← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

ومن أوصاف النسر أنه أشد الجوارح هيبة، بحيث إنها تخافه وترهب منه، فما ظنك ببقية الطير؟ وكذلك ينبغي للعبد أن يُربي لنفسه الهيبة والوقار بالطَّاعة لله، والعمل والصَّمت، وحسن السمت لا بالشرة والعدوان، والكبر والافتخار، وأسُّ ذلك الخوف من الله تعالى كما تقدم في الحديث: "مَنْ خَافَ اللهَ خَوَّفَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ" (١). فإن العبد إذا خاف مقام ربه أطاعه بجهده، وحذر من قليل معصيته وكثيرها، ولم يمتد في دعابة ولا مزح ولا لهو، فيُلقي الله تعالى هيبته في قلوب الخلق ويكسوه الوقار، ويكون مثاله في البشر كمثال النسر في الطير تخافه الطير وتنجمع عن الانبعاث، فكذلك يهاب العالم التقي فلا يستطيع أحد أن ينبعث في لهو أو لعب أو رخصة في حضرته، وهذا في زماننا قليل. روى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، عن عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان، إذا كنت في قومٍ عشرين رجلاً أو أقل أو أكثر، فتصفحت وجوههم فلم ترَ فيهم رجلاً يُهاب في الله تعالى، فاعلم أن الأمر قد رقَّ (٢). وما أحسن قول بعضهم في الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى

стр. 6162

عنه: [من الكامل] يَأْتِي الْجوابَ فَما يُراجعُ هَيْبَةً ... وَالسَّائِلُونَ نَواكسُ الأَذْقانِ أدبُ الوقارِ وَعِزُّ سُلْطانِ التُّقَى ... فَهْوَ الْمُطاعُ وَلَيْسَ ذا سُلْطانِ ومن لطائف الشيخ يحيى الخباز: [من المتقارب] وَقالُوا: امْتَدِحْ رُؤَساءَ الزَّمانِ ... فَقُلْتُ: نِظامِي عِندِي أجَل مَدَحْتُ النُّسورَ مُلوكَ الطُّيورِ ... فَأَرْضَى امْتِداحَ فِراخِ الْحَجَلْ * تَنْبِيهٌ: إنَّما كان العالم التقي موقَّراً لأنه موقَّرٌ لله تعالى، وكان جزاؤه من جنس عمله، والتوقير التعظيم. وقد قال الله تعالى حكايةً عن نوح ﵇ معاتباً لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون لله عظمةً؛ كما في "الصِّحاح" عن الأخفش (١).

стр. 6163

والرجاء يكون بمعنى الخوف ضِدٌّ. وفي معناه قول ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في الآية: لا تخشون له عظمة (١). ومن أوصاف النسر أنه أشد الطير طيراناً وأقواها جناحاً حتى قيل: إنه ليطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد (٢)، فينبغي التشبه به في ذلك بأمرين: الأول: أن يكون الإنسان قوي الهمة، بعيدها في تحصيل المعالي والكمالات فلا يستبعد شيئاً أن يحصل له، ولا يستصغر نفسه عن طلب شيء من الفضائل الممكن تحصيلها؛ فإنه إن لم يحصل على ذلك حصل على ثوابه بدليل الحديث الصَّحيح: "إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ تُكْتَبْ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا" (٣). وقال بعضهم: [من مجزوء الرجز] جَمِيعُ ما قَدْ خَلَقَ اللـ ... ـهُ وَما لَمْ يَخْلُقِ

стр. 6164

مُحْتَقَرٌ فِي هِمَّتِي ... كَشَعْرَةِ فِي مفرِقي رُوِيَ أن الشبلي كان يتمثل به. والمعنى: إن كل ما خلق الله تعالى من تمتعات الدنيا والآخرة محتقر في همتي، فلا أطلبه دون الله تعالى. ورُوِيَ أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: قيمة كل عالم همته (١)، فقال الشيخ أبو عبد الله القرشي: فمن كانت همته الدُّنيا فقيمته أقل من جناح بعوضة، ومن كانت همته الله ففضله وشرفه ماله قيمة. وسُئِلَ الشبلي رحمه الله تعالى: هل يقنع المحب بشيء من حبيبه دون مشاهدته؟ فأنشد: [من السريع] وَاللهِ لَوْ أَنَّكَ تَوَّجْتَنِي ... بِتاجِ كِسْرى مَلِكِ الْمَشْرِقِ وَلَوْ بِأَمْوالِ الوَرى جُدْتَ لِي ... أَمْوالِ مَنْ بادَ وَمَنْ قَدْ بَقِي وَقُلْتَ لِي: لا نَلْتَقِي ساعَةً ... لاخْتَرْتُ يا مَوْلايَ أَنْ نَلْتَقِي (٢) الأمر الثاني: أن يكون العبد راجعاً إلى الله تعالى رجوع النسر إلى وكره، مسرعاً إلى طاعة الله تعالى كإسراع النسر إلى هواه. روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن معمر، عن رجل من قريش قال: قال موسى ﵇: يا رب! أخبرني عن أهلك

стр. 6165

الذين هم أهلك. قال: هم المتحابون في، الذين يعمرون مساجدي، ويستغفروني بالأسحار، الذين إذا ذُكِرت ذكروا بي، وإذا ذُكِروا ذكرت بهم، هم الذين يثوبون إلى طاعتي كما تثوب السنور إلى ركودها، الذين اذا استحلت محارمي غضبوا كما يغضب النمر إذا حرِب (١). وروى الطَّبراني في "الأوسط" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ مُوْسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ! أَخْبِرْنِيْ بِأَكْرَمِ خَلْقِكَ عَلَيْكَ. قَالَ: الَّذِيْ يُسَارِعُ إِلَىْ هَوَايَ إِسْرَاعَ النَّسْرِ إِلَىْ هَوَاهُ، وَالَّذِيْ يَأْلَفُ عِبَادِيَ الصَّالِحِيْنَ كَمَا يَأْلَفُ الظَّبِيُّ النَّاسَ، وَالَّذِيْ يَغْضَبُ إِذَا انْتُهِكَتْ مَحَارِمِيْ كَغَضَبِ النَّمْرِ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ النَّمْرَ لا يُبَالِيْ إِذَا غَضِبَ أقلَّ النَّاسُ أَمْ كَثُرُوا" (٢). وقد اشتمَل هذا الحديث على أمرين آخرين يرشد إلى التشبه ببعض الحيوانات فيهما: فالأول: التشبه بالظبي في ألفة الصَّالحين إذا تآلف بالنَّاس ألفهم، وإن كان في أول أمره نفوراً حتَّى لا يقدر بعد ذلك على الوحشة. وفي المثل: آلف من الظبي بالحرم، وآلف من حمام مكة؛

