُوا ... مَا لَمْ يَكُنْ خَيْرًا إِلَى ناحِيَةْ لا تُكْثِرُوا فِي غَيْرِ ذَا قَولَكُمْ ... قُلُوبُكُمْ تَغدُو بِهِ قاسِيَةْ إِنَّ قُلُوبَ النَّاسِ مَهْمَا قَسَتْ ... كانَتْ عَنِ اللهِ علا قاصِيَةْ وَالنَّاسُ ذو عاقِبَةٍ أَوْ ذَوُو ... بَلِيَّةٍ تَظْهَرُ أَوْ خَافِيَةْ أَلا ارْحَمُوا أَهْلَ البَلا كُلَّهُمْ ... ثُمَّ احْمَدُوا اللهَ على العافِيَةْ فَالعَبْدُ بِالرَّحْمَةِ يَرْقى وَبِالـ ... حَمْدِ إِلَى الْمَرْتَبَةِ العَالِيَةْ

стр. 6026

وفي الحديث: "ثَلاثُ خِصَالِ تُوْرِثُ القَسْوَةَ فيْ القَلْبِ: حُبُّ الطَّعَامِ، وَحُبُّ النَّوْمِ، وَحُبُّ الرَّاحَةِ". رواه الديلمي عن عائشة ﵂ (١). وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة"، والبيهقي في "الشعب" عن فاطمة رضي الله تعالى عنها: أنَّ أباها ﷺ قال: "شِرَارُ أُمَّتيْ الَّذِيْنَ غُذُّوْا بِالنَّعِيْمِ، الَّذِيْنَ يَاْكُلُوْنَ ألْوَانَ الطَّعَامِ، وَيَلْبسُوْنَ ألوَانَ الثِّيَابِ، وَتتَشَدَّقُوْنَ فيْ الْكَلامِ" (٢). ولعل معناه: شرار كل نوع من الأمة الذين هذا حالهم من ذلك النوع، أو: الذين ليس لهم إلا ذلك بحيث لَهُوا به عمَّا يُراد منهم. وروى الحاكم وصححه -وتُعُقِّبَ تصحيحه- عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "شرَارُ أُمَّتيْ الَّذِيْنَ ولِدُوْا فيْ النَّعِيْمِ، وَغُذُّوْا يَأْكُلُوْنَ مِنَ الطَّعَامِ ألْوَانًا، وَيَلْبسُوْنَ مِنَ الثِّيَابِ ألوَانًا، وَيَرْكَبُوْنَ مِنَ الدَّوَابِّ ألوَانًا، يَتَشَدَّقُوْنَ فيْ الْكَلامِ" (٣). وروى الطَّبراني في "الكبير"، و"الأوسط" بسند ضعيف، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَكُوْنُ رِجَالٌ مِنْ

стр. 6027

أمَّتيْ يَأكلوْن ألوَان الطَّعَامِ، وَيَشرَبُوْن ألْوَانَ الشَّرَابِ، وَيَلبَسُوْن ألوَانَ الثِّيَابِ، وَيَتَشَدَّقُوْنَ فيْ الْكَلامِ، فَأُوْلَئِكَ شِرَارُ أُمَّتيْ" (١). وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنُ عَمَلُهُ، وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ" (٢). وروى مسلم عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِيْنَ تُحِبُّوْنهمْ ويُحِبُّوْنكُمْ، وَتُصَلُّوْنَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّوْنَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِيْنَ تُبْغِضُوْنهمْ وَيُبْغِضُوْنكُمْ". قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: "لا؛ مَا أَقَامُوْا فِيْكُمُ الصَّلاةَ، وَإذَا رَأَيْتُمْ مِنْ ولاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُوْنَهُ فَاكْرَهُوْا عَمَلَهُ، وَلا تَنْزِعُوْا يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ" (٣). وروى الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والطَّبراني في "الكبير" عن عائذ بن عمرو المزني رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "شَرُّ الرِّعَاءِ الْحُطَمةُ" (٤).

стр. 6028

وهو في "صحيح مسلم"، ولفظه: "إِن شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمةُ" (١). وهو من الأمثال التي تكلم بها النبي ﷺ . والحطمة -على وزن الهُمزة-: وهو الذي يَحْطِم الماشية؛ أي: يكسرها ويضربها، إذا ساقها عنَّف بها، وإذا أَسمَامها قصَّر في إسامتها، يضرب في سوء الملكة والسياسة؛ قاله الزمخشري (٢). وفي "الصحاح": رجل حطم، وحطمة أيضًا: قليل الرحمة للماشية، يَهْشِم بعضها ببعض (٣). وفي "القاموس": إنه الظلوم للماشية (٤). وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "شِرَارُ أُمتيْ مَنْ يَلي القَضَاء، إِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ لَمْ يُشَاوِرْ، وَإِنْ أَصَابَ بَطِرَ، وَإِنْ غَضِبَ عَنَّفَ، وَكَاتِبُ السُّوْءِ كَالْعَامِلِ لَه" (٥). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ القَاضِيْ الَّذِيْ يُخَالِفُ إِلىْ غَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ".

