← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

والأفيل يُجمع على أفال كجمال، وأفائل: وهو صغار الإبل بنات المخاض ونحوها. والقرم، ويقال له: مقرم - كمكرم - وهو البعير لا يُحمل عليه، ولا يُذلل، وإنما هو للفحلة. قال في "الصحاح": ومنه قيل للسيد: قرم، ومقرم تشبيهاً بذلك (١). والمعنى في ذلك: أنه لا ينبغي أن تستصغر أولاد الأشراف عن بلوغ مراتب آبائهم، وإنما تقال تلك الأمثال لولد النجيب مدحاً له وترغيباً له في مثل نجابة أبيه؛ لأن كل إنسان يميل إلى ما كان عليه آباؤه من الخير لأنه يعجب بآبائه، كما قالوا في المثل: كل فتاةٍ بأبيها مُعجبة (٢). ونظر إلي بعض العلماء وأنا في أوائل الطلب، فوجد مني فهماً وحذقاً، فقال: لا يُستكثر عليه ذلك؛ فإنه ابن فلان، ثم تمثل بالمثل، فقال: إن هذا الشبل من ذاك الأسد، فلم يزل ذلك يبعثني على طلب العلم والميل إلى التقوى والخير إلى يومنا هذا، وإلى الممات إن شاء الله تعالى بحيث إني أقول: [من مجزوء الرمل] أَعْرَضَ القَلْبُ أَبِيًّا ... عَنْ هَوى لُبْنَى وَلَيْلَى

стр. 6197

وَلَقَدْ شَمَّرْتُ حَزْماً ... فِي رِضَى مَولايَ ذَيْلا مائِلاً عَمَّا سِواهُ ... فِي بَقايا العُمْرِ مَيْلا أَمْتَطِي مِنْ هِمَّةِ القَلـ ... ـبِ إِلَى لُقياهُ خَيْلا طائِعاً رَبِّي نَهاراً ... بِالَّذِي يَرْضَى وَلَيْلا عائِذاً مِنْ أَنْ أُلاقِي ... يَوْمَ أَلْقَى اللهَ وَيْلا وروى الحاكم في "مناقب الإمام الشافعي" ﵁ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُشْبِهَ أَبَاهُ" (١). يعني: في عمل الخير والأخذ به؛ فإن الخير هو الآخذ بيد أبيه إلى السعادة. وقال رؤبة في عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: [من الرجز] بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمْ ... وَمَنْ يُشابِهْ أَبَهُ فَما ظَلَمْ وروى الشيرازي في "الألقاب" عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى - مرسلاً -: قال رسول الله ﷺ : "إِنْ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَىْ عَبْدِهِ أَنْ يَشْبَهَهُ وَلَدُهُ"؛ أي: في كل خير. فأمَّا تشبه الولد بأبيه فيما هو بسبب الشقاوة، فهو من أبلغ أسباب

стр. 6198

الشقاوة، ولذلك ذمَّ الله تعالى المقلدين لآبائهم في الكفر والمعاصي، والعادات المخالفة للحق في مواضع كثيرة من كتابه العزيز كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]؛ أي: أَوَ لَوْ كان آباؤهم مُلْحَقِين بالبهائم في الجهالة والضلالة يتبعونهم ويدعون الحق الذي أنزله الله تعالى. وقالت العرب في المثل في عكس ما تقدم، وهو شبه الولد بأبيه في الشر: لا تلد الحية إلا حُيية (١). وهو في معنى قول نوح ﵇: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]. وقال الشيخ قطب الدين القسطلاني: [من الطويل] إِذا طابَ أَصْلُ الْمَرْءِ طابَتْ فُروعُهُ ... وَمِنْ عَجَبٍ جاءتْ يَدُ الشَّوْكِ بِالوَرْدِ وَقَدْ يَخْبُثُ الفَرْعُ الَّذِي طابَ أَصْلُهُ ... لِيَظْهَرَ صُنع اللهِ فِي العَكْسِ وَالطَّرْدِ (٢) واعلم أن الماجد إذا رغب في مجد أبيه فقد يكون ذلك لمقتضى طبعه، وقد يكون لتحرك نفسه للخير توفيقاً من الله تعالى، وهذا أفضل

стр. 6199

من الأول؛ لأن المرء إذا جاء ما يأتي به على وفق طبعه فهو غير ممدوح عليه ذلك المدح؛ فإن الطبع قاهره كما يحمل صاحبه على مقتضاه وهو شريف ممدوح، كذلك يحمله عليه وهو قبيحٌ مذموم؛ ألا ترى أنَّ جرو الذئب ذئب، وفرخ الحية حية؟ وقد سبق قول الأعرابي: [من الوافر] فمن أدراك أنَّ أباك ذيب وقولهم: ومن يُشابه أباه فما ظلم؛ أي: من حيث إنه مقهورٌ بطبعه، ومن حيث إنه وضع الشيء في محله، والظلم وضع الشيء في غير محله. * تَنْبِيهٌ: من أمثال الناس: من العجيب: نجيبٌ من نجيب. والنجيب: الكريم من الناس ومن الإبل. وإنما قيل ذلك لأن مخالفة الأنجال للآباء كثيرة، والحكمة في ذلك بيان أنَّ قدرة الله هي المؤثرة كما قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]؛ أي: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والصالح من الطالح، والطالح من الصالح لأنه فعَّال لما يريد. وتقول العرب: أنجبت المرأة إذا ولدت نجيباً، وربما قالوا: أنجب: إذا ولد غير نجيب.

стр. 6200

وقد قلت: [من المجتث] عَجِيبٌ مِنْ عَجِيبٍ ... نَجِيبٌ مِنْ نَجِيبِ وَكَمْ مِنْ بارعٍ لَيْـ ... ـسَ ذا جَدٍّ حَسِيبِ وَحُكْمُ اللهِ يَمْضِي ... عَلى وَجْهٍ غَرِيبِ فَسَلِّمْ ما تَرى فِي الـ ... ـوجُودِ مِنَ الضُّروبِ فَرَدُّ الأَمْرِ لِلَّـ ... ـه مِنْ شَأْنِ الأَرِيب - ومن ذلك الديك: من أخلاقه السَّخاء والإيثار لأنه يأخذ الحبة بمنقاره ولا يأكلها، وإنما يُلقيها إلى الدجاج ويؤثرهن، ولذلك قالوا في المثل: أسخى من الديك؛ ذكره الزمخشري (١). وقال القمي: من أمثالهم: أسخى من لافظه؛ قال الخليل: يعني: الديك (٢). والتشبه به في ذلك بالقيام على الأهل والعيال بالكفاية؛ فإن كفاية العيال من أفضل أنواع الكرم، وأي كرم لمن يُجيع عياله، ومن ذا الذي يرجو بعد ذلك نواله؟ كما قال أبو العتاهية: [من مخلَّع البسيط] مَنْ ذا الَّذِي يَرْتَجِي الأَقاصِي ... إِنْ لَمْ ينَلْ فَضْلَهُ الأَدانِي (٣)

