فَتَرانِي بِالْجَوى أَعْرِفُها ... وَهِيَ أَيْضاً بِالْجَوى تَعْرِفُنِي (١)
وقال حجة الإسلام في "الإحياء": رُوِيَ أنه كان أبو الحسين النوري في دعوة، فجرت بينهم مسألة في العلم وأبو الحسين ساكت، ثم رفع رأسه، فأنشدهم:
رُبَّ وَرْقاءَ هَتُوفٍ فِي الضُّحَى ... إلى آخر الأبيات
قال: فما بقي في القوم أحد إلا قام وتواجد، ولم يحصل لهم هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه وإن كان العلم جداً وحقاً (٢).
وقال الشيخ العارف بالله المحيوي بن العربي رحمه الله تعالى: [من الكامل]
ناحَتْ مُطَوَّقَة فَحَنَّ حَزِينُ ... وَشَجاهُ تَرْجِيعٌ لَها وَحَنِينُ
جَرَتِ العُيُونُ مِنَ العُيُونِ تَفَجُّعاً ... لِحَنِينِها فَكَأَنهنَّ عُيونُ
طارَحْتُها ثَكْلَى لِفَقْدِ وَحِيدِها ... وَالثُّكْلُ مِنْ فَقْدِ الوَحِيدِ يَكُونُ
طارَحْتُها وَالوَجْدُ يَمْشِي بَيْنَنا ... ما إِنْ تُبِينُ، وَإِنَّنَي لأُبِينُ
وقال الشيخ العارف بالله أبو الحجاج الأقصرائي - كما قرأت من خط العارف بالله الحافظ صلاح الدين العلائي الأقصرائي -: كان الشيخ أبو الحسن الصباغ رضي الله تعالى عنه سائراً في بعض الأيام وقت الضحى بين بساتين قُوص، فرأى حمامة على شجرة تغرد بصوتٍ شج، فوقف
قال: فجرى الدمع من مُقلتيه، وسقطت الحمامة إلى الأرض بين يديه، وجعلت تُصَفق بجناحيها حتى ماتت، فانشد رحمه الله تعالى: [من الطويل]
وَرَدْنا عَلى أَنَّ الْهَوى مَشْربٌ عَذْبُ ... وَحَطَّ بِهِ لِلسَّيْرِ أَشْواقَهُ الرَّكْبُ
فَلَمَّا وَرَدْنا ماءَهُ أَلهَبَ الظَّما ... فَيا مَنْ رَأى ظَمْآنَ أَلْهَبَهُ الشُّرْبُ
أَكَبَّ الْهَوى يُذْكِي عَلَيَّ زِنادَهُ ... أَيا قادِحاً أَمْسِكْ فَقَدْ عَلِقَ الْحِبُّ
وَلَوْ أَنَّنِي أَخْلَيْتُ قَلْبِي لِغَيْرِكُمْ ... مِنَ النَّاسِ مَحْبُوباً لَما وَسِعَ الْقَلْبُ
تُرى تَسْمَحُ الأَيَّامُ مِنْكُمْ بِنَظْرَةٍ ... فَتُلْقَى عَنِ الأَيْدِي الرَّسائِلُ وَالكُتْبُ
أُعاتِبُكُمْ لا عَنْ قِلَى وَمَلامَةٍ ... وَلَكِنْ إِذا صَحَّ الْهَوَى حَسُنَ الْعَتْبُ
وذكر ابن خلكان في "وفيات الأعيان": أنَّ المسعودي حكى عن جماعة من أهل البصرة قالوا: خرجنا نريد الحج، فلمَّا كان ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجة وهو ينادي: يا أيها الناس! هل
стр. 6236
فيكم أحدٌ من أهل البصرة؟
قال: فعَدَيْنا إليه، وقلنا له: ما تريد؟
قال: إنَّ مولانا لما به يريد أن يوصيكم، فملنا إليه، فإذا بشخصٍ مُلقى على بُعدٍ من الطريق تحت شجرة لا يحير جواباً، فجلسنا حوله، فأحس بنا، فرفع طرفه وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً، وأنشأ يقول: [من المنسرح]
يا غَرِيبَ الدَّارِ عَنْ وَطَنِهْ ... مُفْرَداً يَبْكِي عَلى شَجَنِهْ
كُلَّما جَدَّ البُكاءُ بِهِ ... دَبَّتِ الأَسْقامُ فِي بَدَنِهْ
ثم أُغميَ عليه طويلاً ونحن جلوسٌ من حوله إذ أقبل طائرٌ، فوقع أصل شجرة، وجعل يُغرد، ففتح عينيه، وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم أنشأ يقول: [من المنسرح]
وَلَقَدْ زادَ الفُؤادَ جَوًى ... طَائرٌ يَبْكِي عَلى فَنَنِهْ
شفَّهُ ما شفني، فَبَكى ... كُلُّنا يَبْكِي عَلى سَكَنِهْ
قال: ثم تنفس تنفساً فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى فرغنا من دفنه، فسألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف رحمه الله تعالى (١).