стр. 6029

وروى الطبراني في "الصغير"، والبيهقي في "الشعب" عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ عَالِم لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ" (١). وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "شِرَارُ أُمَّتيْ العُلَمَاءُ الَّذِيْنَ يَأْتُوْنَ الأُمَرَاءَ" (٢)؛ أي: لغير ضرورة. وروى أبو بكر بن لال عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَبْغَضَ الخَلْقِ إِلىْ اللهِ العَالِمُ يَزُوْرُ العُمَّالَ" (٣). وروى ابن عبد ربه في "عقده": أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ الناسِ؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "العُلَمَاءُ إِذَا فَسدُوْا" (٤). والمعروف أنه من كلام سفيان؛ قيل له: أي الناس شر؟

стр. 6030

قال: اللهم غُفْرًا! العلماء إذا فسدوا. رواه أبو نعيم (١). وروى البزار عن معاذ رضي الله تعالى عنه، وصححه أبو نعيم عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "شِرَارُ النَّاسِ شِرَارُ العُلَمَاءِ فيْ النَّاسِ" (٢). وروى ابن عساكر عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَشَدُّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ أَمْكَنَهُ العِلْمُ فيْ الدُّنْيَا فَلَمْ يَطْلُبْهُ، وَرَجُلٌ عَلِمَ عِلْمَا فَانتفَعَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ دُوْنهُ" (٣). وروى أبو عبد الرحمن السلمي في "الأربعين"، والديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ يُرِيْ النَّاسَ أَنَّ فِيْهِ خَيْرًا وَلا خَيْرَ فِيْهِ" (٤). وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: قيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يُبالي أن يراه الناس مُسِيْئًا (٥). وروى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁، وأبو يعلى عن عطية بن بسر

стр. 6031

رضي الله تعالى عنه، وهو والطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ". وفي رواية أبي ذر: "وَأَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزَّابُكُمْ" (١). زاد ابن عدي في حديث أبي هريرة: "رَكْعَتَانِ مِنْ مُتَأَهِّلٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِيْنَ رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ مُتَأَهِّلٍ" (٢). ولعل الشَّرِّية هنا باعتبار مقابلة الأعزب بالمتأهل. أو المراد بالعُزاب: الذين يؤثرون العزوبة رغبة عن السُّنة التي هي النكاح. أو هو في غير الأزمنة المتأخرة التي تحل فيها العزوبة حين يكون هلاك الرجل على يدي أهله. وروى الطَّبراني في "الأوسط" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "شَرُّ النَّاسِ الضَّيِّقُ عَلَىْ أَهْلِهِ". قالوا: يا رسول الله! وكيف يكون ضيقًا على أهله؟

стр. 6032

قال: "الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ خَشَعَتِ امْرَأتهُ، وَهَرَبَ وَلَدُهُ وَفَرَّ، فَإِذَا خَرَجَ ضَحِكَتِ امْرَأَتُهُ وَاسْتَأْنسَ أَهْلُ بَيْتِهِ" (١). ومن شواهده حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ". صححه الترمذي (٢). وروى أبو القاسم البغوي، والبيهقي في "السُّنن" عن أبي أذينة الصدفي من أهل مصر -قال البغوي: ولا أدري له صحبة أم لا - قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِسَائِكُمْ الْوَلُوْدُ الْوَدُوْدُ، وَالمُؤَاتِيَةُ المُوَاسِيَةُ، إِذَا اتَّقَيْنَ اللهَ، وَشَرُّ نِسَائِكُمْ المُتَبَرِّجَاتُ المُتَخَيِّلاتُ، وَهُنَّ المُنَافِقَاتُ، لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْهُنَّ إِلَّا مثلُ الغُرَابِ الأَعْصَمِ" (٣). وروى الإمام أحمد، والنسائي عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ بِمَرِّ الظَّهْران، فإذا بغِربان كثيرة فيهن غراب أعصم أحمر المنقار، فقال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ النّسَاءِ إِلاَّ مثلُ هَذَا الْغُرَابِ".

стр. 6033

قال العراقي: وإسناده صحيح (١). قال في "الصحاح": والغراب الأعصم: الذي في جناحه ريشة بيضاء، ويقال هذا كقولهم: الأبيض العقوق، وبيض الأنوق لكل شيءٍ يَعِزُّ وجودُه (٢). وذكر في "القاموس" معنى آخر في الغراب الأعصم: أنه الأحمر الرجلين والمنقار (٣). وروى أبو يعلى، والطَّبراني في "الكبير" -وضعف - عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ شَبَابِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِكُهُوْلكُمْ، وَشَرُّ كُهُوْلكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشَبَابِكُمْ" (٤)، وتقدم بيانه. وروى ابن عدي في "الكامل" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: "شِرَارُ أُمَّتيْ أَجْرَؤُهُمْ عَلَىْ صَحَابَتيْ" (٥). وروى أبو نعيم في كتاب "حرمة المساجد" عن ابن عباس رضي

