← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

يأتي أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير ويعينونه عليه، فيقولون: بشِّرنا يا فلان. فيقول لهذا: إنَّ الله أعدَّ لك في الجنة كذا، ولهذا: إنَّ الله أعدَّ لك في الجنة كذا، وأعدَّ لك كذا، فما يزال يُخبرهم بما أعدَّ لهم في الجنة من الكرامة حتى يعلو وجوههم من البياض مثلما علا وجهه، فيعرفهم الناس ببياض وجوههم. قال: ويؤتى بالرئيس في الشر فيُقال له: أجب ربك، فينطلق به إلى ربه ، فيُحجب عنه، ويؤمر به إلى النَّار، فيرى منزله ومنزل أصحابه، فيقال: هذه منزلة فلان، وهذه منزلة فلان، فيرى ما أعدَّ لهم فيها من الهوان، ويرى منزلته أشر من منازلهم، قال: فيسود وجهه، وتزرقُّ عيناه، ويوضع على رأسه قلنسوة من نار. قال: فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا تعوذوا بالله منه، فيأتي أصحابه الَّذين كانوا يجامعونه على الشر ويعينونه عليه، فما يزال يخبرهم بما أعدَّ لهم في النار حتى يعلو وجوههم من السواد مثل ما علا وجهه، فيعرفهم الناس بسواد وجوههم فيقولون: هؤلاء أهل النار (١). وإنما يكون الرئيس الخير بالرتبة المذكورة إذا كان عاملاً بما يعلم، مؤتمراً بما يؤمر، مُنتهياً عما يُنهى.

стр. 6127

وكذلك ينبغي لكل عالم يعلم الناس كما قال بعض السلف: إذا أمرت بخير، فكن آخَذَ الناسِ به، وإذا نهيتَ عن شر، فكن أبعد الناس عنه. وإلا فإنه من أشد الناس عذاباً، أو هو أشدهم كما في الحديث: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ عَالمٌ لمَ يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ" (١). وروى الشيخان، وغيرهما عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "يُؤْتَىْ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَىْ فيْ النَّارِ، فتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ؛ أي أمعاؤه، فَيَدُوْرُ بهَا كَمَا يَدُوْرُ الحِمَارُ فيْ الرَّحَا، فَيَطِيْفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُوْلُوْنَ لَهُ: مَالَكَ؟ فَيَقُوْلُ: كُنْتُ آمُرُ بِالخَيرِ وَلاَ آتِيْهِ، وَأَنْهَىْ عَنِ الشَّرِّ وَآتِيْهِ". وفي رواية: "آمُرُ بِالمَعْرُوْفِ وَلاَ آتِيْهِ، وَأَنْهَىْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيْهِ" (٢). وروى الحاكم في "تاريخه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان من دعاء النبي ﷺ "يَا عُدَّتيْ فيْ كُرْبَتيْ، وَيَا صَاحِبي عِنْدَ شِدَّتيْ، وَيَا وَليَّ نِعْمَتيْ، يَا إِلهَيْ وَإِلَهَ آبَائِيْ، لاَ تَكِلْنيْ إِلى نَفْسِيْ فَأَقْتَرِبَ مِنَ الشَّرِّ وَأَتَبَاعَدَ عَنِ الخَيرِ، وَآنِسْنيْ فيْ قَبرِيْ مِنْ وِحْشَتيْ، وَاجْعَلْ ليْ عَهْدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَسْؤُوْلاً" (٣).

стр. 6128

وروى الطَّبراني في "الكبير" عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالى قَالَ: أَنَا خَلَقْتُ الخَيرَ وَالشَّرَّ، فَطُوْبَىْ لِمَنْ قَدَّرْتُ عَلَىْ يَدَيْهِ الخَيرَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ قَدَّرْتُ عَلَىْ يَدَيْهِ الشَّرَّ" (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أسماء بن عبيد رحمه الله تعالى قال: قال لقمان ﵇ لابنه: اِستعذ بالله من شرار النساء، وكن على خيارهن على حذر؛ فإنهن لا يُسارعن إلى الخير، بل هنَّ إلى الشَّر أسرع (٢). وروى أبو عمرو الداني في "الفتن" عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: في آخر الزمان الزموا الصوامع. قلنا: وما الصوامع؟ قال: البيوت؛ فإنه ليس ينجو من شر ذلك الزمان إلا صفوته من خلقه (٣). وروى الإمام أحمد، والترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتي خَمْسَ عَشْرَةَ خَلَّةَ، حَلَّ بِهَا الْبَلاَءُ" قيل: وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: "إِذَا كَانَ المَغْنَمُ دُوْلاً، وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ

стр. 6129

صَدِيْقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتْ الأَصْوَاتُ فيْ المَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيْمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الخُمُوْرُ، وَلُبِسَ الحَرِيْرُ، وَاتُّخِذَتِ القِيَانُ وَالمعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوْا عِنْدَ ذَلِكَ رِيْحًا حَمْرَاءَ أَوْ خَسْفًا أَوْ مَسْخًا" (١). وروى أبو عمرو الداني عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: إنَّ من أشراط السَّاعة أن توضع الأخيار، وترفع الأشرار، ويسود كل قبيلة منافقوها (٢). وعن ابن مسعود ﵁ قال: يأتي على الناس زمان، يمتلئ فيه جوف كل امرئٍ شراً [حتى يجري الشر] فضلاً، ولا يجد جوفاً يلجُ فيه (٣). وعن حذيفة قال: ليأتين على الناس زمان، يمتلئ فيه كل قلب شراً حتى لاتجد قلباً يَعِيْه (٤). وعن الحسن ﵀ -مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ تَزَالُ هَذِهِ الأُمَّةُ تَحْتَ يَدِ اللهِ وَفيْ كَنَفِهِ مَا لَمْ يُمَالِئْ قُرَّاؤُهَا أُمَرَاءَهَا، وَلَمْ يُزَكِّيْ صُلَحَاؤُهَا فُجَّارَهَا، وَمَا لَمْ ينمُّ خِيَارُهَا أَشْرَارَهَا، فَإِذَا فَعَلُوْا

