← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

التي تخشى في النظر إلى الأجنبية مأمونة في الملائكة، ومن ثَمَّ حضرت رسل إبراهيم ﵇ على سارة ﵂ وخلا جبريل بمريم ﵉ حين تمثل لها بشراً سوياً وهي في عزلتها عن أهلها. وقيل: كانت تغتسل في شرفتها فتمثل لها (١). وليس لأحد من البشر أن يتشبه بالملائكة في مثل ذلك؛ لأن الفتنة في البشر غير مأمونة حتى قال يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣]. قال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني: جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]؛ يعني: معتدلاً شاباً أبيض الوجه، جَعْداً، قططا حين اخضر شاربه، فلما نظرت إليه قائماً بين يديها: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]؛ يعني: إن كنت تخاف الله. رواه ابن عساكر، وغيره (٢). قال في "الكشاف": وإنما مثل لها في سورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت، ولم تقدر على استماع كلامه.

стр. 632

قال: ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثله على تلك الصفة ابتلاءً لها، وسبراً لعفتها (١)، انتهى. وقال القاضي: أتاها جبريل ﵇ في سورة غلام (٢) أمرد سويِّ الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها (٣). انتهى. ويدل له ما رواه ابن عساكر عن ابن عبَّاس قال: فدنا جبريل، فنفخ في جيبها، فوصلت النفخة جوفها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة، ووضعته كما تضع النساء (٤). وفيه دليل على أن عيسى ﵇ مخلوق من نطفة أمه، وكان بدو جبريل لمريم ونفخه في جيبها بأمر الله تعالى لتظهر هذه الآية العظيمة، والحكمة البالغة، ويظهر أن مريم في أعلى طبقات العفة كما أمر الله تعالى رسل إبراهيم ﵈ أن يظهروا لقوم لوط في صور بشر مرد حسان ليكونوا شهداء عليهم بالعزم على الفاحشة، وكانوا أربعة على عدد الشهود الذين يثبت بهم الزنا واللواط.

стр. 633

روى ابن أبي حاتم عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورفائيل (١). وروى ابن أبي حاتم أيضاً، عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ النَّاسَ كانُوْا أَنْذَرُوْا قَوْمَ لُوْطٍ، فَجاءَتْهُمُ الْمَلائِكَةُ عَشِيَّةً، فَمَرُّوْا بنادِيْهِمْ، فَقالَ قَوْمُ لُوْطٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا تُنَفِّرُوْهُمْ - وَلَمْ يَرَوْا قَوْماً قَطُّ أَحْسَنَ مِنَ الْمَلائِكَةِ - فَلَمَّا دَخَلُوْا عَلَىْ لُوْطٍ ﵇ رَاوَدُوْهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّىْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتِهِ، فَأَبَوْا، فَقالَتِ الْمَلائِكَةُ ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]، قالَ: رُسُلُ رَبِّيْ؟ قالُوْا: نعَمْ، قالَ لُوْطٌ: فَالآنَ إِذَنْ" (٢). أي: فالآن لا أخاف عليكم من قومي؛ اطمأن عليهم حين علم أنهم ملائكة يمتنعون من قومه. ولو أن بشراً لهم جمالهم وحسنهم لم يكن لهم أن يخالطوا قوم لوط وهم يعلمون أنهم كانوا يأخذون الغرباء قهراً، وينكحونهم جبراً - كما ذكر عنهم في الأثر - (٣) بل ربما جرى من الملائكة ما لا يجوز لأحد من البشر أن يتشبه بهم فيه؛ لأنهم إنما فعلوا

стр. 634

ذلك بأمر من يملك البرية، وهم عباده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. كما روي: أن ملكين التقيا في السماء - أحدهما صاعد، والآخر هابط - فقال: الهابط للصاعد: أين كنت؟ قال: في الأرض، قال: لماذا بعثت؟ قال: لأسوق حوتا من قرار البحر إلى مدينة كذا ليأكله فلان الكافر، قال: وأنت أين تذهب؟ قال: بعثت لأهريق زيتاً اشتراه فلان العابد بدانق (١). فلو أراد أحد من البشر أن يتشبه بهذين الملكين، لم يجز له؛ لأن فعلهما دائر في أفعال البشر بين إعانة لعاص، وإضرار ببارِّ، وإنما أمر به الملكان إملاءً للأول، وابتلاءً للثاني. ومن هذا الفن تعليم الملكين الناسَ السحرَ ببابل امتحاناً، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وروى عبد بن حُميد عن أبي مِجْلَز في قوله تعالى: ﴿إلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، قال: إن إسرائيل هو يعقوب ﵇، وكان رجلاً بطيشاً، فلقي ملكاً، فعالجه، فصرعه الملك، ثم

стр. 635

ضرب فخذه، فلمَّا رأى يعقوب ما صنع به بطش به، فقال: ما أنا بتاركك حتى تسمينَي اسماً، فسماه إسرائيل، فلم يزل يوجعه ذلك العِرْق حتى حَرَّمَهُ من كل دابة (١). فانظر كيف بعث الله هذا الملك فصرع يعقوب حتى أوجعه عِرقُ النَّسَا، فحرم بسببه كل عرق، ثم كان في تحريمه ابتلاء لبني إسرائيل من بعده، ومثل ذلك لا يتأتى فيه التشبه بالملك. وكذلك بعث الله الملكين في سورة الخصوم إلى داود ﵇ لامتحانه. قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢١، ٢٢] الآية. روى ابن جرير، عن ابن عبَّاس: أن الملك لما قال لداود: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، قال له داود: كنت أحوج إلى نعجتك منه، ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، ونسي نفسه ﷺ ، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخر، فرآه داود، فظن أنما فتن، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة

стр. 636

من دموع عينيه، ثم شد الله ملكه (١). والخصمان اللذان تخاصما إلى داود في النعاج المكنَّى بها عن النساء كانا ملكين عند ابن عبَّاس وأكثر المفسرين، ولا نعاج ولا نساء، وإنما أمرا بفعل ذلك تمثيلاً لحال داود ليتيقظ ويتفطن، ولذلك لما فَطِن تاب واستغفر، وبكى على ذنبه أربعين يوماً. وهذا من باب المعاريض، وليس بكذب، وإنما عَرَّضا به لأجل هذا الأمر العظيم، والمقصود المهم. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ ثَلاثَةَ نَفَرٍ فِي بَنِيْ إِسْرائِيْلَ، أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَىْ، بَدا لِلَّهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأَتَىْ الأَبْرَصَ فَقالَ: أَيّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلدٌ حَسَن، وَيَذهَبُ عَنّيْ هَذا، قَدْ قَذِرنيْ النَّاسُ، فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ، وَأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً، وَجِلْداً حَسَناً، فَقالَ: أَيُّ الْمالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ ناقَةً، عُشَراءَ، فَقالَ: يُبارَكُ لَكَ فِيْها. وَأَتَىْ الأَقْرَعَ فَقالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ فَقالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ هَذا عَنِّيْ، قَدْ قَذِرَنِيْ النَّاسُ، فَمَسَحَهُ، فَنَهبَ، وَأُعْطِيَ شَعْراً حَسَنا، قالَ: فَأَيُّ الْمالِ أَحبُّ إِلَيْكَ؛ قالَ: الْبَقَرُ، فَأَعْطاهُ بَقَرَةً حامِلاً، وَقالَ: يُبارَكُ لَكَ فِيْها.