стр. 6034

الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَحَبُّ البِقَاعِ إِلىْ اللهِ المَسَاجِدُ، وَأَحَبُّ أَهْلِهَا إِلَيْهِ أَوَّلُهُمْ دُخُوْلًا وَآخِرُهُمْ خُرُوْجًا" (١). وذكر الغزالي في "الإحياء" بلفظ: خير، وشر (٢). والحديث معروف من رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بلفظ: "خَيْرُ البِقَاعِ المَسَاجِدُ، وَشَرُّ البِقَاعِ الأَسْوَاقُ". صححه ابن حبان، والحاكم (٣). وتقدم في التشبه بالشيطان: أنه يكون مع أول داخل إلى السوق، وآخر خارج منها، وكفى بذلك شرًّا. وروى العقيلي، والديلمي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أَبْغَضُ الْعِبَادِ إِلىْ اللهِ مَنْ كَانَ ثَوْبَاهُ خَيْرًا مِنْ عَمَلِهِ؛ أَنْ يَكُوْنَ ثِيَابُهُ ثِيَابَ الأَنْبِيَاءِ، وَعَمَلُهُ عَمَلَ الجَبَّارِيْنَ" (٤). وروى ابن أبي الدُّنيا في "الإخلاص" عن أبي قِلابة -مرسلًا-

стр. 6035

قال: قال رسول الله ﷺ : "أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلانِ: رَجُلٌ لا يُراقِبُ اللهَ فيْ السِّرِ، وَرَجُلٌ يُجَالِسُ الأُمَرَاءَ كُلَّمَا قَالُوْا شَيْئًا قَالَ: صَدَقَ الأَمِيْرُ". وروى الشيخان، وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلىْ اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ" (١). وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلىْ اللهِ ثَلاثَةٌ: مُلْحِدٌ فيْ الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فيْ الإِسْلامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبٌ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهْرِيْقَ دَمَهُ" (٢). وروى مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِيْ إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِيْ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا" (٣). وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُوْنَ" (٤). وروى أبو نعيم عن وهب بن منبه: أن موسى ﵇ قال:

стр. 6036

يا رب! أي عبادك أشقى؟ قال: من لا تنفعه موعظة، ولا يذكرني إذا خلا (١). وفي كتاب الله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]. وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي عثمان النَّهْدي -مرسلًا- قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَبْغَضَ عِبَادِ اللهِ إِلىْ اللهِ العِفْرِيْتُ النِّفْرِيْتُ الَّذِيْ لَمْ يَرْزَأْ فِي مَالٍ وَلا وَلَدٍ" (٢). وروى أبو الشيخ، والديلمي عن ثابت بن ثوبان، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "شِرَارُ أُمَّتيْ الْوحْدَانُ المُعْجَبُ بِدِيْنِهِ، المُرَائِيْ بِعَمَلِهِ، المُخَاصِمُ بِحُجَّتِهِ، قَلِيْلُ الرِّيَاءِ شِرْكٌ" (٣). والوحدان -بضم الواو-: جمع واحد؛ أي: المنفردون عن الناس المباينون لهم. ثم بيَّن أوصافهم بوصف واحد منهم فقال: المعجب بدينه ... إلى آخره. وروى أبو نعيم عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: شر

стр. 6037

الناس العيابون (١)؛ [أي]: المكثرون من ذكر معايب الناس، المفتشون عن عيوبهم. وروى الديلمي عن عائشة ﵂. قالت: قال رسول الله ﷺ : "شِرَارُكُمْ أَسْوَأُكُمْ خُلُقًا، وَأَشَدُّكُمْ مُؤْنَةً، وَأثقَلُكُمْ عَلَىْ أَهْلِهِ" (٢). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "شِرَارُ النَّاسِ الَّذِيْنَ يَشْرُوْنَ النَّاسَ وَيَبِيْعُوْنهمْ" (٣). ولعل معناه: شرار الناس حرفةً وكسبًا. وكذلك ما رواه الديلمي أيضًا عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "شَرُّ أُمَّتيْ الصَّائِغُوْنَ وَالصَّيَّاغُوْنَ" (٤). أي: شر أمتي حرفةً. والمعنى فيه وفيما قبله: إنَّ من كان نَخَّاسًا كان قليل الحياء والشفقة قاسي القلب، ولا يكاد يطيب له كسب، وإن الصائغ والصياغ يُعاشران النساء وسفلة الناس، ويزخرفان أمتعة الدنيا للناس ويدعوانها، وهما مع ذلك يعتادان الكذب، كما في حديث أبي هريرة

