← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

وقلتُ في هذا الباب: [من مجزوء الرمل] افْعَلِ الْخَيْرَ يَسُرُّكْ ... وَاكْفِ كُلَّ النَّاسِ شَرَّكْ إِنَّ ذا يَجْلُو لَكَ الْفِكْـ ... ـرَ وَيُخْلِي لَكَ بِرَّكْ وَاحْتَسِبْ بِاللهِ تُكْفَى الشَّـ ... ـرَّ حَتَى لا يَضُرَّكْ اسْمَعِ النُّصْحَ وَلا تُصْغـ ... ـغِ إِلَى مَنْ كان غَرَّكْ إِنَّ مَنْ حَرَّكَ شَرًّا ... ذُمَّ ما قَدْ كانَ حَرَّكْ مَنْ يُثِرْ مِنْكَ بِما قا ... لَ لَمَّا غاظَ مقرَّكْ فَهْوَ ما رامَ لَكَ الْخَيْرَ ... وَلا بِالنُّصْحِ بَرَّكْ رُبَّ ما قَلَّ مِنَ الشَّرِّ ... إِلَى الأَكْثَرِ جَرَّكْ رُبَّما قُلْتَ لِمَا اسْتَحْـ ... ـلَيْتَ ما كانَ أَمَرَّكْ رُبَّ فِعْلٍ كُنْتَ تَرْضَى ... تَرْكَهُ قَدْ كانَ أَبْرَكْ رُبَّما كانَ مِنَ القَوْلِ ... الَّذي قَدْ خَفَّ معرَّكْ رُبَّ ذِي صَمْتٍ لِما شا ... ءَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَدْرَكْ إِنَّ خُبْرَ الندبِ يُجدِيـ ... ـكَ وَإِنْ خالَفَ خُبْرَكْ وَالتَّأنِّى بِكَ أَوْلَى ... بِكَ أَنْ تُحْكِمَ أَمْرَكْ عَمْرَكَ اللهَ اسْتَمِعْ لِي ... فَعَسى تُحْمَدُ عَمْرَكْ

стр. 6057

* تَتِمَّةٌ: تقدم قوله ﷺ : "وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوْقَهُ" (١). هذا التوقي - وإن كنا مأمورين به - فإنه لا يكون إلا بتوفيق الله وإعاذته إيانا من الشر. ثم جاءت الاستعاذة من الشر وذوات الشر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وكفاك إن كنت مكتفياً السورتان المعوذتان. روى النسائي عن ابن عابس الجهني رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال له: "يَا ابْنَ عَابِسٍ! أَلا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلَ مَا تَعَوَّذَ بِهِ المُتَعَوِّذُوْنَ؟ ". قلت: بلى يا رسول الله. قال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]؛ هُمَا المُعَوِّذَتَان" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا سَأَلَ سَائِلٌ وَلا اسْتَعَاذَ مُسْتَعِيْذٌ بِمِثْلِهِمَا" (٣)؛ يعني: المعوذتين.

стр. 6058

وروى الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم وصححه، عن أبي ذر، والإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر رضي الله تعالى عنه: "يَا أَبَا ذَرٍّ! تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ شَرِّ شَيَاطِيْنِ الإِنْسِ وَالجِنِّ". قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله! وللإنس شياطين؟ قال: "نعَمْ" (١). وروى أبو داود الطَّيالسي، والطَّبراني في "الكبير" عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ" (٢). وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنه كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ" (٣). وروى ابن ماجه، والحاكم وصححه، من حديثها: أن النبي ﷺ

стр. 6059

قال لها: "عَلَيْكِ بِالجَوَامعِ الْكَوَامِلِ، قُوْليْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهُ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَسْألُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَأَسْألكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَرَسُوْلُكَ مُحَمَّد ﷺ ، وَأَسْتَعِيْذُكَ مِمَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُوْلُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَسْأَلُكَ مَا قَضَيْتَ ليْ مِنْ أَمْرٍ أَنْ تَجْعَلَ عَاقِبَتَهُ رُشْدًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ" (١). وروى الترمذي، والحاكم عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه: أن من دعاء النبي ﷺ : "اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فيْ الأَمْرِ، وَالْعَزِيْمَةَ عَلَىْ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيْمًا، وَخُلُقًا مُسْتَقِيْمًا، وَلِسَاناً صَادِقًا، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوْبِ" (٢). وروى الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي من حديثه رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ: اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّيْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنيْ وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَىْ عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوْءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوْءُ بِذَنْبيْ

стр. 6060

فَاغْفِرْ ليْ، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُنُوْبَ إِلَّا أَنْتَ. مَنْ قَالهَا مِنَ النَّهَارِ مُوْقِنًا بهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنةِ، وَمَنْ قَالهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوْقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ" (١). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهُمَّ أَصْلِحْ ليْ دِيْنيْ الَّذِيْ هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِيْ، وَأَصْلحْ ليْ دُنْيَايَ الَّتيْ فِيْهَا مَعَاشِيْ، وَأَصْلِحْ ليْ آخِرَتيْ الَّتيْ فِيْهَا مَعَادِيْ، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيادَةً ليْ فيْ كُل خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةَ ليْ مِنْ كُلِّ شَرٍّ" (٢). وروى أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وصححوه، عن أبي هريرة ﵁: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله! مُرني بكلماتٍ أقولهن إذا أصبحتُ وإذا أَمْسيت. قال: "قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيْكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِيْ وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ". قال: "قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ" (٣).