стр. 6201

وفي الحديث: "وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُوْلُ" (١). "كَفَىْ بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُوْلُ" (٢). وقلت: [من الوافر] أقولُ لِقاعِدٍ عَنْ كَسْبِ مالٍ ... يُفِيدُ بِهِ العِيالَ قضاء حاجِ أليْسَ الدِّيكُ أَكرَمَ مِنْكَ يَسْعَى ... فَيَلْقُطُ ثُمَّ يَلْفِظُ لِلدَّجاجِ ومن طباع الديك: الإيناس والاستئناس، ولذلك سمي: الأنيس، والمؤانس. والتشبه به بأن تؤنس من يستحق الأنس بك لكونه مطيعاً لله تعالى، وتستأنس بأهل الله تعالى وأهل طاعته. روى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَرَجَ مَعَ أخٍ لَهُ فِيْ طَرِيْقِ مُوْحِشَةٍ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً" (٣). وأحق الناس بإيناسك أبواك، وأهلك، وأولادك، ومن يليك، وأحق الناس بأن تأنس به أهل طاعة الله تعالى، ولا تكاد تجد الآن من تأنس به الأنس المحمود شرعاً. وفي "الرسالة" للأستاذ أبي القاسم القشيري: قال ابن خبيق رحمه

стр. 6202

الله تعالى: وحشة العباد عن الحق أوحشت منهم القلوب، ولو أنهم استانسوا بربهم لاستأنس بهم كل أحد (١). * لَطِيفَة: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن موسى بن أبي عيسى: أن مريم ﵍ فقدت عيسى ﵇، فدارَتْ تطلبه، فلقيت حائكاً فلم يرشدها، فدَعَتْ عليه، فلا تزال تراه تائهاً، فلقيَتْ خياطاً فارشدها، فدعَتْ له، فهم يؤنس إليهم (٢). وروى ابن جهضم في "بهجة الأسرار" عن محمد بن يوسف الجوهري قال: سمعت بِشْراً -يعني: الحافي- رحمه الله تعالى يقول في جنازة أخته: إذا قصر العبد فيما بينه وبين الله تعالى أخذ منه من كان يؤنسه (٣). وقال الإمام أحمد في "الزهد": حدثنا أبو معاوية الهمداني، ثنا بعض أصحابنا قال: كان عبد الله بن عامر بن كريز وهو أمير إذا صلَّى بالناس رجع إلى بيته، فيمر برجل به عرجة في مؤخر المسجد فيقول: كيف أنت يا فلان؟ فيقول: بخير، على أنَّ أهل الخير قد أصبحوا مستوحشين.

стр. 6203

فيقول: ما أوحشهم؟ فيقول: فقدوا أحوالهم فاستوحشوا. وقلت في المعنى: [من الرمل] أَصْبَحَ الأَخْيارُ فِي وَحْشَتِهِمْ ... مِنْ زمانٍ عضَّهم قَدْ دهشُوا لا تَسَلْ بِاللهِ عَنْ وَحْشَتِهِمْ ... فَقَدُوا إِخْوانهم فَاسْتَوْحَشوا - ومن حميد خصال الديك: معرفة مواقيت الصلاة . روى الطبراني، وابن عدي، والبيهقي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ للهِ دِيْكًا رِجْلاهُ فِيْ التُّخُوْمِ وَعُنْقُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ مُنْطَوِيَةٌ، فَإِذَا كَانَتْ هَنَةٌ مِنَ اللَّيْلِ صَاحَ: سُبّوْحٌ قُدُّوْسٌ، فَصَاحَتِ الدِّيَكَةُ" (١). ومعرفة أوقات الصلاة مما مدح الله تعالى به هذه الأمة في التوراة، فقال: هم الحمادون رعاة الشمس؛ كما رواه أبو نعيم في "الدلائل" (٢). وروى الطَّبراني -واللفظ له - والبزار، والحاكم وصححه، عن

стр. 6204

ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِيْنَ يُرَاعُوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِذِكْرِ اللهِ" (١). - ومن خصال الديك: التذكير بالله تعالى . روى أبو الشيخ عن فرقد السبخي رحمه الله تعالى قال: مرَّ سليمان بن داود ﵉ ببلبل ساقط على شجرة، يُحرك رأسه ويُميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: الله ونبيه أعلم. قال: يقول: أكلت نصف تمرة وعلى الدنيا العفاء. ومرَّ بديك يسقع، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: الله ونبيه أعلم. قال: يقول: اذكروا الله يا غافلين (٢). وتقدم نحو ذلك عن النبي ﷺ مع فوائد أخرى في التشبه بالشياطين. - ومن خصال الديك: الإيقاظ للصلاة . روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بإسناد جيد، عن زيد

стр. 6205

ابن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تَسُبُّوْا الدِّيْكَ؛ فَإِنَّهُ يُوْقظُ لِلصَّلاةِ" (١). قال الحليمي: فيه دليل على أنه كل من استفيد منه خير لا ينبغي أن يُسب ويستهان، بل حقُّه أن يُكرم ويشكر (٢). قلت: وأبلغ من ذلك في الاستدلال على ذلك الأحاديث الواردة في النهي عن سب البرغوث. روى الإمام أحمد، والبزار، والبيهقي عن أنس: أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يسبُّ برغوثاً فقال: "لا تَسُبَّهُ؛ فَإِنَّهُ أَيْقَظَ نبِيًّا لِلصَّلاةِ" (٣). وروى الطبراني عنه قال: ذُكر البراغيت عند رسول الله ﷺ فقال: "إِنَّهَا لَتُوْقظُ لِلصَّلاةِ" (٤). وروى الطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: نزلنا منزلاً فآذتنا البراغيث، فسببناها، فقال: "إِنَّهَا لتوْقِظُ لِلصَّلاةِ". وروى الطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: نزلنا منزلاً