стр. 6038

رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَكْذَبُ النَّاسِ الصَّيَّاغُوْنَ وَالصَّوَّاغُوْنَ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، وسنده مضطرب (١). وروى إبراهيم الحربي في "غريبه" عن أبي رافع الصائغ قال: كان عمر يمازحني فيقول: أكذب الناس الصواغ؛ يقول: اليوم وغدًا (٢). ولعل معنى: أكذب الناس: أقربهم إلى الكذب. وروى الدارقطني في "الأفراد"، وأبو نعيم، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ بَعَثَني مَلْحَمَةً وَمَرْحَمَةً، وَلَمْ يَبْعَثْني تَاجِرًا وَلا زَرَّاعًا، وَإنَّ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ التُّجَّارُ وَالزَّرَّاعُوْنَ إِلاَّ مَنْ شَحَّ عَلَىْ دِيْنِهِ" (٣). والمعنى في ذلك: أنَّ هذين الصنفين من الناس شغلهم تجارتهم وزراعتهم عن الطاعة التي هي جِماع الخير؛ فهم إذا استغرقتهم صناعتهم وحرفتهم عن الطاعة - كما هو دأب الغالب منهم - شر الناس، لا ينقذهم من هذه الشرِّية إلا الشح على الدين، فإذا شحوا

стр. 6039

على دينهم فلم تشغلهم حالهم عن الواجبات والمفروضات، ولا وقعت بهم على حرام ولا معصية، كانوا من خيار الناس. وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟ خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَىْ خَيْرُهُ، ويؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لا يُرْجَىْ خَيْرُهُ، وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (١). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرَ النَّاسِ وَشَرِّ النَّاسِ؟ إِنَّ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ رَجُلًا حَمَلَ فيْ سَبِيْلِ اللهِ عَلَىْ ظَهْرِ فَرَسِهِ، أَوْ عَلَىْ ظَهْرِ بَعِيْرِهِ أَوْ عَلَىْ قَدَمَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَهِ المَوْتُ، وَإِنَّ من شَرِّ الناسِ رَجُلًا فَاجِرًا جَرِيْئًا، يَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ لا يَرْعَوِيْ إِلىْ شَيْءٍ مِنْهُ" (٢). وروى ابن عساكر عن معاذ رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَلا أُنبِّئُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ، وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَسَافَرَ وَحْدَهُ، وَضَرَبَ عَبْدَهُ. أَلا أُنبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ -أَيْ: فيْ غَيْرِ ذَاتِ اللهِ تَعَالىْ- وَيُبْغِضُوْنَهُ.

стр. 6040

أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ يُخْشَىْ شَرُّهُ وَلا يُرْجَىْ خَيْرُهُ. أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِ. أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا بِالدِّيْنِ" (١). وروى الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "شِرَارُ النَّاسِ فَاسِقٌ قَرَأَ كِتَابَ اللهِ وَتَفَقَّهَ فيْ دِيْنِ اللهِ، ثُمَّ بَذَلَ نَفْسَهُ لِفَاجِرٍ، إِذَا نَشَطَ تَفَكَّهَ بِقِرَاءَتِهِ وَمُحَادَثَتِهِ، فَيَطْبَعُ اللهُ عَلَىْ قَلْبِ القَائِلِ وَالمُسْتَمعِ". وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "شَرُّ النَّاسِ ثَلاثَةٌ: مُتكَبِّرٌ عَلَىْ وَالِدَيْهِ يُحَقرُهُمَا، وَرَجُلٌ سَعَىْ فيْ فَسَادٍ بَيْنَ النَّاسِ بِالكَذِبِ حَتَّى يَتَبَاغَضُوْا أَوْ يَتَبَاعَدُوْا، وَرَجُلٌ سَعَىْ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ بِالكَذِبِ حَتَّى يغيِّرَهُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الحَقِّ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَخْلُفُهُ عَلَيْهَا مِنْ بَعْدِهِ". وروى تمَّام في "جزءٍ من حديثه" عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "شِرَارُ أُمَّتيْ أَولُ مَنْ يُسَاقُ إِلىْ النَّارِ الأَقْمَاعُ مِنْ أُمَّتيْ، إِذَا أَكَلُوْا لَمْ يَشْبَعُوْا، وَإِذَا جَمَعُوْا لَمْ يَسْتَغْنُوْا". والأقماع في الأصل: جمع قَمع -بفتح أوله وإسكان ثانيه، وكسر أوله وإسكان ثانيه وفتحه-: ما يوضع في فم الإناء، ينصب فيه الدُّهن وغيره.

стр. 6041

فشبه به الذين لا ينتفعون في الآخرة بما يجمعون في الدنيا، كأن ما يأكلونه ويجمعونه يمر بهم مجتازًا غير ثابت النفع لهم، ولا باقي عندهم، كما يمرُّ الشراب والدهن بالقمع اجتيازًا؛ ذكره صاحب "النهاية"، وغيره (١). وكذلك قوله ﷺ : "ويلٌ لأَقْمَاعِ الْقَوْل" (٢): شبه أسماع الذين يسمعون القول ولا يَعُونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما مرَّ بها ولا يبقى فيها. ويحتمل أن يراد بالأقماع في الحديث: من أهل البطالات الذين لا همَّ لهم إلاَّ في ملْء بطونهم وأكياسهم، وتفريغها من غير فائدة، والذين لا همَّ لهم إلا سماع أخبار الناس من قوم، وإلقاؤها إلى آخرين (٣). وروى عبد الرزاق عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "مِنْ شِرَارِ أُمَّتيْ مَنْ يَتَّخِذُ القُبُوْرَ مَسَاجِدَ" (٤).