стр. 6130

ذَلِكَ رَفَعَ اللهُ الْكَرِيْمُ يَدَهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ جَبَابِرَتَهُمْ يَسُوْمُوْنهمْ سُوْءَ الْعَذَابِ، وَضَرَبَهَمْ بِالْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ، وَمَلأَ قُلُوْبَهُمْ رُعْبًا" (١). وأورده الماوردي في "أدب الدِّين والدُّنيا" بلفظ: "مَا لَمْ يَملل قُرَّاؤُهَا أُمَرَاءَهَا، وَلَمْ يُزَكِّ صُلَحَاؤُهَا فُجَّارُهَا، وَيُمَالِ أَخْيَارُهَا شِرَارَهَا" (٢). يقال: مالأته على الأمر، ممالأة: ساعدته عليه وشايعته، وتمالؤا: اجتمعوا، ويقال: نميت الشيء على الشيء: إذا رفعته عليه. والتزكية: المدح والثناء. وأما الإملال فمعناه زيارة القراء للأمراء حتى يملُّوهم. وجميع ما في هذا الحديث صفات أهل هذا الزمان. ومن هنا وقع الناس في وعيده من تسليط الجبارين على النَّاس حتى ساموهم سوء العذاب من تكليفهم الأموال ومضايقتهم في المساكن وانتزاع أملاكهم منهم، ومن وقوع أكثر الناس في الرعب والخوف، وابتلاؤهم بالفقر والفاقة، وإن جمعوا الأموال محقت منهم أُخرى بتغريم الظَّلمة إياهم، واستلاب السُّرَّاق والقطاع إياها منهم، وتسليطهم على أموال أنفسهم بالسرف والتبذير في المعاصي وما لا يُجدي وغير ذلك، وقانا الله الأسواء والسيئات، وكفانا البلاء والخطيئات.

стр. 6131

وروى أبو يعلى عن أبي سعيد، وأبي هريرة معاً رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال"لَيَأْتِيَنَّ عَلَىْ النَّاسِ زَمَانٌ يَكُوْنُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ سُفَهَاءُ، يُقَدِّمُوْنَ شِرَارَ النَّاسِ، ويُظْهِرُوْنَ حُبَّ أَخْيَارِهِمْ، ويؤَخِّرُوْنَ الصَّلاَةَ عَنْ مَوَاقِيْتِهَا، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلاَ يَكُوْنَنَّ عَرِيْفًا وَلاَ شُرْطِيًّا وَلاَ جَابِيًا وَلَا خَازِنًا" (١). وروى سمُّويه عن ثوبان رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "سَيَكُوْنُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتيْ، يُغَلِّطُوْنَ فُقَهَاءَهُمْ بِمُعْضِلِ الْمَسَائِلِ، أُوْلَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِيْ" (٢). ورواه الطبراني في "الكبير" -وضعف - ولفظه: "سَيَكُوْنُ فيْ أُمَّتيْ أَقْوَامٌ يَتَعَاطَىْ فُقَهَاؤُهُمْ عُضْلَ المَسَائِلِ، أُوْلَئِكَ أَشْرَارُ أُمَّتيْ" (٣). والعضل: جمع عُضلة - بالضم -: وهي الدَّاهية، ثم أطلق على الأمر الشديدِ المُشْكلِ: عضلة. وروى الطبراني في "الأوسط" بسند جيد، عن حذيفة رضي الله

стр. 6132

تعالى عنه قال: قلت للنبي ﷺ : يا رسول الله! متى يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما سيدا أعمال أهل البر؟ قال: "إِذَا أَصَابَكُمْ مَا أَصَابَ بَنيْ إِسْرَائِيْلَ". قلت: يا رسول الله! وما أصاب بني اسرائيل؟ قال: "إِذَا دَاهَنَ أَخْيَارُكُمْ فُجَّارَكُمْ، وَصَارَ الْفِقْهُ فيْ شِرَارِكُمْ، وَصَارَ المُلْكُ فيْ صِغَارِكُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَلْبَسُكُمْ فِتْنَهٌ تَكُرُّوْنَ عَلَيْهَا وَتَكُرُّ عَلَيْكُمْ" (١)؛ أي: ترجع عليكم. وروى الإمام أحمد، والبخاري، والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لاَ يَأْتيْ عَلَيْكُمْ عَامٌ وَلاَ يَوْمٌ إِلاَّ وَالَّذِيْ بَعْدَهُ شَرُّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ" (٢). وروى الدينوري في "المجالسة" عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قال هَرِم بن حيَّان رحمه الله تعالى: اللهم إني أعوذ بك من شر زمان يتمرد فيه صغيرهم، ويأمل فيه كبيرهم، وتقرب فيه آجالهم (٣).

стр. 6133

وقال نعيم بن حمَّاد في "الفتن": أنا عبد الرزاق عن أمه، عن ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف قال: رأيت أبا هريرة رضي الله تعالى وسمع صبياناً يقولون: الآخر شر، الآخر شر، فقال أبو هريرة: إي والذي نفسي بيده إلى يوم القيامة (١). وأخرج بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن شر الليالي والأيام والشهور والأزمنة أقربها إلى السَّاعة (٢). وروى الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "بَادِرُوْا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، مَا تَنْتَظِرُوْنَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِياً، أَوْ غِنىً مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَالَ فَإِنَّهُ شَرُّ مُنْتَظَرٍ، أَوِ السَّاعَةُ وَالسَّاعَةَ أَدْهَىْ وَأَمَر" (٣). وروى الدَّارقطني عن مجاهد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَحَبَّ الْعَبْدُ لِقَاءَ رَبِّهِ، أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ الْعَبْدُ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ". قال: فذكر ذلك لعائشة رضي الله تعالى عنها فقالت: يرحمه الله، حدثكم بآخر الحديث ولم يحدثكم بأوله. قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيرًا، بَعَثَ

стр. 6134

إِليْهِ مَلَكًا فيْ عَامِهِ الَّذِيْ يَمُوْتُ فِيْهِ، فَيُسَدِّدُهُ وَيُبَشِّرُهُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتهِ أَتَىْ مَلَكُ المَوْتِ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ اُخْرُجِيْ عَلَىْ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرُضْوَانٍ، فَتهوَّعُ نَفْسُهُ رَجَاءَ أَنْ تَخْرُجَ، فَذَلِكَ حِيْنَ يُحِبُّ لِقَاءَ اللهِ ويحِبُّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ شَرًّا بَعَثَ إِليْه شَيْطَاناً فيْ عَامِهِ الَّذِيْ يَمُوْتُ فِيْهِ، فَأَغْرَاهُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتهِ أَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ اُخْرُجِيْ إِلى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبِهِ، فتفَرَّقُ فيْ جَسَدِهِ، فَذَلِكَ حِيْنَ يُبْغِضُ لِقَاءَ اللهِ ويبْغِضُ اللهُ لِقَاءَهُ" (١). قال في "الصحاح": هاع يَهُوع هواعاً وهيعوعة؛ أي: قاء، والتهيع: التقيؤ (٢). وروى الأستاذ أبو منصور البغدادي في مؤلفه "فيما استدركته عائشة على الصحابة ﵃" عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال مسروق: قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَه"، فقالت عائشة: يرحم الله تعالى أبا عبد الرحمن، حدَّث بأول الحديث، ولم تسألوه عن آخره: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ

стр. 6135

خَيرًا قَيَّضَ اللهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ مَلَكاً يُوْفِّقُهُ وَيُسَدِّدُهُ حَتَّى يَقُوْلَ النَّاسُ: مَاتَ فُلاَنٌ عَلَىْ خَيرِ مَا كَانَ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَىْ ثَوَابَهُ مِنَ الجَنَّةِ تهَوَّعُ نَفْسُهُ أَوْ قَالَ تَهَوَّعَتْ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ حِينَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ شَرًّا بَعَثَ اللهُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ شَيْطَاناً، فَافْتَتَنَهُ حَتَّى يَقُوْلَ النَّاسُ: مَاتَ فُلاَنٌ عَلَىْ شَرِّ مَا كَانَ، فَإِذَا حَضَرَ وَرَأَىْ مَا يَنزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ فَبَلَعَ نَفسه بِذَلِكَ حِينَ كِرَهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ" (١). وقولها: فبلع نفسه - بكسر اللام - أي: حاول أن يبتلعها ويردها لئلا تخرج. وروى الإمام أحمد - ورواته رواة "الصحيح" - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ لِقَاءَ اللهِ بَغَضَ اللهُ لِقَاءَهُ". قلنا: يا رسول الله! كلنا يكره الموت؟ قال: "لَيْسَ كَرَاهَةَ المَوْتِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَ جَاءَهُ الْبَشِيْرُ مِنَ اللهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ لَقِيَ اللهَ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ أَوِ الْكَافِرَ إِذَا حَضَرَ جَاءَهُ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ أَوْ مَا يَلْقَىْ مِنَ الشَّرِّ، فَكَرِهَ لِقَاءَ اللهِ فَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ" (٢).

стр. 6136

وروى أبو نعيم عن وهب قال: قرأت في بعض الكتب فوجدت أنه تعالى يقول: يا ابن آدم! ما أنصفتني؛ تذكرني وتنساني، وتدعو إلي فتفر مني، خيري إليك نازل، وشرك إليَّ صاعد (١). وعن وهب في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قال: إنما توزن من الأعمال خواتيمها، وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً خَتَم له بخير عمله، وإذا أراد بعبده شراً ختم له بشر عمله (٢). وعن وهب أيضاً قال: لما أُهبط آدم ﵇ إلى الأرض استوحش لفقد أصوات الملائكة ﵈، فهبط عليه جبريل ﵇ فقال: يا آدم! هلا أعلمك شيئاً تنتفع به؟ قال: بلى. قال: قل: اللهم أَدِم لي النعمة حتى تُهنيني المعيشة، اللهم اختم لي بخير حتى لا تضرني ذنوبي، اللهم اكفني مؤنة الدنيا وكل هول في القيامة حتى تُدخلني الجنة (٣). وروى ابن أبي الدنيا في "المنامات" عن الهيثم بن معاوية قال: حدثني فلان قد سمَّاه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت:

стр. 6137

يا رسول الله! ادع لي بخير، فحَسَر عن ذراعيه ودعا، وقال: ليكن كلما تدعو: اللهم اختم لنا بخير (١). * * *

стр. 6138

(٩) بَابُ مَا يَحْسُنُ مِنَ اْلتَّشَبُّهِ بِاْلبَهَائِمِ وَاْلسِّبَاعِ

стр. 6139

(٩) بَابُ مَا يَحْسُنُ مِنَ اْلتَّشَبُّهِ بِاْلبَهَائِمِ وَاْلسِّبَاعِ هذا الباب كالتكملة للباب قبله، وذلك أنه قد وردت آثار في الإرشاد إلى التشبه ببعض أشراف الحيوانات كالأسد، والنسر، والبازي، والنمر، والحمام. وليس ذلك لكمالٍ فيها، لما تقرر لك أن البهائم لا حظ لها في العقل، ولا نصيب لها في التمييز، ولذلك لم تكن مُكلَّفة. وما جاء في السنة من الاقتصاص من القَرْناء للجَمَّاء، وسؤال العُود: لم خدش العود (١)؛ فقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: إنه ليس على حقيقته، ولا قصاص على البهائم لأنها غير مكلفة؛ إذ لا تعقل، قال: وإنما ذلك على سبيل المثل والإخبار عن شدة التقصي في الحساب، وأنه لا بد أن يقتص من الظالم للمظلوم. وقال أبو إسحاق الإسفراييني: يجري القصاص بين البهائم،

стр. 6140

ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا. وقال غيره: يجوز أن يكون الاقتصاص هنا على حقيقته، وإن لم يكن لها عقل ولا تمييز؛ لأن الله تعالى لا يُسأل عمَّا يفعل (١). قلت: ولإجراء القصاص بين البهائم والجمادات حكمة، وهي بيان كمال مظهرية اسم الله العدل، والمقسط، والحكم، وسريع الحساب، وأسرع الحاسبين؛ لأنه إذا كثر المحاسبون ذلك اليوم وانقضى حسابهم في يومٍ واحد، أو بعض يوم كان ذلك أبلغ في كمال مظهريته سبحانه بسرعة الحساب بكمال العدل والحكم، والقدرة والعظمة. وكذلك ما جاء في السنة من نسبة الخوف والإشفاق من قيام الساعة إلى البهائم والدواب محمول على ما جَبَلها الله تعالى عليه من نفارها مما يضرها، وانقيادها لما ينفعها جِبِلَّة وطبعاً لا عقلاً ومعرفة وإحساساً حيوانياً لا إدراكاً فهمياً، كما نصَّ عليه الدميري وغيره (٢). وتقدم لنا فيه كلام مستوفى، فليس الإرشاد إلى التشبه بأشراف الحيوانات لكمالاتها، ولكن من جملة ما جبل الله تعالى عليه بعض البهائم والسباع من الغرائز الحيوانية ما يشبه الأخلاق الشريفة الإنسانية، فإذا خلا الإنسان من تلك الأخلاق الشريفة، وعَرِيَ عن تلك الصفات