стр. 6206

فآذتنا البراغيث، فسببناها، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبوهَا؛ فَنِعْمَتِ الدَّابَةُ أَيْقَظَتْكُمْ لِلصلاةِ" (١). قلت: فيه تنبيه على أنَّ الإنسان لا ينبغي له أن يسُب شيئاً من مخلوقات الله تعالى إلا من حيث أُذِنَ له في السب؛ فإنَّ العبد مهما طالع صنع الله تعالى في مخلوقاته بعين الرضا، واعتبار الحكمة في خلقها ظهرت له من كل مصنوع كل مليحة؛ فإن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا وفيه فائدة؛ ألا ترى أنه خلق إبليس وابتلى النَّاس بعداوته، وابتلاه بإغواء الإنسان حتى يجاهده الإنسان ويُخالفه فيُثابُ ويؤجر، ولولا ابتلى الله آدم بإبليس حتى وقعت منه الزلة لم يظهر آدم ﵇ بالتوبة التي هي أول مقامات الأولياء، والوسيلة إلى محبة الله تعالى؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فإن أطاع الإنسان الشيطان ولم يجاهده ظهرت حجة الله تعالى عليه. وكذلك خلق الله تعالى العصاة لتظهر حجة الله تعالى عليهم ليكونوا عبرة لأهل الطاعة. وكذلك خلق القردة والخنازير والأباعر ليظهر فضله عليك في أن خلقك إنسانا ولم يخلقك كذلك فيزداد شكرك، ولذلك كان رسول الله ﷺ

стр. 6207

إذا رأى القرد خَرَّ ساجدًا. رواه ابن عدي، والحاكم، والبيهقي من حديث جابر رضي الله تعالى عنه (١). وكنت في مجلس فاغتابوا رجلاً، ووصفوه بأوصاف هي فيه من الشِّره والشَّره، والهَلَع والجشع، والظلم والبغي، وغير ذلك، وأنا ساكت أتألم بما يتكلمون به، ولم أجد للإنكار عليهم مساغاً حتى قال لي بعض أهل المجلس: ما تقول فيه أنت؟ فقلت: أقول فيه: إنه من كمال الكون، وجمال الوجود. فقيل لي في ذلك، وتعجَّبوا أن يكون كما ذكرت وهم يعرفون منه كل قبيحة. فقلت: يا سبحان الله! ألستم تستقبحون هذه الأمور وتستبشعون منه هذه الأخلاق؟ قالوا: بلى. قلت: فإذا كنتم تستقبحونها فإنكم لا تتصفون بها، فاتصاف هذا المذكور بهذه الأوصاف القبيحة كان لظهور قبحها لكم حتى تنزهتم عنها، فهو من كمال الكون بهذا لاعتبار. وأيضًا فإن مدح النبي ﷺ البرغوث بقوله: "نِعْمَ الدَّابّهُ" (٢) مُعللاً

стр. 6208

لمدحه بأنه أيقظهم للصلاة من باب تعويد الألسنة خيراً وتنزيهها عن عادة الشر. كما روى ابن أبي الدُّنيا في "الصمت" عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال: مرَّ بعيسى بن مريم ﵉ خنزير، فقال: مُرْ بسلام. فقيل: يا روح الله! لهذا الخنزير تقول؟ قال: أكره أن أعوِّد لساني الشر (١). وروى هو والطبراني بإسناد حسن، عن أسود بن أصرم الحاربي رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! أوصني. قال: "أتمْلِكُ يَدَكَ؟ ". قلت: فما أملك إن لم أملك يدي؟ قال: "أتمْلِكُ لِسَانَكَ؟ ". قال: فما أملك إن لم أملك لساني؟ قال: "لا تَبْسُطْ يَدَكَ إِلاَّ إِلَىْ خَيْرٍ، وَلا تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلاَّ مَعْرُوْفًا" (٢). وقال الشاعر: [من البسيط]

стр. 6209

عَوّدْ لِسانكَ قَوْلَ الْخَيْرِ وَارْضَ بِهِ ... إِنَّ اللِّسانَ لِما عَوَّدْتَ يَعْتادُ (١) وقال بعضهم: [من السريع] لا تَشْتُمِ البُرْغُوثَ إِنَّ اسْمَهُ ... بِرٌّ وَغَوْث لَكَ لَوْ تَدْرِي فَبِرُّهُ مَصُّ دَمٍ فاسِدٍ ... وَغَوْثُهُ الإِيْقاظُ لِلْفَجْرِ وأيضًا: فإن في قوله ﷺ وقد ذكرت البراغيث: "إِنَّهَا تُوْقِظُ لِلصَّلاةِ"، وقوله: "لا تَسُبُّوْهَا؛ فَإِنَّهَا أَيْقَظَتْكُمْ لِذِكْرِ اللهِ" إشارة من النبي ﷺ وتعليم منه لنا أنَّا إذا أردنا ذكر مخلوق بصفة مستكرهة وله صفة مستحسنة، فذِكْرُه بالصفة المستحسنة أولى لأن ذكر المحاسن لا يضر، بخلاف ذكر المثالب. ومن هذا القبيل ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنهما عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: مرَّ عيسى ﵇ والحواريون على جيفة كلب، فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا! فقال عيسى ﵇: ما أشد بياضَ أسنانه؛ يعظهم وينهاهم عن الغيبة (٢). وقلت في هذا المعنى: [من السريع] إِنْ تَلْفَ مَخْلُوقاً لَهُ سَيِّئٌ ... مِنْ عَمَلٍ لَكِنْ لَهُ صالِحُ

стр. 6210

فَامْحُ بِما يَصْلُحْ ما لَيْسَ بِالصَّـ ... ـالِح، نِعْمَ الرَّجُلُ الْمادحُ فَذِكْرُكَ الصَّالِحَ ما ضَرَّ ما ... يَضُرُّ ذِكْرُ الطَّالِحِ القادِح لِسانَكَ اجْعَلْ قالَهُ الْخَيْرَ مِن ... عادَتِهِ، أَنْتَ إِذاً رابحُ عَذْبٌ فُراتٌ قَوْلُكَ الْخَيْرَ وَالـ ... ـملحَ الَّذِي قَدْ قالَه الْمالِحُ إِنَّ مَقالَ السُّوْء لا يَنْبَغِي ... حَتَّى وَلَوْ جاءَ بِه مازِحُ والمالح في البيت: المغتاب. قال في "القاموس": مَلَحَه -كمنعه -: اغتابه (١)، وفيه تورية. تقول العوام: فلان مالح؛ يعنون به أنه خارج عن القبول، مستثقل به، ولا يُغبط بوجوده. وأيضًا فإن ذم البرغوث وغيره من المخلوقات المستبشعة عادةً كالقرد، والكلب ربما أدى بالعبد إلى السخرية، والطعن في الخلقة، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]. وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لو سَخِرْتَ من كلب خشيت أن كون كلباً. رواه الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٢). وقد أفضى الاسترسال في استقباح الأمور وتعييبها بعض المبتدعة إلى الكفر الصراح، ونسبة الذات العلية إلى الظلم في القضية.