стр. 6166

أوردها الزمخشري (١). وفي الحديث: "الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلا خَيْرَ فِيْمَنْ لا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ". رواه الدارقطني في "الأفراد"، والضياء المقدسي في "المختارة" عن جابر ﵁ (٢). الأمر الثاني: التشبه بالنمر في الغضب، إلا أن غضب العبد يكون لله تعالى، وغضب النمر لنفسه، وشدة الغضب لله تعالى ممدوحة بحيث لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا تبالي أقَلَّ الناس أم كثروا. وكان النبي ﷺ لا يغضب لنفسه أو كان لا يغضب إلا لله، فإذا غضب لا يقوم لغضبه شيء (٣). وكان عمر ﵁ كما هو موصوف في التوراة قرناً من حديد، لا تأخذه في الله لومة لائم (٤). وكذلك يرشد إلى التشبه بالنمر بالجد والاجتهاد خصوصاً في أمور الآخرة؛ فإن العرب تقول في المثل: جد واتزر والبس جلد النمر، يُضرب في الأمر بالجد والاجتهاد والجَلَد في تحصيل المراد (٥).

стр. 6167

- ومن أوصاف النسر: الحنين إلى الوطن، والحزن على فراق الإلف؛ فإنه أشد الطير حزناً على فراق إلفه إذا فارق أحدهما مات حزناً. وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزُّهد والرقائق" عن معمر، عن رجل من قريش قال: قال موسى ﵇: يا رب! أخبرني عن أهلك الذين هم أهلك. قال: المتحابون فيَّ، الذين يعمرون ويستغفروني، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بهم، الذين يُنيبون إلى طاعتي كما تُنيب النسور إلى وكورها ... الحديث، وتقدم سابقاً. يثوبون - بالمثلثة، والواو - من: ثاب يثوب: إذا رجع بعد ذهابه، وثاب النَّاس: اجتمعوا وجاؤوا. وأما يُنيبون في هذه الرواية: بالنون والياء: من الإنابة، وهي الإقبال على الله والتوبة. وروى البيهقي في "الشعب" عن عبد الرحمن الهندي قال: سمعت الجنيد ﵁ يقول: حق الشكر أن لا يعصى الله بنعمته فيما أنعم، ومَنْ كان لسانه رطبًا بذكر الله تعالى دخل الجنة وهو يضحك، قال: وقال: إن لله عباداً يأوون إلى ذكر الله تعالى كما يأوي النسر إلى وكره (١).

стр. 6168

- ومن أوصاف النسر: أنه أطول الطير عمراً حتى قيل: إنه يبقى ألف سنة، ولذلك اختار لقمان ابن عاد حين سأل طول العمر وخير، فطلب أعمار سبعة أنسر كما تقدم. وقالوا في المثل: أعمر من نسر (١). ومع ذلك فإنه يقول في صياحه: ابن آدم! عش ما شئت فإن الموت مُلاقيك؛ كما رواه الثعلبي عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما (٢). فينبغي للإنسان أن يتشبه بالنسر خصوصاً إذا كان معمَّراً في أنه لا يغتر بإنسائه في الأجل وطول عمره، ولا يطول أمله، بل يعلم أنه ميت آخراً ومُجازى على أعماله، وليعلم أن طول العمر نعمة، فلا ينبغي أن يصرف في غير الشكر وهو الطاعة. وقد روى أبو داود الطيالسي عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ رُوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِيْ رُوْعِيْ، أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُجَازَى" (٣).

стр. 6169

وتقدم في الحديث: "خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ" (١). وروى الإمام أحمد عن طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِيْ الإِسْلامِ لِتَكْبِيْرِهِ وَتَحْمِيْدِهِ وَتَسْبِيْحِهِ وَتَهْلِيْلِهِ" (٢). - ومن ذلك البازي: قال في "حياة الحيوان": يُضرب به المثل في نهاية الشرف، كما قال الشاعر: [من الوافر] إِذا ما اعْتَزَّ ذُو عِلْمٍ بِعِلْمٍ ... فَعِلْمُ الفِقْهِ أَشْرَفُها اعْتِزازا وَكَمْ طِيبٍ يَفُوحُ وَلا كَمِسْكٍ ... وَكَمْ طَيْرٍ يَطِيرُ وَلا كَبازا (٣) وذكر الشَّيخ أبو إسحاق الشيرازي في "طبقاته": أن أبا العباس ابن سريج رحمه الله تعالى كان يُقال له: الباز الأشهب (٤). ونقل الحافظ الذهبي، وغيره عن الشيخ داود بن يحيى بن داود الجريري - وكان صدوقاً - قال: كان الشيخ أحمد بن الرفاعي

стр. 6170

رحمه الله تعالى قد دار النخل الذي له وعين واحدة منها، وقال لأصحابه: إذا استوت هذه أهديناها إلى الشيخ أرسلان، فمرَّ بها بعد مدة فوجد أكثر ما عليها قد ذهب، فسألهم فقالوا: لم يطلع إليها أحد، ولكن في كل يوم يجيء باز أشهب يأكل منها ولا يقرب غيرها، ثم يطير. فقال لهم: الباز الأشهب هو الشيخ أرسلان، فلذلك يُقال له: الباز الأشهب (١). قلت: وهذا تشكل الأبدال وتبدلها في صور مختلفة (٢). وذكر الشيخ عبد الله اليافعي في "كفاية المعتقد" أبياتاً للشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى سمَّى نفسه فيها الباز الأشهب، ووصف نفسه فيها بأنه بلبل الأفراح، وهي هذه الأبيات: [من الكامل] ما فِي الْمَناهِلِ مَنْهلٌ مُسْتَعْذَبُ ... إِلاَّ وَلِي فِيهِ الأَلَذُّ الأَطْيَبُ أَوْ فِي الوِصالِ مَكانةٌ مَخْصُوصَةٌ ... إِلاَّ وَمَنْزِلَتِي أَعَزُّ وَأَقْرَبُ

стр. 6171

وَهَبَتْ لِيَ الأَيَّامُ رَوْنَقَ صَفْوِها ... فَحَلَتْ مَناهِلُها وَطابَ الْمَشْربُ وَغَدَوْتُ مَخْطُوباً لِكُلِّ كَرِيْمَةٍ ... لا يَهْتَدِي فِيها اللَّبِيبُ وَيَخْطِبُ أَنا مِنْ رِجالٍ لا يَخافُ جَلِيسُهُمْ ... رَيْبَ الزَّمانِ، وَلا يَرى ما يَرْهَب قَوْمٌ لَهُمْ فِي كُلِّ مَجْدٍ رُتْبةٌ ... عُلْوِّيةٌ، وَلِكُلِّ جَيْشٍ مَوْكِبُ أَنا بُلْبُلُ الأَفْراحِ أَمْلأُ دَوْحَها ... طَرباً، وَفِي العَلْياءِ بازٌ أَشْهَبُ أَضْحَتُ جُيوشُ الْحُبِّ تَحْتَ مَشِيئَتِي ... طَوْعاً، وَمَهْما رُمْتُهُ لا يَعْزُبُ أَصْبَحْتُ لا أَمَلاً وَلا أُمْنِيَّةً ... أَرْجُو وَلا مَوْعُودَةً أترَقَّبُ ما زِلْتُ أَرْتَعُ فِي مَيادِينِ الرِّضا ... حَتَّى وهِبْتُ مَكانَةً لا تُوْهَبُ