стр. 637

وَأَتَىْ الأَعْمَىْ فَقالَ: أَيّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: يَرُدُّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِيْ، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قالَ: فَأَيُّ الْمالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الْغَنَمُ، فَأَعْطاهُ شاةً وَالِداً. فَأَنتجَ هَذانِ، وَوَلَدَ هَذا، فَكانَ لِهَذا وادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذا وادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذا وادٍ مِنْ غَنَمٍ. ثُمَّ إِنَّهُ أَتَىْ الأَبْرَصَ فِيْ صُوْريهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقالَ: رَجُلٌ مِسْكِيْنٌ تَقَطَّعَتْ بِهِ الْحِبالُ فِيْ سَفَرِهِ، فَلا بَلاغَ الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْألكَ وَبِالَّذِيْ أَعْطاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيْراً أتَبَلَّغُ بِةِ فِيْ سَفَرِيْ، فَقالَ لَهُ: إِنَّ الْحُقُوْقَ كَثِيْرةٌ، فَقالَ لَهُ: كَأنَّي أَعْرِفُكَ؛ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذِرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيْراً فَأَعْطاكَ اللهُ؟ قالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكابِرٍ عَنْ كابِرٍ، قالَ: فَإِنْ كُنْتَ كاذِباً فَصَيَّرَكَ إِلَىْ ما كُنْتَ. وَأتىْ الأَقْرَعَ فِيْ صُوْرتِهِ، فَقالَ لَهُ مِثْلَ ما قالَ لِهَذا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ما رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقالَ: إِنْ كُنْتَ كاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَىْ ما كُنْتَ. وَأَتَىْ الأَعْمَىْ فِيْ صُوْرَتهِ، فَقالَ: رَجُل مِسْكِيْنٌ، وَابْنُ سَبِيْلٍ، وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبالُ فِيْ سَفَرِيْ، فَلا بَلاغَ الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْألكَ بِالَّذِيْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أتبَلَّغُ بِها فِيْ سَفَرِيْ، فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ بَصَرِيْ، وَفَقِيْراً [فقد أَغْنَاني]، فَخُذْ ما شِئْتَ، فَوَاللهِ لا أَجْهَدُكَ (١) الْيَوْمَ لِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقالَ: أَمْسِكْ مالَكَ؛ فَإِنَّما ابْتُلِيْتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ

стр. 638

عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَىْ صاحِبَيْكَ" (١). فقد علم بذلك أن أفعال الملائكة ﵈ على وفق ما يؤمرون به لا يمنعهم من فعل ما أمروا به منها حظ نفس، ولا طلب شهوة، ولا قسوة، ولا رحمة، اطلعوا على حكمته أم لم يطلعوا، وأنه لا يتهيأ للبشر التشبه بهم في كل ما يفعلونه لاتصافهم بالحظوظ، وابتلائهم بالشهوات، ولغير ذلك. بل ثَمَّ أفعال يتأتى صدورها عن البشر على وفق الشرائع التي كلفوا بها، فيحسن التشبه بهم منهم فيها دون ما لا يتأتى منهم صدوره منها على وفق الشريعة؛ فافهم.

стр. 639

فَصْلٌ اعلم أن لهذه الأمة المحمدية طاعات يباهي الله تعالى بهم الملائكة بسببها؛ إمَّا لأنها ليست من أعمال الملائكة، وإمَّا لأنها تؤدى في البشر أكمل مما تؤدى في الملائكة، وإمَّا لغير ذلك، فأردت أن أذكر هنا نبذة في خاتمه هذا الباب. روى مسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: "ما أَجْلَسَكُمْ؟ " قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومَنَّ به علينا، قال: "آللهِ ما أَجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ؟ " قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: "أَما إِنَّي لا أَسْتَحْلِفُكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتانِيْ جِبْرِيْلُ ﵇ فَأَخْبَرنيْ أَنَّ اللهَ يُباهِيْ بِكُمُ الْمَلائِكَةَ" (١). المباهاة: من البهاء، وهو الحسن والجمال؛ أي: يفاخر الملائكة بحالتكم البهية، ويقول لهم: انظروا إلى عبادي كيف حاشهم

стр. 640

ذكري، وجمع بينهم شكري. وروى الإمام أحمد بسند حسن، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: تعال نؤمنْ بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل، فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أما ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟ فقال النبي ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ رَواحَةَ؛ إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجالِسَ الَّتِيْ تباهَىْ بِها الْمَلائِكَةُ" (١). قلت: معنى تباهي الملائكة بمجالس الذكر: أن الملائكة الذين شهدوا مجلس الذكر يباهون الذين لم يشهدوها، أو يباهي أهل المجلس الذي أهله أقرب إلى الإخلاص والصدق أهل المجلس الذي لم يكن كذلك. وليس معناه المباهاة في الهيئة والصفة الظاهرة، أو في الألحان، أو فيما يشتمل عليه المجلس من التغيير بالشعر ونحوه؛ فإن ذلك مذموم، وهو حال من ينسب الآن إلى الصوفية، ولم يشموا للطريق رائحة، ولا من وراءِ وراء. وقد وردت المفاخرة بالذكر والذاكرين بين البقاع، وهي أبلغ منها بين الملائكة.