стр. 6042

وروى أبو نعيم عن أبي الدرداء ﵁ قال: ما لي أراكم تَحْرِصُون على ما كفل لكم به، وتضيعون ما وكلتم به؟ لأَنَا أعلم بشراركم من البيطار بالخيل؛ هم الذين لا يأتون الصلاة إلا دبرًا، ولا يسمعون إلا هُجْرًا، ولا يُعتق محرروهم (١). وعن معاذ رضي الله تعالى عنه: تصديت لرسول الله ﷺ وهو يطوف، فقلت: يا رسول الله! أرنا شرَّ الناس. فقال: "سَلُوْا عَنِ الخَيْرِ، وَلا تَسْألوْا عَنِ الشَّرِّ؛ شِرَارُ النَّاسِ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ فيْ النَّاسِ". وقد تقدم من حديث جابر (٢). والمعنى: أن العلماء إذا كانوا شرارًا كانوا شرًا من الجهلاء إذا كانوا شرارًا؛ لأن شرار الجهلاء لا وازع لهم من علم يمنعهم من ارتكاب الشر، والعالم له وازع من العلم، فإذا ارتكب الشر مع الوازع لم يكن له من العذر في ذلك صغير ولا كبير. وروى الدينوري في "المجالسة" عن الشعبي قال: شرار أهل كل دين علماؤهم غير المسلمين (٣). وهذا يناقضه الحديث المذكور؛ فإنه عام ولا يصلح لحمل

стр. 6043

الحديث عليه إلا إن ثبت هذا في الحديث المرفوع. وروى الشافعي، والبيهقي في "المعرفة" عن ابن أبي ذئب رحمه الله تعالى -معضلًا - قال: قال رسول الله ﷺ : "شِرَارُ قُرَيْشٍ خَيْرُ شِرَارِ النَّاسِ" (١). وليس المراد بالشرار في الحديث من لا خير فيه أصلًا، بل المراد من غلب عليهم الشر حتى سُمُّوا أشرارًا وشرارًا وإن كان فيهم خير. ومحصل معنى الحديث: أنَّ قريشًا أقرب من غيرهم إلى الخير حتى شرارهم. وروى الطبراني في "الأوسط" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "شَرُّ قَتِيْلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، أَحَدُهُمَا يَطْلُبُ المُلْكَ" (٢). أي: واحد منها يطلب الملك، ويقصد حصوله بالمقاتلة لفساد نيته. وهو محمول على أن الصفين مسلمون لا يقاتلون لإعلاء كلمة الدين، بل لطلب الملك، فمن قتل منهم على هذه النية فهو شر القتلى.

стр. 6044

وروى أبو نعيم عن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ الرَّقيْقِ الزِّنْجُ؛ إِنْ شَبِعُوْا زَنَوْا، وَإِنْ جَاعُوْا سَرَقُوْا" (١). واعلم أن شَرِّية ابن آدم ليست من حيث الأصل والنسب؛ فإن أصله كريم ونسبه طيب، وإنما تكون شريته من حيث اتصافه بالشر خلقًا أو عملًا أو قولًا، فينبغي له أن يتجنب شرار الأخلاق، والأعمال والأقوال؛ فإن النبي ﷺ قد قال: "إِنمَّا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُمِ، وَالحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوْقَهُ" (٢)، فإنما يتصف بالشر أهله والشر للشر خلق. وقد روى البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود بسند جيد، وآخرون عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ مَا فيْ الرَّجُلِ شُحٌّ مُطَاعٌ، وَجُبْن خَالِعٌ" (٣). وروى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي عن رافع بن خَديج رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "شَرُّ الْكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِي وَثَمَنُ الْكَلْبِ وَكَسْبُ الحَجَّامِ" (٤).

стр. 6045

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَليْمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيْهَا، وَيُدْعَىْ إِليْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لا يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَىْ اللهَ وَرَسُوْلَهُ" (١). وروى الطَّبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَليْمَةِ، يُدْعَىْ إِلَيْهِ الشَّبْعَانُ، وَيُحْبَسُ عَنْهُ الجَائِعُ" (٢). وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "شَرُّ المَالِ فيْ آخِرِ الزَّمَانِ المَمَالِيْكُ" (٣). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ البُيُوْتِ الحَمَّامُ، تَعْلُوْ فِيْهِ الأَصْوَاتُ، وَتُكْشَفُ فِيْهِ الْعَوْرَاتُ، فَمَنْ دَخَلَهُ لا يَدْخُلْ إِلاَّ مُسْتَتِرًا" (٤).