стр. 6172

أَضْحَى الزَّمانُ كَحُلَّةِ مَرْقُومَةٍ ... تَزْهُو، وَنَحْنُ لَها الطِّرازُ الْمُذْهَبُ أَفَلَتْ شُموسُ الأَوَّلِينَ وَشَمْسُنا ... أَبداً عَلى فَلَكِ العُلى لا تَغْرُبُ (١) قال: ولمَّا أَنشد الشيخ عبد القادر هذه الأبيات أجابه الشيخ أبو المظفر الواعظ المعروف بجرادة رحمه الله تعالى منشداً: [من البسيط] بِكَ الشُّهورُ تُهَنَّى وَالْمَواقِيت ... يا مَنْ بِأَلْفاظِهِ تَغْلُو اليَواقِيتُ البازُ أَنْتَ فَإِنْ تَفْخَرْ فَلا عَجَبٌ ... وَسائِرُ النَّاسِ فِي عَيْنِي فَواخِيتُ أَشَمُّ مِنْ قَدَمَيْكَ الصِّدْقَ مُجْتَهِداً ... لأَنَّهُ قَدمٌ فِي نَعْلِهِ الصِّيتُ وقال في "حياة الحيوان": قال الشيخ الزاهد أبو العباس القسطلاني: سمعت الشيخ أبا شجاع زاهر بن رستم الأصبهاني إمام مقام إبراهيم بمكة المشرفة يقول: سمعت الشيخ أحمد خادم الشيخ حمَّاد يقول: دخل الشيخ عبد القادر على الشَّيخ حماد الدباس يزوره، فنظر إليه الشيخ وكان قد رأى أنه اصطاد بازياً، فأثَّرت نظرة الشيخ فيه،

стр. 6173

فخرج من عنده وتجرد عن أسبابه وكان من أكابر أصحابه قال: ولهذا كان الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى يقول: [من الكامل] أَنا بُلْبُلُ الأَفْراحِ أَمْلأُ دَوْحَها ... طَرباً، وَفِي العَلْياءِ بازٌ أَشْهَبُ (١) وفي معنى كلام أبي المظفر المذكور آنفاً ما روي أن بكر بن سوادة قال في خالد بن صفوان: [من الطويل] عَلِيمٌ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ مُلَقَّنٌ ... ذَكُورٌ بِما أَسْداهُ أَوَّلَ أَوَّلا يُرَى خُطَباءُ النَّاسِ يَومَ ارْتجالِهِ ... كَأَنَّهُمُ الكِرْوانُ عاينَ أَجْدَلا (٢) الكروان - بكسر الكاف، وإسكان الراء -: جمع كَرَوان - بفتحهما - على غير قياس، وهو طائر شبيه بالبط لا ينام الليل؛ سمي بضده من الكَرَى؛ يُضرب به المثل في الجبن لأنه إذا قيل له: [من مجزوء الرجز] أَطْرِقْ كَرا، أَطْرِقْ كَرا ... إِنَّ النَّعامَ فِي القُرى

стр. 6174

التصق بالأرض، فيُلقى عليه ثوب فيُصاد (١). والأجدل من أسماء الصقر، ويقال له: الأجذل، وهي صفة غالبة. وفي المثل: بيض القطا يحضنه الأجدل؛ يُضرب للشريف يأوي إليه الوضيع فيتقوى به ويشرف، فيكون مدحاً (٢). والتشبه بالأجدل في ذلك بأن يربأ الإنسان إلى معالي الأمور والأخلاق، وإذا انضم إليه دنيء حقير عظم به وحمى ذِمامه، وتعلم من أخلاقه، وزَكَت نفسه به، ويحمد لذلك الحقير انضمامه إليه تحصيلاً لكمال نفسه كما قيل: [من الطويل] عَلَيْكَ بِأَرْبابِ الصُّدُورِ فَإنَّ مَنْ ... يُضافُ لأَرْبابِ الصُّدُورِ تَصَدَّرا فَرَفْعُ أَبو مِنْ ثَمَّ جَرٌّ مُؤثل ... يُبَيِّنُ قَوْلي مُغْرِياً وَمُحَذِّرا أو يُضرب للشريف إذا ضم إليه الوضيع ليكون وصلة له إلى تحصيل الدنيا ومجاوزة الحدود، فيكون ذمًّا، فلا ينبغي التشبه بالأجدل في ذلك، وقد قيل: [من الطويل]

стр. 6175

وَمَنْ رَبَطَ الكَلْبَ العَقُورَ بِبابِهِ ... فَإِنَّ بَلاءَ النَّاسِ مِنْ رابِطِ الكَلْبِ (١) وقريبٌ من هذا المثل قولهم في المثل الآخر: إنَّ البغاث بأرضنا تستنسر؛ أي: من جاورنا عزَّ بنا (٢). والبغاث - مثلث الأول، وغينه معجمة، وثاؤه مثلثة -: طائر أغبر، جمعه: بغثان كغزلان، أو هو شرار الطير. وقال الزمخشري: يستنسر؛ أي: يصير نسراً، فلا يقدر على صيده؛ يُضرب في قوم أعزاء، يتصل بهم الذليل فَيُعَز بجوارهم، انتهى (٣). فإن كان حين عزَّ بجوارهم استطال على الناس بالأذى، فالمثل ذم. وإن كان حين عزَّ بهم صفا عيشه، وأطاع ربه وسلم بانضيافه إليهم من يحاول امتهانه واستذلاله، فالمثل مدح. وفي المثل معنى آخر: أنَّ الضعيف يتقوى علينا؛ إما لضعفنا ولين جانبنا، وقلة استنصارنا وأنصارنا، وإما لعدم رواج الخير الذي منا عنده وعدم اكتراثه بنا.