стр. 641

روى أبو حفص بن شاهين في "التَّرغيب في الذكر" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ بُقْعَةٍ يُذْكَرُ اللهُ فِيْها إِلاَّ اسْتَبْشَرَتْ بِذِكْرِ اللهِ إِلَىْ مُنتهاها مِنْ سَبع أَرَضِيْنَ، وَفَخَرَتْ عَلَىْ ما حَوْلَها مِنَ الْبِقاعِ، وَما مَرَّ مُؤْمِنٌ بِقَوْمٍ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ إِلاَّ تَزَخْرَفَتْ بِهِ الأَرْضُ" (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ بُقْعَةٍ يُذْكَرُ اللهُ فِيْها إِلاَّ فَخَرَتْ عَلَىْ ما حَوْلَها مِنَ الْبِقاعِ، وَاسْتَبْشَرَتْ لِذِكْرِ اللهِ مُنتهاها إِلَىْ سَبع أَرَضِيْنَ" (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" بإسناد صحيح، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان! هل مرَّ بك اليوم لله ذاكر؟ استبشاراً لذكر الله (٣). وقال الشيخ محي الدين بن العربي في "الفتوحات" - بعد أن ذكر السياحة والسائحين -: وذلك أن العارفين بالله لما علموا أن الأرض تزهو، وتفخر بذكر الله عليها، وهم أهل إيثار، وسعي في حق الغير،

стр. 642

رأوا أن المعمور من الأرض لا يخلو من ذاكر لله تعالى من البشر، فلزم بعض العارفين السياحة صدقة منهم على البَيداء، وسواحل البحار، وبطون الأودية، وقُلَلِ الجبال والشِّعاب التي لا يطرقها إلا أمثالهم (١). انتهى. ثم إن مباهاة الله تعالى ملائكته بالذاكرين تارة تكون بأنفسهم، وتارة بمجلسهم، وتارة بهما، وحديث معاوية يدل على المعاني الثلاثة، وحديث ابن رواحة يدل على المعنى الثاني فقط. وروى ابن أبي شيبة، عن عبد الرَّحمن بن سابط قال: دفع رسول الله ﷺ إلى حلقة وهم يذكرون الله، فقال: "إِنَّ اللهَ لَيُباهِيْ بِمَجْلِسِكُمْ أَهْلَ السَّماء" (٢). ومجالس الذكر شاملة لمجالس العلم، بل هي أفضلها. وقد روى الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" عن الوليد بن مسلم قال: شيَّعَنا الأوزاعيُّ رحمه الله تعالى وقتَ انصرافِنا من عنده، فأبعد في تشييعنا حتى مشى معنا فرسخين أو ثلاثة، فقلنا له: أيها الشيخ! يصعب عليك المشي على كبر السن، قال: امشوا واسكتوا، لو علمت أن لله تعالى طبقة أو قوماً يباهي الله بهم، أو أفضل منكم لمشيت معهم وشيعتهم، ولكنكم أفضل الناس (٣).

стр. 643

وروى ابن النجار في "تاريخه"، والديلمي في "مسند الفردوس" عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثَةُ أَصْواتٍ يُباهِيْ اللهُ بِهِنَّ الْمَلائِكَةَ: الأَذانُ، وَالتَّكْبِيْرُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ". قلت: الثلاثة كلها من ذكر الله تعالى، ولكن كان لها خصوصية في المباهاة لم تكن لسائر الأذكار. وروى الخطيب في "تالي التلخيص" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَقَلَّدَ سَيْفاً فِيْ سَبِيْلِ اللهِ قَلَّدَهُ اللهُ وِشاحاً فِيْ الْجَنَّةِ لا تَقُوْمُ لَهُ الدُّنْيا مُنْذُ يَوْمِ خَلَقَها اللهُ إِلَىْ يَوْمِ يُفْنِيْها، وإِنَّ اللهَ لَيُباهِيْ بِسَيْفِ الْغازِيْ، وَرُمْحِهِ، وَسِلاحِهِ، وإِذا باهَىْ اللهُ بِعَبْدٍ لَمْ يُعَذِّبْهُ اللهُ" (١). وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: صلَّينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء رسول الله ﷺ مسرعاً قد حَفَزَه النَّفَسُ قد حَسَرَ عن ركبته، قال: "أَبْشِرُوْا؛ هَذا رَبّكُمْ قَدْ فَتَحَ باباً مِنْ أَبْوابِ السَّماءِ يُباهِيْ بِكُمُ الْمَلائِكَةَ، يَقُوْلُ: انْظُرُوْا إِلَىْ عِبادِيْ قَدْ قَضَوْا

стр. 644

فَرِيْضَةً، وَهُمْ يَنْتَظِرُوْنَ أُخْرَىْ" (١). وروى البزار، والطبراني في "الكبير" عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلى ومعه جماعة من أصحابه الأولى، ثم جلسوا فخرج عليهم، فقال: "ما بَرَحْتُمْ بَعْدُ؟ " قالوا: لا، قال: "لَوْ رَأَيْتُمْ رَبَّكُمْ فَتَحَ باباً فِيْ السَّماءِ، فَأَرَىْ مَجْلِسَكُمْ مَلائِكَتَهُ يُباهِيْ بِكُمْ وَأَنتُمْ تَرْقُبُوْنَ الصَّلاةَ" (٢). وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه في "جزء" جمع فيه كلام أستاذه أبي علي الدَّقَّاق ﵁: وسمعته يقول: الملائكة لهم عبادة، وليس لهم انتظار العبادة، الانتظار لنا، قال ﷺ : "الْمُنتظِرُ لِلصَّلاةِ فِيْ الصَّلاةِ" (٣)، والانتظار من صفات المحبين، وأنشد: [من الطويل] أُرَاعِيْ نُجُوْمَ اللَّيْلِ حَتَّىْ كَأَنَّنِيْ ... عَلَىْ كُلِّ نَجْمٍ فِيْ السَّمَاء رَقِيْبُ (٤)

стр. 645

قلت: والظاهر أن انتظار الفرج كانتظار العبادة في تخصيصه بأخيار البشر؛ لأنه يحتاج إلى صبر، وهو خاص بهم، كما سيأتي. وقد روى القضاعي عن ابن عمر، وابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ﷺ قال: "انْتِظارُ الْفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبادةٌ" (١). وأخرجه ابن أبي الدنيا من رواية علي رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "انْتِظارُ الْفَرَجِ عِبادةٌ، وَمَنْ رَضِيَ بِالْقَلِيْلِ مِنَ الرِّزْقِ رَضِيَ اللهُ مِنْهُ بِالْقَلِيْلِ مِنَ الْعَمَلِ" (٢). وروى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَلُوْا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبادَةِ انْتِظارُ الْفَرَج" (٣).