стр. 6211

وحُكي أن بعض هؤلاء الضلال كان في بستان، فنظر إلى شجرة الجوز وارتفاعها وكبرها، وإلى صغر ثمرها، وإلى شجرة اليقطين وانطراحها وكبر ثمارها، فقال: لو كانت هذه الثمرة على هذه الشجرة، وهذه الثمرة على هذه الشجرة كان أقرب إلى العدل! فجاء طائر فقطع واحدة من ثمر الجوز فسقطت على جبهته فآلمته، فقيل له: تأدب؛ فلو كانت هذه الجوزة في مقدار القرعة أو البطيخة كانت قتلتك. فقال: نعم. وروى الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والترمذي، وأبو يعلى، والطَّبراني في "الكبير"، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود، والبيهقي في "الشعب" عنه، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الْفَاحِشِ، وَلا الْبَذِيْءِ" (١). وسمع بعض العلماء ولده يقول لكلب يُضايق أباه في الطريق: إخسأ يا كلب! فقال له: لا تقل ذلك؛ فإنه من خلق الله تعالى. فقال له: إنه أليس كلباً؟ قال: نعم، ولكنك أخرجت كلامك مخرج الذم.

стр. 6212

وأما ما رواه ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لدغَتْ النبي ﷺ عقرب وهو في الصلاة، فقال: "لَعَنَ اللهُ الْعَقْرَبَ؛ مَا تَدَعُ مُصَلِّيًّا وَلا غَيْرَ المُصَلِّيَ، اقتلُوْهَا فِيْ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ" (١). وروى أبو نعيم في "الطب" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لدغت النبي ﷺ عقرب وهو يصلي فقال: "لَعَنَكِ اللهُ؛ لا تَدَعِيْنَ نبَيًّا وَلا غَيْرَهُ"، ثم دعا بماء وملح ورَشه عليها (٢). فإن سبب لعنه للعقرب تعرضها له في الصلاة باللدغ لتشغله عنها، فقد لعنها معللاً للعنها بقيد ما علل به النهي عن سبِّ الديك والبرغوث وإن كان فيه ما يدعو إلى سبه من القرص؛ فإنَّ قرصه لطيف لا يؤثر أكثر من إيقاظ النائم للصَّلاة، فحسنته تُذهب سيئته بخلاف العقرب، والحية، والكلب العقور، والحدأة، والغراب الأبقع، والفأرة، وهي الفواسق؛ فإنها متمحضة للإيذاء، فلذلك تُقتل في الحل والحرم، ويقتلها المحرم والحلال. ومن هنا ساغ سبُّها كما يسوغ سب الكفار والظلمة لتمحضهم للشر والأذية، وإنما لم يَجُزْ لعن كافر بعينه ولا ظالم بعينه إلا أن يموت على الكفر لأن خاتمته مُغَيَّبة عنا. والذي تلخص لنا: أن ما يتمحض للأذية والشر من الحيوانات

стр. 6213

كالعقرب، والزنبور يجوز لعنه، وما لا يؤذي كالنمل، والشاة، أو لا تتمحض للأذية كالبرغوث، أو ما نفعه أكثر من ضرره كالدابة الشموس، فلا ينبغي أن تُلعن أو تُسب، ومن ثم نهى النبي ﷺ عن لعن الدابة. - ومن ذلك الهدهد: وقصته مع سليمان ﵇، ومحاورته معه في كتاب الله، والقرآن ناطقٌ بأنه كان رسولاً إلى ملكة سبأ. والتشبه به بأن يكون العبد حسن المحاورة خصوصاً مع الأكابر والملوك ناصحاً لهم. وفي الحديث: "الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ". قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: "للهِ وَلَرسُوْلهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِيْنَ وَعَامَّتِهِمْ". رواه مسلم، وغيره من حديث تميم الداريِّ رضي الله تعالى عنه (١). وقصة سليمان ﵇ هذه أصل في إرسال الملوك الرسل، والبريد في مآربهم. وينبغي لمرسل الرسول أن يختاره حسن الاسم حسن الوجه، حسن العبادة، كامل العقل؛ فإن سليمان ﵇ اختار الهدهد لذلك لما رأى فيه من الكفاءة ولحسن اسمه وصورته؛ فإن اسمه كأنه منقول من الأمر مِنْ هاد: إذا رجع مكرراً.

стр. 6214

ومن لطائفِ الزمخشري في "الكشاف": [من المجتث] يا طالِبَ اللهِ هَدْ هِدْ ... وَاسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُدْ (١) وروى البزار، والطَّبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا بَعَثْتُمْ إِلَيَّ رَجُلاً فَابْعَثُوْهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الاسْمِ" (٢). وروى البزار عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَبْرَدْتُمْ إِلَيَّ بَرِيْدًا فَابْعَثُوْهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الْوَسْمِ" (٣). وينبغي للمرسل أن يحسن البلاع ويُبينه، وما على الرسول إلا البلاع المبين. - ومن أوصاف الهدهد ما يذكر أنه يرى الماء في باطن الأرض كما يراه الإنسان من باطن الزجاج، وأنه كان دليل سليمان ﵇ على الماء، ولهذا توعَّده لما فقده. وروى ابن عدي، والبيهقي في "الشعب": أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن سليمان ﵇ مع ما خوَّله الله تعالى من الملك وأعطاه، كيف عني بالهدهد مع صغره؟

стр. 6215

فقال له ابن عباس: إنه احتاج إلى الماء، والهدهد كانت له الأرض كالزجاج. فقال له ابن الأزرق: قف يا وقاف، كيف ينظر الماء من تحت الأرض، ولا يرى الفخ إذا غطي له بقدر إصبع من تراب؟ فقال ابن عباس: إذا نزل القضاء عَمِيَ البصر (١). ومن لطائف قول بعضهم: [من البسيط] جاءَتْ سُلَيمانَ يَومَ العَرْضِ هُدْهُدَةٌ ... أَهْدَتْ إِلَيْهِ جَراداً كانَ فِي فِيْها وَأَنْشدَتْ بِلِسانِ الْحالِ قائِلَةً ... إِنَّ الْهَدايا عَلى مِقْدارِ مُهْدِيها لَوْ كانَ يُهْدى إِلَى الإِنْسانِ قِيمَتُهُ ... فَأَنْتَ قِيمَتُكَ الدُّنْيا وَما فِيها والاعتبار في ذلك أن الهدية تستعطف القلوب، وهي مطلوبة ما لم يكن المطلوب بها إبطال حق إلى التوصل إلى باطل؛ فإنها تنقلب رشوة وتكون سُحتاً.