стр. 6176

ولنا في وصف الزمان: [من المتقارب] أَرى عَصْرَنا الزَّمِنَ الأَغْبَرا ... وَكُلَّ بُغاثٍ بِهِ اسْتَنْسَرا فَكَمْ مِنْ كَرِيْمٍ يَمَلُّ الْحَياةَ ... لِكُلِّ لَئِيمٍ قَدِ اسْتَقْدَرا حَلا فِي ذَوِيهِ الْمَرِيرُ الكَرِيهُ ... وَطابَ الَّذِي كانَ مُسْتَقْذَرا وَما فِيهِ لِلْحَقِّ مِنْ ناصِرٍ ... وَلَوْ كُنْتَ لِلْحَقِّ مُسْتَنْصِرا فَكُنْ بِاعْتِزالِكَ مُسْتَأثِراً ... وَفِي طاعَةِ اللهِ مُسْتَبْصِرا - ومن أوصاف البازي: أنه لا يقنع في الصيد بالأمور الجزئية، بل همته ترتفع عن صيد نحو جرادة أو ذبابة. وقد قيل كما تقدم: [من الوافر] وَلِلزُّنْبورِ وَالبازِيِّ جَمِيعاً ... لَدى الطَّيَرانِ أَجْنِحَةٌ وَخَفْقُ وَلَكِنْ بَيْنَ ما يَصْطادُ بازٌ ... وَما يَصْطادُهُ الزُّنْبُورُ فَرْقُ وكذلك ينبغي للإنسان أن يربأ بهمته عن سفساف الدنيا ودنيء ما فيها، وكل ما فيها دنيء عند العارفين لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فما كان رفيع الهمة بدون دار القرار داراً، وبدون الجنة عقاراً. وقد قدمنا في صدر الكتاب: أن رجلاً قال لبعض الحكماء: فلان بعيد الهمة. قال: إذاً لا يرضى بمنزلة دون الجنة. ولامرئ القيس: [من الطويل]

стр. 6177

وَلَوْ أَنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفانِي، وَلَمْ أَطْلُبْ قَلِيلاً مِنَ الْمالِ وَلَكِنَّما أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤثلَ أَمْثالِي (١) * لَطِيفَةٌ: لا ينبغي للإنسان إذا كان تام القوة وافر الهمة أن يضيع أيامه، والقوة ناهضة والهمة مكينة، ممكنة في غير طاعة الله تعالى، بل يغتنم الفرص قبل وقوع الغصص بضعف الهمة وفتور القوة، ويكون كما قال الشاعر: [من الطويل] وَكُنْتُ كَبازِ السَّوْءِ قُصَّ جَناحُهُ ... يَرى حَسَراتٍ كُلَّما طارَ طائِرُ يَرى طائِراتِ الْجَوِّ يَخْفِقْنَ حَوْلَهُ ... فَيَذْكُرُ إِذْ رِيشُ الْجَناحَيْنِ وافِرُ (٢) * لَطِيفَةٌ أُخْرى: قالوا في المثل: وهل ينهض البازي بغير جناح؟ يُضرب لمن قلَّ أنصاره، ولمن يدعي علماً ليس معه آلته؛ قاله الزمخشري (٣). والاعتبار فيه أن الإنسان - وإن كان قوي الجاه وافر القوة - لا يستغني عن العشيرة، فلا ينبغي له أن يغفل عن أمر أقاربه، ولا يعرض

стр. 6178

عن إصلاح شأنهم، ولا يرفض أصحابه ويترك تعهد عشائره، فربما احتاج إلى صديقه وقريبه وعشيرته يوماً ما، وكذلك لا ينبغي أن يتجاوز في دعواه مقدوره من علم أو غيره. وأصل المثل من قول مسكين الدارمي: [من الطويل] وَما طالِبُ الْحاجاتِ إِلاَّ مُخاطِرٌ ... وَما نالَ شَيْئاً طالِبٌ كَنَجاحِ أَخاكَ أَخاكَ إِنَّ مَنْ لا أخا لَه ... كَساعٍ إِلَى الْهَيْجا بِغَيْرِ سِلاحِ وَإِنَّ ابْنَ عَمِّ الْمَرْءِ فَاعْلَمْ جَناحُهُ ... وَهَلْ يَنْهَضُ البازِيْ بِغَيْرِ جَناحِ (١) وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الإخوان"، والعسكري في "الأمثال" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما، والديلمي، والقضاعي عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْمَرْءُ كَثِيرٌ بِأَخِيْهِ" (٢).

стр. 6179

- ومن ذلك الباشق - بكسر المعجمة، وفتحها - معرب باشه، وهو نوع من الصقر، والواشق لغةٌ فيه، وهو يأنس تارةً وينفر أخرى. وذكر في "القاموس": أنه يعجز عن الطيران في المطر (١). والاعتبار في ذلك أن يكون الإنسان مستأنساً بالخير منقاداً له، نافراً عن الشر مستوحشاً منه. وقد قال بعض الحكماء: إن خيراً من الخير الراغبُ فيه، وشراً من الشر الطالب له. وأن يسكن في محل يحمد فيه السكون كالنمل، وأوقات شدة الحر وشدة البرد، وهيجان الريح، واسترسال الأمطار والثلوج المؤذية؛ فإن الله تعالى جعل لنا الليل سكناً وخلفة لنسكن فيه، وامتنَّ علينا بالمساكن والبيوت والدِّثار والشِّعار، فلا ينبغي تعطيل هذه الحكمة ورد هذه النعمة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨٠ - ٨١].

стр. 6180

ولا يرد على ذلك ما جاءت به السنة من استحباب البروز لأول المطر؛ فإن ذلك يكون ساعة لطيفة من الزمان مرة واحدة للتبرك بأول الغيث، فأما البروز للأمطار الدائمة لغير ضرورة فإنَّ فيه تعرُّضاً لإتلاف المال والنفس. قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. - ومن ذلك الصقر: وهو كل ما يصطاد به من الجوارح إلا النسر والعقاب؛ قاله النضر بن شميل، وأبو حاتم. فهو شامل للباز، والباشق، والحر، والشاهين، والفرزان، والبيدق، وهو أصغرها وأضعفها لا يصيد إلا العصافير ونحوها. وسميت قطع الشطرنج بأسماء الحيوانات المشهورة بالقوة والصيد، وهي: الرخ، والفرزان، والبيدق، والحيوانات المعتمد عليها في الحرب، وهي: الفيل، والفرس لأن موضوع الشطرنج للتمرين في ذلك. ولقد أحسن القائل مشيراً إلى خلو الزمان من الأماثل، وتصدر الأصاغر، وارتفاع الأداني: [من مجزوء الكامل المرفّل] خَلَتِ الرِّقاعُ مِنَ الرِّخا ... خِ وَفَرْزَنَتْ فِيها البَيادِقْ وَتَسابَقَتْ عُرُجُ الْحَمِيـ ... ـرِ فَقُلْتُ مِنْ عَدَمِ السَّوابِقْ وقلت: وهو من نظم الصبا: [من السريع] لا غَرْوَ إِنْ طالَ عَلى ماجِدٍ ... نَذْلٌ دَعِىٌّ ما لَهُ سِنْخُ

