← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

وروى ابن عدي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ دَاعِيًا وَمُبَلِّغًا، وَلَيْسَ إِليَّ مِنَ الهُدَىْ شَيْءٌ، وَخُلِقَ إِبْلِيْسُ مُزَيِّنًا وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ شَيْءٌ" (١). وروى الترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه: أنِّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لمَ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لمَ يَكُنْ لِيُصِيْبَهُ" (٢). وروى هو والإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن علي ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّيْ رَسُوْلُ اللهِ بَعَثَنيْ بِالحَقِّ، ويُؤْمِنُ بِالمَوْتِ، ويُؤْمِنُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ويُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَره" (٣). وروى اللالكائي عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ قال: "سَيَكُوْنُ فيْ أُمَّتيْ قَوْمٌ يَكْفُرُوْنَ بِالْقُرْآنِ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُوْنَ". قال: قلت: يقولون ماذا يا رسول الله؟

стр. 6092

قال: "يَقُوْلُوْنَ: الخَيْرُ مِنَ اللهِ، وَالشَّرُّ مِنْ إِبْلِيْسَ وَيُقِرُّونَ عَلَىْ ذَلِكَ كِتَابَ اللهِ، وَيَكْفُرُوْنَ بِاللهِ وَبِالْقُرْآنِ بَعْدَ الإِيمَانِ وَالمَعْرِفَةِ، فَمَا تَلْقَىْ أُمَّتِيْ مِنْهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ ثُمَّ يَكُوْنُ المَسْخُ فِيْهِمْ عَامًّا، أُوْلئِكَ قِرَدَةٌ وَخَنَازِيْرُ، ثمَّ يَكُوْنُ الخَسْفُ، قَلَّ مَنْ يَنْجُوْ مِنْهُمْ، المُؤْمِنُ يَوْمَئِذٍ قَلِيْلٌ فَرَحُهُ، شَدِيْدٌ غَمُّهُ" (١). وفي دعاء القنوت الثابت من رواية الحسن رضي الله تعالى عنه: "وَاكْفِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ" (٢). فإن قلت: ما تصنع بقوله ﷺ في دعاء الاستفتاح الثابت في "صحيح مسلم": "لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيرُ فيْ يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (٣). فالجواب عنه كما قال النووي رحمه الله تعالى من وجوه: أشهرهما قاله النضر بن شميل، والأئمة بعده: أن معناه لا يتقرب به إليك. والثاني: لا يصعد إليك.

стр. 6093

والثالث: لا يُضاف إليك، فلا يُقال: يا خالق الشر وإن كان خالقه، كما لا يُقال: يا خالق الخنازير وإن وإن خالقها. والرابع: ليس شراً بالنسبة إلى حكمك؛ فإنك تفعل ما تريد (١). والخامس: ولم يذكره النووي: والشر لا يصل إليك ولا يلحقك لأنَّك القدوس. وأما قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، فإنه على حَدِّ قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبرد. والتقدير: بيدك الخير والشر، حذف ذكر الشر للعلم به وتعليماً لنا كيف نتأدب في خطاب الله تعالى، ولا سبيل إلى غير ذلك لأنه يقول بعد ذلك: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، والشيء شامل للخير والشر. وقد قال أولاً: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، والإذلال كله أو بعضه من الشر الذي هو بيده . وأما قوله تعالى حكايةً عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] فإنما حذف الفاعل في قوله:

стр. 6094

﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، والمُريد هو الله تعالى تأدباً مع الله تعالى، وأظهره في قوله: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ مذكوراً باسم الرب مضافاً إليهم مبالغة في الثناء عليه، وإشارةً إلى أن إرادة الرشد بهم من تمام ربه إياهم وكمال تربيته لهم ورحمته عليهم، وقد جاء إسناد إرادة الشر إلى الله تعالى إيثاراً للبيان ومبالغة في العِظَة. وما رواه الترمذي، والحاكم وصححه، عن أنس، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن مغفل، والطبراني في "الكبير" عن عمار بن ياسر، وابن عدي في "الكامل" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيرًا عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوْبَةَ فيْ الدُّنْيَا، وإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ شَرًّا أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). ورواه أبو نصر السجزي في "الإبانة" عن حبان بن أبي جَبَلة رضي الله تعالى عنه، والديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ

стр. 6095

النَبيَّ ﷺ قال: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ خَيرًا أَكْثَرَ فُقَهَاءَهُمْ وَأَقَلَّ جُهَّالهَمْ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الْفَقِيْهُ وَجَدَ أَعْوَاناً، وَإِذَا تَكَلَّمَ الجَاهِلُ قُهِرَ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ شَرًّا أَكْثَرَ جُهَّالَهُمْ وَأَقَلَّ فُقَهَاءَهُمْ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الجَاهِلُ وَجَدَ أَعْوَاناً، وَإِذَا تَكَلَّمَ الْفَقِيْهُ قُهِرَ" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بَعَبِيْدِهِ خَيرًا رَزَقَهُمْ الرِّفْقَ فيْ مَعَاشِهِمْ، وَإِذَا أَرَادَ بهِمْ شَرًّا رَزَقَهُمْ الخَرْقَ فيْ مَعَاشِهِمْ" (٢). وروى الدَّارقطني في "سننه" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيرًا فَقَّهَهُمْ فيْ الدِّيْنِ، وَوَقَّرَ صَغِيْرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَرَزَقَهُمْ الرِّفْقَ فيْ مَعِيْشَتِهِمْ، وَالْقَصْدَ فيْ نَفَقَاتهِمْ، وَبَصَّرَهُمْ عُيُوْبَهُمْ فَيَتُوْبُوْنَ مِنْهَا، وَإِذَا أَرَادَ بِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَكَهُمْ هَمَلاً" (٣). وروى الحكيم الترمذي في "نوادره"، والديلمي عن أبي هريرة

стр. 6096

رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا جَعَلَ غِنَاهُ فيْ نَفْسِهِ، وَتُقَاهُ فيْ قَلْبِهِ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا جَعَلَ فَقْرَهُ بَينَ عَيْنَيْهِ" (١). روى الطبراني في "الكبير"، والخطيب البغدادي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ شَرًّا خَضَّرَ لَهُ فيْ اللَبِنِ وَالطِّيْنِ حَتَّى يَبْنِيَ" (٢). وروى أبو داود عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِالأَمِيرِ خَيرًا جَعَلَ اللهُ لَهُ وَزِيْرَ صِدْقٍ، إِنْ نسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانهُ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ غَيرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزيرَ سُوْءٍ، إِنْ نسِيَ لمَ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لمَ يُعِنْهُ" (٣). ويكفي دليلاً على أنه لا يكون خير ولا شر إلا بإرادة الله تعالى: إسناد إرادة الفتنة والسوء والإضلال والمس بالضر إليه ، كما أسندتُ إليه أضدادها مع قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢].