والتشبه بالحمام في البكاء والنوح يحسن من الإنسان إذا كان من
стр. 6237
التفريط في العمر في غير طاعة الله تعالى، ومن التقصير في طلب مرضاة الله تعالى والعمل بمقتضى حب الله تعالى المشروط في صحة الإيمان؛ كما حُكي أن أبا بكر الشبلي مرَّ في المقابر على امرأة تنوح وتقول: ويلاه من فقد الولد!
فقال الشبلي: ويلاه من فقد الأحد!
وكذلك البكاء من خشية الله تعالى؛ ومنه البكاء عند قراءة القرآن من القارئ والمستمع كما وصف الله تعالى الذين أنعم الله عليهم من النبيين بقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
والعلماءَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
قال عبد الأعلى التميمي رحمه الله تعالى: إن من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه؛ لأن الله تعالى نعت أهل العلم فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]. رواه ابن أبي شيبة، والمفسرون (١).
وروى الترمذي وحسنه، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ؛ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ
стр. 6238
اللهِ، وَعَيْنْ باتَتْ تَحْرسُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (١).
وفي الباب أحاديث صحيحة كثيرة.
وقال شهر بن حوشب رحمه الله تعالى: كان داود ﵇ يسمَّى: النَّواح (٢).
وقال وهب بن منبه رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] قال: نوحي معه، والطير تساعدك على ذلك، وكان داود إذا نادى بالنياحة أجابت الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه، قال: فصدى الجبال الذي يسمع الناس من ذلك (٣).
وقال زيد بن أسلم رحمه الله تعالى: كان داود ﵇ إذا رفع صوته بقراءة الزبور تركت الطير أوكارها، وعكفت عليه حول محرابه، حتى يفْرُغَ من قراءته، وكان يبكي حتى تجريَ دموعُه على الأرض، وكان إذا أتي بالشراب بكى حتى يمتزج شرابه بدموعه.
وقال الأوزاعي: بلغني أن داود ﵇ كان إذا رفع صوته عكفت الوحوش والسباع حول محرابه، يموت بعضها هزلاً قبل أن تفارقه.
стр. 6239
وقال وهب: كان داود ﵇ إذا رفع صوته بالزبور لم يسمعه شيء إلا حَجَل؛ أي: رقص. رواه ابن أبي الدنيا في "البكاء" (١).
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" وابن أبي الدنيا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، ورواه الترمذي وحسنه، وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! ما النجاة قال: "أمسِكْ عليكَ لسانَك"، وفي لفظ: "أملِكْ عليكَ لِسَانَكَ، وليسَعْكَ بيتُكَ، وابْكِ على خطيئتكَ" (٢).
وروى الطبراني في "الأوسط" و"الصغير" -وحسن إسناده- عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "طُوبى لِمَنْ مَلَكَ لسانَه، ووسِعَهُ بيتُه، وبَكَى على خطيئه" (٣).
وروى ابن أبي الدنيا في "البكاء" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: لو ملكت البكاء لبكيت أيامَ الدنيا، ولولا أن يقول الناس مجنون، لوضعت التراب على رأسي، ثم نُحْتُ على نفسي في الطرق
стр. 6240
والأحياء حتى تأتيني منيَّتي (١).
وقال أبو العتاهية: [من مجزوء الرمل]
أحسَنَ الله بنا ... أنَّ الخطايا لا تفُوحُ
فإذا المستور منَّا ... بين ثوبيه فَضُوح
نُحْ على نفسك يا ... مسكينُ إن كنتَ تَنُوح
لتموتنَّ ولو ... عُمِّرتَ ما عُمِّرَ نُوْحُ
- ومن أنواع الحمام: القمرية ، ومن أخلاقها الوفاء وهو مندوب إليه الإنسان.
قرأت من خط البرهان بن جماعة ما نصه: يقال: إنه ليس في الدنيا أو فى من القمرية، فإذا مات ذكرها لم تقرب ذكراً آخر بعده، ولا تزال تنوح عليه حتى تبلى حزناً.
وفي "حياة الحيوان" وغيره، عن ابن أبي عبد الله التميمي أنه قال: ليس في جميع الطيور أو فى من القمري والقمرية، وذلك أنه إذا مات أحد الزوجين تعزَّب الآخر بعده، ولا يستأنس إلى غيره، ولا يأنس رفيقاً ولا سكناً، ولا يزال باكياً فرداً إلى أن يموت، وفي المثل: الوفاء من الله بمكان، أورده الزمخشري.
وقال الشاعر: [من الطويل]
стр. 6241
فَما حَمَلَتْ مِنْ ناقَةٍ فَوْقَ رَحْلِها ... أَحَقَّ وَأَوْفَى ذِمَّة مِنْ مُحَمَّد
وقال الغزالي في "الإحياء" في حقوق الصحبة والأخوة: ومعنى الوفاء الثبات على الحب، وإدامته إلى الموت معه؛ أي: مع الأخ أو الخليل، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه؛ فإن الحب إنما يُراد للآخرة، فإن انقطع بعد الموت حبط العمل وضاع السَّعي (١).