стр. 6181

كَمْ بَيْدَقٍ فَرَزْنَ فِي رُقْعَةٍ ... فَصارَ مَقْهُوراً لَهُ الرَّخُّ ومن أوصاف الصقر: أنه إذا انبعث لا يكاد يرجع إلا بصيد، ولذلك قالوا: أنجز من صقر من النجاز، وربما قالوا: أبخر (١)؛ ولعله تصحيف. وقيل: إن الصقر كالأسد أبخر. وقالوا: صقرٌ يلوذ حَمَامُه بالعوسَج؛ يُضرب بهذا المثل لمن تهابه الرجال. ولذلك قالت هند بنت أثاثة في كلامها المتقدم: حمزة ليثي وعلي صقري وحُكِيَ عن عثمان بن مرة، عن أبيه قال: سمعت الجن تنوح عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فوق مسجد رسول الله ﷺ ثلاث ليالٍ، فكان مما قالوه: [من مجزوء الكامل المرفّل] لَيلَةَ الحَصْبَةِ إِذْ ... يَرْمُونَ بِالصَّخْرِ الصِّلابِ ثُمَّ جاؤُوا بُكْرةً ... ـغونَ صَقْراً كَالشِّهابِ زينَهمْ فِي الْحَيِّ وَالـ ... ـمَجْلِسِ فَكَّاكَ الرِّقابِ (٢) وروى الخطابي في "الغريب" عن عروة بن الزبير، عن أبيه ﵁:

стр. 6182

أنه قاتل غلاماً - يعني: وهو غلام - فكسر الزبير يديه وضربه ضرباً شديداً، فمرَّ به على صفية وهو يُحمل فقالت: وما شأنه؟ فقالوا: قاتل الزبير، فأشعره - أي: أدماه - فقالت: [من مجزوء الرجز] كَيْفَ رأيتَ زَبْراً أَأقِطاً أَمْ تَمراً أَوْ مُشْمَعِلاً صقْرا قال الخطابي: تقول وجدته مما يؤكل كالأقط، والتمر، أم رأيته كالصقر الذي يختطف الصيد (١). والمشمعل: السريع الماضي. ومن أنواع الصقر: الحر. وقال النضر بن شميل، وأبو حاتم، وابن سيده: هو طائر نحو الصقر، أغبر أسفع، قصير الذنب، عظيم المنكبين والرأس، يضرب إلى الخضرة وهو يصيد. ومن أمثال العوام: الحر إذا وقع لا يتلبط؛ يعنون: لا يضطرب ولا يتحرك. أرادوا أن الحر إذا وقع في شبكة القانص رسب وصبر، والمراد

стр. 6183

به الصقر، أو فرخ الحمام، أو ولد الظبية. والاعتبار في ذلك أن الرجل الكامل، أو العارف إذا نزل به أمر لا يستطيع دفعه صبر واستسلم. أو أرادوا: أن الحر أو الصقر خاصة إذا وقع على الفريسة لزمها وثبت عليها، ولم يبالِ بها إذا اضطربت، ولا بما يكفُّه عنها. والاعتبار في ذلك أن الرجل إذا أمكنته الفرصة لم يفرط واغتنمها، وهذا من الحزم. - ومن أنواع الصقر: المَضْرَحي - بفتح الميم، والراء، بينهما ضاد معجمة ساكنة، وبالحاء المهملة -: وهو الصقر الطويل الجناح. ويقال للسيد الكريم: مضرحي تشبيهاً له بالصقر. والمضرحي: الأبيض من كل شيء. وروى الإمام أحمد بسند جيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ "إِنَّ داود ﵇ لَمَّا مَاتَ أَظَلَّتِ الطَّيْرُ جَنَازَتَهُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْه المَضْرَحية، أو غَلَبَتْ عَلَىْ التَّظْلِيْلِ عَلَيْه" (١). ويحصل الشبه بها في شهود جنائز الصالحين، والمزاحمة على الخير والمسابقة إليه. - ومن أنواع الصقر: الشاهين، وهو معرب، ولا يكاد يُضرب به

стр. 6184

المثل فيما يمدح، بل يُضرب به المثل كثيراً في اقتناص الأموال. ولعبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى؛ أنشده ابن خلكان، وغيره يخاطب من وَلِيَ من أصحابه: [من البسيط] قَدْ يَفْتَحُ الْمَرْءُ حانُوتاً لِمَتْجَرِه ... وَقَدْ فَتَحْتَ لَكَ الْحانوتَ بِالدِّينِ بَيْنَ الأَساطينِ حانوتاً بِلا غَلَقٍ ... تَبْتاعُ بِالدِّينِ أَمْوالَ الْمَساكِينِ صَيَّرْتَ دِينَكَ شاهِيناً تَصِيدُ بِهِ ... وَلَيْسَ يُفْلِحُ أَصْحابُ الشَّواهِينِ (١) وقلت: [من المنسرح] اعْجَبْ لِهَذا الزَّمانِ وَالْحِينِ ... أكثَرُ أَهْلِيهِ كَالشَّواهِينِ قَدِ اسْتَحَلُّوا الْحَرامَ وَاعْتَمَدُوا ... فِيهِ عَلى أَضْعَفِ البَراهِينِ أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي العُلُومَ عَلى الإِ ... كْثارِ مِنْ صُحْبَةِ السَّلاطِينِ لِيَكْسِبوا الْجاهَ بِالْمُلوكِ عَلى اقْـ ... ـتِناصِ ما كانَ لِلْمَساكِينِ كَمْ مُؤْمِنٍ فِيهِ خافَ كَما ... تَخافُ شاةٌ سَطا السَّراحِينِ فَالعاقِلُ الْمُنْزَوِي بِناحِيَةٍ ... عَنْهُمْ فِراراً بِالعِرْضِ وَالدِّينِ وإِنْ تَكُنْ مُبْتَلًى بِصُحْبَتِهِمْ ... فَاصْبِرْ قَنوعاً بِالعِيشَةِ الدُّونِ - ومن أنواع الصقر: اليؤيؤ - بياء تحتانية مضمومة، وهمزة مكررتين - وجمعه: يآيئ - بتقديم الياء - وجاء تأخيرهما في الشعر؛ أنشد الجوهري: [من الرجز]