стр. 6141

اللطيفة، مع اتصَاف بعض البهائم والسباع أو الطير بما يُلائمها، فقد رضي لنفسه بحال يكون بها أَدْوَن من هذه الحيوانات المخصوصة. فإرشاد العبد إلى التشبه بالأسد مثلاً في الشجاعة والأَنَفة، ونزاهة الطبع إشارة إليه بأن يزداد بنفسه إلى خلق يوجد مثله في الأسد الذي هو سبع من سِباع الله تعالى، سمَّاه النبي ﷺ في بعض ألفاظه كلباً (١)، مع أنَّ الإنسان بهذه الأخلاق الشريفة أولى من الأسد، ومن سائر الحيوانات غير الإنسان، فحسن بذلك الإرشاد إلى التشبه بالأسد وغيره من أشراف الحيوانات في الأخلاق الشريفة. ووجهٌ آخر، وهو أن الأخلاق الحميدة التي طبعت على ما يلائمها أجناس من الحيوانات غير الإنسان، فقد جبلت النفوس الزكية على محبتها واستحسانها وطلبها ودعوى الاتصاف بها والتمدح بها وإن كانت عارية عنها، واستكملتها العقول بالطبع والجبلة، حتى إنَّ العقلاء والحكماء لتنشرح صدورهم إلى المسامرة بذكرها وبذكر المتصفين بها من العقلاء كالأناسي، ومن غير العقلاء كذكر الأسد بوصف الشجاعة والنزاهة، وذكر الغزال بوصف الحَذَاقة واللطانة والرشاقة، إلى غير ذلك، ولم تأنف النفوس الزكية الأبيَّة السنية من تمثيلها وتشبيهها بالحيوانات المتصفة بهذه الأوصاف الشريفة، بل تنشرح لمن يصفها بها، وتحب لو كانت متصفة بتلك الأوصاف متحلية بتلك الأخلاق؛ ليكون الوصف موافقاً للاتصاف والتشبيه موافقاً للتشبه.

стр. 6142

وكفاك شاهداً على ذلك: أن الله شبه نبيه ﷺ بالأسد، ولو لم يكن ذلك من أكمل الثناء وأبلغ المدح لم يشبهه به، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١]. روى البزار بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: القسورة: الأسد (١). وروى الثعلبي عن ابن عباس قال: بلسان العرب: الأسد، وبلسان الحبشة: القسورة، وبلسان فارس: شير، وبلسان القبط: ارثا (٢). قال السمرقندي في "تفسيره": وذلك أن الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي ﷺ يقرأ القرآن هربوا منه، انتهى (٣). وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: (٤٦)]. قلت: واختير لفظ القسورة في الآية لمناسبة رؤوس الآي، ولأنه

стр. 6143

من القسر وهو القهر، سُمي به الأسد لأنه يقهر السباع كلها، وكذلك النبي ﷺ ذَلَّتْ لسلطانه رقابُ المشركين وسائر المتمردين. وقد ألمَّ كعب بن زهير بن أبي سلمى ﵁ في قصيدته حيث يقول: [من البسيط] فَلَهْوَ أَخْوَفُ عِنْدِي مُذْ أكلِّمُه ... وَقِيلَ إِنَّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْؤُولُ مِنْ ضَيْغَمٍ بِضراءِ الأَرْضِ مَخْدرُه ... فِي بَطْنِ عثر غيل دُوْنَه غيلُ يَغْدُو فَيلحمُ ضِرغامَيْنِ عَيْشَهما ... لَحمٌ مِنَ النَّاس مَعْفورٌ خَراديلُ إِذا يُساورُ قِرْناً لا يَحلُّ بِه ... أَنْ يتركَ القِرْنَ إِلاَّ وَهُوَ مغلولُ مِنْهُ تَظلُّ حَميرُ الْجوِّ نافرةً ... وَلا تَمَشَّى بوادِيه الأراجيلُ (١) ووقع تشبيه النبي ﷺ عمه حمزة ﵁ بالأسد، وذلك فيما رواه الطَّبراني بإسناد صحيح، عن يحيى بن عبد الرَّحمن بن أبي لبيبة، عن

стр. 6144

أبيه، عن جدِّه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدهِ إِنَّهُ لمَكْتُوْبٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالىْ فيْ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُوْلهِ" (١). وروى الطبرانيِّ أيضًا - بإسناد رجاله رجال "الصحيح" - عن عمير ابن إسحاق - مرسلاً - قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين، ويقول: أنا أسد الله وأسد رسوله (٢). وروى الديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "خَالِدُ بْنُ الْوَليْدِ سَيْفُ اللهِ وَسَيْفُ رَسُوْلهِ، وَحَمْزَةُ أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُوْلهِ، وَأَبُوْ عُبَيْدةَ أَمِيْنُ اللهِ وَأَمِيْنُ رَسُوْلهِ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مِنْ أَخِصَّاءِ الرحْمَنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ تجَّارِ الرَّحمَنِ" (٣). واتفق تمثيل حمزة رضي الله تعالى عنه بالأسد، وعلي رضي الله تعالى عنه بالصقر في أبيات قالتها هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنها، أجابت بها عن أبيات قالتها هند بنت

стр. 6145

عتبة يوم أحد قبل إسلامها: [من الرجز] خَزِيتِ فِي بَدْرٍ وَبَعْدَ بَدْرِ ... يا بِنْتَ وَقَّاعٍ عَظِيمِ الكُفْرِ صَبَّحَكِ اللهُ غَداةَ الفَجْرِ ... بِالْهاشِمِيِّينَ الطِّوالِ الزُّهْرِ بِكُلِّ قَطَّاعٍ حُسامٍ يَفْرِي ... حَمْزَةُ لَيْثِي وَعَلِيٌّ صَقْرِي (١) وقال حسان بن ثابت ﵁ في النبي ﷺ ، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم: [من البسيط] لا يَفْخَرُونَ إِذا نالُوا عَدُوَّهُمُ ... وَإِنْ أُصِيبوا فَلا خَوْرٌ وَلا هَلَعُ كَأَنَّهُمْ فِي الوَغا وَالْمَوْتُ مُكْتَتَبٌ ... أُسْدٌ بِحلية فِي أَرْساغها فدَعُ (٢) وروى الشيخان عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ". وكنت قتلت قتيلاً من المشركين، فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فأعادها، فقمت وقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست فأعادها الثالثة، فقال رجل: صدق يا رسول الله! سلبه عندي فأرضه عني. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: لا ها اللهِ، إذاً لا يعمِدُ إلى أسدٍ من أسد الله يُقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه.