стр. 6061

وروى الترمذي وحسنه، عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي ﷺ لأبي: "يا حُصَيْنُ! كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إِلَهاً؟ ". قال أبي: سبعة؛ ستة في الأرض، وواحداً في السماء. قال: "فَأيُّهُمْ تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ ". قال: الذي في السَّماء. قال: "يا حُصَيْنُ! أَما إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعانِكَ". قال: فلمَّا أسلم حصين رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله! علِّمني الكلمتين اللتين وعدتني. فقال: "قُلْ: اللَّهُمَّ ألهِمْني رُشْدِي، وَقِنِي شَرَّ نَفْسِي" (١). رواه الترمذي، والنَّسائي، والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، من حديث حصين رضي الله تعالى عنه (٢). وروى أبو داود، والترمذي، وحسنه، عن شكل بن حميد رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! علمني دعاءً. قال: "قُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِيْ، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِيْ، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِيْ، وَمِنْ شَرِّ قَلْبيْ، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّيْ" (٣).

стр. 6062

ورواه الطَّبراني في "الدُّعاء" بسند ضعيف، عن أبي الدَّرداء ﵁ أنه قيل له: قد احترقت دارك، وكانت النار قد وقعت في محلته. فقال: ما كان الله ليفعل ذلك. فقيل له ذلك ثلاثاً. فقال: ما كان الله ليفعل ذلك. ثم أتاه آتٍ فقال له: يا أبا الدرداء! إنَّ النار حيثُ دنَتْ من دارك طُفِئتْ. قال: قد علمت. فقيل: ما ندري من أي قوليك أعجب؟ فقال: إنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ يَقُلْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فيْ لَيْلٍ أَوْ نهارٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ"، وقد قُلْتُهُن. وهن: "اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، عَلَيْكَ تَوَكَلْتُ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيْمِ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِي الْعَظِيْمِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لمَ يَشَأْ لمَ يَكُنْ، أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَىْ كُل شَيْءٍ قَدِيْرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِيْ، وَشَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبِّيْ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيْمٍ" (١). وروى ابن حبان في "صحيحه" عن عثمان بن أبي العاص،

стр. 6063

وامرأة من قريش: أنهما - رضي الله تعالى عنهما - سَمِعا رسول الله ﷺ يقول: "اللهُمَّ اغْفِرْ ليْ ذُنُوْبيْ وَخَطَئِيْ وَعَمْدِيْ". وقال الآخر: سمعته يقول: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْتَهْدِيْكَ لأَرْشَدِ أَمْرِيْ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِيْ" (١). وليس في هذه الأحاديث صريح استعاذة النبي ﷺ من شرِ نفسه إلا في هذا الحديث، وهو تشريع منه، أو لهضم نفسه، أو لأنه لا يأمن مكر الله، ولا شكَّ أن في هذا اعتباراً ظاهراً لأهل البصائر؛ فإن النبي ﷺ إذا كان قد استعاذ من شر نفسه وهي أشرف النفوس وأكرمها وأفضلها، فكيف بغيره؟ خصوصاً من استولت عليهم شهوات نفوسهم. وروى أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا استجد ثوباً - سمَّاه باسمه: عمامة، أو قميصاً، أو رداء - يقول: "اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيْهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ". قال النووي: حديث صحيح (٢). وروى أبو داود، وابن ماجه بسند جيد، عن عمرو بن شعيب،

стр. 6064

عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا اشْتَرىْ أَحَدُكُمْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهُ عَلَيْهِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهُ عَلَيْهِ". وفي رواية: "إِذَا اشْتَرَى أَحَدُكُم الجَارِيَةَ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّىْ أَسْأَلُكَ خَيرَهَا وَخَيرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا، وَلْيَدْعُ بِالبَرَكَةِ، وَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمْ بَعِيرًا فَلْيَأْخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ وَلْيَدْعُ بِالبَرَكَةِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ" (١). وروى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ إذا عَصَفت الريح قال: "اللهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيْهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيْهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ" (٢). وروى النسائي، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" عن صهيب رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ لم يرَ قريةً يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضِيْنِ السَّبع وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِيْنِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا

стр. 6065

وَشَرِّ مَا فِيْهَا" (١). وروى ابن السني عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ وَخَيْرِ مَا جُمَعْتْ فِيْهَا، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَمَعْتَ فِيْهَا، اللهُمَّ ارْزُقْنَا حبَاهَا وَأَعِذْنَا مِنْ وَبَاهَا، وَحَبِّبْنَا إِلىْ أَهْلِهَا، وَحَبِّبْ صَالحِيْ أَهْلِهَا إِلَيْنَا" (٢). وروى أبو داود، والنسائي في "اليوم والليلة" بإسناد صحيح، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي ﷺ كان إذا خاف قوماً قال: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَجْعَلُكَ فيْ نحُوْرِهِمْ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شُرُوْرِهِمْ" (٣). وروى ابن السني عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأراني القمر حين طلع فقال: "تَعَوَّذِيْ مِنْ شَرِّ هَذَا الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبْ" (٤). وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ كان يقول أذا رأى الهلال: "اللهُمَّ إِنِّيْ

стр. 6066

أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْقَدَرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الحَشْرِ" (١). وفي لفظ أخرجه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه": كان إذا رأى الهلال قال: "اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذا الشَّهْرِ، وَخَيْرَ القَدَرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْحَشْرِ". وفي لفظ أخرجه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه": كان إذا رأى الهلال قال: "اللهُ أَكْبَرُ، الحَمْدُ للهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْقَدَرِ، وَمِنْ شَرِّ يَوْمِ المحَشَرِ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال قال: "هِلاَلُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذَا ثَلاَثًا، اللَّهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذَا الشَّهْرِ وَخَيْرِ الْقَدَرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ"؛ ثلاث مرات (٣).