стр. 6097

﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وفي الحديث: "كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ" (١). ومن هنا نهي عن التطير والتشاؤم، كما روي أنَّ ابن عباس كان عنده رجل، فَنَعَبَ غراب، فقال الرجل: خير خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شر (٢). أي: لا يكون عند نعيب الغراب ولا به خير ولا شر، بل كل شيء فهو من الله تعالى؛ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه كان إذا نعَبَ الغراب قال: اللهم لا شرَّ إلا شرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك (٣). وروى الترمذي وحسنه، عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: "فيْ الْقَلْبِ لَمَّتَانِ، لَمَّةٌ مِنْ المَلَكِ إِيْعَادٌ بِالخَيرِ وَتَصْدِيْقٌ بِالحَقِّ، وَلَمَّةٌ

стр. 6098

مِنَ الْعَدُوِّ - يعني: الشيطان - إِيْعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيْبٌ بِالحَقِّ" (١). وهذا هو القدر الذي يملكه الشيطان من قلب العبد، ولا يقدر على إحداث ضلال فيه ولا شر، وإنما إضلاله وإغواؤه تزيين ووعد وإشارة بما يُوافق الهوى، ولذلك يقول يوم القيامة لمن ضلوا: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. ثم عرفنا طريق النجاة منه بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ١ - ٤]. وروى ابن أبي شيبة عن مطرف بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: لو كان لي نفسان لقدَّمْتُ إحداهما قبل الأخرى، فإن هجمت على شيء اتبعتها الأخرى وإلا أمسكتُها، ولكن أنا في نفس واحدة ما أدري على ما تهجم خير أو شر (٢). وعنه أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر السلطان، ومن شر ما تجري به أقلامهم (٣).

стр. 6099

وروى أبو نعيم عن إسحاق بن سويد قال: تعبَّدَ عبد الله بن مطرف، فقال له أبوه: أي عبد الله! العلم أفضل من العمل، والسيئة بين الحسنتين، وشر السير الحَقْحَقَة. قال أبو نعيم: كذا قال، وقد قيل: الحسنة بين السيئتين (١). قال في "الصحاح": والحقحقة: أرفع السير وأتعبه للظهر. قال ويقال: هو السير أول الليل، ونهي عن ذلك (٢). وذكر الزمخشري من الأمثال: شر السير الحقحقة، وقال: يُضرب في ذم الإفراط (٣). وروى أبو نعيم عن حُميد بن هلال: كان مطرف بن عبد الله يقول: نظرت ما خير لا شرَّ فيه ولا آفة، ولكل شيءٍ آفة، فما وجدته إلا أن يُعافى عبدٌ فيشكر. ومن الأمثال ما ذكره الزَّمخشري: شر إخوانك مَنْ لا يعاتب، أو من لا يُعاتبك (٤). وبيانه: أنه إذا بلغه عنك شيء يكرهه، فإن عاتبك أعتبته واعتذرت

стр. 6100

إليه، أو تنصلت مما بلغه عنك، فإن لم يُعاتبك حقد عليك وعادَ عدواً. وفي المثل: شر الرأي الدبري - بالتحريك وياء النسبة -، وهو الذي يسنح أخيراً بعد فوت الحاجة (١). وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: والذي فلقَ البحر لبني إسرائيل: إن لفي التوراة مكتوباً: يا ابن آدم! اتقِ ربك، وأبرر والديك، وصِلْ رحمك، أمدُد لك في عمرك، وأيسر لك يسرك، وأصْرف عنك شرَّك (٢). وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أنه قال لابنه عبد العزيز: يا بني! إذا سمعت كلمة من امرئٍ مسلم، فلا تحملها على شيءٍ من الشر ما وجدتَ لها محملاً من الخير (٣). وعن جعونة قال: استعمل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عاملاً، فبلغه أنه عمل للحجاج، فعزله، فأتاه يعتذر إليه، فقال: لم أعمل له إلا قليلاً. فقال له عمر: حسبك من صحبة شر يوم أو بعض يوم (٤). وقلت في المعنى مضمِّناً: [من الرجز]

стр. 6101

حَسْبُكَ مِنْ صُحْبَةِ شَرٍّ يَوْمُ ... أَوْ بَعْضُ يَوْمٍ، فَهْوَ بِئْسَ اليَوْمُ فَالشَّرَّ دَعْهُ وَلَوِ اسْتَقْلَلْتَهُ ... فَرُبَّما نالَكَ مِنْهُ اللَّوْمُ وروى أبو نعيم عن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى قال: لو انتهيت إلى مسجد وهو ملآن مغص بالرجال فقال لي قائل: أي هؤلاء خير؟ لقلت لقائلي: أي هؤلاء أنصح لجماعتهم؟ فإذا قال: هذا، قلت: هو خيرهم. ولو انتهيت إلى المسجد يوم الجمعة وهو ملآن مغص، فقال: أي هؤلاء شر؟ لقلت: أيهم أغش لجماعتهم؟ فإذا قال: هذا، قلت: هو شرهم. وما كنت أشهد على خيرهم أنه مؤمن مستكمل الإيمان إذاً لشهدتُ أنه من أهل الجنة، وما كنت لأشهد على شرهم أنه منافق بريء من الإيمان إذاً لشهدتُ أنه من أهل النار، ولكن أخشى على مُحسنهم، وأرجو لمُسيئهم (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي رحمه الله تعالى قال: ما من أحد يُريد خيراً أو شراً إلا وجدتَ في قلبه آمراً وزاجراً، آمراً يأمر بالخير وزاجراً يزجر عن الشر، انتهى (٢).