стр. 6046

وروى البخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ بَيْتٍ فيْ المُسْلِمِيْنَ بَيْتٌ فِيْهِ يَتِيْمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتِ فيْ المُسْلِمِيْنَ بَيْتٌ فِيْهِ يَتِيْمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ، أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيْمِ فيْ الجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ" (١). وروى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَمَّا بَعْدُ! فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيْثِ كِتَابُ اللهِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدِ، وَشَرُّ الأُمُوْرِ مُحْدَثَاتُهَا"، الحديث (٢). وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال في حديث: "أَلا إِنَّ خَيْرَ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ بَطِيْءَ الْغَضَبِ سَرِيْعَ الرضَا، وَشَرُّ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ سَرِيْعَ الْغَضَبِ بَطِيْءَ الرِّضَا، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ بَطِيْءَ الْغَضَبِ بَطِيْءَ الْفَيْءِ، وَسَرِيْعَ الْغَضَبِ بَطِيْءَ الْفَيْءِ فَإِنَّهَا بهَا، أَلا إِنَّ خَيْرَ التُّجَّارِ مَنْ كَانَ حَسَنَ الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ، وَشَرُّ التُّجَارِ مَنْ كَانَ سَيِّءَ الْقَضَاءِ سَيِّءَ الطَّلَبِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ حَسَنَ الْقَضَاءِ سَيِّءَ الطَّلَبِ أَوْ كَانَ سَيِّءَ

стр. 6047

الْقَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ فَإِنَّهَا بهَا" (١). وروى الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشعب" بسند ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "حَسْبُ المُؤْمِنِ مِنَ الشَّرِّ إِلاَّ مَنْ عَصَمَهُ اللهِ أَنْ يُشِيْرَ إِلَيْهِ النَّاسُ بِالأَصَابعِ فيْ دِيْنِهِ وَدُنْيَاه" (٢). وذكره في "الإحياء" عن جابر، ولا يُعرف من حديثه، كما قال العراقي (٣). ورواه البيهقي من حديث أنس ﵁، ولفظه: "حَسْبُ امْرِئٍ مَنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالأَصَابعِ" (٤)، مُقْتَصِرًا عَلَىْ ذَلِكَ. وحديثه في "مسلم" بلفظ: "كَفَىْ بِالمَرْءِ إِثْمًا" (٥).

стр. 6048

ورواه الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن مرسلًا، ولفظه: "كَفَىْ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الشَرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالأَصَابعِ إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللهُ وَرَحِمَ" (١). وذلك أنه إذا أُشير إليه وعول عليه رأى لنفسه مزية وفضلًا، ومتى رأى فضل نفسه ومزيتها عَمِيَ عن معايبها فلم يجتنبها، ولم يحذر من غوائل شهوات. ومن هنا مُدِحَ اتهامُ الإنسان لنفسه وظنُّه الشرَّ بها. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أن موسى ﵇ قال لبني إسرائيل: ائتوني بخيركم رجلًا، فأتوه برجل؛ قال: أنت خير بني إسرائيل؟

стр. 6049

قال: كذلك يزعمون. قال: اذهب فائتني بشرهم. قال: فذهب، فجاء وليس معه أحد، فقال: جئني بشرهم؟ قال: أنا ما أعلم من أحدٍ منهم ما أعلم من نفسي. قال: أنت خيرهم (١). ومن هنا لمَّا سُئِلَ أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: متى يكون الرجل متواضعًا؟ قال: إذا لم يَرَ لنفسه مقاما ولا حالًا، ولا يرى أنَّ في الخلق من هو شرٌ منه (٢). وسُئل يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى عن التواضع، فقال: أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدًا إلا رأيته خيرًا منك (٣). وسُئِل سفيان الثوري، أو عبد الله بن المبارك: متى يكون الرجل متكبرًا؟ قال: متى رأى أن في الناس من هو شرٌ منه، فهو متكبر (٤). ووجه ذلك: أنه من ذَنْبِه وعَيبِ نفسِه على يقين، وهو من عيب

стр. 6050

غيره على ظن وتخمين؛ كما أشار إلى ذلك صاحب موسى ﵇. وروى الترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وقِيَ شَرَّ لقلقهِ وَقبقبهِ وَذبذبهِ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَةُ" (٢). اللقلق: اللسان. والقبقب: البطن. والذبدب: الذكر. وروى الإمام أحمد -ورواته يحتج بهم في "الصحيح" - عن حميد بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! أوصني. قال: "لاَ تَغْضَبْ". قال: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع

стр. 6051

الشر كله (١). وروى الحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اجْتَنِبُوْا الخَمْرَ؛ فَإِنَّها مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال في كلامٍ له: وشر العمى عمى القلب، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل مال اليتيم (٣). ويروى مرفوعاً من حديث عقبة بن عامر، وأبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنهما (٤). واعلم أن القول الجامع في هذا الباب، والحكمة البالغة قول الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. ويذكر أن النبي ﷺ كان يُسمي هذه الآية: "الجامعة الفاذَّة". أخرجه عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى (٥)، وشاهده في "الصحيح" (٦).