стр. 6067

وروى أبو يعلى، وابن السني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى يدعو بهذه الدعوات: "اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ مِنْ فَجْأَةِ الخَيرِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ فَجْأَةِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَدْرِيْ مَا يَفْجَؤُهُ إِذَا أَصْبَحَ وإِذَا أَمْسَىْ" (١). وروى أبو داود بإسناد جيد، عن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ، اللهُمَّ أَسْأَلُكَ خَيرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُوْرَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيْهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، وإِذَا أَمْسَىْ فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ" (٢). وروى الترمذي، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِيْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوْذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ لَدْغَةُ حُمَةٍ (٣) تِلْكَ اللَيْلَةِ" (٤).

стр. 6068

ورواه ابن عدي في "الكامل"، وأبو نصر السجزي في "الإبانة"، ولفظه: "مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبحُ: أَعُوْذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ - ثَلاَثَ مَرَّاتِ - لَمْ تَضُرَّهُ عَقْرَبٌ حَتَّى يُمْسِي، وَمَنْ قَالهَا حِينَ يُمْسِيْ لَمْ تَضُرَّهُ حَئى يُصْبحَ" (١). وروى الإمام أحمد عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يخَرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، يُرِيْدُ سَفَراً أَوْ غَيْرَهُ فَقَالَ حِينَ يخَرُجُ: آمَنْتُ بِاللهِ، اعْتَصَمْتُ بِاللهِ، تَوَكَّلتُ عَلَىْ اللهِ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِلاَّ رُزِقَ خَيرَ ذَلِكَ المَخْرَجِ، وَصُرِفَ عَنْهُ شَرَّ ذَلِكَ المَخْرَجِ" (٢). * تَنْبِيهٌ: لا تخلو المخلوقات من خير أو شر. ثم كل مكلف فإما من الخِيَار، وإما من الشرار، ومآلُ كل مكلف إما إلى خير، ولا خير إلا خير الجنة، وإما إلى شر، ولا شر فوق شر النار. وكل ما يتعلق به المكلف من شيء فهو إما خير، وإما شر، فعليه طلب كل خير واجتناب كل شر لتنجو نفسه يوم القيامة من الشر وتفوز بالخير، ومتى قصر في ذلك فإن تقصيره في حق نفسه كما قال تعالى:

стр. 6069

﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ أي: بذي ظلم لهم، فالعبد مبتلى بالخير والشر، وإنما ينجو من الفتنة فيهما بالتوفيق للطاعة، والتقوى من الله تعالى ثم بالتقوى. وقد سبق في الحديث: "مَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوْقَهُ" (١). وطريق توقية الشر حسم مواده عنه؛ بأن يقطع عنه شهوات نفسه إلا ما احتاج إليه في معاشه المُعين له على صلاح معاده من طعام أو شراب، أو نكاح، أو غير ذلك. وأصل الاسترسال في الشهوات المؤدية إلى الهلاك ومنبعها شهوة الطعام والشراب، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ" (٢). ثم يرغب في مخالطة أهل الخير ما دامت المخالطة خيراً، وما دامت تدعو إلى خير، فاذا تجاوز ذلك فليس له خير من الاعتذار عنهم. ويرهب ويبعد عن مخالطة أهل الشر، ومن فيه مظنة الشر إلا إذا

стр. 6070

اضطر، فيقدر اضطراره لا غير، كما تقدم عن حاتم الأصم رحمه الله تعالى قال: قال لي شقيق البَلْخي: اِصحب النَّاس كما تصحب النار؛ خذ منفعتها واحذر أن تحرقك (١). ويبعد عن مشاهدة المناكر، بل يعرض عن مشاهدة زخارف الدنيا وزينتها بالكلية؛ فإنها إما شر، وإما تؤدي إلى الشر. كما روى الدينوري في "المجالسة" عن عبد الله بن جعفر الرقي، قال: وشى واشٍ برجل إلى الإسكندر، قال: أتحب أن نقبل منك ما قلت فيه على أنا نقبل منه ما قال فيك؟ فقال: لا. فقال له: فكُفَّ عن الشر يُكَفُّ الشر عنك (٢). وهذا القول من الإسكندر حكمة بالغة. والكف عن الشر شامل لكف اللسان عن الغيبة والنميمة، والسعاية والكذب، وغير ذلك، وغض البصر عما لا يحل، وعما يُكره من زينة الدُّنيا وغيره، وكف السَّمع عما ينبغي، وكف اللسان عن التكلم به، وكف اليد عن ضرر الناس بقتلٍ أو ضرب، أو إشارة، أو غير ذلك، وكف الرجل عن المشي في معصية، بل وعما سوى الطَّاعة، وكف الشم والذوق والمس عما لا يليق، وكف النفس عن

стр. 6071

الشَّهوات، وعن موافقة الأصدقاء والخلان فيما لا ينبغي، وعن مقابلة الأضداد بالخصومات والمجادلات وغيرها؛ فإنه يتعوض عن تشفي النفس بذلك بفضيلة العفو وثواب الحلم والكرم. وقد روى الدَّينوري في "المجالسة" عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما: أنَّه قال لرجل: أتحب أن تغلب شر الناس؟ قال: نعم. قال إنك إن تغلبه تكنْ شراً منه (١). ويبعد أشد الإبعاد عن معاشرة الملوك والأغنياء إلا على حد الضَّرورة؛ فإن معاشرتهم تؤدي إلى استحسان ما هم فيه، وذلك يجر إلى الوقوع فيه وإلى مُراءاتهم ومنافقتهم، وكفى بذلك شراً. وهؤلاء في هذه الأعصار لا يسلمون ولا يسلم أصحابهم من الوقوع في الآثام والمعاصي في لباسهم، ومساكنهم، ومطاعمهم ومشاربهم، وغير ذلك، وكفى بالمعاصي وما يجر إليها شراً، وإذا زعم تقي في عشرتهم على حد الحرص منهم، والحذر من مشاركتهم فيما هو فيه، وكان صادقاً في زعمه، فقد أوقع النَّاس في الوقوع فيه، وأساء الظن به، كما قال بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار (٢).