стр. 6216

قال رسول الله ﷺ : "تَهَادُوْا تَحَابُّوْا". رواه البخاري في "الأدب المفرد"، والطيالسي، والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). - ومن ذلك الحمام: وهو كل ما عبَّ وهدر. روى الثعلبي عن وهب رحمه الله تعالى في قوله : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] قال: اختار من الغنم الضأن، ومن الطير الحمام (٢). - فمن أوصاف الحمام: البلاهة ، وتقدم الحديث: "أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ" (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى: أن المسيح ﵇ كان يقول لأصحابه: أن تكونوا بلهاً في الله مثل الحمام. قال: وكان يقول: إنه ليس شيء أَبْله من الحمام؛ إنك تأخذ فرخَيْه فتذبحها، ثم يعود إلى مكانه ذلك فتفرخ فيه (٤).

стр. 6217

وروى الدينوري في "المجالسة" عن مصعب الزبيري، عن أبيه، عن جده قال: قال عيسى ﵇: كن لربك كالحمام الألوف؛ تُذبح فراخه ولا يطير عنهم (١)؛ أي: عن أهله الذي يألفهم. - ومن أوصاف الحمام أيضاً: الأُنس بالناس، والألفة بهم ، كما في هذا الأثر. وروى ابن عدي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِيْ بَيْتِهِ خَالِيًا فَلْيَتَّخِذْ فِيْهِ زَوْجَ حَمَامٍ" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" بسند جيد، عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: شكا رجل إلى النبي ﷺ الوحشة، فقال له رسول الله ﷺ : "اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ" (٣). وروى ابن السني، وابن عساكر عن معاذ بن جبل ﵁: أنه شكا إلى النبي ﷺ الوحشة، فأمره أن يتخذ زوج حمام، ويذكر الله عند هديره (٤).

стр. 6218

وروى وكيع في "الغرر"، وابن عدي في "الكامل" عن علي رضي الله تعالى عنه: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الوحشة، قال: "أَلا اتَّخَذْتَ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ فَآنسَكَ، وَأَكَلْتَ مِنْ فِرَاخِهِ، أَوْ اتَّخَذْتَ دِيْكًا فَآنَسَكَ، وَأَيْقَظَكَ لِلصَّلاةِ" (١). * فائِدَةٌ: كان عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما يلقب بحمامة المسجد؛ لملازمته المسجد الحرام، وكثرة هديره بتلاوة القرآن (٢). - ومن أوصاف الحمام: أنها لا تحكم عشها، فإذا هبت الريح كان ما يُكسر أكثر مما يسلم . أنشد ابن قتيبة لعبيد بن الأبرص: [من مجزوء الكامل المرفّل] عَيوا بِأمرِهِمُ كَما ... عيَّتْ بِبَيْضَتِها الْحَمامَةْ جَعَلَتْ لَها عُودينِ مِنْ ... نشمٍ وَآخَرَ مِنْ ثُمامَةْ (٣) والتشبه بالحمام في ذلك أنه لا ينبغي للمؤمن أن يهتم بتشييد المساكن، بل يقتصر على ما يكنه من الحر والقَر؛ فإن الأمر قريب، والثَّوى في الدنيا قليل.

стр. 6219

روى أبو داود، والترمذي وصححه، وابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: مرَّ علينا رسول الله ﷺ ونحن نُعالج خُصًّا لنا قد وهى، فقال: "مَا هَذَا؟ ". فقلنا: خُصٌّ لنا قد وهى. فقال: "أَرَى الأَمْرَ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ" (١). وروى أبو داود في "المراسيل" عن عطية بن قيس رحمه الله تعالى قال: كان حجر أزواج رسول الله ﷺ بجريد النخل، فخرج النبي ﷺ في مغزى له وكانت أم سلمة رضي الله تعالى عنها موسرة، فجعلت مكان الجريد لَبِناً، فقال النبي ﷺ : "مَا هَذَا؟ ". قالت: أردت أن أكف عني أبصار الناس. فقال: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ! إِنَّ شَرَّ مَا ذَهَبَ فِيْهِ مَالُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ الْبُنْيَانُ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن المهاجر الرقي قال: لبث نوح ﵇ في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً في بيت من شَعر. فقيل: يا نبيَّ الله! ابْنِ بيتاً.

стр. 6220

فيقول: أموتُ غداً (١). وروى فيه: أن نوحاً بنى بيتاً من قصب، فقيل له: لو بَنَيْتَ غير هذا. فقال: هذا كثيرٌ لمن يموت (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الشعبي، ونحوه عن مجاهد قال: كان عيسى ﵇ يلبس الصوف، ويأكل الشجر، ويبيتُ حيث أمسى، ليس له بيت يخرب، ولا ولد يموت، ولا يدخر شيئاً لغد (٣). وعن سفيان: "أن" عيسى ﵇ قيل له: ألا تتزوج؟ قال: أتزوج امرأة تموت؟ قيل له: ألا تبني؟ قال: إنني على طريق السبيل (٤). وروى البيهقي في "الشعب" عن ميسرة قال: ما بنى عيسى ﵇ بيتاً. فقيل له: ألا تبني؟

стр. 6221

قال: لا أترك من الدنيا شيئاً أُذكر به (١). - ومما وصفت العرب به الحمام: الحزن ، وتزعم أن هديلها وهو صوتها كالهدير -بالراء - لفقد هديلها. والهديل: الذكر من الحمام. قال في "الصحاح": والهديل: فرخ كان على عهد نوح ﵇، فصاده جارح من جوارح الطير؛ قالوا: فليس من حمامةٍ إلا وتبكي عليه (٢). قال الشاعر: [من الوافر] وما مَنْ تَهْتِفِينَ بِهِ لِنَصْرٍ ... بِأَسْرَعَ جابة لَكِ مِنْ هَدِيلِ وحكى في "القاموس" قولاً آخر: أن الهديل مات عطشاً (٣). والحزن إما لفقد محبوب كالولد وغيره، وهو جبلة في الإنسان لا يُلام عليه إلا أنه ينبغي له التصبر بقدر إمكانه، فأما التحزن وتكلف الحزن بالندب ونحوه فذلك مذمومٌ مكروه. وروى أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن سعد في "طبقاته"، وابن أبي شيبة، وابن المنذر عن يونس قال: لما مات سعيد بن الحسن

стр. 6222

-يعني: البصري- حزن عليه الحسن حزناً شديداً، فكلم الحسن في ذلك، فقال: ما سمعت الله عاب على يعقوب الحزن (١). وروى ابن جرير عن الحسن مرسلاً: أن النبي ﷺ سُئِلَ: ما بلغ وَجْدُ يعقوبَ على ابنه؟ قال: "وَجْدَ سَبْعِيْنَ ثَكْلَىْ". قيل: فما لَه من الأجر؟ قال: "أَجْرُ مِئَةِ شَهِيْدٍ، وَمَا سَاءَ ظَنُّهُ بِاللهِ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نهارٍ" (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "الحزن" عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، عن خاله هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليس له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة (٣). وروى هو والطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه، والديلمي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِيْنٍ" (٤).