стр. 6185

حَفِظَ الْمُهَيْمِنُ يُؤْيُؤِيَّ وَرَعا ... ما فِي اليآئِيِ يُؤْيُؤ شَروا (١) واليأياء - كالصلصال - صياح اليؤيؤ؛ ذكره في "القاموس". وهو طائر من الجوارح كالباشق كما في "الصحاح"، و"القاموس" (٢). وقال آخرون: طائر صغير قصير الذنب. وقد قيل: إنه أشجع من الصقر. قيل: وأول من صاد به بهرام جور من ملوك الفرس، شاهده يوماً يُطارد قنبرة، ويراوغها، ويرتفع معها وما تركها حتى صادها، فاتخذه وأدبه وعلمه. والتشبه به أن لا يزدري الإنسان نفسه، ويقعد عن بلوغ مآربه بهمته وإن كان صغيراً في نفسه، فإن عظم اليؤيؤ بهمته لا بجثته. ومن هنا تجد الدَّهاء أكثر ما يوجد في صغار الرجال. ومن كلام بعض الأدباء: إنما الإنسان بجَدِّه لا بقَدِّه. وقال بعضهم: من جدَّ وجد. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن قتادة رحمه الله تعالى قال: مكتوب في الحكمة: اتق تُوقه، وابتغ تجد، واشرب لتشبع. وقال بعض الحكماء: لكل مجتهد نصيب.

стр. 6186

وقلت: [من مجزوء الكامل المرفّل] بِالْجِدِّ تَبْلُغُ ما يَعِزُّ ... وَتَنْجَلِي عَنْكَ الكُرُوبُ فَاصْبِرْ وَبِاللهِ اسْتَعِنْ ... وَلِكُل مُجْتَهِدٍ نَصِيبُ وَاقْصِدْ إِلَهَكَ فِي الأمُو ... رِ فَإنَّ قَصْدَكَ لا يَخِيبُ - ومن ذلك: العُقاب . وفي الحديث: "العُقَابُ سَيِّدُ الطَّيْرِ وَالنَّسْرُ عَرِيْفُهَا". أخرجه ابن عدي في "الكامل" (١). وهو حديد البصر جداً، ولذلك قالوا في المثل: أبصر من عقاب ملاع، بالإضافة إلى ملاع كقطام، وهي الصحراء، وعقابها أبصر من عقاب الجبال؛ إذ لا يَحُول في الصحراء بين بصره وبين ما يبصره شيء. قال الزمخشري: وبصر العقاب أنها تعرف من سكاك الجو أنثى الأرنب من ذكرها؛ لأن الذكر يلتوي على عنقها فيقتلها (٢). وكذلك يقولون في المثل: أبصر من بازي، وأبصر من نسر. قال الزمخشري: ليس في الطير أبصر منه؛ تزعم الفرس أنه إذا حلق أبصر الجيفة من مَسافة أربع مئة فرسخ (٣).

стр. 6187

وقالوا أيضاً: أبصر من غراب. قال الزمخشري: يغمض إحدى عينيه اجتزاءً بالواحدة (١). والعرب تسميه أعور لذلك على طريق القلب، كان حدَّة بصرها تناهت حتى انقلبت إلى العكس. وقال الشاعر: [من الطويل] وَقَدْ ظَلَمُوهُ حِينَ سَمَّوْهُ سَيِّدا ... كَما ظَلَمَ النَّاسُ الغُرابَ بِأَعْوَرا (٢) وقالوا: أبصر من كلب، وأبصر من فرس (٣). وربما قالوا: أبصر من فرس ... في ظلماء ليل وغَلَس وقالوا: أبصر من فرس بيهماء في غلس. قال الزمخشري: تزعم الفرس أنه ليس في الدواب أبصر من الفرس؛ فإنه لو أجريَ في الضباب الكثيف، ومُدت في طريقه شعرة لوقف عند انتهائه إليها (٤). والتشبه بهذه المبصرات بأن يكون الإنسان بصيراً بالأمور، حذوراً يُبصر الحق ويتبعه، ولا يقدم على أمر حتى ينظر في عواقبه،

стр. 6188

ولا يمشي قدماً؛ فإنه إنما خلق له البصر ليبصر به. قال الله تعالى في تقريع الإنسان وتوبيخه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، أو أبصار ينظرون بها، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. [الحج: ٤٦]. وقد روى الطبراني، وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ قال: "يَا ابْنَ مَسْعُوْد! أَيُّ عُرَىْ الإِيْمَانِ أَوْثَقُ؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "أَوْثَقُ عُرَىْ الإيْمَانِ الْوِلايَةُ فِيْ اللهِ وَالحُبُّ فِيْ اللهِ وَالْبُغْضُ فِيْ الله". ثم قال: "يَا ابْنَ مَسْعُوْد". قلت: لبيك يا رسول. قال: "أتَدْرِيْ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "أَفْضَلُهُمْ عَمَلاً إِذَا فَقُهُوا فِيْ دِيْنِهِمْ". ثم قال: "يَا ابْنَ مَسْعُوْد". قلت: لبيك يا رسول الله.

стр. 6189

قال: "أتدْرِيْ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "إِنْ أَعْلَمَ النَّاسِ أَبْصرُهُمْ بِالْحَقِّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ، وإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِيْ عَمَلِهِ، وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَىْ اسْتِهِ زَحْفًا" الحديث (١). وقلت في عقد هذه الجملة الأخيرة منه: [من الخفيف] أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصرُ النَّاسِ بِالْحـ ... ـقِّ إِذا ما رَأَيْتَ فِي النَّاسِ خُلْفا ذاكَ ما ضَرَّهُ وَلا نالَ مِنْهُ ... نَقْصُ أَعْمالِهِ وَلَوْ سارَ زَحْفا - ومن أوصاف العقاب: الحزم حتى قالوا: أحزم من عقاب. وقيل لبشار بن برد: لو خيرت أن تكون حيواناً ما كنت تختار؟ قال: العقاب لأنها تلبث حيث لا يبلغها سبع ولا ذو أربع، وتحيد عنها سباع الطير (٢). وإنما ضربوا المثل بفرخ العقاب في الحلم والحزم، فقالوا: أحزم من فرخ العقاب، وأحلم من فرخ العقاب لأنه يكون وكره في عُرض جبل، والجبل ربما كان عموداً فلو تحرك من مجثمه، أو أقبل عليه أبواه لهوى إلى الحضيض، وهو على صغره يعرف أن الصواب

стр. 6190

في ترك الحركة، فيترك الحركة أخذاً بالحزم (١). وحقيقة الحزم: ضبط الرجل أمره، والأخذ بالثقة، والتثبت بالتبين. وفي كتاب الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. وقُرِئ: ﴿فتثبتوا﴾. وفي الحزامة أمانٌ من الندامة. ومن طباع العقاب ما ذكره الدميري، والسيوطي: أنها إذا صادفت الأرانب تبدأ بالصغار قبل الكبار (٢). والتشبه بها في ذلك بأن يبدأ الإنسان في صيد العلم بصغار العلم قبل كباره، وكذلك إذا عَلَّمَ غيره بدأ في تعليمه بالأسهل فالأسهل، وعلمه الصغار قبل الكبار تدريجاً؛ أي: انتقالاً من درجة إلى أرفع منها. ومنه تدريج الصبي الصغير على المشي بالدراجة. واعلم أنه كما يتدرج في الخير من صغيره إلى كبيره، كذلك الشر إذا تابعت صغيره جرَّك إلى كبيره. ألا ترى أن العبد إذا ركب صغيرة من المعاصي، ولم يحسم