стр. 6072

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: صحبة من لا يخاف العار عار (١). وروى الأصبهاني في "ترغيبه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال لقمان ﵇ لابنه: يا بني! اجتنب الأشرار؛ فإنك إن لم تعمل بأعمالهم أخذتَ من أخلاقهم. وليحذر من كثرة محادثة النساء ولو كنَّ محارم؛ فإن صحبة النساء والصبيان تؤدي بالرجل إلى التنزل إلى عقولهم وأخلاقهم، وموافقتهم على هواهم، وهم يريدون منه ما هَوِيَتْه نفوسهم وإن أدى به إلى الهلاك والسواف، والدخول في مداخل الشر. وقد نقل الدميري في "حياة الحيوان": أنَّ لقمان قال في وصيةٍ لابنه: اتق المرأة السوء؛ فإنها تشيبك على المشيب، واتق شرار النساء؛ فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر (٢). واعلم أن ما ذكره من التقوى والحذر مطلوب من كل مسلم، لكنه مطلوب أشد من العلماء، وإذا كان العالم واقعاً فيما التقوى الإبعاد منه، فكيف حال غيره إذا رآه على خلاف ذلك من اتباع الشهوات ومعاشرة أهل الغرور وهو عنده قدوة؟ فكيف لا يقتدي به فيما يُوافق هواه؟

стр. 6073

وهذا حال أكثر المتلبسين بالعلم اليوم، وكلما تأخر الزمان كان علماؤه أسوء حالاً من الزمان قبله، ويكون عوامه لاحقين بهم حتى تقوم السَّاعة على شرار الخلق. كما روى ابن ماجه، والحاكم وصححه، وأبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلاَّ شِدَّةً، وَلاَ الدُّنْيَا إِلاَّ إِدْبَاراً، وَلاَ النَّاسُ إِلاَّ شُحًّا، وَلاَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَىْ شِرَارِ النَّاسِ" (١). ورواه الحاكم وصححه، عن أبي أمامة، والطبراني في "الكبير" عنه، وعن معاوية رضي الله تعالى عنهما بلفظ: "لاَ يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلاَّ شِدَّةً، وَلاَ يَزْدَادُ المَالُ إِلاَّ إِفَاضَةً، وَلاَ يَزْدَادُ النَّاسُ إِلاَّ شُحًّا، وَلاَ تَقُوْمُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَىْ شِرَارِ النَّاسِ" (٢). والقول الجامع في هذا الباب قول رسول الله ﷺ : "كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُصُ إِلاَّ الشَّرُّ؛ فَإِنَّهُ يُزَادُ فِيْهِ". أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي

стр. 6074

الدَّرداء رضي الله تعالى عنه (١). وأخرجه العسكري في "الأمثال" بلفظ: "كُلُّ شَيْءٍ يَغِيْضُ إِلاَّ الشَّرَّ، فَإِنَّهُ يُزَادُ فِيْهِ" (٢)، وهو بمعنى: ينقص. وروى ابن أبي الدُّنيا في "العقوبات" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: سيأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة، وهي من التقوى خراب، ومن الهدى خاوية، علماؤهم شَرُّ مَنْ تحت أديم السماء، منهم تخرج الفتنة، وإليهم تعود (٣). ولا يشكل عليك ما تجده من قيام صورة الدين وإجراء الأحكام على وفق الشرع في بعض الأحيان، وسريان سر السياسات في إصلاح بعض الناس، والقائمون بذلك إن لم يكونوا كلهم فالغالب منهم على أمور لو عرضت أفرادها على الشريعة لم تجدها موافقة؛ فإن هذا من باب تأييد الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خَلاق لهم، كما في الحديث: "إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّيْنَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ". وفي لفظ: "بِأَقْوَامٍ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ".

стр. 6075

وفي لفظ: "مَا هُمْ مِنْ أَهْلِهِ" (١). وبذلك يتضح لك معنى ما رواه الإمام أحمد، والطَّبراني في "الكبير" عن ميمون بن سنباذ رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "قِوَامُ أُمَّتيْ بِشِرَارِهَا" (٢). وقوام الشيء: عماده الذي يقوم به. فإنه محمول على غير زمان النبى ﷺ وزمان الصحابة ﵃ حين صار الأمر بعد الخلافة ملكاً عَضُوضاً. فاعلم يا أخي - أرشدني الله وإياك، وإن كنا في زمان بالسوء أليق، ولأهل الشر أوفق - أنَّ من وفقه الله في هذه الأزمنة - وما ذلك على الله بعزيز - إلى الاستقامة على قدم التقوى من أهل العلم بقدر طاقته واستطاعته، فهو قطب الوقت المطلق، وولي الزمان المحقق، ولا أعني بذلك أن يعرف الخير من الشر فقط حتى يفعل الخير كما أمر، ويحذر الشر كما أمر، كما روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: ليس العالم الذي يعرف الخير من الشر، إنما العالم الذي يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه (٣).