стр. 646

أي: أفضل العبادة للمكروب والمهموم انتظار الفرج، والكرب والهم لا يتحقق في حق الملائكة ﵈؛ إذ لا شهوة لهم يخشون فواتها؛ إذ عيشهم فيما هم فيه، فلا يبعد أن يكون انتظار الفرج مما يباهى به الملائكةُ - أيضاً -. وروى ابن السني، والديلمي عن طلحة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُباهِيْ الْمَلائِكَةَ بِالشَّابِّ الْعابِدِ؛ يَقُوْلُ: انْظُرُوْا إِلَىْ عَبْدِيْ تَرَكَ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِيْ". وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن خالد بن معدان رحمه الله تعالى قال: إن الله ﵎ يفاخر ملائكته بعبديه الشابين - يعني: الشاب، والشابة - يقول لملائكته: انظروا إلى عبدَيَّ كيف يلتمسان مرضاتي؛ أي: بطاعتي، وعبادتي. وروى ابن عدي في "الكامل" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُباهِيْ الْمَلائِكَةَ بِمَنْ قَلَّ مَطْعَمُهُ (١) فِيْ الدُّنْيا يَقُوْلُ: انْظُرُوْا إِلَىْ عَبْدِيْ ابْتَلَيْتُهُ بِالطَّعامِ وَالشَّرابِ فِيْ الدُّنْيا، فترَكَهُما، أُشْهِدُكُمْ يا مَلائِكَتِيْ: ما مِنْ أكلَةٍ يَدَعُها إِلاَّ أَبْدَلتهُ بِها دَرَجاتٍ فِيْ الْجَنَّةِ" (٢). وروى الطبراني بإسناد جيد، عن عُبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال يوماً - وحضر رمضان -: "أَتاكُمْ رَمَضانُ،

стр. 647

شَهْرُ بَرَكَةٍ يَغْشاكُمُ اللهُ فِيْهِ، فَيُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ، وَيَحُطّ الْخَطايا، وَيَسْتَجِيْبُ فِيْهِ الدّعاءَ، يَنْظُرُ اللهُ إِلَىْ تَنافُسِكُمْ فِيْهِ، وَيُباهِيْ بِكُمْ مَلائِكَتَهُ، فَأَرُوْا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْراً؛ فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيْهِ رَحْمَةَ اللهِ " (١). وإنما تقع المباهاة بالصائمين في رمضان من هذه الأمة؛ لأن الصوم - وإن كان من عبادات الملائكة كما تقدم - فإنه من بني آدم أتم؛ لأن ترك الطعام والشراب من الملائكة ليس فيه كبير أمر لأنهم لا يحتاجون إليه؛ إذ لا شهوة لهم، وسلطان الشهوة لا يقاومه الإنسان إلا بقوة زائدة، وصبر شديد، ولو ركبت تلك الشهوة في الملائكة لما أطاقوا مقاومتها كما علمت من قصة هاروت وماروت، فلذلك يباهي الله بالصَّائم. ألا ترى أن الله تعالى يقول في مباهاة الملائكة: "انظروا إلى عبدي ترك شهوته من أجلي؟ " (٢).

стр. 648

وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدم يُضاعَفُ؛ الْحَسَنةُ بِعَشْرَةِ أَمْثالِها إِلَىْ سَبع مِئَةِ ضِعْفٍ، قالَ اللهُ : إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِيْ، وَأَنا أَجْزِيْ بِهِ؛ يَدَعُ طَعامَهُ، وَشَرابَهُ، وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِيْ". رواه الأئمة مالك، وأحمد، والستة (١). وأراد بقوله: "وشهوته": النكاح؛ لأنه أشار إلى شهوة الطعام والشراب أولاً. وإذا كانت المباهاة للملائكة تكون بترك الشهوة الحلال في الصوم، فكيف بترك الشهوة الحرام إذا أمكنت؟ ومن ثَمَّ كان من دعته امرأة ذات حسن فقال: "إني أخاف الله" (٢) من السبعة المظللين يوم القيامة في ظل العرش، كما سيأتي. بل الصبر عن كل معصية تدعو إليها الشهوة؛ كشرب الخمر، وطلب الدنيا بالطرق المحرمة، ينبغي أن يكون مخصوصاً ببني آدم؛ فإن الصبر كما قال حجة الإسلام: عبارة عن ثبات باعث الدين في مصادمة باعث الهوى (٣)، والملائكة خالون عن الشهوة والهوى، فلا يتحقق معنى الصبر فيهم.

стр. 649

وفي الحديث تسمية رمضان "شهر الصبر" (١). وفيه: "الصوم نصف الصبر" (٢)، أي (٣): الصوم المخصوص ببني آدم، أو بالثقلين نصف الصبر. فأمَّا الصوم من الملائكة فليس من الصبر في شيء؛ إذ لا شهوة لهم، فالمباهاة بالصائمين إنما هي بصبرهم في صومهم عن الشهوات التي لا يتأتى نظيره من الملائكة ﵈، وقد وقعت الإشارة إلى هذا في حديث ابن مسعود السابق يقول الله تعالى: "انظروا إلى عبدي! ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا، فتركهما" (٤). وروى أبو نعيم عن كعب قال: إني لأجد نعت قوم تكون في هذه الأمة بمنزلة الرهبانية، قلوبهم على نور، تنطق ألسنتهم بنور الحكمة، تعجب الملائكة من اجتهادهم واتصالهم بمحبة الله، قيل: يا أبا إسحاق! من هم؟ قال: قوم جوَّعوا أنفسهم له، وظمؤوها، ينادى يوم القيامة: ألا ليقم أهل الجوع والظمأ، فيلقطون من بين الصفوف، فيؤتى بهم إلى مائدة منصوبة لم تر العيون ولم تسمع

стр. 650

الآذان بمثلها، يحبسون عليها والناس في الحساب (١). وروى الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: نزل جبريل ﵇ فقال له النبي ﷺ : "كَيْفَ رَأَيْتَ عِيْدَنا؟ " فقال: "لقد تباهى به أهل السماء" (٢)، الحديث؛ يعني: عيد الأضحى، والتباهي بما فيه من نحر الأضاحي، كما يدل عليه آخر الحديث. وأخرجه البزار، ولفظه: جاء جبريل ﵇ إلى النَّبيّ ﷺ يوم الأضحى، فقال: "كَيْفَ رَأَيْتَ نُسُكَنا هَذَا؟ " قال: "تباهى به أهل السَّماء" (٣). ويحتمل أن تكون المباهاة بالاجتماع يوم العيد على الذِّكر والصَّلاة، فيكون المباهاة بعيد الفطر - أيضاً -. وروى الإمام أحمد، والطَّبرانيُّ عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُباهِيْ مَلائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ؛

стр. 651

يَقُوْلُ: انْظُرُوْا إِلَىْ عِبادِيْ! أتوْنِيْ شُعْثاً غُبْراً" (١). ورواه ابن حبان، والحاكم وصححاه، والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: "إِنَّ اللهَ يُباهِيْ بِأَهْلِ عَرَفاتٍ أَهْلَ السَّماءِ، فَيَقُوْلُ: انْظُرُوْا إِلَىْ عِبادِيْ هَؤُلاءِ! جاؤُوْنيْ شُعْثاً غُبْراً" (٢). وروى مسلم، والنسائي، وابن ماجه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيْهِ عَبِيْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وإِنَّهُ لَيَدْنُوْ فَيتَجَلَّىْ، ثُمَّ يُباهِيْ بِهِمُ الْمَلائِكَةَ، فَيَقُوْلُ: ما أَرادَ هَؤُلاءِ" (٣). وروى أبو يعلى، والطبراني وسنده جيد، وأبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُباهِيْ بِالطَّائِفِيْنَ" (٤).