стр. 6146

فقال رسول الله ﷺ : "صَدَقَ، فَأَعْطِهِ". قال: فبعث الدِّرع، فابتعت به مخرفاً في بني سلمة؛ فإنه لأول مال تأثَّلته في الإسلام (١). وروى الدِّينوري في "المجالسة" عن أبي المنهال قال: سأل عمر ابن الخطاب عمرو بن معدي كرب عن صفة سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. فقال: متواضع في جبايته، عربي في نمرته، أسد في تاموره، يعدل في القضية، ويقسم بالسَّوية، ويبعد في السَّرية، ويعطف علينا عطف الأم البرَّة، وينقل إلينا حقنا نقل الذّرَّة (٢). وقال الفرزدق في آل البيت ﵃: [من البسيط] هُمُ الغُيُوثُ إِذا ما أَزْمَةٌ أَزِمَتْ ... وَالأُسْدُ أُسْدُ الشَّرى وَالنَّاسُ كُلُّهُمُ وورد تشبيه هذه الأمة في التوراة وغيرها من الكتب بالأسود. وروى الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم في "الدلائل" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "صِفَتيْ أَحْمَدُ المُتَوَكِّلُ، لِيْسَ بِفَظٍّ، وَلاَ غَلِيْظٍ، يُجْزِئُ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةَ، وَلاَ يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ، مَوْلِدُهُ مَكَةَ، وَمُهَاجرُهُ طَيْبَةَ، وَأُمَّتُهُ الحَمَّادُوْنَ،

стр. 6147

يَأْتَزِرُوْنَ عَلَىْ أَنْصَافِهِمْ، ويوَضِّئُوْنَ أَطْرَافَهُمْ، أَنَاجِيْلُهُمْ فيْ صُدُوْرِهِمْ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، لُيُوْثٌ بِالنَّهَارِ" (١). وروى ابن أبي حاتم، وأبو نعيم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: إن الله تعالى أوحى إلى شعْيَاء بصفة النبي ﷺ وصفة أمته، فقال فيهم: يُطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهلون على التِّلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهباناً باليل، ليوثاً بالنهار. في حديث طويل (٢). وقال ابن أبي الدُّنيا في كتاب "الحذر": أنشدني شمخ من تميم: [من البسيط] لَقَدْ نَجا أَهْلُ تَقْوى زادُهُم عَمَلُ ... باعُوا الشُّكُوكَ فَقَدْ نَجَّاهُمُ الْحَذَرُ قَرَّتْ عُيونُ الْمُطِيعينَ الَّذِينَ هُمُ ... رُهْبانُ لَيْلٍ، وَأُسْدٌ فِي الوَغا سُعُرُ شابَتْ نَواصِيهِمُ مِنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ ... وَحُفِّرَتْ فِي جُفُونٍ مِنْهُمُ الدُّرَرُ

стр. 6148

مَرْضى وَلا مَرَضٌ فِيهِمْ وَلا سَقَمٌ ... إِلَّا الْحِدادَ لِيَومٍ حَرُّهُ سَقَرُ ومن ألطف ما قيل في هذا الباب ما ذكره الدِّينوري في "المجالسة" قال: أنشدنا أحمد بن عباد قال: أنشدني أبو سعيد المدني في العفو بعد القدرة: [من مجزوء الكامل المرفّل] أَسَدٌ على أَعْدائِه ... ما إِنْ يَلِينُ وَلا يَهونُ فَإِذا تَمَكَّنَ مِنْهُمُ ... فَهُناكَ أَحْلَمُ ما يَكُونُ (١) وجاء في الكتب أيضاً تشبيه تلاوة هذه الأمة بدوي النحل، وحبهم الذكر وإسراعهم إليه بحب الحمام والنسور أوكارها، وإسراع الإبل إلى وِردها، وبغضبهم لله بغضب النمر. روى الدارمي عن كعب رحمه الله تعالى قال: في السطر الأول من التوراة: محمدٌ رسول الله عبدي المختار، لا فظ، ولا غليظ، ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام. وفي السطر الثاني: محمدٌ رسول الله، أمته الحمادون لله في

стр. 6149

السَّراء والضَّراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويُكبرون الله على كل شرف، رعاة الشمس، يصلون الصَّلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم، أصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل (١). وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: أجد في الكتب أن هذه الأمة تحب ذكر الله كما تحب الحمامة وكْرها، وهم أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظمئها (٢). وروى أبو الشَّيخ عن قتادة: أن موسى ﵇ قال: يا رب! إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قومٍ يأوون إلى ذكرك ويتحاثون عليه كما تأوي النسور إلى وكورها، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد ﷺ . قال: يا رب! إنِّي وجدت في التوراة نعت قومٍ إذا غضبوا هلَّلوك، وإذا تنازعوا سبَّحوك، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب! إني وجدت في التوراة نعت قومٍ يغضبون لك كما يغضب النمر الحَرِب لنفسه، فمن هم؟

стр. 6150

قال: تلك أمة أحمد (١). وكذلك شبه النَّبيُّ ﷺ إسراعَ فقراء أمته إلى الله يوم القيامة بإسراع الحمام إلى أوكارها أو مبيتاتها فيما روى الطبراني، وأبو الشيخ في "الثواب" بإسناد جيد، عن سعيد بن عائذ ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ فُقَرَاءَ المُسْلِمِيْنَ يُزَفُّوْنَ - يعني: إلى الجنة - كَمَا تُزَفُّ الحَمَامُ، فَيُقَالُ لهم: قِفُوْا لِلْحِسَابِ، فَيقُوْلُوْنَ: وَاللهِ مَا تَرَكْنَا شَيْئًا نُحَاسَبُ بِهِ، فَيقُوْلُ اللهُ تَعَالىْ: صَدَقَ عِبَادِيْ فَيَدْخُلُوْنَ الجَنَّةَ" (٢). فينبغي أن نشير هنا إلى جملة ما يحسن التخلق بأخلاقه من الحيوانات. - فمن ذلك الأسد ؛ فإن من أخلاقه القوة، والصولة، والشهامة، والشجاعة، وشدة الإقدام، وشدة البأس، ولذلك قالوا: أكرم من الأسد (٣)، وأبخر من الأسد، وأجرأ من الأسد، ومن أسامة، وهو علم على الأسد (٤)، وهي أخلاق محمودة من الإنسان وقد اجتمعت هذه