стр. 6076

وروى أبوه فيه عن زبيد اليامي رحمه الله تعالى قال: قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قولوا خيراً تُعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله (١). فَهِمَ - رضي الله تعالى عنه - أن مَنْ عرف الخير فقالَ به، صار معروفاً به في الناس، موسوماً به عندهم، ولكنه لا يكون من أهل الخير حقيقةً حتى يعمل به مخلصاً فيه؛ وبالله التوفيق. ثم اعلم أنَّ من وفقه الله تعالى من الحكام والقضاة إلى الوقوف مع الشرع، ثم إلى الاستقامة على ذلك إلى وفاته - وأنى لنا بهذا في هذه الأزمنة التي قوام الأمة فيها شرارها - فهو من الأوتاد في الأرض لأنهم ظل الله في الأرض، فإذا كان الظل لطيفاً معتدلاً وَرِيفاً عاش الناس في كَنَفه في أهنى عيش، بخلاف مالم يكن كذلك؛ فإن الناس -وإن عاشوا في كنفه- إلا أنه لا هَنَاء في عيشهم، بل هو منغص مكدر، فهم إذا صبروا أُجزوا على الطاعة والانقياد، وأثيبوا على الصبر على جفاء الولاة ومقاساة الأمور، وأهل الاستقامة من هذا الصنف أعز من الكبريت الأحمر والأبيض العقوق، وعنقاء مغرب، ولا أحسب منهم أحداً موجوداً الآن؛ لأن الشر غالب على الناس، فكيف يتوهم أهل الخير والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩].

стр. 6077

قال منصور بن الأسود: سألت الأعمش عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩] ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أُمِّر عليهم شرارهم. رواه أبو الشيخ (١). وقال الحسن رحمه الله تعالى: إن بني إسرائيل سألوا موسى ﵇: سَلْ لنا ربك يُبين لنا عَلَمَ رضاه عنا وعَلَمَ سَخَطِه. فسأله فقال: يا موسى! أنبئهم أنَّ رضاي عنهم أن أستعمل عليهم خيارهم، وأن سخطي عليهم أن أستعمل عليهم شرارهم (٢). وقال الأصمعي: حدَّثنا مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: حدثت أنَّ موسى أو عيسى ﵉ قال: يا رب! ما علامة رضاك عن خلقك؟ قال: أن أنزل عليهم الغيث إبان زرعهم، وأحبسه إبان حصادهم، وأجعل أمورهم إلى حلمائهم، وفَيئهم في أيدي سمحائهم. قال: يارب! فما علامة السُّخط؟ قال: أن أنزل عليهم الغيث إبان حصادهم، وأحبسه إبان زرعهم، فأجعل أمورهم إلى سفهائهم، وفيئهم في أيدي بخلائهم (٣).

стр. 6078

رواهما البيهقي في "الشعب". وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: "إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءكُمْ، وَأُمُوْرُكُمْ شُوْرَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاَءكُمْ، وَأُمُوْرُكُمْ إِلى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا" (١). وعن ابن عمر ﵄: أنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "إِذَا مَشَتْ أُمَّتيْ المُطَيْطَاء، وَخَدَمَهَا أَبْنَاءُ المُلُوْكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّوْمِ، سُلِّطَ شِرَارُهَا عَلَى خِيَارِهَا" (٢). * وَهَذهِ فَوائِدُ مُهِمَّاتٌ لِهَذا الفَصْلِ: روى الترمذي، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النَّبيِّ ﷺ : "أَسْرَعُ الخَيْرِ ثَوَابًا الْبِرُّ وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَأَسْرَعُ الشَّرِّ عُقُوْبَةً الْبَغْيُ وَقَطِيْعَةُ الرَّحِمِ" (٣). وروى الإمام أحمد، والأئمة الستة عن أبي هريرة رضي الله

стр. 6079

تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَسْرِعُوْا بِالجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيرٌ تُقَدِّمُوْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُنْ سِوَىْ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُوْنَهُ عَلَىْ رِقَابِكُمْ" (١). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن القاسم بن محمَّد مرسلاً: أنهم استأذنوا النبي ﷺ في ضرب النساء حين فسدن عليهم، فقال: "اضْرِبُوْهُنَّ، وَلاَ يَضْربُ إِلاَّ شِرَارُكُمْ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالىْ قَالَ: أَنَا خَلَقْتُ الخَيرَ وَالشَّرَّ، فَطُوْبَىْ لِمَنْ قَدَّرْتُ عَلَىْ يَدِهِ الخَيرَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ قَدَّرْتُ عَلَيْهِ الشَّرَّ". وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيْحُ لِلْخَيرِ مَغَالِيْقُ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيْحُ لِلشَّرِّ مَغَالِيْقُ لِلْخَيرِ، فَطُوْبَىْ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَىْ مَفَاتِيْحَ الخَيْرِ عَلَىْ يَدِيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيْحَ الشَّرِّ عَلَىْ يَدَيِهِ" (٣). وروى ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 6080

رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لمَّا خَلَقَ الدُّنْيَا نَظَرَ إِلَيْهَا ثمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ثمَّ قَالَ: وَعِزَّتيْ وَجَلاَليْ لاَ أَنْزَلْتُكِ إِلاَّ فيْ شِرَارِ خَلْقِيْ" (١). أي: في قلوب شرار خلقي، فهي - وإن وُجدت بأيدي بعض الأخيار كبعض الأنبياء والصَّالحين - فهي ليست في قلوبهم ولا لها عندهم منزلة؛ فإنهم بذلوها في سبيل الله تعالى، فهي - وإن كانت دنيا صورة - فإنما هي لطلب الآخرة. وروى البخاري، ومسلم - واللفظ له - والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: مرَّ بجنازة فأثني عليها خيراً، فقال نبي الله ﷺ : "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ". ومرَّ بجنازة فأثني عليها شراً، فقال نبي الله ﷺ : "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ". فقال عمر رضي الله تعالى عنه: فداك أبي وأمي! مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيراً فقلت: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، ومر بجنازة فأثني عليها شراً، فقلت: "وَجَبَتْ، وَجَبَت، وَجَبَتْ"؟ فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ أثنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيرًا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَمَنْ أثنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فيْ الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فيْ الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فيْ الأَرْضِ" (٢).