стр. 652

وروى الطبراني في "الكبير"، والبزار - واللفظ له - عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلما عليه، ثم قالا: يا رسول الله! جئنا نسألك، فقال: "إِنْ شِئْتُما أَخْبَرْتُكُما عَمَّا جِئْتُما تَسْأَلانِيْ عَنْهُ فَعَلْتُ، وَإِنْ شِئتُما أَنْ أُمْسِكَ وَتَسْأَلانِيْ فَعَلْتُ"، فقالا: أخبرنا يا رسول الله، فقال الثقفي للأنصاري: سَلْ، فقال: أخبرني يا رسول الله، فقال: "جِئْتَنِيْ تَسْأَلنِيْ عَنْ مَخْرَجِكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ الْحَرامَ، وَما لَكَ فِيْه؟ وَعَنْ رَكْعَتَيْكِ بَعْدَ الطَّوافِ، وَما لَكَ فِيْهِما؟ وَعَنْ طَوافِكَ بَيْنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةِ، وَما لَكَ فِيْه؟ وَعَنْ وُقُوْفِكَ عَشيَّةَ عَرَفَةَ، وَما لَكَ فِيْهِ؟ وَعَنْ رَمْيِكَ الْجِمارَ، وَما لَكَ فِيْهِ؟ وَعَنْ نَحْرِكَ، وَما لَكَ فِيْهِ مَعَ الإِفاضَةِ؟ ". فقال: والذي بعثك بالحق لَعَنْ هذا جئت أسألك. قال: "فَإِنَّكَ إِذا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ الْحَرامَ لا تَضَعُ ناقتُكَ خُفًّا، وَلا تَرْفَعُهُ إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَكَ بِهِ حَسَنَةً، وَمَحا عَنْكَ خَطِيْئَةً. وَأَمَّا رَكْعَتاكَ بَعْدَ الطَّوافِ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِيْ إِسْماعِيْلَ. وَأَمَّا طَوافُكَ بِالصَّفا وَالْمَرْوَةِ كَعِتْقِ سَبْعِيْنَ رَقَبَةً.

стр. 653

وَأَمَّا وُقُوْفُكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ اللهَ يَهْبِطُ إِلَىْ سَماءِ الدُّنْيا فَيُباهِيْ بِكُمُ الْمَلائِكَةَ، فَيَقُوْلُ: عِبادِيْ جَاؤُونيْ شُعْثاً مِنْ كُلِّ فَج عَمِيْقٍ يَرْجُوْنَ جَنَّتِيْ، فَلَوْ كانت ذُنُوْبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ، وَكَقَطْرِ الْمَطَرِ، أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرْتُها، أَفِيْضُوْا عِبَادِيْ مَغْفُوْراً لَكُمْ، وَمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ. وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمارَ، فَلَكَ بِكُلِّ حَصاةٍ رَمَيْتَها تَكْفِيْرُ كَبِيْرَةٍ. وَأَمَّا نَحْرُكَ، فَمَدْخُوْرٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ. وَأَمَّا طَوافُكَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ تَطُوْفُ وَلا ذَنْبَ لَكَ، يَأْتِيْ مَلَكٌ فَيَضَعُ يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَيَقُوْلُ: اعْمَلْ فِيْمَا يُسْتَقْبَلُ، فَقَدْ غُفِرَ لَكَ ما مَضىْ" (١). وقال الشيخ أبو عبد الرَّحمن السلمي في "الحقائق": لما دخلت على الشيخ الحصري - قدس الله روحه - ببغداد قال لي: أحاجٌّ أنت؟ قلت: أنا مع القوم، قال لي: أليس فرائض الحج أربعة: الإحرام، والدخول فيه بلفظ التلبية؟ قلت: نعم، قال: والتلبية إجابة؟ قلت: نعم، قال: والإجابة من غير دعوة سوء أدب؟ قلت: نعم، قال: فتحققت الدعوة حتى تجيب؟ ثم الوقوف؟ قلت: نعم، قال: فاجتهد فيه؟ فإنه محل المباهاة، انظر كيف يكون ثَمَّ.

стр. 654

والطواف، وهو محل القربة من الحق، فيكون قربك منه بحسن الأدب. ثم السعي، وهو محل الفرار إليه بالتبري مما سواه، فإياك أن تتعلق بعد سعيك بعلاقة من الدارين وما فيهما (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في "الإخلاص" عن كعب قال: رجال يباهي الله بهم ملائكته: الغازي في سبيل الله، ومقدمة القوم إذا حملوا، وحاميتهم إذا هزموا، والذي يخفي صلاته، والذي يخفي صدقته، والذي يخفي كل عمل صالح مما ينبغي أن يخفى (٢). وروى أبو نعيم من طريق الإمام أحمد في "الزهد" عن عقبة بن عبد الغافر قال: دعوة في السر أفضل من سبعين علانية، وإذا عمل العبد في العلانية عملاً حسناً، وعمل في السر مثله، قال الله تعالى لملائكته: هذا عبدي حقاً (٣). وروى أبو نعيم عن كعب قال: من سره أن يصحبه كتائب من الملائكة يستغفرون له، ويحفظونه، ويكفى ما أهمه، فلْيُخْفِ (٤) في بيته من صلاته ما شاء (٥).