стр. 6052

وروى الإمامان عبد الله بن المبارك في "الزهد"، وأحمد، والنسائي، والحاكم وصححه، عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أو جده: أنه قدم على النبي ﷺ ، فسمعه يقرأ هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ ... إلى آخره، فقال: حسبي حسبي، لا أُبالي أن أسمع غيرها. وفي رواية: أن لا أسمع من القرآن غيرها (١). وروى عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أن النبي ﷺ دفع رجلاً إلى رجلٍ يعلمه، فعلمه حتى بلغ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ فقال: حسبي. فقال الرجل: يا رسول الله! أرأيت الرجل الذي أمرتني أن أُعلمه لمَّا بلغ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ قال: حسبي. فقال النبي ﷺ : "دَعْهُ؛ فَقَدْ فَقُهَ" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وغيره عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: لولا ثلاث لأحببتُ أن لا أبقى في الدنيا: وضعي وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار تقدمةً لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تُنتقى الفاكهة.

стр. 6053

وتمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه في مثقال ذرة، حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حاجزاً بينه وبين الحرام؛ إنَّ الله قد بين للناس الذي هو مصيرهم إليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]؛ فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه، ولا شيئاً من الشر أن تفعله (١). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن شدَّاد بن أوس رضي الله تعالى عنه: أنه خطب الناس، فحمد الله أثنى عليه، وقال: يا أيُّها الناس! ألا إنَّ الدنيا عَرَضٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة أجلٌ مستأخر، يقضي فيه ملكٌ قادر. ألا وإنَّ الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار. ألا واعلموا أنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره (٢). وروى المفسرون، والطَّبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الشُّعب" عن أنس ﵁ قال: بينما أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يأكل مع رسول الله ﷺ إذ نزل عليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا

стр. 6054

يَرَهُ﴾ الآية، فرفع أبو بكر يده، وقال: يا رسول الله! لراءٍ ما عملت من مثقال ذرة من شر. فقال: "يَا أَبَا بَكْر! أَرَأَيْتَ مَا تَرَىْ فيْ الدُّنْيَا ممَّا تَكْرَهُ فَبِمَثَاقِيْلِ ذَرِّ الشَّرِّ، وَيُدَّخَرُ لَكَ مَثَاقِيْلُ ذَرِّ الخَيْرِ حَتَّى تُوَفَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). ورواه إسحاق بن راهويه، والحاكم عن أبي أسماء قال: بينما أبو بكر يتغدى مع رسول الله ﷺ إذا نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ إلى آخره، فأمسك أبو بكر، وقال: يا رسول الله! كل ما عملنا من سوء رأيناه؟ فقال: "ما تَرَوْنَ مِمَّا تَكْرَهُونَ فَذاكَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ، ويؤَخَّرُ الْخَيْرُ لأَهْلِهِ فِي الآخِرَةِ" (٢). * تَنْبِيهٌ: ينبغي للعبد أن يعتزل أهل الشر ويعزل شره عن أهل الخير، ولا يشارَّ أهل الشر، بل يدفع بالتي هي أحسن، ويعفو أو ينتقم من غير مجاوزة، وقد سبق الحديث: "وَمَنْ يَتَوَقَّى الشَّرَّ يُوقَهُ" (٣). وروى ابن عساكر عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "إِيَّاكَ وَقَرِينَ

стр. 6055

السُّوءِ؛ فَإِنَّكً بِهِ تُعْرَفُ" (١). وروى ابن أبي الدنيا في "المداراة" عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَمُشارَّةَ النَّاسِ؛ فَإِنَّها تَدْفِنُ الغُرَّةَ، وَتُظْهِرُ الْعَوْرَةَ" (٢). وروى الشيخان، وغيرهما عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال: "مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فيْ سَبِيْلِ اللهِ". قال: ثمَّ من؟ قال: "ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فيْ شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، ويدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ". وفي رواية: "يَتَّقِي اللهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ" (٣). وما أحسن قولَ من قال: [من مجزوء الخفيف] يا خَلِيلَيَّ عَدِّيا ... عَنْ حَدِيثِ الْمَكارِمِ مَنْ كَفى النَّاسَ شَرَّهُ ... كانَ فِي جُودِ حاتِمِ