стр. 6151

الأخلاق كلها في بيت النبوة. ولذلك قال الفرزدق في وصف آل البيت: [من البسيط] هُمُ الغُيوثُ إِذا ما أَزْمَةٌ أزمتْ ... وَالأُسْدُ أُسْدُ الشَّرى والبأسُ محتدِمُ ومن شهامة الأسد وقوة نفسه: أنه لا يأكل من فريسة غيره، ولا يشرب من ماء ولغ عليه كلب، فكذلك ينبغي للإنسان أن يأكل من كسب يمينه، ويتنزه عن الصَّدقات وفضلات أموال الناس. ومن هنا حرمت الزكاة على النَّبيِّ ﷺ وآله الكرام لما علمت أنهم الأُسْد، قال ﷺ : "هَذِهِ الصَّدَقَاتُ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وأنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلاَ لآلِ مُحَمَّدٍ". رواه [مسلم] من حديث عبد المطلب ابن ربيعة رضي الله تعالى عنه (١). ولقد أحسن القائل: [من الوافر] وَأَتْرُكُ حُبَّها مِنْ غَيْرِ بُغْضٍ ... وَلَكِنْ كَثْرَةُ الشُّرَكاءِ فِيه إِذا وَقَعَ الذُّبابُ عَلى طَعامٍ ... رَفَعْتُ يَدِي وَنَفْسِي تَشْتَهِيهِ

стр. 6152

وَتَجْتَنِبُ الأُسودُ ورودَ ماءٍ ... إِذا كانَ الكِلابُ يَلَغْنَ فِيهِ (١) ومن بلاغات المتنبي: [من البسيط] وَما حمدتكَ فِي هَولٍ ثَبَتَّ لَهُ ... حَتَّى بَلَوْتُكَ وَالأَبْطالُ تَمْتصعُ فَقَدْ يُظَنُّ شُجاعاً مَنْ بِهِ خَرَقٌ ... وَقَدْ يُظَنُّ جَباناً مَنْ بِه ذمعُ إِنَّ السِّلاحَ جَمِيعُ النَّاسِ تَحْمِلُه ... وَلَيْسَ كُلُّ ذواتِ الْمِخْلَبِ السَّبُعُ (٢) وقال الدينوري: سمعت ابن قتيبة يقول: قرأت في كتب الهند: ذو المروءة يُكرم وإن كان معدماً، كالأسد يُهاب وإن كان رابضاً، ومن لا مروءة له يُهان وإن كان موسراً، كالكلب وإن طوق وحُلي (٣). وذكر التجاني في "تحفة العروس" عن الهيثم بن عدي قال:

стр. 6153

قدمت امرأة بمكة وكانت من أجمل النِّساء، فنظر إليها عمر بن أبي ربيعة فوقعت في قلبه، فكلمها فلم تجبه، فلما كان في الليلة الثانية تعرَّض لها فقالت: إليكَ عني؛ فإنك في حرم الله وفي أيامٍ عظيمة الحرمة، فألحَّ عليها في الكلام فخافت الشهرة، فقالت لأخيها في الليلة الثالثة: اخرج معي فأرني المناسك، فتعرَّض لها عمر، فلمَّا رأى أخاها معها أعرض عنها، فتمثلت بقول الشاعر: [من البسيط] تَعْدُو الذِّئابُ عَلى مَنْ لا كِلابَ لَهُ ... وَتتَّقِي صَوْلَةَ الْمُسْتَأْسِدِ الضَّارِي قال: وسمع أبو جعفر المنصور هذا الخبر، فقال: وددت لو أنه لم تبقَ فتاة إلا سمعت هذا الخبر. والبيت للزبرقان بن عمرو؛ كما ذكره ابن خلكان، وذكر القصة (١). وقيل لبعض العرب: ما بالكم تُسَمون عبيدكم بأحسن الأسماء؛ تسمونهم سارا، وميسرة، وسعيداً، ومسعدة، ورباحاً، وتسمون أولادكم بأسوء الأسماء؛ تسمونهم كلباً، وكلاباً، وأسداً، وفهداً؟ فقال: لأننا نسمي عبيدنا لنا، ونسمي أولادنا لأعدائنا. وقال في "القاموس": وادي السباع بطريق الرقة مرَّ به وائل بن

стр. 6154

قاسط على أسماء بنت أبي رويم، فهمَّ بها حين رآها منفردة في الخباء، فقالت: والله لئن هممت بي لدعوت أسبعي. فقال: ما أرى في الوادي غيرك. فصاحت ببنيها: يا كلب! يا فهد! يا ذئب! يا دب! يا سرحان! يا سيد! يا سبع! يا نمر! فجاؤوا يتعادون بالسيوف. فقال: ما أرى هذا إلا وادي السِّباع (١). * فائِدَةٌ: روى الطبراني، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "أَتَدْرُوْنَ مَا يَقُوْلُ الأَسَدُ فِيْ زَئِيْرِهِ؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إِنَّهُ يَقُوْلُ: اللَّهُمَّ لا تُسَلِّطْنِيْ عَلَىْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرُوْفِ" (٢). وروى ابن منيع في "شفاء الصدور" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه خرج في سفر، فبينما هو يسير إذا هو بقومٍ وقوف، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: أسد على الطريق قد أَخَافهم.

стр. 6155

فنزل عن دابته، ثم مشى إليه حتى أخذ بأذنيه ونحَّاه عن الطريق، ثم قال: ما كذب عليك رسول الله ﷺ ، إنما سلطت على ابن آدم من مخافة غير الله، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله تعالى لم تُسلط عليه، ولو لم يرج إلا الله لما وَكَله إلى غيره (١). قلت: ويؤخذ من ذلك أن الخوف من الله تعالى يُعطي القوة والشَّجاعة، والأمن من غير الله تعالى، وأن تسليط المخلوقات على ابن آدم بسبب خوفه منها دون الله تعالى، بل ينبغي لمن يخاف من شيء أن يكون خوفه من الله تعالى أن يُسلط ذلك المخوف عليه. وتقدم حديث: "مَنْ خَافَ اللهَ خَوَّفَ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَنْ خَافَ غَيْرَ اللهِ خَوَّفَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" (٢). وروى أبو نعيم، والديلمي عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيْلُ أَمَانُ كُلِّ خَائِفٍ" (٣). وروى اللالكائي في "كرامات الأولياء" من كتاب "السنة" عن

стр. 6156

عامر بن عبد قيس: أنه مرَّ بقافلة قد حبسهم أسد من بين أيديهم على طريقهم، فلما جاء عامر نزل عن دابته، فقالوا: يا أبا عبد الله! إنا نخاف عليك من الأسد. فقال: إنما هو كلب من كلاب الله ؛ إن شاء الله يُسلطه سلطه، وإن شاء أن يكفه كفه، فمشى إليه حتى أخذ بيديه أذني الأسد، فنحاه عن الطريق وجازت القافلة، وقال: إني أستحيى من ربي أن يرى من قلبي أني أخاف من غيره (١). وروى الدينوري في "المجالسة" عن عبد الجبار بن كليب قال: كنا مع إبراهيم بن أدهم في سفر، فعرض لنا الأسد، فقال إبراهيم رحمه الله تعالى: قولوا: اللَّهُمَّ احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يُرام، وارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله يا الله يا الله. قال: فولَّى الأسد عنا. قال: وأنا أدعو به عند كل مخوف، فما رأيت إلا خيراً (٢). ورواه اللالكائي، وقال في أوله: قيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: هذا السبع قد ظهر لنا. قال: أرونِيهِ.