стр. 6102

وهذا الأمر الزاجر إما الملك يلم بالقلب لمَّة، وإما واعظ من القلب، وهو المُشَار إليه بقول بعض العارفين: من لم يكن له في قلبه واعظ لم تنفعه المواعظ (١). وروى أبو نعيم عن سليمان التيمي رحمه الله تعالى قال: لو أخذت برخصة كل عالم أو زلَّة كل عالم اجتمع فيك الشرَّ كلَّه (٢). وروى هو والسجزي في "الإبانة" - واللفظ لأبي نعيم - عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ "سَيَكُوْنُ فيْ آخِرِ الزَّمَانِ دِيْدَانُ الْقُرْآنِ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ شَرِّهِمْ" (٣). كأنه شبههم بالدود من حيث إنه يُفسد الطعام إذا نشأ منه، وتقدم الحديث في الباب. وروى أبو نعيم عن يحيى بن أبي بشر رحمه الله تعالى قال: قال سليمان ﵇ لابنه: لا تكثر الغيرة على أهلك ولم ترَ سُوءاً، فتُرمى بالشرِّ من أجلك وإن كانت منه بريئة (٤). وعنه قال: خير الإخوان الذي يقول لصاحبه: تعال نصم قبل أن

стр. 6103

نموت، وشر الإخوان الذي يقول لصاحبه: تعال نأكل ونشرب حتى نموت (١). ومعناه: أنَّ خير إخوان المرء من يدعوه إلى الطاعة ومجاهدة النفس، وشرهم من يدعوه إلى شهوات النفس. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَهْلُ الْبِدَعِ شَرُّ الخَلْقِ وَالخَلِيْقَةِ" (٢). وتقدم أن عيسى ﵇ قال: واضع الحكمة في غير أهلها كمقلِّد الخنازير الدُّر (٣)، والحكمة خيرٌ من الدُّر ومن لا يريدها شر من الخنازير. وروى أبو نعيم عن أبي الجوزاء رحمه الله تعالى قال: لأن أُجالس القردة والخنازير أحب إليَّ من أن أُجالس رجلاً من أهل الأهواء. وفي رواية: والذي نفسي بيده لأن تمتلئ داري قردة وخنازير أحبُّ إليَّ من أن يجاورني أحد من أهل الأهواء (٤).

стр. 6104

فجعلهم شرًّا من القردة والخنازير. ووجهه: أنها يوم القيامة تكون تراباً، وأهل الأهواء والبدع يُقاسون نكالاً وعقاباً. ونظيره ما قدمناه عن الواعظ الذي سأله بعض القوم: أنت خير أم الكلب؟ فقال: إن دخلت الجنة فأنا خير من الكلب، وإن دخلت النار فالكلب خيرٌ مني (١). وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَهْلُ الجَنَّةِ مَنْ مَلأَ اللهُ أُذُنيهِ مِنْ ثَنَاءِ النَّاسِ خَيرًا وَهُوَ يَسْمَعُ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنْ مَلأَ اللهُ أُذُنَيْهِ مِنْ ثَنَاءِ النَّاسِ شَرًّا وَهُوَ يَسْمَعُ" (٢). وروى أبو نعيم عن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: قال محمد ابن علي بن الحسين - يعني: أبا جعفر الباقر - رحمه الله تعالى: من أُعطيَ الخلق والرفق فقد أُعطي الخير والراحة، وحَسُن حاله في دنياه وآخرته، ومن حُرم الرفق والخلق كان ذلك سبيلاً إلى كل شر وبلية إلا من عصمه الله (٣). وقلتُ في معناه: [من الرجز]

стр. 6105

مَنْ مَنَّ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِالرِّفْقِ ... فِي كُلِّ أُمُورِهِ وَحُسْنِ الْخُلْقِ بِالرَّاحَةِ وَالْخَيْرِ غَدا مُغْتَبِطاً ... فِي النَّاسِ وَحَسُنَ حالُهُ فِي الْخَلْقِ وروى أبو نعيم عن سفيان بن عيينة قال: دخل أبو حازم رحمه الله تعالى على أمير المدينة، فقال له: تكلم. فقال له: انظر الناس ببابك؛ إن أدْنيت أهل الخير ذهبَ أهل الشر، وإن أدْنيت أهل الشر ذهب أهل الخير (١). وعن أبي حازم: أن رجلاً قال له: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيراً أَعْلنته، وإن رأيت بهما شراً سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيراً وَعَيته، وإن سمعت بهما شراً وقيته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما. قال: ما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعام وأعلاه علم. قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٦ - ٧].

стр. 6106

قال: فما شكر الرِّجْلين؟ قال: إن رأيت شيئاً غبطته استعملت بهما عمله، وإن رأيت شيئاً مَقتَّه ففتهما عن عمله وأنت شاكرٌ لله في كل شيء. فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء، فأخذ بطرفه ولم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر (١). وعن يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى قال: أخبرني بُجير: أن بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم، فأتاه وعنده الإفريقي والزهري وغيرهما، فقال له: تكلم يا أبا حازم. فقال: إنَّ خير الأمراء من أحبَّ العلماء، وإنَّ شر العلماء من أحب الأمراء، وإنه كان فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم، وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء بأبدانهم يسألونهم، وكان في ذلك صلاح الأمراء وصلاح العلماء، فلما رأى ذلك ناسٌ من الناس قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء، فطلبوا العلم، فأتوا الأمراء، فحدثوهم، فرخصوا لهم، فقبلوا منهم، فخزيت العلماء على الأمراء، وخزيت الأمراء على العلماء (٢).