стр. 6081

وروى البخاري عن أبي الأسود قال: قدمتُ المدينة فجلستُ إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فمرَّت بهم جنازة فأثنوا على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت. ثم مرَّ بأخرى فأثنوا على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت. ثم مرَّ بالثالثة فأثنوا على صاحبها شراً، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وجبت. قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلتُ كما قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ". قال: فقلنا: وثلاثة؟ فقال: "وَثَلاَثةٌ". فقلنا: واثنان؟ قال: "وَاثْنَانِ". ثم لم نسأله عن الواحد (١). وروى البزار بسند ضعيف، عن عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ وَاللهُ يَعْلَمُ مِنْهُ شَرًّا، وَيَقُوْلُ النَّاسُ خَيرًا، قَالَ اللهُ لملاَئِكَتِهِ ﵈: قَبِلْتُ شَهَادةَ عِبَادِيْ عَلَى عَبْدِيْ، وَغَفَرْتُ لَهُ عِلْمِيْ فِيْهِ" (٢).

стр. 6082

أي: معلومي فيه. وهذا من كمال الكرم، وهو أهل للعفو والكرم . وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن قتادة: أن لقمان ﵇ قال لابنه: يا بني! اعتزل الشر كيما يعتزلك؛ فإن الشر للشر خُلِق (١). وعن سفيان - يعني: الثوري - قال: قيل للقمان ﵇: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يُبالي أن يراه النَّاس مُسيئاً (٢). وعن معاوية بن قرة قال: قال لقمان ﵇ لابنه: يا بني! جالس الصالحين من عباد الله؛ فإنك تُصيبك بمجالستهم خيراً، ولعله أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم. يا بني! لا تجالس الأشرار؛ فإنك لا يُصيبك من مجالستهم خير، ولعلَّ أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبة فتصيبك معهم (٣). وروى ابن أبي شيبة عن أبي عبد الله الجدلي قال: كان يقول داود ﵇: اللهم إني أعوذ بك من جارٍ عينه تراني وقلبه يرعاني، إن رأى خيراً دفنه، وإن رأى شراً أشاعه (٤).

стр. 6083

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن سفيان بن عيينة قال: كان عيسى ويحيى ﵉ يأتيان القرية، يسأل عيسى ﵇ عن شرار أهلها، وشمال يحيى ﵇ عن خيار أهلها، فقال - يعني: يحيى - لعيسى ﵉: لم تنزل على شرار الناس؟ قال: إنما أنا طبيب أُداوي المرضى (١). فمعاشرة الأشرار ومخالطتهم بهذه النية لهذه المصلحة من أعمال الخير. لكن هذا لا يتم إلا لمن كمل في نفسه، ثم صلح في تكميل غيره، وكان له كلمة نافذة فيمن يأمره وينهاه ممن يُعاشره، إما لشرف مقامه عنده، وإما لمحبته إياه واعتقاده فيه. فأما من لم يكن كذلك فيوشك أن يغلب خلق من يعاشره من أهل الشر على ما عنده من خلق الخير، ومن المعلوم أن كثيراً من العسل يفسده قليلٌ من المر، وكثيراً من الطيب يفسده قليلٌ من النتن، وهذا ينبغي له أن يسلك مسلك يحيى ﵇؛ فإنه أحوط لدينه، وأبعد عن فتنته؛ فافهم! وروى ابن عساكر عن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: بلغني أن عيسى بن مريم ﵉ مرَّ بقومٍ فشتموه، فقال خيراً، ومرَّ بآخرين فشتموه وزادوا، فزادهم خيراً، فقال رجلٌ من الحواريين:

стр. 6084

كلما زادوك شراً زدتهم خيراً كأنك تغريهم بنفسك؟ فقال عيسى ﵇: كل إنسان يُعطي ما عنده (١). وفي معناه المثل: كل إناءٍ ينضح بما فيه. وقلتُ مضِّمناً: [من الطويل] سَتَسْمَعُ مِنِّي صالِحاً ما لقِيتَنِي ... وَأَسْمَعُ مِنْكَ الدَّهْرَ ما لَيْسَ يَصْلُحُ كِلانا وَفِيٌّ بِالِّذِي فِيهِ كامِنٌ ... وَكُلُّ إِناءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ وروى ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه قال: مرَّ بعيسى بن مريم ﵉ خنزير، فقال: مُر بسلام. فقيل له: يا روح الله! لهذا الخنزير تقول؟ قال: أكره أن أعوِّد لساني الشر (٢). وقيل: [من البسيط] عَوِّدْ لِسانَكَ قَوْلَ الْخَيْرِ وَارْضَ بِهِ ... إِنَّ اللِّسانَ لِما عَوَّدْتَ مُعْتادُ (٣)

стр. 6085

وروى الإمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي في "الشعب" عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: رأيت ابن عباس ﵁ آخذاً بثمرة لسانه وهو يقول: يا لساناه! قل خيراً تغنم، أو اسكت عن شرٍ تسلم قبل أن تندم. فقال له رجل: ما لي أراك آخذاً بلسانك تقول كذا وكذا؟ قال: إنه بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيء أحنق منه على لسانه (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في "الصمت" عن سفيان رحمه الله تعالى قال: قالوا لعيسى بن مريم ﵉: دُلَّنا على عمل ندخل به الجنة. قال: لا تنطقوا أبداً. قالوا: لا نستطيع ذلك. قال: فلا تنطقوا إلا بخير (٢). وروى أيضاً - بإسناد جيد - عن البراء ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: دُلني على عمل يُدخلني الجنة. فقال: "أَطْعِمِ الجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالمَعْرُوْفِ، وَانْهَ عَنِ

стр. 6086

المُنْكَرِ، فَإِنْ لمَ تَسْتَطِعْ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ" (١). وروى الطَّبراني في "الصغير" عن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اُخْزُنْ لِسَانَكَ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ" (٢). والحديثان يُرشدان إلى حبس اللسان عن المباح فضلاً عن الشر، وذلك أنَّ ما صرفه العبد من أعضائه فيما لا ثواب فيه كأنه مُضاع. ومما يُحمد الصمت فيه الاستعجال بالدعاء على النفس أو الولد أو المال؛ فإنه ربما يُستجاب للداعي به فيندم. قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]؛ أي: ضجراً لا صبر له على سرَّاء ولا ضرَّاء؛ كما روى ابن جرير عن ابن عبَّاس (٣). وقال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].