стр. 655

وقال كعب: طوبي للدَّين يجعلون بيوتهم قبلة؛ يعني: مسجداً. قال: والمساجد بيوت المتقين في الأرض، ويباهي الله ملائكته بالمخفي صلاته، وصيامه، وصدقته (١). وذكر حجة الإسلام في "الإحياء" عن عطية بن عبد الغفار قال: إذا وافقت سريرة المؤمن علانيته، باهى الله به الملائكة، فيقول: هذا عبدي حقاً (٢). وذكر "فيه" أيضاً: أنه يقال: إن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: قل لبني إسرائيل: إني لا أنظر إلى صلاتكم، ولكن أنظر فيمن شك في شيء فتركه لأجل ذلك الذي أريده بنظري، وأباهي به ملائكتي (٣). وروى أبو الحسن بن جَهْضَم في "بهجة الأسرار" عن أبي بكر المروزي، عن رجل من طرسوس قال: فكرت ليلة في أحمد بن حنبل، وصبره على ضرب السياط، وكيف قوي على ذلك مع ضعف بدنه، قال: فبكيت، فرأيت في منامي كأن قائلاً يقول لي: فكيف لو رأيت الملائكة في السماوات وهو يضرب وهي تتباهى به؟ قال: قلت: وعلمت الملائكة بضرب أحمد؟ فقال: ما بقي في السماوات

стр. 656

ملك إلا وأشرف عليه وهو يضرب. وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن حبيش بن مبشرة قال: رأيت يحى بن معين في المنام فقلت: ما صنع بك ربك؟ قال: أدخلني عليه، وزوجني ثلاث مئة امرأة، وجعل يباهي بي، ومهد لي بين الياسمين - وبيده شبه الورق - فقلت: يا أبا زكريا! ما هذا؟ قال: بهذا، وأومأ بيده التي فيها الورق؛ يعني: كتابة الحديث (١). أخبرنا شيخ الإسلام الوالد ﵁ إجازة، قال: أخبرنا شيخ الإسلام زكريا، أنا العزُّ بن الفرات، عن أبي حفص المراغي، أنا الفخر بن البخاري، عن أبي المكارم أحمد بن محمد اللَّبَّان، وأبي الحسن مسعود ابن محمد بن أبي المنصور الكمال، قالا: أنا أبو علي الحسين بن أحمد الحداد، أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ثنا أبو عمرو عثمان ابن محمد العثماني، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى، حدثني أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي قال: نور المعرفة في القلب، وإشراقه في عيني الفؤاد في الصدر، فبذكر الله يرطب القلب ويلين، وبذكر الشهوات واللذات يقسو القلب وييبس، فإذا شغل القلب عن ذكر الله بذكر الشهوات كان بمنزلة شجرة؛ إنما رطوبتها ولينها من الماء، فإذا منعت الماء يبست عروقها، وذبلت أغصانها، فإذا منعت السقي، وأصابها حر القَيظ يبست الأغصان، فإذا مددت غصناً منها انكسر، فلا تصلح إلا للقطع، فتصير

стр. 657

وقوداً للنار، وكذلك القلب إذا يبس وخلا من ذكر الله تعالى فأصابته حرارة النفس، ونار الشهوة، امتنعت الأركان من الطاعة، فإذا مددتها انكسرت، فلا تصلح إلا حطباً للنار، وإنما يرطب القلب بالرحمة، وما من نور في القلب إلا ومعه رحمة من الله بقدر ذلك. فهذا هو أصل، والعبد مادام في الذكر، فالرحمة دائمة عليه كالمطر، فإذا قحط فالصدر في ذلك الوقت كالسَّنَة الجرداء اليابسة، وحريق الشهوات فيها كالعمائم (١)، والأركان معطلة عن أعمال البر. فدعا الله الموحدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم، وهيأ لهم فيها ألوان العبادة لينال العبد من كل قول وفعل شيئاً من عطاياه، والأفعال كالأطعمة، والأقوال كالأشربة، وهي عرس الموحدين هيأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات حتَّى لا يبقى عليهم دَنَسَ ولا غبار؛ فإن الله تعالى اختار الموحدين ليباهي بهم يوم الجمع الأكبر في تلك العَرَصَة الملائكة؛ لأن آدم وولده ظهر خلقهم من يده بالمحبة (٢)، والملائكة ظهر خلقهم من القدرة لقوله: كن فكان، فمن محبته للآدميين يفرح بتوبتهم، خلقهم والشهوات والشياطين في دار الابتلاء، فيباهي بهم في ذلك الجمع، ويقول: يا معشر ملائكتي! إن محاسنكم خرجت منكم، ومن النور خلقتكم، وأنتم في أعالي المملكة تعاينون بها عظمتي وحجتي وسلطاني، وقد عريتم من الشَّهوات

стр. 658

والشَّياطين، والآدميون خرجت منهم هذه المحاسن من نفوسهم الشَّهوانية، والشَّياطين قد أحاطت بهم في أداني المملكة، ومن التراب خلقتهم، فلذلك استوجبوا مني داري وجواري (١). انتهى. ولا يخفى ما فيه من بيان وجه المباهاة للملائكة ﵈.

стр. 659

خَاتِمَة فِي لطَائَف تَتَعَلَّق بِهَذَا البَاب روى الشَّيخ الزَّاهد الفقيه سيِّدي نصر المقدسي رضي الله تعالى عنه في كتاب "الحجة" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أنه قال: الملائكة حراس السَّماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض (١). قلت: الملائكة ﵈ يحرسون السماء من الشياطين كما قال الله تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨]. وأصحاب الحديث، ومن كان على قدمهم من العلماء، يحرسون القلوب في الأرض أن تضلها الشياطين من الجن والإنس عن عقائد السنة. ويحوز أن يكون حراستهم الأرض: أن الله تعالى يمنع العذاب بهم عن أهل الأرض، ويدفع بهم البلايا عنهم. وروى الخَلاَّل قال: أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال:

стр. 660

سمعت رجلاً من خراسان يقول: عندنا بخراسان يرون أن أحمد بن حنبل لا يشبه البشر، يظنون أنه من الملائكة (١). قلت: وفي أمثال الناس إذا أرادوا أن يثنوا على الرجل بحسن الأخلاق، ونفع الناس، وكف الأذى قالوا: فلان كأنه ملك، أو: فلان من الملائكة. وفي أمثالهم: لا تقاس الملائكة بالحدادين (٢)، وهذا المثل أورده حجة الإسلام في "الإحياء" متمثلاً به (٣). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "امْشُوْا أَمامِيَ، خَلُّوْا ظَهْرِيَ لِلْمَلائِكَةِ" (٤). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن نَوف البَكَالي قال: انطلق رجل مؤمن ورجل كافر يصيدان السَّمك، فجعل الكافر يلقي شبكته، ويذكر آلهته، فتجيء بدمشق، ويلقى الرجل، ويذكر الله ، فلا تجيء بشيء، قال: فتعاهد ذلك إلى مغيب الشمس، ثم إن المؤمن اصطاد سمكة فأخذها بيده، فاضطربت، فوقعت في الماء، فرجع المؤمن وليس معه