стр. 6107

ومعنى خزيت - بفتح الخاء المعجمة، وكسر الزاي -: هانت. وروى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: دخل رجلٌ على رسول الله ﷺ المسجد ومعه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، فصلى أسامة بن زيد ركعتين ثم احتبى، فأطال رسول الله ﷺ الصلاة، فلمَّا قضى صلاته قال: "يَا أُسَامَةُ! لَقَدْ أَقْصَرْتَ فيْ الصَّلاَةِ وَأَطَلْتَ الحَبْوَةَ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا خَلَفْتَ فيْ قَوْمٍ يَقْصُرُوْنَ الصَّلاَةَ، ويطِيْلُوْنَ الحَبْوَةَ، فَيَأْكلُوْن أَلْوَانَ الطَّعَامِ، ضِحْكُهُمْ الْقَهْقَهَةُ وَضِحْكُ المُؤْمِنِ الْتَبَسُّمُ، أُوْلَئِكَ شِرَارُ أُمَّتيْ، أُوْلَئِكَ شِرَارُ أُمَّتيْ، أُوْلَئِكَ شِرَارُ أُمَّتيْ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن فضيل بن عياض قال: أخذ بيدي سفيان بن عيينة في هذا الوادي، فقلت له: إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما نرى (٢). وروى أبو الحسن بن جهضم عن شعيب بن حرب رحمه الله تعالى قال: بينا أنا في الطواف إذ لَكَزَني رجلٌ بمرفقه، فالتفت فإذا أنا بالفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، فقال لي: يا أبا صالح! قلت: لبيك يا أبا علي. فقال: إن كنت تظن أنه شهد الموسم شر مني ومنك فبئسما ظننت (٣).

стр. 6108

وهذا من باب هضم النفس والحَيدة بها عن التزكية، وقد سبق في ذلك خبر عن موسى ﵇. فالمؤمن متضع في نفسه متواضعٌ لغيره، يحقِرُ نفسه ويتهمها، ويُحسن الظن بغيره ولا يُحقر أحداً من المسلمين. وقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "المُسْلِمُ أَخُوْ المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَىْ هَاهُنَا التقْوَىْ هَاهُنَا -ويشير إلى صدره- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَىْ المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ" (١). وروى الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نبَيٍّ، وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيْفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانتَانِ، بِطَانَهٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوْفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالمَعْصُوْمُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ" (٢). ورويا ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ نبَيٍّ وَلاَ وَالٍ إِلاَّ وَلَهُ بِطَانتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ باِلمَعْرُوْفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوْهُ خَبَالاً، وَمَنْ وَقِيَ شَرَّهَا فَقَدْ وَقِيَ، وَهُوَ مَعَ الَّتيْ تَغْلِبُ

стр. 6109

عَلَيْهِ مِنْهُمَا" (١). وأخرجه النسائي، ولفظه: "مَا مِنْ أَمِيرٍ وَلاَ وَالٍ إِلاَّ وَلَهُ بِطَانتَانِ مِنْ أَهْلِهِ - أي من خاصته -، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوْفِ وَتَنْهَاهُ عَنْ المُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوْهُ خَبَالاً، فَمَنْ وَقِيَ شَرَّهَا فَقَدْ وَقِيَ، وَهُوَ مَعَ الَّتيْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا" (٢). والبطانة: السريرة؛ بمعنى: صاحب السريرة. والبطانة أيضاً: الصاحب، الوليجة. والوليجة: خاصتك من الرجال، أو ممن تتخذه معتمداً عليه من غير أهلك، كما في "القاموس" (٣). وبطانة الرجل: صاحب سره، وداخلة أمره الذي يشاهده في أحواله، كما في "النهاية" (٤). وتقدم ما ورد في الوزير. وروى الطبراني بسند جيد، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِذَا تَخَوَّفَ أَحَدُكُمْ السُّلْطَانَ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيْمِ، كُنْ ليْ جَارًا مِنْ شَرِّ فُلاَنٍ بْنِ

стр. 6110

فُلاَنٍ، وَشَرِّ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَأتْبَاعِهِمْ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيرُكَ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا أتيت سلطاناً مَهيباً تخاف أن يَسْطو بك فقل: الله أكبر، أعز من خلقه جميعاً، أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو، الممسك السماوات أن يقعن على الأرض إلا بإذنه من شر عبده فلان ابن فلان وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس، اللهم كن لي جاراً من شرهم، جلَّ ثناؤك، وعزَّ جارك، وتبارك اسمك، ولا إله غيرك (٢). وقال الدينوري في "المجالسة": ثنا أحمد بن عبدان الأزدي قال: ثنا يعلى بن أيوب قال: بينما الرشيد هارون يطوف بالبيت إذ عرض له رجل قال: يا أمير المؤمنين إني أُريد أن أُكلمك بكلامٍ فيه غلظة فاحتمله لي. قال: لا ولا قرة عين ولا كرامة، قد بعث الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌّ مني، فأمره أن يقول له قولاً ليناً (٣). وفي "الإحياء" عن هذه القصة عن المأمون بن الرشيد، وهما

стр. 6111

واقعتان لهما توافقتا (١). وروى ابن أبي الدنيا في "الإخلاص" عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: ما من عبدٍ يسر سريرةً إلا ردَّاه الله رداءها علانيةً، إن خيراً فخير وإن شراً فشر (٢). ويؤيده ما رواه الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم وصححاه، والضياء في "المختارة" - وهو جيد الإسناد - عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ عَمِلَ فيْ صَخْرَةٍ لاَ بَابَ لهَا وَلاَ كُوُّةَ، لأَخْرَجَ اللهُ عَمَلَهُ كَائِنًا مَا كَانَ" (٣). وروى الطبراني في "الكبير" عن جندب البجلي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَا أَسَرَّ عَبْدٌ سَرِيْرَةً إِلاَّ أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا، إِنْ خَيرًا فَخَيرٌ، وإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ" (٤).

стр. 6112

وروى الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد والرقائق" عن أبي جعفر - يعني: عبد الله بن مسور الهاشمي - رضي الله تعالى عنه (١) قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: بارك الله للمسلمين فيك، فخُصَّني منك بخاصة خير، قال: "أَمُسْتَوْصٍ أَنْتَ"؟ أراه قال ثلاثاً. قال: نعم. قال: "اِجْلِسْ، إِذَا أَرَدْتَ أَمْرًا فَتَدَبَّر عَاقِبَتَهُ، فإنْ كَانَ خَيرًا فَأَمْضِهِ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَانتهِ" (٢). فقلت عاقداً للحديث: [من الوافر] تَدَبَّرْ إِنْ أَرَدْتَ الأَمْرَ وَانْظُرْ ... عَواقِبَهُ وَنَفْسَكَ فِيهِ ناصِحْ فَدَعْ ما كانَ شَرًّا وَامْضِ فِيما ... إِلَى خَيْرٍ، وَحاوِلْ كُلَّ صالِحْ وقلت: [من الوافر] تَدَبَّرْ إِنْ أَرَدْتَ الأَمْرَ وَانْظُرْ ... عَواقِبَهُ، وَكُنْ مِمَّنْ تَدارَكْ فَدَعْ ما كانَ شَرًّا وَامْضِ فِيما ... إِلَى خَيْرٍ بنا تُوقَى بَوارَك فَذَلِكَ فِي وَصِيَّةِ سَيِّدِ الْخَلْـ ... ـقِ فِي خَبَرٍ رَواهُ ابْنُ الْمُبارَكْ وفي كتاب الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى

стр. 6113

أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت رديف رسول الله ﷺ فقال: "يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! اِرْضَ عَن اللهِ بِمَا يُقَدِّرُهُ وَإِنْ كَانَ بِخِلاَفِ هَوَاكَ، فَإِنَّهُ مُثَبَّتٌ فيْ كِتَابِ اللهِ تَعَالى". قلت: يا رسول الله! فأين وقد قرأت القرآن؟ قال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (١). ومن الأمثال ما ذكره الزمخشري: شر ما رام امرؤ، ما لم ينل؛ قاله الأغلب العجل؛ يضرب في طلب المتعذر (٢)؛ وهو كلام صحيح. وقد ذكر بعض العلماء أن من آداب الدعاء وأسباب إجابته: أن لا يطلب العبد ما لا يليق به مما هو متعذر، كأن يطلب رتبه النبوة. أو ما هو بعيد في العادة، كأن يطلب الحجَّام مقام السلطنة. قال في "الصحاح": وفي المثل: شر ما يجيئك إلى مخ عرقوب (٣). وأورده الزمخشري بلفظ: شر ما أجاءك - أي: ألجأك واضطرك -

стр. 6114

يُضرب للمضطر جداً، وفي الفاقة والحاجة إلى البخيل (١). قال الأصمعي في المثل: وذلك أن العرقوب لا مخَّ فيه، وإنما يحوج من لا يقدر على شيء (٢). وفي المثل: شر الغريبة يعلَن، وخيرها يدفن؛ يُضرب في التحذير من الاغتراب، والرغبة في مصاهرة غير الجنس، ومعاشرة الغرباء، والرغبة في غير الأوطان. وأول من قاله من العرب عتبة بنت مطر البجلي لأختها خود، وقد رغبت في النزوح بمدرك بن مالك وهو من غير قومها (٣). وفي المثل: شر المال القُلْعة؛ ذكره الزمخشري، وقال: هو الذي لا يبقى على صاحبه، وإنما يقلع منه (٤). والقُلْعة - بضم القاف، وإسكان اللام -: قال في "الصحاح": المال العارية (٥). قال في "القاموس": أي: ما لا يدوم (٦).

стр. 6115

قال في "الصحاح": وفي الحديث "بِئْسَ المَالُ القُلْعَةُ" (١). أورده بهذا اللفظ حديثاً. وأورده أيضاً صاحب "النهاية"، وفسره بالعارية لأنه غير ثابت في يد المستعير ومتقلع إلى مالكه (٢). قال في "الصحاح": وفي المثل: خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع (٣). وفي المثل: شر المال ما لا يزكى ولا يذكى؛ يعني: الحمر؛ يُضرب فيما يُعاب من المال؛ ذكره الزمخشري (٤). وقال العقيلي: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "شَرُّ الحَمِيرِ الأَسْوَدُ الْقَصِيْرُ" (٥). وفي أمثال العوام: لا يقعد على المعالف إلا شر الدواب. وأورد يعقوب بن السكيت في "إصلاح المنطق" لكُثيِّر: [من الطويل]

стр. 6116

وَأَنْتَ الَّذِي حَبَّبْت كُلَّ قَصِيرَةٍ ... إِلَيَّ وَما تَدْرِي بِذاكَ القَصائِر عَنَيتُ قَصيراتِ الْحِجالِ وَلَمْ أُرِدْ ... قِصارَ الْخُطا، شَرُّ النِّساءِ الْبَحاتر (١) أراد بالقصائر: جمع قصيرة، أو قصورة، وهي المحبوبة المحجوبة. وأما البحاتر، ويروى: البهاتر لهما جميعاً بحتره وبهتره، وهي القصيرة ضد الطويلة، والعرب تذم بزيادة الطول والقصر، وتحمد الرَّبعة من الرجال والنساء، وهي صفة النبي ﷺ . وروى الحسن المروزي في "زوائد الزهد" للإمام عبد الله بن المبارك عن مكحول - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فيْ اللهِ إِلاَّ كَانَ أَفْضَلُهُمَا أَشَدَّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ، وَمَا افْتَرَقَا إِلاَّ عَنْ ذَنْبٍ وَأَشَرَّهُمَا المُحَدِثُ". أي: شرهما الذي أحدث ذلك الذنب؛ استعمل الشر وهو الأصل، والأصل في خير وشر أخير وأشير، إلا أنه أصل متروك. وروى ابن أبى شيبة عن أبي إسحاق السبيعي، عن رجل من جهينة قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ مَا أُعْطِيَ المُؤْمِن خُلُقٌ حَسَنٌ،

стр. 6117

وَشَرُّ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ قَلْبُ سُوْءٍ فيْ صُوْرَةٍ حَسَنَةٍ" (١). وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: إنَّ للشر أهلاً، وللخير أهلاً، ومن ترك شيئاً كفيه (٢). وروى أبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى، قال: من العجز أن يُظَنَّ بأهل الشر الخير (٣). قلت: ومن الجَور أن يُظَنَّ بأهل الخير الشر. وقلت في عقد ذلك مع عقد الآية الكريمة: [من الرمل] ظَنُّكَ الْخَيْرَ بِأَهْلِ الشَّرِّ عَجْزٌ ... ظَنُّكَ الشَّرَّ بِأَهْلِ الْخَيْرِ ظُلْمُ فَاتَّقِ اللهَ علا فِي الظَّنِّ وَاقْرَأْ ... قَوْلَ رَبِّي: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمُ) وروى الدينوري في "المجالسة" عن مؤوخ قال: دعا أعرابي بعرفة، فسمعته يقول: اللهم إنِّي أعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، فأعطني الخير واجعلني له أهلاً، وجنبني الشر ولا تجعلني للشر مثلاً (٤).