стр. 6191

مادتها بالتوبة، بل عاودها، تدرَّب عليها، ثم جرَّته إلى غيرها حتى يرتكب العظائم، وإذا سمع كلمة السوء الصغيرة، فإن أغضى عنها وعفا عنها ذهب شرها، وإن قلبها في فكره وتأثر في نفسه منها، دعته إلى الانتقام من التكلم بها والانتصار، فربما ردَّ عليها بمثلها فسمع أقوى منها. فأول الحرب الكلام، وأول الحريق الشرر، وأول العشق النظر، وأول الشجرة النواة. وفي المثل أيضاً: الشر يبدؤه صغاره؛ أي: ينشأ كبيره من صغيره، فاحتمل الصغير لئلا يخرجك إلى الكبير؛ يُضرب في الحلم وكظم الغيظ (١). وقال مسكين الدارمي: [من مجزوء الكامل المرفّل] وَلَقَدْ رَأَيْتُ الشَّرَّ بَيـ ... ـنَ الْحَيِّ يَبْدَؤُهُ صِغارُه فَلَوْ اَنَّهُمْ يَأسونَهُ ... لَتَنَهْنَهَتْ عَنْهُمْ كِبارُهْ (٢) وكذلك لا يحقر الإنسان عدوه لِصغره أو صُغْره، ولا يغتر بكبر نفسه وكبره. وقد قال القائل: [من البسيط]

стр. 6192

لا تَحْقِرَنَّ صَغِيراً فِي مُخاصَمَةٍ ... إِنَّ الذُّبابَةَ أَدْمَتْ مُقْلةَ الأَسَدِ - ومن ذلك الجوارح: وهي من الطير، والسباع ذوات الصيد، جمع جارحة للذكر والأنثى؛ سميت بذلك لأنها تكتسب من: جرح، واجترح عمل بيده، واكتسب، ومنه سميت أعضاء الإنسان التي يكتسب بها جوارح. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]؛ أي: اكتسبتم. والاجتراح والاكتساب نتيجة العقل، وأحق ما يوصف به الإنسان لأنه هو العاقل المدرك بنهيته وهمته طرق الكسب. وإنما سميت جوارح الطير جوارح: لأنها في الإدراك قريبة من الإنسان الكاسب، ولذلك يُنسب إليها العلم اللازم لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]. فلا ينبغي للإنسان أن يكون أعجر من كواسب الطير والسباع في اكتساب ما ينفعه دون ما يضره؛ ألا ترى أن العقاب يصطاد إناث الأرانب دون ذكرانها لأن الذكر يلتوي على عنق العقاب فيقتلها كما تقدم؟ والهر إذا أكل الحية اجتنب موضع السم منها. والأيل يأكل الحيات أكلاً ذريعاً فلا تضره إلا إذا شرب الماء، فلذلك يجتنب الماء إذا أكلها حتى تنهضم عنه، فإذا عطش حام حول

стр. 6193

الماء ولا يشرب منه. فإذا كان الإنسان يتناول ما يضره مع علمه بمضرته فهو من أحمق الناس، كما قال بعض العارفين: أحمق الناس من يسره ما يضره. وقال بيان الحمال رحمه الله تعالى: من كان يسره ما يضره كيف يفلح (١). وقلت مُلماً بذلك من دوبيت: أَلْفَيْتُكَ مُغْرَمًا بِجَمْعِ الضرَّةْ ... تَحْتَجُّ بِأَنَّ ذاكَ خَوْفَ الضَّرَّةْ ما ضَرَّكَ مِنْ دُنْياكَ فَاحْذَرْ ضرَّهُ ... هَلْ يُفْلِحُ مَنْ يَسُرُّهُ ما ضَرَّهْ الضرة في المصراع الأول هي: المال الكثير، وفي الثاني: الاسم من الاضطرار، وهي بمعنى سوء الحال أيضاً. وضره في المصراع الثالث: الضر ضد النفع مضافاً إلى الضمير العائد إلى ما، وفي المصراع الرابع: فعل ناصب لهاء الضمير. وللضَّرة - بالفتح - معان: القطعة من المال، والإبل، والغنم، والمال تعتمد عليه وهو لغيرك، والضرة للمرأة، وزوجتاك؛ الزوجتان كل واحدة ضرة الأخرى، والدنيا والآخرة ضرتان كما في الخبر. وقلت أيضاً: [من الرجز]

стр. 6194

يا مَنْ جَمَعَ الأَمْوالَ خَوْفَ الضَّرَّة ... حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْها لَدَيْكَ الضَّرَّة ما الضَّرَةُ يا أُخِيَّ إِلاَّ الضَّرَّة ... لا تَجْتَمِعُ الدُّنْيا مَعاً وَالضَّرَّة وحكى حجة الإسلام في "الإحياء": أن عيسى ﵇ كان يقول: الدنيا والآخرة ضرتان؛ فإذا أرضيت أحدهما أسخطت الأخرى (١). وفي معناه ما رواه الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فآثِرُوْا مَا يَبْقَى عَلَىْ مَا يَفْنَىْ" (٢). فينبغي للعاقل أن ينظر لنفسه في دنياه ويجترح ما يحمد عقباه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 6195

واعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، فما زرعت فيها حصدته في آخرتك؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. كاسبان لا يستويان؛ كاسب خير، وكاسب شر. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١ - ٢٢]. ثم الجوارح منها: ما لا يصيد إلا كبيراً كالنسر، والعقاب، والفهد. ومنها ما يصيد صغيراً: وهو الأسد، والصقر؛ فإنهما يصيدان صغيرين، ولذلك قالوا في المثل: إن الشبل من الأسد، وإن هذا الشبل من ذاك الأسد. وقال كشاجم: [من الرجز] إن الفرازين من البيادق (١) وفي المثل: القرم من الأفيل. قال الزمخشري: يُضرب في كون الشيء الجليل في بدئه صغيراً، انتهى (٢).