стр. 6157

فلما رآه قال: يا قسورة! إن كنت أُمرت فينا بشيء فامضِ لما أُمرت به، وإلا فعودك على يديك. قال: فولى السبع ذاهباً، قال: فعجبنا كيف ذهب، قال: قولوا؛ فذكر الدُّعاء (١). وذكر حجة الإسلام في "الإحياء" عن إبراهيم الرقِّي قال: قصدتُ أبا الخير الثينائي مسلِّماً عليه، فصلى صلاة المغرب فلم يقرأ الفاتحة مستوياً، فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي، فلما أصبحت خرجت إلى الطهارة، فقصدني السبع، فعدت إليه، وقلت: إن الأسد قد قصدني، فخرج وصاح على الأسد، وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لأضيافي؟ فتنحى الأسد، فتطهرت، فلما رجعت قال: اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد (٢). وقلت في المعنى: [من الرجز] شَتَّانَ بَيْنَ مَنْ يَخافُ أَسَداً ... وَبَيْنَ مَنْ يَخافُ مِنْهُ الأَسَدُ فَخَفْ مِنَ الأَحَدِ لا تَخَفْ سِو ... اهُ أَحَداً يُؤْمِنْكَ مِنْهُ الأَحَدُ

стр. 6158

وروى ابن سعد في "طبقاته"، والبزار، وأبو يعلى، والحاكم في "المستدرك"، وأبو نعيم، والبيهقي عن سفينة مولى النبي ﷺ قال: ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبتُ لوحاً فأخرجتني إلى أَجَمة فيها أسد، فأقبل إلي فقلت: أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ وكنتُ تائهاً، فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطَّريق، فهمهم، فظننت أنه السَّلام (١). وروى اللالكائي عن محمد بن المنكدر: أن سفينة أخطأ الجيش بأرض الروم، أو أمسى في أرض الروم، فانطلق هارباً يطلب الجيش فإذا هو بالأسد، فقال: أبا الحارث! أنا مولى رسول الله ﷺ كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد له بصبصة حتى قام إلى جنبه، فلما سمع صوته أهوى إليه ثم أقبل يمشي إلى جنبه، فلم يزل كذلك حتى بلغ الجيش، ثم رجع الأسد (٢). وروى ابن عساكر عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ سفينة بكتاب إلى معاذ باليمن، فذكر نحو القصة (٣). وهذا يدل أن الأسد عرض لسفينة مرتين أو مرات، وهو مسخر

стр. 6159

له في كلها، وهو أبلغ في الكرامة. وروى أبو نعيم عن ثور بن يزيد قال: بلغني أن الأسد لا يأكل إلا من أتى محرَّماً (١). وروى الغافقي في كتاب "نفحات الأزهار ولمحات الأبرار" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "هَبَطَ عَلَيَّ جِبْرِيْلُ ﵇ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَيِّدًا، وَسَيِّدُ فَارِسَ سَلْمَانُ، وَسَيِّدُ الْحَبَشِ بِلالُ، وَسَيِّدُ الشَّجَرِ السِّدْرُ، وَسَيِّدُ الطَّيْرِ النَّسْرُ، وَسَيِّدُ الشُّهُوْرِ رَمَضَانُ، وَسَيِّدُ الأَيْامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَسَيِّدُ الْكَلامِ الْمُعْرِبُ، وَسَيِّدُ الْعَرَبِيَّةِ الْقُرْآنُ، وَسَيِّدُ الْقُرْآنِ سُوْرَةُ الْبَقَرَةِ" (٢). - واعلم أن التشبه بالنسر من حيث إنه سيد إنما يكون بالاجتهاد على تحصيل السيادة، ثم العمل بمقتضياتها. فأما السيادة فإنما تحصل للعبد بالعلم والدِّين والكرم. وأما العمل بمقتضياتها فاحتمال الكل، وفك العاني، واكتساب المعدم، وبذل الجاه، والحلم، والعفو، والصبر، ومناصرة العشيرة من غير إثم، وصلة الأرحام، والإفضال على الجيران. وحسن المعاشرة هو بذل النصيحة من غير فضيحة. ولا تكون السيادة في جنس البشر إلا بهذه الأخلاق الكريمة،

стр. 6160

وطالبها إن كان له سلف فيها وحسب فبالحري أن يسعى في تحصيلها، وإلا فإن طريقها ليس بمنسد عنه. وقد قال بعض الحكماء: لأن يشرف بي قومي أحب إلي من أن أشرف بقومي. وقد قيل: [من الكامل] إِنَّ السَّريَّ هُوَ السَّريُّ بِنَفْسِهِ ... وَابْنُ السَّريِّ إِذا سرى أَسراهُما (١) ويقال: الشبل من الأسد. وقال الدينوري في "المجالسة": عن ابن أبي الدُّنيا قال: أنشدني محمد بن الحسين للقيط بن زُرارة: [من الطويل] وَإِنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ عَرَفْتَهُمْ ... إِذا ماتَ مِنْهُمْ سَيِّدٌ قامَ صاحِبُهْ نُجومُ سَماءٍ كُلَّما غابَ كَوْكَبٌ ... بَدا كَوْكَبٌ تَأْوِي إِلَيْهِ كَواكِبُه أَضاءَتْ لَهُمْ أَحْسابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ ... دُجى اللَّيْلِ حَتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثاقِبُهْ (٢)