стр. 6056

وقلتُ في هذا الباب: [من مجزوء الرمل] افْعَلِ الْخَيْرَ يَسُرُّكْ ... وَاكْفِ كُلَّ النَّاسِ شَرَّكْ إِنَّ ذا يَجْلُو لَكَ الْفِكْـ ... ـرَ وَيُخْلِي لَكَ بِرَّكْ وَاحْتَسِبْ بِاللهِ تُكْفَى الشَّـ ... ـرَّ حَتَى لا يَضُرَّكْ اسْمَعِ النُّصْحَ وَلا تُصْغـ ... ـغِ إِلَى مَنْ كان غَرَّكْ إِنَّ مَنْ حَرَّكَ شَرًّا ... ذُمَّ ما قَدْ كانَ حَرَّكْ مَنْ يُثِرْ مِنْكَ بِما قا ... لَ لَمَّا غاظَ مقرَّكْ فَهْوَ ما رامَ لَكَ الْخَيْرَ ... وَلا بِالنُّصْحِ بَرَّكْ رُبَّ ما قَلَّ مِنَ الشَّرِّ ... إِلَى الأَكْثَرِ جَرَّكْ رُبَّما قُلْتَ لِمَا اسْتَحْـ ... ـلَيْتَ ما كانَ أَمَرَّكْ رُبَّ فِعْلٍ كُنْتَ تَرْضَى ... تَرْكَهُ قَدْ كانَ أَبْرَكْ رُبَّما كانَ مِنَ القَوْلِ ... الَّذي قَدْ خَفَّ معرَّكْ رُبَّ ذِي صَمْتٍ لِما شا ... ءَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَدْرَكْ إِنَّ خُبْرَ الندبِ يُجدِيـ ... ـكَ وَإِنْ خالَفَ خُبْرَكْ وَالتَّأنِّى بِكَ أَوْلَى ... بِكَ أَنْ تُحْكِمَ أَمْرَكْ عَمْرَكَ اللهَ اسْتَمِعْ لِي ... فَعَسى تُحْمَدُ عَمْرَكْ

стр. 6057

* تَتِمَّةٌ: تقدم قوله ﷺ : "وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوْقَهُ" (١). هذا التوقي - وإن كنا مأمورين به - فإنه لا يكون إلا بتوفيق الله وإعاذته إيانا من الشر. ثم جاءت الاستعاذة من الشر وذوات الشر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وكفاك إن كنت مكتفياً السورتان المعوذتان. روى النسائي عن ابن عابس الجهني رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال له: "يَا ابْنَ عَابِسٍ! أَلا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلَ مَا تَعَوَّذَ بِهِ المُتَعَوِّذُوْنَ؟ ". قلت: بلى يا رسول الله. قال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]؛ هُمَا المُعَوِّذَتَان" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا سَأَلَ سَائِلٌ وَلا اسْتَعَاذَ مُسْتَعِيْذٌ بِمِثْلِهِمَا" (٣)؛ يعني: المعوذتين.

стр. 6058

وروى الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم وصححه، عن أبي ذر، والإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر رضي الله تعالى عنه: "يَا أَبَا ذَرٍّ! تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ شَرِّ شَيَاطِيْنِ الإِنْسِ وَالجِنِّ". قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله! وللإنس شياطين؟ قال: "نعَمْ" (١). وروى أبو داود الطَّيالسي، والطَّبراني في "الكبير" عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ" (٢). وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ" (٣). وروى ابن ماجه، والحاكم وصححه، من حديثها: أن النبي ﷺ

стр. 6059

قال لها: "عَلَيْكِ بِالجَوَامعِ الْكَوَامِلِ، قُوْليْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهُ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَسْألُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَأَسْألكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَرَسُوْلُكَ مُحَمَّد ﷺ ، وَأَسْتَعِيْذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُوْلُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ ليْ مِنْ أَمْرٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ رُشْدًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ" (١). وروى الترمذي، والحاكم عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه: أن من دعاء النبي ﷺ : "اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فيْ الأَمْرِ، وَالْعَزِيْمَةَ عَلَىْ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيْمًا، وَخُلُقًا مُسْتَقِيْمًا، وَلِسَاناً صَادِقًا، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوْبِ" (٢). وروى الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي من حديثه رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ: اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّيْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنيْ وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَىْ عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوْءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوْءُ بِذَنْبيْ

стр. 6060

فَاغْفِرْ ليْ، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُنُوْبَ إِلَّا أَنْتَ. مَنْ قَالهَا مِنَ النَّهَارِ مُوْقِنًا بهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنةِ، وَمَنْ قَالهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوْقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ" (١). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهُمَّ أَصْلِحْ ليْ دِيْنيْ الَّذِيْ هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِيْ، وَأَصْلحْ ليْ دُنْيَايَ الَّتيْ فِيْهَا مَعَاشِيْ، وَأَصْلِحْ ليْ آخِرَتيْ الَّتيْ فِيْهَا مَعَادِيْ، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيادَةً ليْ فيْ كُل خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةَ ليْ مِنْ كُلِّ شَرٍّ" (٢). وروى أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وصححوه، عن أبي هريرة ﵁: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله! مُرني بكلماتٍ أقولهن إذا أصبحتُ وإذا أَمْسيت. قال: "قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيْكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِيْ وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ". قال: "قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ" (٣).
следующие страницы →