стр. 6223

وهو شامل للحزن على فقد المحبوب، والحزن على ما فات من العمر ضائعاً في غير طاعة الله تعالى، والحزن من الذنوب، والحزن خوفاً من الوقوع في الذنب، وخوفاً من المكر، وخوفاً من العذاب، وعقبى هذه الأحزان جميلة وفيها كفارة. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: إنَّ العبد ليذنب الذنب، فإذا رآه الله قد أحزنه ذلك غفر له من غير أن يُحدث صلاة ولا صدقة. رواه ابن أبي الدنيا (١). وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]؟ فقال النبي ﷺ : "ألسْتَ تَمْرَضُ؟ ألسْتَ تَحْزَنُ؟ ألسْتَ تنصَبُ؟ ألَسْتَ تُصِيبُكَ اللأوَاءُ؟ فَذَلِكَ الَّذِيْ تُجْزَوْنَ بِهِ". رواه الإمام أحمد، وهنَّاد بن السَّرِي، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن السني، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، وابن جرير، وابن المنذر (٢). وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

стр. 6224

قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوْبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا ابْتَلاهُ اللهُ بِالْحُزْنِ فَيُكَفِّرَهَا" (١). وقال عبد الرحمن بن السائب: قدم علينا سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه بعدما كفَّ بصره، فأتيته مسلماً، فانتسبني فانتسبت له، فقال: مرحباً يا ابن أخي، بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نزَلَ بِحُزْنٍ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوْهُ فَابْكُوْا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوْا فَتَبَاكَوْا" (٢). وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون (٣). وقال أيضاً: ينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً، حكيماً حليمًا، سكيناً ليناً، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون خائناً ولا غافلاً، ولا سَخَّاباً ولا صَيَّاحاً (٤). وقال الأسود بن شيبان: كان عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه رجلاً طويل الحزن والكآبة، وكان عامة كلامه: عائذ

стр. 6225

بالرحمن من فتنه (١). وقال النضر بن عربي: دخلت على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وكان لا يكاد يتكئ، إنما هو منقبض أبداً كأنَّ عليه حزن الخلق (٢). وقال شميط بن عجلان رحمه الله تعالى: كل يوم ينقص من عمرك وأنت لا تحزن! وكل يوم تستوفي رزقك وأنت لا تحزن (٣)! وقال عمر بن بكير شيخ ابن أبي الدُّنيا: عن شيخ من قريش: كان إبراهيم خليل الرحمن ﵇ لا يرفع طرفه إلى السماء إلا اختلاساً، ويقول: اللهم نَعِّمْ عيشي بطول الحزن فيها (٤). وقال صالح بن شعيب رحمه الله تعالى: أوحى الله إلى عيسى ابن مريم ﵉: أكحل عينيك بطول الحزن إذا ضحك البطَّالون (٥). وقال مكحول الله تعالى: أوحى الله إلى موسى ﵇ أن اغسل قلبك.

стр. 6226

قال: يا رب! بأي شيءٍ أغسله؟ قال: بالغم والهم (١). وقال عبد الله بن شَوذَب رحمه النه تعالى: قال داود النبي ﵇: يا رب! أين ألقاك؟ قال: تلقاني عند المنكسرة قلوبهم (٢). وقال سفيان: كان الحسن رحمه الله تعالى يقول: أفضل العبادة طول الحزن (٣). وقال عبد الله بن مرزوق: قلت لعبد العزيز بن أبي رواد: ما أفضل العبادة؟ قال: طول الحزن في الليل والنهار (٤). وقال عطاء رحمه الله تعالى: لا يتمُّ للمؤمن فرح يوم (٥). وقال الحسن بن عميرة: اشترى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى جارية أعجمية، فقالت: أرى الناس فرحين، ولا أرى هذا يفرح. فقال: ما تقول لُكَع؟

стр. 6227

فقيل له: إنها تقول كذا وكذا. فقال: ويحها! حدثوها أن الفرح أمامها؛ يعني: يوم القيامة (١). وقال يونس: قال الحسن: إن المؤمن والله ما يصبح إلا حزيناً، ولا يُمسي إلا حزيناً. قال: وكان الحسن قل ما تلقاه إلا وكأنه قد أصيب بمصيبة حديثاً (٢). وقال الحجاج بن دينار: كان الحكم بن حجل صديقاً لمحمد بن سيرين، فلما مات محمد حزن عليه حتى جعل يعاد كما يعاد المريض، قال: فحدث بعده، قال: رأيت أخي محمداً -يعني: ابن سيرين- في المنام، فقلت: أي أخي! قد أراك في حال تسرني، فما فعل الحسن؟ قال: رفع فوقي بسبعين درجة. قلت: ولم ذاك وقد كنا نرى أنك أفضل منه؟ قال: ذاك بطول حزنه (٣). وقال يزيد بن مذعور: رأيت الأوزاعي في منامي، فقلت: يا أبا عمرو! دُلَّني على أمر أتقرب به إلى الله .