стр. 661

شيء، ورجع الكافر وقد امتلأت سفينته، فأسف مَلَك المؤمن، فقال: أي رب! عبدك هذا المؤمن الذي يدعوك رجع ليس معه شيء، وعدوك الكافر رجع وقد امتلأت سفينته؟ فقال الله لملك المؤمن: تعال، فأراه مسكن المؤمن في الجنة، فقال: ما يضر عبدي المؤمن ما أصابه بعد أن يصير إلى هذا، وأراه مسكن الكافر في النار، فقال: هل يغني عنه من شيء أصاب في الدنيا؟ قال: لا والله يا رب (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "المرض والكفارات" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مَرِضَ مُسْلِمٌ إِلاَّ وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكَيْنِ مِنْ مَلائِكَتِهِ لا يُفارِقانِهِ حَتَّىْ يَقْضِيَ اللهُ فِيْ أَمْرِهِ بِإِحْدَىْ الْحُسْنَيَيْنِ؛ إِمَّا بِمَوْتٍ، وإمَّا بِحَياةٍ، فَإِذا قالَ لَهُ الْعُوَّادُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقالَ: أَحْمَدُ الله، أَجِدُنِيْ - وَاللهُ مَحْمَوْدٌ - بِخَيْرٍ، قالَ لَهُ الْمَلكانِ: أَبْشِرْ بِدَمٍ هُوَ خَيْر مِنْ دَمِكَ، وَصِحَّةٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ صِحَّتِكَ، فَإِنْ قالَ: أَجِدُنِيْ فِيْ بَلاءٍ وَشِدَّةٍ، قالَ لَهُ الْمَلَكانِ مُجِيْبِيْنَ لَهُ: أَبْشِرْ بِدَمٍ هُوَ شَرٌّ مِنْ دَمِكَ، وَبِبلاءٍ هُوَ أَطْوَلُ مِنْ بَلائِكَ" (٢). وروى الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ رَجُلاً قَتَلَ تِسْعَةً وتسعِيْنَ نَفْساً، ثُمَّ

стр. 662

عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَىْ راهِبٍ، فَأتاهُ، فَقالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتسعِيْنَ نَفْساً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقالَ: لا، فَقَتَلَهُ وَكَمَّلَ بِهِ مِئَة، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَىْ رَجُلٍ عالِمٍ، فَقالَ: إِنَّةُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُوْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَىْ أَرْضِ كَذَا وَكَذا؛ فَإِنَّ بِها ناساً يَعْبُدُوْنَ اللهَ تَعَالَىْ، فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَىْ أَرْضِكَ؛ فَإِنَّها أَرْضُ سُوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّىْ إِذا نصَفَ (١) الطَّرِيْقُ أَتاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيْهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذابِ، فَقالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جاءَنا تائِباً مُقْبِلاً، وَقالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ، فَأَتاهُمْ مَلكٌ فِيْ صُوْرَةِ أدَمِي، فَجَعَلُوْهُ بَيْنَهُمْ، فَقالَ: قِيْسُوْا ما بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلَىْ أَّيَّتِهِما كانَ أَدْنى فَهُوَ لَهُ، فَقاسُوْهُ فَوَجَدُوْهُ أَدْنى إِلَىْ الأَرْضِ الَّتِيْ أَرادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمةِ" (٢). قلت: هذا الحديث موافق لقوله تعالى في الحديث القدسي: "إن رحمتي تَغلِبُ غضبي" (٣). ولا لوم على الملائكة في هذا الخصام؛ لأن كل طائفة منهم قائمة بأمر الله تعالى، ولو لم يختصموا لكانوا مقصِّرين فيما أُمروا به.

стр. 663

وفي هذا الحديث دليل على أن الملائكة ﵈ متعبَّدون بالاجتهاد. وروى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَنْزِلُ عَلَىْ قَوْمٍ فِيْهِمْ قاطِعُ رَحِم" (١). والمراد ملائكة الزيارة والإكرام، فأمَّا ملائكة الحفظ، فإنهم ملازمون العبد كما سبق، وهذا منهم من باب هجران أهل العصيان. وروى الترمذي، وأبو نعيم، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كَذَبَ الرَّجُلُ كَذْبَة تَباعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيْلاً مِنْ نتَنِ ما جاءَ بِهِ" (٢). والمراد بهذا الملك الحافظ، وتباعدُه استقذارٌ لما أتى به صاحبه من الكذب. واستقباح الكذب ونحوه من الأعمال السيئة، والأقوال الخبيثة، واستقذاره إنما يدرك بالسر، لا بالحواس الظاهرة، فهو أمر روحاني، والروح تدرك من نتن المعاني وقبحها ما يسهل عنده أقبح رائحة تدرك بحاسة الشم.

стр. 664

وروى الشيخان، وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا عائِشَةُ! هَذا جِبْرِيْلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلامَ" قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى؛ تريد رسول الله ﷺ " (١). وسبق أن السلام، والرد من أعمال الملائكة. وفي هذا الحديث أنهم يرسلون السلام إلى أهل الخير، ويذكرون عند أهل الخير أهلهم بخير، وفي ذلك إدخال السرور عليهم. وروى مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "أَتانِيْ جِبْرِيْلُ ﵇ فَقالَ: يا رَسُوْلَ اللهِ! هَذِه خَدِيْجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَها إِناءٌ فِيْهِ إِدامٌ، أَوْ طَعامٌ، أَوْ شَرابٌ، فَإذا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّها، وَبَشِّرْها بِبَيْتٍ فِيْ الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيْهِ وَلا نَصَبَ" (٢). وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، والطبراني في "الكبير"، والحافظ ضياء الدين المقدسي في "الأحاديث المختارة" عن ابن عباس ﵄ قال: [قال رسول الله ﷺ ]: "أَتانِيْ جِبْرِيْلُ ﵇ فَقالَ: أَقْرِئْ عُمَرَ السَّلامَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ رِضاهُ حُكْمٌ، وَإِنَّ غَضَبَهُ عِزٌّ" (٣).