стр. 6118

وروى ابن أبي شيبة عن سليط بن عبد الله قال: قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: رُوا بالخير ولا ترُوا بالشر (١). أي: إذا كان لكم رأي فليكن مصحوباً بقصد الخير وإرادته، ولا يكن مصحوباً بإرادة الشر؛ أي: فليكن مستعملاً في الخير. والباء بمعنى في؛ أي: استعملوا رأيكم في الخير، ولا تستعملوه في الشر؛ فإن الرأي في الحقيقة اجتهاد قد يقع فيه الخطأ، والخطأ في الخير فوات وفي الشر تفويت، والتفويت جناية بخلاف الفوات. ويحتمل أنه ضمن الرأي معنى الإشارة بالشورى؛ أي: إذا كان لك شورى فلتكن بالخير؛ فإنها مصلحة، ولا تكن بالشر؛ فإنها غش وخيانة. وروى أبو نعيم عن الأعمش رحمه الله تعالى قال: كنا نَعُدُّ أهل السوق شرارنا، وإنا لنعدهم اليوم خيارنا (٢). ووجه ذلك: أنهم كانوا في صدر الإسلام وإقبال الدِّين يؤثرون التوكل ويقبلون على العبادة والعلم، فلما وهن كثير منهم وتعرض لمخالطة الملوك والأغنياء طمعاً فيما في أيديهم صار أهل الكسب والاجتزائية عما في أيدي الناس خيراً منهم، وكان أهل السوق إذ ذاك لهم اهتمام بالدين في معاملاتهم وأحوالهم.

стр. 6119

وروى الدينوري في "المجالسة" عن أبي حازم قال: إذا كنت في زمان ترضى فيه من العمل بالقول، ومن العلم بالعمل فأنت في شر زمان وشر ناس (١). أي: ترضى فيه بالقول والدعوى بدلاً من العمل، وترضى فيه بالعمل كيف كان بدلاً من العلم، ومعناه التعبد على جهل. وقال الدينوري: حدثنا عباس بن محمد الدوري قال: أنشدنا يحيى بن معين هذا الشعر، وذكر أنه للعمري العابد رحمه الله تعالى: [من الطويل] وَما لِي مِنْ عَبْدٍ وَلا مِنْ وَلِيدَةٍ ... وَإِنِّي لَفِي فَضْلٍ مِنَ اللهِ واسِعِ بِنِعْمَةِ رَبِّي ما أُرِيدُ مَعِيشَةً ... سِوى قَصْدِ حِلٍّ مِنْ مَعِيشةِ قانِعِ وَمَنْ يَجْعَلِ الرَّحْمنُ فِي قَلْبِهِ الرِّضا ... يَعِشْ فِي غِنًى مِنْ طَيِّبِ العَيْشِ واسِعِ وَلَمْ أَبْتَغِ الدُّنْيا بِدِينٍ أَبِيعُهُ ... فَبائِعٌ دِينَ اللهِ مِنْ شَرِّ بائِعِ وَلَمْ تَسْتَمِلْنِي الْمُرْدِياتُ مِنَ الْهَوى ... وَلَمْ أَتخَشَّعْ لامْرِئٍ ذِي بَضائِعِ جَموعٍ لِشَرِّ الْمالِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ... ضَنِينٍ بِقَولِ الْحَقِّ لِلزُّورِ راتِعِ قال يحيى: كنت أظن أن هذا الشعر للعمري حتى قال لي ابنه: هذا قاله عبد الله بن إدريس رحمه الله تعالى (٢).

стр. 6120

وروى ابن أبي الدنيا، والدينوري من طريقه عن أبي عبيدة قال: قال أكثم بن صيفي: الشر بدؤه صغار، فاصفح عنه لكيلا يخرجك إلى أكبر منه (١). وقلت في معناه: [من المجتث] الشَّرُّ يَبْدُو صِغاراً ... فَاصْفَحْ بِحِلْمِكَ عَنْهُ كَيْلا يَصِيرَ كِباراً ... يَعْسُرْ خَلاصُكَ مِنْهُ وروى ابن أبي الدنيا في "العقوبات" عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: إذا لم يَلِ الوالي لله، ولم يؤدِّ المولى ما عليه من حق الله، فاحذروا مكر الله وأخذه، فقد اجتمع الشر عليكم. وروى ابن عساكر في ترجمة أبي جعفر محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي عنه قال: كنت ألعب في الكنيسة بالأكرة وأنا حَدَث، فدخلت الكرة إلى المسجد حتى وقعت بالقرب من المعافى ابن عمران، فقال لي: يا فتى! ابن من أنت؟ فقلت: أنا ابن عوف. قال: ابن سفيان؟ قلت: نعم. قال: أما إنَّ أباك كان من إخواننا، وكان ممن يكتب معنا الحديث والعلم، والذي كان يشبهك أن تتبع ما كان عليه والدك،

стр. 6121

فصرتُ إلى أمي فأخبرتها. فقالت: صدق يا بني! هو صديق لأبيك، فألبستني ثوباً من ثيابه وإزاراً من إزاره، ثم جئت إلى المعافى بن عمران ومعي محبرة وورق، فقال: اكتب: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد ربه بن سليمان قال: كتبت لي أمُّ الدرداء في لوحي مما تعلمني: اطلبوا العلم صغاراً تعملوا به كباراً؛ فإن لكل حاصدٍ ما زرع - خيراً كان أم شراً - فكان أول حديث سمعته (١). وفي معنى كلام أم الدرداء رضي الله تعالى عنها: الحديث الذي أورده النحاة مستشهدين به على حذف فعل الشرط، وعلى حذف كان واسمها: "النَّاسُ مَجْزِيُّونَ بِأَعْمالِهِم؛ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ" (٢)؛ أي: إن كان العمل خيراً فجزاؤه خير، وإن كان شراً فجزاؤه شر. وبهذا اللفظ أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفاً عليه (٣). وروى الديلمي بسند ضعيف، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَوَىْ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُوْنٌ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ

стр. 6122

يَوْمَيْهِ شَرًّا فَهُوَ مَلْعُوْنٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فيْ الزِّيَادَةِ فَهُوَ فيْ النُّقْصَانِ" (١). وروى الغزالي في "الإحياء" بلفظ: "مَنِ اسْتَوَىْ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُوْنٌ، وَمَنْ كَانَ يَوْمُهُ شَرًّا مِنْ أَمْسِهِ فَهُوَ مَلْعُوْنٌ" (٢). وقال العراقي في تخريجه: لا أعرف هذا إلا في منام لعبد العزيز ابن أبي روَّاد. قال: رأيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! أوصني، فقال ذلك (٣). وروى الدينوري في "المجالسة" عن ابن المبارك قال: إنَّ شاعراً امتدح ابن شهاب الزهري، فأعطاه فأجزل، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ من السخاء في الخير اتقاء الشر (٤). وروى ابن السمعاني في "تاريخه" عن ضميرة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يشكو جاره، فقال: الحجارة تجيئني من الليل يرمى بها، فقال: أعدها من حيث تجيئك، ثم قال: إنَّ الشر لا يُصلحه إلا الشر. وقلت في المعنى:

стр. 6123

عَفْوُ الفَتَى عَنِ الوَرى مِنْ فَضْلِهِ ... إِلاَّ مُلِحًّا فِي الأَذى مِنْ جَهْلِهِ فَإِنَّما جَزاؤُهُ مِنْ فِعْلِهِ ... قَدْ يُدْفَعُ الشَّرُّ بِشَرٍّ مِثْلِهِ وفي معناه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وكذلك المثل: الجزاء من جنس العمل. وروى ابن عساكر في ترجمة محمد بن وضاح الأندلسي القرطبي عنه قال: سمعت سحنون يقول [سمعت الأشهب يقول]: أغنج النساء المدنيات، وأخبث النساء المكيات، وأعف النساء البصريات، وشر النساء المصريات (١). قلت: وأشد النساء حياءً الدمشقيات، وأرغب النساء في الرجال الروميات. وقد تقدم حديث أبي أُذينة: "خَيْرُ نِسَائِكُمْ الْوَلُوْدُ الْوَدُوْدُ، المُوَاتيةُ المُوَاسِيَةُ إِذَا اتَّقَيْنَ الله، وَشَرُّ نِسَائِكُمْ المُتَبَرِّجَاتُ المُتَخَيِّلاَتُ" (٢). وروى ابن النجار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "خِيَارُ أُمَّتيْ مَنْ دَعَا إِلىْ اللهِ وَحَبَّبَ إِلَيْهِ عِبَادَهُ، وَشِرَارُ أُمَّتيْ التُّجَّارُ مَنْ

стр. 6124

كَثُرَتْ أَيْمَانُهُ وإِنْ كَانَ صَادِقًا" (١). ويشهد له ما رواه الإمام أحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ". فقيل: يا رسول الله! أليس الله قد أحلَّ البيع؟ قال: "نعَمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُوْنَ فَيَأْثَمُوْنَ، وَيُحَدِّثُوْنَ فَيَكْذِبُوْنَ" (٢). وروى أبو داود الطيالسي، وابن منيع، وابن أبي أسامة في "مسانيدهم"، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّاسُ مَعَادِنُ فيْ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، خِيَارُهُمْ فيْ الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فيْ الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوْا" (٣). وروى البيهقي، والديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّاسُ مَعَادِنُ وَالْعِرْقُ دَسَاسٌ، وَأَدَبُ السُّوْءِ كَعِرْقِ السُّوْءِ" (٤).

стр. 6125

وروى الإمام أحمد، ومسلم عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ في الخَيرِ وَالشَّرِّ" (١). وروى أبو نعيم عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أنه قال: إنما الخير والشر بعد اليوم (٢). وأراد باليوم مدة زمان الدنيا؛ أي: لا يكون الخير الحقيقي والشر الحقيقي إلا ما كان في الآخرة. وروى أبو نعيم بإسنادٍ صحيح، عن كعب رضي الله تعالى عنه قال: يؤتى بالرئيس في الخير يوم القيامة، فيُقال له: أجب ربك، فَيُنطلق به إلى ربه فلا يحجب عنه، فيؤمر به إلى الجنة فيرى منزله ومنازل أصحابه الذين كانوا يتابعونه على الخير، فيعينونه عليه بخير، فيقال له: هذه منزلة فلان، وهذه منزلة فلان، فيرى ما أعدَّ الله لهم في الجنَّة، ويوضع على رأسه تاج، ويغلف من ريح الجنة، ويشرق وجهه حتى يكون مثل القمر. قال همام: أحسبه قال: ليلة البدر. قال: فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا قالوا: اللَّهُمَّ اجعله منهم حتَّى

стр. 6126

يأتي أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير ويعينونه عليه، فيقولون: بشِّرنا يا فلان. فيقول لهذا: إنَّ الله أعدَّ لك في الجنة كذا، ولهذا: إنَّ الله أعدَّ لك في الجنة كذا، وأعدَّ لك كذا، فما يزال يُخبرهم بما أعدَّ لهم في الجنة من الكرامة حتى يعلو وجوههم من البياض مثلما علا وجهه، فيعرفهم الناس ببياض وجوههم. قال: ويؤتى بالرئيس في الشر فيُقال له: أجب ربك، فينطلق به إلى ربه ، فيُحجب عنه، ويؤمر به إلى النَّار، فيرى منزله ومنزل أصحابه، فيقال: هذه منزلة فلان، وهذه منزلة فلان، فيرى ما أعدَّ لهم فيها من الهوان، ويرى منزلته أشر من منازلهم، قال: فيسود وجهه، وتزرقُّ عيناه، ويوضع على رأسه قلنسوة من نار. قال: فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا تعوذوا بالله منه، فيأتي أصحابه الَّذين كانوا يجامعونه على الشر ويعينونه عليه، فما يزال يخبرهم بما أعدَّ لهم في النار حتى يعلو وجوههم من السواد مثل ما علا وجهه، فيعرفهم الناس بسواد وجوههم فيقولون: هؤلاء أهل النار (١). وإنما يكون الرئيس الخير بالرتبة المذكورة إذا كان عاملاً بما يعلم، مؤتمراً بما يؤمر، مُنتهياً عما يُنهى.