стр. 6228

قال: ما رأيتُ هناك درجة أرفع من العلماء، ومن بعدها درجة المحزونين (١). روى هذه الآثار ابن أبي الدُّنيا في "الحزن". - ومن أوصاف الحمام: الصبر على المصيبة وعدم الجزع ؛ فإن الحمامة إذا ذُبحت فراخها لم تنفر من وكرها، ولم تَطِرْ منه، بل تبقى على ألفة أهلها وملازمتهم. قرأت من خط البرهان بن جماعة في "تذكرته": قال عيسى ﵇: يا بني إسرائيل! تكون في بيوتكم الحمام تفرخ وتذبحون فراخها، فلا تنفر عنكم لما أسلفتم من العلف والماء والإحسان، يأخذ الله بعض أولادكم فتسخطون عليه، وتفرون منه؟ فبئس المثل لكم! انتهى. فلا ينبغي للمؤمن أن يكون أعجز من الحمام في الصبر وعدم الجزع، بل يصبر إذا أُصيب بولده ونحوه، ويسترجع ويحمد الله على كل حال. نعم، جرت عادة الأدباء بنسبة الشَّجن والحزن والنوح إلى الحمام، ولعل الأصل في ذلك ما ذكره الأستاذ أبو القاسم القشيري في "التحبير": أن يوسف ﵇ كان له زوج حمام، فلما فارق

стр. 6229

يوسف يعقوب ﵉، فكلما أراد يعقوب أن يتبسم أو يخاطب أحداً أو يتكلم، جاء الحمام ووقع بحذائه، فذكره عهد يوسف بهديره، فكان يُنَغص عيشه. فلا يبعد أن يكون هذا أصلاً فيما اعتاده أهل الأدب من نسبة الأحزان والأشجان للحمام. كما قال نصيب: [من الطويل] لَقَدْ هَتَفَتْ فِي جُنْحِ لَيْلٍ حَمامَةٌ ... عَلى فَنَنٍ وَهناً وَإِنِّي لَنائِمُ وَأَزْعُمُ أَنِّي هائِمٌ ذُو صَبابةٍ ... بِلَيْلَى وَلا أَبْكِي وَتَبْكِي البَهائِمُ كَذَبْتُ وَبَيْتِ اللهِ لَوْ كُنْتُ عاشِقاً ... لَما سَبَقَتْنِي بِالبُكاءِ الْحَمائِمُ وقال عدي بن الرقاع العاملي: [من الطويل] وَهَيَّجَ وَجْدِيَ بَعْدَ ما كُنْتُ نائِماً ... هَتُوفُ الضُّحَى مَشْغوفةٌ بِالتَّرَنُّمِ بَكَتْ ساقَ حُرِّ قَدْ نَأى، فَتَبادرَتْ ... إِلَيْها دُمُوعُ العَيْنِ مِنْ كُلِّ مُنْتَمِي

стр. 6230

وَلَوْ قبلَ مَبْكاها بَكَيْتُ صَبابةً ... بِسُعْدَى شَفَيْتُ العَيْنَ قَبْلَ التَّنَدُّمِ وَلَكِنْ بَكَتْ قَبْلي فَهَيَّجَ لِيَ البُكا ... بُكاها، فَقُلْتُ: الفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ وقال مجنون ليلى، أو غيره: [من الطويل] وَلَوْ لَمْ يَرُعْنِي الرَّائِحُونَ لَهاجَنِي ... حَمائِمُ ورْقٌ فِي الدِّيارِ وقوعُ تَداعَيْنَ شَتَّى مِنْ ثَلاثٍ وَأَرْبعٍ ... وَواحِدَةٍ حَتَّى أسين جميعُ تَجاوَبْنَ فَاسْتَبْكَيْنَ مَنْ كانَ ذا هَوى ... نَوائحُ لا تَجْرِي لَهُنَّ دُموع (١) وقال حميد بن ثور: [من الطويل] وما هاجَ هَذا الشَّوْقَ إِلا حَمامةٌ ... رَقتْ ساقَ حُرٍّ تَرْحَةً وَتَرَنُّما عَجِبْتُ لَها أَنَّى يَكُونُ غِناؤُها ... فَصِيحاً وَلَمْ تَفْغَرْ بِمَنْطِقها فَما

стр. 6231

وَلَمْ أَرَ مَحْزُوناً لَهُ مِثْلُ صَوْتها ... وَلا عَرَبِيًّا شاقَهُ صَوْتٌ أُعْجِما (١) وقال توبة: [من الطويل] حَمامةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّحِي ... سَقاكِ مِن الغُرِّ الغَوادِي مَطيرُها أَبِيْنِي لَنا لا زالَ بَيْتُكِ ناعِماً ... وَلا زِلْتِ فِي خَضْراءَ غَضٍّ نَضِيرُها وأنشد أبو عمرو الشيباني المجنون: [من الطويل] دَعاكِ الْهَوى وَالشَّوْقُ لَمَّا تَرَنَّمَتْ ... هَتُوفُ الضُّحى بَيْنَ الغُصونِ طَروبُ تجاوِب وُرْقاً قَدْ أَرعنَ لِصَوْتِها ... فَكُلٌّ لِكُلٍّ مُسْعِدٍ وَمُجِيبٌ أَلا يا حَمامَ الأَيْكِ ما لَكَ باكِياً ... أَفارَقْتَ إِلْفاً أَمْ جَفاكَ حَبِيبُ (٢)

стр. 6232

وقال جهم بن خلف: [من المتقارب] وَقَدْ شاقَنِي نَوْحُ قُمْرِيَّةٍ ... طَروبِ العَشِيِّ هَتُوفِ الضُّحَى مِنَ الورْقِ هَتَافَةٌ باكَرَتْ ... عَشِيَّةَ يَومٍ بِذاتِ الغضا فَغَنَّتْ عَلَيْهِ بِلَحْنٍ لَها ... يُهَيِّجُ لِلصَّبِّ ما قَدْ مَضَى مُطَوَّقَةٌ كَسَبَتْ زِينةً ... بِدَعْوَةِ نُوْحٍ لَها إِذْ دَعا فَلَمْ أَرَ ناطِقةً مِثْلَها ... تَبْكِي وَدَمْعَتُها لا تُرى أَطافَتْ بِفَرْخٍ لَها هالِكٍ ... وَقَدْ عَلِقَتْهُ حِبالُ الرَّدَى فَلَمَّا بَدا اليأسُ مِنْهُ بَكَتْ ... وَماذا يَرُدُّ عَلَيْها البُكا (١) وقال اليافعي: سُئِلَ الشيخ الكبير العارف بالله أبو بكر الشبلي: ما بال الرجل يسمع الشيء وربما لا يفهم معناه، ويتواجد عليه؟ فأنشأ يقول: [من الرمل] رُبَّ وَرْقاءَ هَتُوفٍ فِي الضُّحَى ... ذاتِ شَجْوٍ صَدَحَتْ فِي فَنَنِ ذَكَرَتْ إِلْفاً وَدَهْراً صالِحاً ... فَبَكَتْ حُزْناً وَهاجَتْ حَزَنِي فَبُكائِي رُبَّما أَرَّقَها ... وَبُكاها رُبَّما أَرَّقَنِي وَلَقَدْ تَشْكُو فَما أَفْهَمُها ... وَلَقَدْ أَشْكُو فَما تَفْهَمُنِي