стр. 6087

روى المفسرون، واللالكائي في "السنة" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّه قال في الآية: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة (١). والبلاء والابتلاء: الاختبار، وهو معنى الفتنة، ولذلك نُصبت نصب المصدر بـ (نبلوكم). وذلك أن الله تعالى يبتلي العبد بالنعمة والسَّراء والخير ليظهر شكره أو كفره، كما قال سليمان بن داود ﵉: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]. كما يبتليه بالنقمة والضراء والشر ليظهر صبره أو جزعه. ولعل فتنة السَّراء أعظم من فتنة الضراء؛ لأن السَّراء معها البطر والغرُور والعجب، وهي موافقة لهوى النفس بخلاف الضراء؛ فإنها تورث الذلة والضعف والمسكنة، وإن كانت تلجئ إلى الجزع والضجر. ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "لأَنَا لِفِتْنَةِ السَّرَّاءِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنْ فِتْنَةِ الضَّرَّاءِ، إِنَّكُمْ ابْتُلِيْتُمْ بِفِتْنَةِ الضَّرَّاءِ فَصَبَرْتُمْ، وإِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ". رواه أبو يعلى، والبزار عن سعد بن أبي وقاص رضي الله

стр. 6088

تعالى عنه (١). وأخرجه أبو نعيم بلفظ: "لأَنَا فيْ فِتْنَةِ السَّرَّاءِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنْ فِتْنَةِ الضَّرَّاءِ" ... إلى آخره (٢). وروى ابن عساكر عن المنكدر بن محمد بن المنكدر قال: بلغني أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لأَنَا أَشَدُّ عَلَيْكُمْ خَوْفًا مِنَ النِّعَمِ مِنِّي مِنَ الذُّنوبِ، أَلاَ إنَّ النِّعَمَ الَّتيْ لاَ تُشْكَرُ هِيَ الحَتْفُ القَاضِيْ" (٣)؛ أي: المُهلك. ولا شك أن المال - وإن كان يُسمى خيراً كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، "وقوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]- إلا أنَّه يعود شراً إذا جرَّ إلى الشر. ومن هنا كان أولياء الله تعالى إذا فتحت عليهم الدنيا وَجِلُوا منها خشية أن يغتروا بها، وأن يكون إقبالها عليهم إملاء لهم واستدراجاً لهم، ألا ترى إلى ما يفتح من الدُّنيا على الفجار والفساق؟ وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى

стр. 6089

﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨ - ١٨٠]. فالبلاء للمؤمن بمنزلة السَّبك للذهب؛ فإنه يخرج بالبلاء عبداً خالصاً له مخلصاً له، كما يخرج الذهب مهما سبك إبريزاً خالصاً ونضاراً محضاً، والمنافق كالدرهم الزيف يخرج بالسبك أسود مظلماً. ولما كان أهل العمى الذي هو شر العمى وهو عمى القلب والبصيرة كما تقدم في الحديث: "وَشَرُّ الْعَمَىْ عَمَىْ الْقَلْبِ" (١) لا يرون المال ومتاع الدنيا إلا خيراً، ولم يفطنوا أنه قد يصير شراً لشر عاقبته، بل لا يرون الخير إلا ما هم فيه، رأوا من لم يكن له مثلما لهم من زخارف الدُّنيا شراراً، حتَّى إنهم يستديمون ذلك إلى ورود الآخرة بدليل ما حكاه الله تعالى عن الطاغين: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٢]. نزلت الآية في أصحاب قليب بدر، وفي فقراء المهاجرين؛ كعبد الله بن مسعود، وعمار، وبلال، وصهيب، وخباب رضي الله تعالى عنهم؛ كان صناديد قريش يَعُدُّونهم من أشرار الناس (٢)، فلما

стр. 6090

نظروا وهم في النار فلم يجدوهم فيها، وكانوا يرونهم أشراراً، ولا يرون أنفسهم أشراراً، ودخلوا هم النار التي هي دار الأشرار ولم يجدوهم فيها، وكانوا يرونهم أحق منهم بها، فتعجبوا حين لم يروهم فيها، ولم يعلموا أنهم نَجُوا منها من حيث كانوا يعتقدون كلهم أنهم به يلقون فيها؛ فإن الذي كانوا يعتقدون شَرِّيتهم به من الزهد في الدنيا، وإيثار الفقد والفقر فيها، واتباع محمد ﷺ هو الذي أنقذهم منها. ثم إن قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] مما استدلَّ به أهلُ السنة على إثبات القدر. قال علماء البلاغة: وإنما قُدم الشر على الخير لأنَّ الابتلاء به أكثر، ولأنَّ أكثر الناس لا يعدُّون شيئاً من الخير بلاء بخلاف الشر. وفي تقديمه مبالغة في الرد على من يقول من القدرية: إن الخير من الله، وإن الشر من الشَّيطان، ويعتقدون أن ذلك تنزيه منهم. وقد ردَّ عليهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بأنهم يوافقون أهل السنة في أن الله تعالى خالق إبليس، وهو أبو كل شر وأخوه، فقد لزمهم ما أنكروه. وقد روى اللالكائي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال النَّبيُّ ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: "يَا أَبَا بَكْر! لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ لاَ يُعْصَىْ مَا خَلَقَ إِبْلِيْسَ" (١).