стр. 6196

والأفيل يُجمع على أفال كجمال، وأفائل: وهو صغار الإبل بنات المخاض ونحوها. والقرم، ويقال له: مقرم - كمكرم - وهو البعير لا يُحمل عليه، ولا يُذلل، وإنما هو للفحلة. قال في "الصحاح": ومنه قيل للسيد: قرم، ومقرم تشبيهاً بذلك (١). والمعنى في ذلك: أنه لا ينبغي أن تستصغر أولاد الأشراف عن بلوغ مراتب آبائهم، وإنما تقال تلك الأمثال لولد النجيب مدحاً له وترغيباً له في مثل نجابة أبيه؛ لأن كل إنسان يميل إلى ما كان عليه آباؤه من الخير لأنه يعجب بآبائه، كما قالوا في المثل: كل فتاةٍ بأبيها مُعجبة (٢). ونظر إلي بعض العلماء وأنا في أوائل الطلب، فوجد مني فهماً وحذقاً، فقال: لا يُستكثر عليه ذلك؛ فإنه ابن فلان، ثم تمثل بالمثل، فقال: إن هذا الشبل من ذاك الأسد، فلم يزل ذلك يبعثني على طلب العلم والميل إلى التقوى والخير إلى يومنا هذا، وإلى الممات إن شاء الله تعالى بحيث إني أقول: [من مجزوء الرمل] أَعْرَضَ القَلْبُ أَبِيًّا ... عَنْ هَوى لُبْنَى وَلَيْلَى

стр. 6197

وَلَقَدْ شَمَّرْتُ حَزْماً ... فِي رِضَى مَولايَ ذَيْلا مائِلاً عَمَّا سِواهُ ... فِي بَقايا العُمْرِ مَيْلا أَمْتَطِي مِنْ هِمَّةِ القَلـ ... ـبِ إِلَى لُقياهُ خَيْلا طائِعاً رَبِّي نَهاراً ... بِالَّذِي يَرْضَى وَلَيْلا عائِذاً مِنْ أَنْ أُلاقِي ... يَوْمَ أَلْقَى اللهَ وَيْلا وروى الحاكم في "مناقب الإمام الشافعي" ﵁ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُشْبِهَ أَبَاهُ" (١). يعني: في عمل الخير والأخذ به؛ فإن الخير هو الآخذ بيد أبيه إلى السعادة. وقال رؤبة في عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: [من الرجز] بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمْ ... وَمَنْ يُشابِهْ أَبَهُ فَما ظَلَمْ وروى الشيرازي في "الألقاب" عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى - مرسلاً -: قال رسول الله ﷺ : "إِنْ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَىْ عَبْدِهِ أَنْ يَشْبَهَهُ وَلَدُهُ"؛ أي: في كل خير. فأمَّا تشبه الولد بأبيه فيما هو بسبب الشقاوة، فهو من أبلغ أسباب

стр. 6198

الشقاوة، ولذلك ذمَّ الله تعالى المقلدين لآبائهم في الكفر والمعاصي، والعادات المخالفة للحق في مواضع كثيرة من كتابه العزيز كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]؛ أي: أَوَ لَوْ كان آباؤهم مُلْحَقِين بالبهائم في الجهالة والضلالة يتبعونهم ويدعون الحق الذي أنزله الله تعالى. وقالت العرب في المثل في عكس ما تقدم، وهو شبه الولد بأبيه في الشر: لا تلد الحية إلا حُيية (١). وهو في معنى قول نوح ﵇: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]. وقال الشيخ قطب الدين القسطلاني: [من الطويل] إِذا طابَ أَصْلُ الْمَرْءِ طابَتْ فُروعُهُ ... وَمِنْ عَجَبٍ جاءتْ يَدُ الشَّوْكِ بِالوَرْدِ وَقَدْ يَخْبُثُ الفَرْعُ الَّذِي طابَ أَصْلُهُ ... لِيَظْهَرَ صُنع اللهِ فِي العَكْسِ وَالطَّرْدِ (٢) واعلم أن الماجد إذا رغب في مجد أبيه فقد يكون ذلك لمقتضى طبعه، وقد يكون لتحرك نفسه للخير توفيقاً من الله تعالى، وهذا أفضل

стр. 6199

من الأول؛ لأن المرء إذا جاء ما يأتي به على وفق طبعه فهو غير ممدوح عليه ذلك المدح؛ فإن الطبع قاهره كما يحمل صاحبه على مقتضاه وهو شريف ممدوح، كذلك يحمله عليه وهو قبيحٌ مذموم؛ ألا ترى أنَّ جرو الذئب ذئب، وفرخ الحية حية؟ وقد سبق قول الأعرابي: [من الوافر] فمن أدراك أنَّ أباك ذيب وقولهم: ومن يُشابه أباه فما ظلم؛ أي: من حيث إنه مقهورٌ بطبعه، ومن حيث إنه وضع الشيء في محله، والظلم وضع الشيء في غير محله. * تَنْبِيهٌ: من أمثال الناس: من العجيب: نجيبٌ من نجيب. والنجيب: الكريم من الناس ومن الإبل. وإنما قيل ذلك لأن مخالفة الأنجال للآباء كثيرة، والحكمة في ذلك بيان أنَّ قدرة الله هي المؤثرة كما قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]؛ أي: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والصالح من الطالح، والطالح من الصالح لأنه فعَّال لما يريد. وتقول العرب: أنجبت المرأة إذا ولدت نجيباً، وربما قالوا: أنجب: إذا ولد غير نجيب.

стр. 6200

وقد قلت: [من المجتث] عَجِيبٌ مِنْ عَجِيبٍ ... نَجِيبٌ مِنْ نَجِيبِ وَكَمْ مِنْ بارعٍ لَيْـ ... ـسَ ذا جَدٍّ حَسِيبِ وَحُكْمُ اللهِ يَمْضِي ... عَلى وَجْهٍ غَرِيبِ فَسَلِّمْ ما تَرى فِي الـ ... ـوجُودِ مِنَ الضُّروبِ فَرَدُّ الأَمْرِ لِلَّـ ... ـه مِنْ شَأْنِ الأَرِيب - ومن ذلك الديك: من أخلاقه السَّخاء والإيثار لأنه يأخذ الحبة بمنقاره ولا يأكلها، وإنما يُلقيها إلى الدجاج ويؤثرهن، ولذلك قالوا في المثل: أسخى من الديك؛ ذكره الزمخشري (١). وقال القمي: من أمثالهم: أسخى من لافظه؛ قال الخليل: يعني: الديك (٢). والتشبه به في ذلك بالقيام على الأهل والعيال بالكفاية؛ فإن كفاية العيال من أفضل أنواع الكرم، وأي كرم لمن يُجيع عياله، ومن ذا الذي يرجو بعد ذلك نواله؟ كما قال أبو العتاهية: [من مخلَّع البسيط] مَنْ ذا الَّذِي يَرْتَجِي الأَقاصِي ... إِنْ لَمْ ينَلْ فَضْلَهُ الأَدانِي (٣)
следующие страницы →