стр. 6127

وكذلك ينبغي لكل عالم يعلم الناس كما قال بعض السلف: إذا أمرت بخير، فكن آخَذَ الناسِ به، وإذا نهيتَ عن شر، فكن أبعد الناس عنه. وإلا فإنه من أشد الناس عذاباً، أو هو أشدهم كما في الحديث: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ عَالمٌ لمَ يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ" (١). وروى الشيخان، وغيرهما عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "يُؤْتَىْ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَىْ فيْ النَّارِ، فتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ؛ أي أمعاؤه، فَيَدُوْرُ بهَا كَمَا يَدُوْرُ الحِمَارُ فيْ الرَّحَا، فَيَطِيْفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُوْلُوْنَ لَهُ: مَالَكَ؟ فَيَقُوْلُ: كُنْتُ آمُرُ بِالخَيرِ وَلاَ آتِيْهِ، وَأَنْهَىْ عَنِ الشَّرِّ وَآتِيْهِ". وفي رواية: "آمُرُ بِالمَعْرُوْفِ وَلاَ آتِيْهِ، وَأَنْهَىْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيْهِ" (٢). وروى الحاكم في "تاريخه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان من دعاء النبي ﷺ "يَا عُدَّتيْ فيْ كُرْبَتيْ، وَيَا صَاحِبي عِنْدَ شِدَّتيْ، وَيَا وَليَّ نِعْمَتيْ، يَا إِلهَيْ وَإِلَهَ آبَائِيْ، لاَ تَكِلْنيْ إِلى نَفْسِيْ فَأَقْتَرِبَ مِنَ الشَّرِّ وَأَتَبَاعَدَ عَنِ الخَيرِ، وَآنِسْنيْ فيْ قَبرِيْ مِنْ وِحْشَتيْ، وَاجْعَلْ ليْ عَهْدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَسْؤُوْلاً" (٣).

стр. 6128

وروى الطَّبراني في "الكبير" عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالى قَالَ: أَنَا خَلَقْتُ الخَيرَ وَالشَّرَّ، فَطُوْبَىْ لِمَنْ قَدَّرْتُ عَلَىْ يَدَيْهِ الخَيرَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ قَدَّرْتُ عَلَىْ يَدَيْهِ الشَّرَّ" (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أسماء بن عبيد رحمه الله تعالى قال: قال لقمان ﵇ لابنه: اِستعذ بالله من شرار النساء، وكن على خيارهن على حذر؛ فإنهن لا يُسارعن إلى الخير، بل هنَّ إلى الشَّر أسرع (٢). وروى أبو عمرو الداني في "الفتن" عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: في آخر الزمان الزموا الصوامع. قلنا: وما الصوامع؟ قال: البيوت؛ فإنه ليس ينجو من شر ذلك الزمان إلا صفوته من خلقه (٣). وروى الإمام أحمد، والترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتي خَمْسَ عَشْرَةَ خَلَّةَ، حَلَّ بِهَا الْبَلاَءُ" قيل: وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: "إِذَا كَانَ المَغْنَمُ دُوْلاً، وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ

стр. 6129

صَدِيْقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتْ الأَصْوَاتُ فيْ المَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيْمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الخُمُوْرُ، وَلُبِسَ الحَرِيْرُ، وَاتُّخِذَتِ القِيَانُ وَالمعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوْا عِنْدَ ذَلِكَ رِيْحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا أَوْ مَسْخًا" (١). وروى أبو عمرو الداني عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: إنَّ من أشراط السَّاعة أن توضع الأخيار، وترفع الأشرار، ويسود كل قبيلة منافقوها (٢). وعن ابن مسعود ﵁ قال: يأتي على الناس زمان، يمتلئ فيه جوف كل امرئٍ شراً [حتى يجري الشر] فضلاً، ولا يجد جوفاً يلجُ فيه (٣). وعن حذيفة قال: ليأتين على الناس زمان، يمتلئ فيه كل قلب شراً حتى لاتجد قلباً يَعِيْه (٤). وعن الحسن ﵀ -مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ تَزَالُ هَذِهِ الأُمَّةُ تَحْتَ يَدِ اللهِ وَفيْ كَنَفِهِ مَا لَمْ يُمَالِئْ قُرَّاؤُهَا أُمَرَاءَهَا، وَلَمْ يُزَكِّيْ صُلَحَاؤُهَا فُجَّارَهَا، وَمَا لَمْ ينمُّ خِيَارُهَا أَشْرَارَهَا، فَإِذَا فَعَلُوْا

стр. 6130

ذَلِكَ رَفَعَ اللهُ الْكَرِيْمُ يَدَهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ جَبَابِرَتَهُمْ يَسُوْمُوْنهمْ سُوْءَ الْعَذَابِ، وَضَرَبَهَمْ بِالْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ، وَمَلأَ قُلُوْبَهُمْ رُعْبًا" (١). وأورده الماوردي في "أدب الدِّين والدُّنيا" بلفظ: "مَا لَمْ يَملل قُرَّاؤُهَا أُمَرَاءَهَا، وَلَمْ يُزَكِّ صُلَحَاؤُهَا فُجَّارُهَا، وَيُمَالِ أَخْيَارُهَا شِرَارَهَا" (٢). يقال: مالأته على الأمر، ممالأة: ساعدته عليه وشايعته، وتمالؤا: اجتمعوا، ويقال: نميت الشيء على الشيء: إذا رفعته عليه. والتزكية: المدح والثناء. وأما الإملال فمعناه زيارة القراء للأمراء حتى يملُّوهم. وجميع ما في هذا الحديث صفات أهل هذا الزمان. ومن هنا وقع الناس في وعيده من تسليط الجبارين على النَّاس حتى ساموهم سوء العذاب من تكليفهم الأموال ومضايقتهم في المساكن وانتزاع أملاكهم منهم، ومن وقوع أكثر الناس في الرعب والخوف، وابتلاؤهم بالفقر والفاقة، وإن جمعوا الأموال محقت منهم أُخرى بتغريم الظَّلمة إياهم، واستلاب السُّرَّاق والقطاع إياها منهم، وتسليطهم على أموال أنفسهم بالسرف والتبذير في المعاصي وما لا يُجدي وغير ذلك، وقانا الله الأسواء والسيئات، وكفانا البلاء والخطيئات.
следующие страницы →