стр. 665

وروى الإمام أحمد، والترمذي عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوْحِ الْقُدُسِ ما نافَحَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ" (١). وروى ابن أبي شيبة، عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: "اهْجُ الْمُشْرِكِيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيْلَ مَعَكَ" (٢). وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: مرَّ عمر بحسان رضي الله تعالى عنهما وهو ينشد في المسجد، فنظر إليه، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، فسكت، ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله! هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَجِبْ عَنِّيَ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوْحِ الْقُدُسِ؟ "، قال: نعم (٣). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن ابن بُريدة: أن جبريل عليه

стр. 666

السلام أعان حسان بن ثابت على مدحة النبي ﷺ بسبعين بيتاً (١). قلت: في هذه الأحاديث دليل على أن إنشاء الشعر في مدح الله ورسوله، وهجاء أعدائهم، ونحو ذلك مما يرضى به الملائكة، ويستمعون إليه، بل في حديث ابن بريدة أنه من فعل جبريل، وهو أفضل الملائكة ﵈. وروى الدينوري في "المجالسة"، وابن عساكر - بسند فيه متهم (٢) - عن أنس ﵁: أن الله تعالى لما حشر الخلائق إلى بابل هبطت ملائكة الخير والشر، وملائكة الحياء والإيمان، وملائكة الصحة والشفاء، وملائكة الغنى، وملائكة الشرف، وملائكة المروءة، وملائكة الجفاء، وملائكة الجهل، وملائكة السيف، وملائكة البأس حتى انتهوا إلى العراق، فقال بعضهم لبعض: افترقوا، فقال ملك الإيمان: أنا أسكن المدينة ومكة، فقال ملك الحياء: أنا معك. وقال ملك الشفاء: أنا أسكن البادية، فقال ملك الصحة: وأنا معك. فقال ملك الجفاء: وأنا أسكن المغرب، فقال ملك الجهل: وأنا معك.

стр. 667

فقال ملك السيف: أنا أسكن الشام، فقال ملك البأس: وأنا معك. فقال ملك الغنى: أنا أقيم هاهنا، فقال ملك المروءة: وأنا معك. فقال ملك الشرف: وأنا معكما، فاجتمع الغنى والمروءة والشرف بالعراق (١). قلت: معنى إقامة الملائكة بهذه المعاني بالعراق: أن سلطان تلك المعاني بالعراق - وإن كانت موجودة بغيره - إلا أنها فيه أكثر منها في غيره. وكذلك سكنى الإيمان والحياء بالحرمين، معناه أنهما فيهما أكثر منهما في غيرهما، وكذا الباقي. وروى أبو نعيم في "الحلية" عن سليم الخَوَّاص أنه قال: الناس ثلاثة أصناف: صنف شبه الملائكة، وصنف شبه البهائم، وصنف شبه الشياطين؛ فأمَّا الذين شبه الملائكة فالمؤمنون في ليلهم ونهارهم طائعين يحبون أهل الطاعة، وأما الذين شبه البهائم فالذين ليس لهم هَمٌّ إلا الأكل والشرب والنكاح والنوم، فهم كالبهائم، وأما الذين شبه الشياطين فالذين في معاصي الله صباحاً ومساءً (٢).

стр. 668

وروى البزار، والحاكم، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ صَباحِ إِلاَّ وَمَلَكانِ يُنادِيانِ، يَقُوْلُ أَحَدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُوْلُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً، وَمَلَكانِ مُوَكَّلانِ بِالصُّوْرِ يَنْتَظِرانِ مَتَىْ يُؤْمَرانِ فَيَنْفُخانِ، وَمَلَكانِ يُنادِيانِ، يَقُوْلُ أَحَدُهُما: يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَقُوْلُ الآخَرُ: يا باغِيَ الشَرِّ أَقْصِرْ، وَمَلَكانِ يُنادِيانِ، يَقُوْلُ أَحَدُهُما: وَيْلٌ لِلرِّجالِ مِنَ النِّساءِ، وَيَقُوْلُ الآخَرُ: وَيْلٌ لِلنِّساءِ مِنَ الرِّجالِ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن كعب قال: أجد في الكتاب: ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة بيدي ملك، فإن ارتفع وضعه الله تعالى، وإن تواضع رفعه الله (٢). وروى الطبراني بإسناد حسن، عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ آدَمِيِّ إِلاَّ وَفِيْ رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذا تَواضَعَ قِيْلَ لِلْمَلَكِ: ارْفَعْ حِكْمَتَهُ، وَإِذا تَكَبَّرَ قِيْلَ لِلْمَلَكِ: ضَعْ حِكْمَتَهُ" (٣).

стр. 669

وأخرجه البزار بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بإسناد حسن (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الذكر" عن حَجَّاج بن فرافصة قال: إن لله خلقاً من الملائكة ﵈ نصفه ثلج ونصفه نار، يقول: يا مؤلفاً بين الثلج والنار! ألف بين قلوب العباد (٢). وروى أبو نعيم عن عبد الرَّحمن بن ميسرة الحَضْرمي قال: إن لله ملكاً اسمه روقيل، نصفه ثلج ونصفه نار، صلاته يقول: اللهم كما ألفت بين هذا النور وبين هذا الثلج، فلا الثلج يطفئ النور ولا النور يطفئ الثلج، فألف بين عبادك المؤمنين. قال: وكان يقال: وكِّل بالصيام (٣). وروى أبو نعيم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً فِيْ السَّماءِ أَبْصَرُ بِعَمَلِ بَنِيْ آدَمَ مِنْ بَنِيْ آدَمَ، تَفْخَرُ بِهِمُ السَّماءُ، فَإِذا نَظَرُوْا إِلَىْ عَبْدٍ عَمِلَ بِطاعَةِ اللهِ ذَكَرُوْهُ بَيْنَهُمْ، فَقالُوْا: أَفْلَحَ اللَّيْلَةَ فُلانٌ، فازَ اللَّيْلَةَ فُلانٌ، وَإِذا رَأَوْا عَبْداً يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَىْ قالُوْا:

стр. 670

خَسِرَ اللَّيْلَةَ فُلانٌ، هَلَكَ اللَّيْلَةَ فُلانٌ" (١). قلت: ومثل ذلك لا يكون غيبة؛ لأن الله تعالى أطلعهم على حقيقة الأمر، وأمرهم بذلك؛ فإنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. ويحتمل أن يكون قولهم: "خسر الليلة فلان، هلك الليلة فلان" من باب الرحمة والأسف عليه، لا من باب التفكُّه بذكره؛ فإن هذا من خلق بني آدم، لا من خلق الملائكة. وروى حسين المروزي راوي كتاب "البر والصلة" لابن المبارك في "زوائده" عن مجاهد قال: إن الملائكة مع ابن آدم، فإذا ذكر أخاه المسلم بخير قالت الملائكة: ولك بمثله، وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة: ابن آدم المستور عورته أَرْبَع على نفسك، واحمد الذي ستر عورتك (٢). وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن جُبير بن نُفير رضي الله تعالى عنه قال: صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الصبح، فلما فرغ أقبل بوجهه على الناس رافعاً صوته حتى كان يسمع من الخدور، وهو يقول: "يا مَعْشَرَ الَّذِيْنَ أَسْلَمُوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيْمانُ فِيْ قُلُوْبهِمْ! لا تُؤْذُوْا الْمُسْلِمِيْنَ، وَلا تُعَيِّرُوْهُمْ، وَلا تتَّبِعُوْا عَثَراتِهِمْ؛ فَإِنَّ مَنْ
следующие страницы →