стр. 6091

وروى ابن عدي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ دَاعِيًا وَمُبَلِّغًا، وَلَيْسَ إِليَّ مِنَ الهُدَىْ شَيْءٌ، وَخُلِقَ إِبْلِيْسُ مُزَيِّنًا وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ شَيْءٌ" (١). وروى الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه: أنِّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لمَ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لمَ يَكُنْ لِيُصِيْبَهُ" (٢). وروى هو والإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن علي ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّيْ رَسُوْلُ اللهِ بَعَثَنيْ بِالحَقِّ، ويُؤْمِنُ بِالمَوْتِ، ويُؤْمِنُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ويُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَره" (٣). وروى اللالكائي عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ قال: "سَيَكُوْنُ فيْ أُمَّتيْ قَوْمٌ يَكْفُرُوْنَ بِالْقُرْآنِ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُوْنَ". قال: قلت: يقولون ماذا يا رسول الله؟

стр. 6092

قال: "يَقُوْلُوْنَ: الخَيْرُ مِنَ اللهِ، وَالشَّرُّ مِنْ إِبْلِيْسَ وَيُقِرُّونَ عَلَىْ ذَلِكَ كِتَابَ اللهِ، وَيَكْفُرُوْنَ بِاللهِ وَبِالْقُرْآنِ بَعْدَ الإِيمَانِ وَالمَعْرِفَةِ، فَمَا تَلْقَىْ أُمَّتِيْ مِنْهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ ثُمَّ يَكُوْنُ المَسْخُ فِيْهِمْ عَامًّا، أُوْلئِكَ قِرَدَةٌ وَخَنَازِيْرُ، ثمَّ يَكُوْنُ الخَسْفُ، قَلَّ مَنْ يَنْجُوْ مِنْهُمْ، المُؤْمِنُ يَوْمَئِذٍ قَلِيْلٌ فَرَحُهُ، شَدِيْدٌ غَمُّهُ" (١). وفي دعاء القنوت الثابت من رواية الحسن رضي الله تعالى عنه: "وَاكْفِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ" (٢). فإن قلت: ما تصنع بقوله ﷺ في دعاء الاستفتاح الثابت في "صحيح مسلم": "لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيرُ فيْ يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (٣). فالجواب عنه كما قال النووي رحمه الله تعالى من وجوه: أشهرهما قاله النضر بن شميل، والأئمة بعده: أن معناه لا يتقرب به إليك. والثاني: لا يصعد إليك.

стр. 6093

والثالث: لا يُضاف إليك، فلا يُقال: يا خالق الشر وإن كان خالقه، كما لا يُقال: يا خالق الخنازير وإن وإن خالقها. والرابع: ليس شراً بالنسبة إلى حكمك؛ فإنك تفعل ما تريد (١). والخامس: ولم يذكره النووي: والشر لا يصل إليك ولا يلحقك لأنَّك القدوس. وأما قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، فإنه على حَدِّ قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد. والتقدير: بيدك الخير والشر، حذف ذكر الشر للعلم به وتعليماً لنا كيف نتأدب في خطاب الله تعالى، ولا سبيل إلى غير ذلك لأنه يقول بعد ذلك: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، والشيء شامل للخير والشر. وقد قال أولاً: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، والإذلال كله أو بعضه من الشر الذي هو بيده . وأما قوله تعالى حكايةً عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] فإنما حذف الفاعل في قوله:

стр. 6094

﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، والمُريد هو الله تعالى تأدباً مع الله تعالى، وأظهره في قوله: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ مذكوراً باسم الرب مضافاً إليهم مبالغة في الثناء عليه، وإشارةً إلى أن إرادة الرشد بهم من تمام ربه إياهم وكمال تربيته لهم ورحمته عليهم، وقد جاء إسناد إرادة الشر إلى الله تعالى إيثاراً للبيان ومبالغة في العِظَة. وما رواه الترمذي، والحاكم وصححه، عن أنس، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن مغفل، والطبراني في "الكبير" عن عمار بن ياسر، وابن عدي في "الكامل" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيرًا عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوْبَةَ فيْ الدُّنْيَا، وإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ شَرًّا أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). ورواه أبو نصر السجزي في "الإبانة" عن حبان بن أبي جَبَلة رضي الله تعالى عنه، والديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ

стр. 6095

النَبيَّ ﷺ قال: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ خَيرًا أَكْثَرَ فُقَهَاءَهُمْ وَأَقَلَّ جُهَّالهَمْ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الْفَقِيْهُ وَجَدَ أَعْوَاناً، وَإِذَا تَكَلَّمَ الجَاهِلُ قُهِرَ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ شَرًّا أَكْثَرَ جُهَّالَهُمْ وَأَقَلَّ فُقَهَاءَهُمْ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الجَاهِلُ وَجَدَ أَعْوَاناً، وَإِذَا تَكَلَّمَ الْفَقِيْهُ قُهِرَ" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بَعَبِيْدِهِ خَيرًا رَزَقَهُمْ الرِّفْقَ فيْ مَعَاشِهِمْ، وَإِذَا أَرَادَ بهِمْ شَرًّا رَزَقَهُمْ الخَرْقَ فيْ مَعَاشِهِمْ" (٢). وروى الدَّارقطني في "سننه" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيرًا فَقَّهَهُمْ فيْ الدِّيْنِ، وَوَقَّرَ صَغِيْرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَرَزَقَهُمْ الرِّفْقَ فيْ مَعِيْشَتِهِمْ، وَالْقَصْدَ فيْ نَفَقَاتهِمْ، وَبَصَّرَهُمْ عُيُوْبَهُمْ فَيَتُوْبُوْنَ مِنْهَا، وَإِذَا أَرَادَ بِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَكَهُمْ هَمَلاً" (٣). وروى الحكيم الترمذي في "نوادره"، والديلمي عن أبي هريرة
следующие страницы →