стр. 6233

فَتَرانِي بِالْجَوى أَعْرِفُها ... وَهِيَ أَيْضاً بِالْجَوى تَعْرِفُنِي (١) وقال حجة الإسلام في "الإحياء": رُوِيَ أنه كان أبو الحسين النوري في دعوة، فجرت بينهم مسألة في العلم وأبو الحسين ساكت، ثم رفع رأسه، فأنشدهم: رُبَّ وَرْقاءَ هَتُوفٍ فِي الضُّحَى ... إلى آخر الأبيات قال: فما بقي في القوم أحد إلا قام وتواجد، ولم يحصل لهم هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه وإن كان العلم جداً وحقاً (٢). وقال الشيخ العارف بالله المحيوي بن العربي رحمه الله تعالى: [من الكامل] ناحَتْ مُطَوَّقَة فَحَنَّ حَزِينُ ... وَشَجاهُ تَرْجِيعٌ لَها وَحَنِينُ جَرَتِ العُيُونُ مِنَ العُيُونِ تَفَجُّعاً ... لِحَنِينِها فَكَأَنهنَّ عُيونُ طارَحْتُها ثَكْلَى لِفَقْدِ وَحِيدِها ... وَالثُّكْلُ مِنْ فَقْدِ الوَحِيدِ يَكُونُ طارَحْتُها وَالوَجْدُ يَمْشِي بَيْنَنا ... ما إِنْ تُبِينُ، وَإِنَّنَي لأُبِينُ وقال الشيخ العارف بالله أبو الحجاج الأقصرائي - كما قرأت من خط العارف بالله الحافظ صلاح الدين العلائي الأقصرائي -: كان الشيخ أبو الحسن الصباغ رضي الله تعالى عنه سائراً في بعض الأيام وقت الضحى بين بساتين قُوص، فرأى حمامة على شجرة تغرد بصوتٍ شج، فوقف

стр. 6234

يسمعها، ثم تواجد واستغرق في وجده، وأنشد: [من المتقارب] حَمامَ الأَراكِ أَلا فَاخْبِرِينا ... بِمَنْ تَهْتِفِينَ، وَمَنْ تَنْدُبِينا فَقَدْ شِقْتِ بِالنَّوْحِ مِنَّا القُلُوبَ ... وَأَرْدَفْتِ وَيْحَكِ ماءً مَعِينا تَعالَي نُقِمْ مَأْتَماً لِلْفِراقِ ... وَنندُبَ أَحْبابَنا الظَّاعِنِينا وَأَسْعَدُ بِالنَّوْحِ كَيْ تُسْعِدِينا ... كَذاكَ الْحَزِينُ يُواسِي الْحَزِينا قال: ثم بكى رحمه الله تعالى طويلاً، وأنشد: [من الطويل] أَيَبْكِي حَمامُ الأَيْكِ مِنْ فَقْدِ إِلْفِهِ ... وَأَصْبِرُ عَنْهُ كَيْفَ ذاكَ يَكُونُ وَلِمْ لا أُبَكي، ثُمَّ أندُبُ ما مَضَى ... وَذاكَ الْهَوى بَيْنَ الضلُوعِ دَفِينُ وَإِنْ كانَ قَلْبِي قَبْلَ ذلكَ قاسِياً ... فَإِنْ دامَتِ البَلْوَى بِهِ سَيَبِينُ أَلا هَلْ عَلى الشَّوْقِ المُبَرِّحِ ... وَهَلْ لِي عَلى الوَجْدِ الشَّدِيدِ مُعِينُ سَلامٌ عَلى قَلْب تَعَرَّضَ بِالْهَوى ... سَلامٌ عَلَيْهِ أَحْرَقَتْهُ شُجُونُ وَعَذَّبَهُ هَمٌّ يُهَيِّجُ حُزْنَهُ ... فَلِلْهَمِّ وَالأَحْزانِ فِيهِ فُنونُ ثم خرَّ مغشيًّا عليه، فلمَّا أفاق أنشد: [من الخفيف] غَنِّنِي فِي الفِراقِ صَوْتاً حَزِيناً ... إِنَّ بَيْنَ الضُّلُوعِ شَوْقاً دَفِيناً ثُمَّ جُدْ لِي بِدَمْعِ عَيْنَيْكَ بِاللـ ... ـهِ وَكُنْ لِي عَلى البُكاءِ مُعِينا فَسَأَبْكِي الدِّماءَ فَضْلاً عَنِ الدَّمْـ ... ـعِ، وَمِثْلُ الفِراقِ أَبْكَى العُيونا فَكُلُّ أَمْرِ الدُّنا حَقِيرٌ يَسِيرٌ ... غَيْرَ فَقْدِ القَرِينِ فِيها القَرِينا

стр. 6235

قال: فجرى الدمع من مُقلتيه، وسقطت الحمامة إلى الأرض بين يديه، وجعلت تُصَفق بجناحيها حتى ماتت، فانشد رحمه الله تعالى: [من الطويل] وَرَدْنا عَلى أَنَّ الْهَوى مَشْربٌ عَذْبُ ... وَحَطَّ بِهِ لِلسَّيْرِ أَشْواقَهُ الرَّكْبُ فَلَمَّا وَرَدْنا ماءَهُ أَلهَبَ الظَّما ... فَيا مَنْ رَأى ظَمْآنَ أَلْهَبَهُ الشُّرْبُ أَكَبَّ الْهَوى يُذْكِي عَلَيَّ زِنادَهُ ... أَيا قادِحاً أَمْسِكْ فَقَدْ عَلِقَ الْحِبُّ وَلَوْ أَنَّنِي أَخْلَيْتُ قَلْبِي لِغَيْرِكُمْ ... مِنَ النَّاسِ مَحْبُوباً لَما وَسِعَ الْقَلْبُ تُرى تَسْمَحُ الأَيَّامُ مِنْكُمْ بِنَظْرَةٍ ... فَتُلْقَى عَنِ الأَيْدِي الرَّسائِلُ وَالكُتْبُ أُعاتِبُكُمْ لا عَنْ قِلَى وَمَلامَةٍ ... وَلَكِنْ إِذا صَحَّ الْهَوَى حَسُنَ الْعَتْبُ وذكر ابن خلكان في "وفيات الأعيان": أنَّ المسعودي حكى عن جماعة من أهل البصرة قالوا: خرجنا نريد الحج، فلمَّا كان ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجة وهو ينادي: يا أيها الناس! هل
следующие страницы →