стр. 6161

ومن أوصاف النسر أنه أشد الجوارح هيبة، بحيث إنها تخافه وترهب منه، فما ظنك ببقية الطير؟ وكذلك ينبغي للعبد أن يُربي لنفسه الهيبة والوقار بالطَّاعة لله، والعمل والصَّمت، وحسن السمت لا بالشرة والعدوان، والكبر والافتخار، وأسُّ ذلك الخوف من الله تعالى كما تقدم في الحديث: "مَنْ خَافَ اللهَ خَوَّفَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ" (١). فإن العبد إذا خاف مقام ربه أطاعه بجهده، وحذر من قليل معصيته وكثيرها، ولم يمتد في دعابة ولا مزح ولا لهو، فيُلقي الله تعالى هيبته في قلوب الخلق ويكسوه الوقار، ويكون مثاله في البشر كمثال النسر في الطير تخافه الطير وتنجمع عن الانبعاث، فكذلك يهاب العالم التقي فلا يستطيع أحد أن ينبعث في لهو أو لعب أو رخصة في حضرته، وهذا في زماننا قليل. روى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان، إذا كنت في قومٍ عشرين رجلاً أو أقل أو أكثر، فتصفحت وجوههم فلم ترَ فيهم رجلاً يُهاب في الله تعالى، فاعلم أن الأمر قد رقَّ (٢). وما أحسن قول بعضهم في الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى

стр. 6162

عنه: [من الكامل] يَأْتِي الْجوابَ فَما يُراجعُ هَيْبَةً ... وَالسَّائِلُونَ نَواكسُ الأَذْقانِ أدبُ الوقارِ وَعِزُّ سُلْطانِ التُّقَى ... فَهْوَ الْمُطاعُ وَلَيْسَ ذا سُلْطانِ ومن لطائف الشيخ يحيى الخباز: [من المتقارب] وَقالُوا: امْتَدِحْ رُؤَساءَ الزَّمانِ ... فَقُلْتُ: نِظامِي عِندِي أجَل مَدَحْتُ النُّسورَ مُلوكَ الطُّيورِ ... فَأَرْضَى امْتِداحَ فِراخِ الْحَجَلْ * تَنْبِيهٌ: إنَّما كان العالم التقي موقَّراً لأنه موقَّرٌ لله تعالى، وكان جزاؤه من جنس عمله، والتوقير التعظيم. وقد قال الله تعالى حكايةً عن نوح ﵇ معاتباً لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون لله عظمةً؛ كما في "الصِّحاح" عن الأخفش (١).

стр. 6163

والرجاء يكون بمعنى الخوف ضِدٌّ. وفي معناه قول ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في الآية: لا تخشون له عظمة (١). ومن أوصاف النسر أنه أشد الطير طيراناً وأقواها جناحاً حتى قيل: إنه ليطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد (٢)، فينبغي التشبه به في ذلك بأمرين: الأول: أن يكون الإنسان قوي الهمة، بعيدها في تحصيل المعالي والكمالات فلا يستبعد شيئاً أن يحصل له، ولا يستصغر نفسه عن طلب شيء من الفضائل الممكن تحصيلها؛ فإنه إن لم يحصل على ذلك حصل على ثوابه بدليل الحديث الصَّحيح: "إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ تُكْتَبْ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا" (٣). وقال بعضهم: [من مجزوء الرجز] جَمِيعُ ما قَدْ خَلَقَ اللـ ... ـهُ وَما لَمْ يَخْلُقِ

стр. 6164

مُحْتَقَرٌ فِي هِمَّتِي ... كَشَعْرَةِ فِي مفرِقي رُوِيَ أن الشبلي كان يتمثل به. والمعنى: إن كل ما خلق الله تعالى من تمتعات الدنيا والآخرة محتقر في همتي، فلا أطلبه دون الله تعالى. ورُوِيَ أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: قيمة كل عالم همته (١)، فقال الشيخ أبو عبد الله القرشي: فمن كانت همته الدُّنيا فقيمته أقل من جناح بعوضة، ومن كانت همته الله ففضله وشرفه ماله قيمة. وسُئِلَ الشبلي رحمه الله تعالى: هل يقنع المحب بشيء من حبيبه دون مشاهدته؟ فأنشد: [من السريع] وَاللهِ لَوْ أَنَّكَ تَوَّجْتَنِي ... بِتاجِ كِسْرى مَلِكِ الْمَشْرِقِ وَلَوْ بِأَمْوالِ الوَرى جُدْتَ لِي ... أَمْوالِ مَنْ بادَ وَمَنْ قَدْ بَقِي وَقُلْتَ لِي: لا نَلْتَقِي ساعَةً ... لاخْتَرْتُ يا مَوْلايَ أَنْ نَلْتَقِي (٢) الأمر الثاني: أن يكون العبد راجعاً إلى الله تعالى رجوع النسر إلى وكره، مسرعاً إلى طاعة الله تعالى كإسراع النسر إلى هواه. روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن معمر، عن رجل من قريش قال: قال موسى ﵇: يا رب! أخبرني عن أهلك

стр. 6165

الذين هم أهلك. قال: هم المتحابون في، الذين يعمرون مساجدي، ويستغفروني بالأسحار، الذين إذا ذُكِرت ذكروا بي، وإذا ذُكِروا ذكرت بهم، هم الذين يثوبون إلى طاعتي كما تثوب السنور إلى ركودها، الذين اذا استحلت محارمي غضبوا كما يغضب النمر إذا حرِب (١). وروى الطَّبراني في "الأوسط" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ مُوْسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ! أَخْبِرْنِيْ بِأَكْرَمِ خَلْقِكَ عَلَيْكَ. قَالَ: الَّذِيْ يُسَارِعُ إِلَىْ هَوَايَ إِسْرَاعَ النَّسْرِ إِلَىْ هَوَاهُ، وَالَّذِيْ يَأْلَفُ عِبَادِيَ الصَّالِحِيْنَ كَمَا يَأْلَفُ الظَّبِيُّ النَّاسَ، وَالَّذِيْ يَغْضَبُ إِذَا انْتُهِكَتْ مَحَارِمِيْ كَغَضَبِ النَّمْرِ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ النَّمْرَ لا يُبَالِيْ إِذَا غَضِبَ أقلَّ النَّاسُ أَمْ كَثُرُوا" (٢). وقد اشتمَل هذا الحديث على أمرين آخرين يرشد إلى التشبه ببعض الحيوانات فيهما: فالأول: التشبه بالظبي في ألفة الصَّالحين إذا تآلف بالنَّاس ألفهم، وإن كان في أول أمره نفوراً حتَّى لا يقدر بعد ذلك على الوحشة. وفي المثل: آلف من الظبي بالحرم، وآلف من حمام مكة؛
следующие страницы →