وروى الحاكم -وصححه على شرط الشيخين، قال العراقي: وليس له علة (٢) - عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ أكرم عجوزاً دخلت عليه، فقيل له في ذلك، فقال: "إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِيْنَا أَيَّامَ خَدِيْجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الإِيْمَانِ" (٣).
- ومن ذلك العصفور: من أوصافه ما ذكره الدميري، والسيوطي أنه ليس في الأرض طائر سبع ولا بهيمة أحنى منه على ولده، وكذلك فهو حنو على أنثاه.
روى البيهقي، وابن عساكر عن أبي مالك قال: مرَّ سليمان ﵇ بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟
стр. 6242
قالوا: وما يقول يا نبي الله؟
قال: يخطبها إلى نفسها، ويقول: تزوجيني أُسكنك أيَّ قصور دمشق شئت؟
قال سليمان: وغرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها، ولكن كل خاطب كذاب (١).
قلت: هذا يدل أن أبنية دمشق كانت في ذلك الزمان كلها أو أكثرها قبابًا معقودة من الصخر، ثم هي كانت تبني أبنيتها من الطين والأخشاب بُرْهة من الزمان، حتى اعتاد أهل دولتها الآن وهم أجناد الروم عقدها بالصَّخر والآجر، وآثروا ذلك على بنائها بالطين والخشب كأنهم استطالوا أعمارهم ومدة بقاء الدنيا، سبحان الله! هكذا يلقى الآمال على الناس كلما قربَتْ أيامهم من الساعة وهم يرون غيرهم يبنون ويعلون، ثم يموتون ويخلون، وهكذا يفعلون.
ثم التشبه بالعصفور بالحنو على الأهل والولد مطلوب.
روى ابن عساكر رضي الله تعالى عنه [عن أنس ﵁] قال: كان رسول الله ﷺ أرحم الناس بالصبيان والعيال (٢).
وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى
стр. 6243
عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَىْ وَلَدٍ فِيْ صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَىْ زَوْج فِيْ ذَاتِ يَدهِ" (١) وحقيقة الحنو: العطف والشفقة؛ يُقال: حَنَت عليه، وأحنت؛ أي: عطفت.
قال في "الصحاح": وفلان أحنى الناس ضلوعاً عليك؛ أي: أشفقهم (٢).
وفي "الصحاح" أيضا يقول: أرعيت عليه إذا أبقيت عليه ورحمته (٣)، فهي أرعاه على زوج ذات يد؛ أي: أحفظ لماله، وأبقى عليه، وهو في النساء قليل، لا تكاد امرأة تشفق ولا تبقى على بعلها، فإن فعلت كانت من خير النساء؛ لأن النبي ﷺ بيَّن وجه خيرية نساء العرب، وهنَّ اللاتي يركبن الإبل أنه كونهن أحنى على الأولاد، وأرعى وأبقى على الأزواج.
- ومن طباع العصافير: ما ذكره الدميري، والسيوطي: أنه إذا خَلَتْ مدينة من أهلها ذهبت العصافير منها، وإذا عادوا عادت، فهي على ضدٍّ من حال البوم ونحوه.
والتشبه بالعصافير في ذلك بأن يؤثر سكنى المدن مع الناس على
стр. 6244
الانفراد في الكهوف والغيران، ولا يمنعه ذلك من العزلة عن الناس إذا كانت أنفع له؛ لأن النبي ﷺ قال: "وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ" (١)، ولم يرشد إلى ترك البيوت، ففي سُكنى المدن الحصول على الجمعة، والجماعة، والتعلم والتعليم.
وقد قالوا: اسكن المدن ولو جارت، واتبع الطرق ولو دارت، وانكح البكر ولو بارت.
وقالوا: لا تصلح السُّكنى إلا في مدينة فيها سلطان حاكم، وفقيه عالم، وطبيب حاذق، وسوق قائمة.
- ومن صفات العصافير: القناعة بقوت يوم، وذكر الله تعالى .
روى أبو نعيم عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت عند علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما وإذا عصافير يَطُفْنَ حوله ويَصْرُخن، فقال: يا أبا حمزة! هل تدري ما تقول هذه العصافير؟
قلت: لا.
قال: إنها تذكر ربها، وتسأل قوت يومها (٢).
وروى أبو الشيخ في "العظمة" عن أبي جعفر قال: تدرون ما تقول العصافير قبل طلوع الفجر؟
قالوا: لا.
стр. 6245
قال: تُسبح ربها، وتطلب قوت يومها (١).
وكذلك ينبغي للإنسان أن يتشبه بالعصفور ونحوه في القناعة بالبُلْغة، والاجتزاء بقوت يوم.
روى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ، وَكَنْزٌ لا يَفْنَى" (٢).
وأخرجه العسكري في "الأمثال"، والقضاعي مقتصرين على الجملة الأولى (٣).
وروى البخاري في "الأدب المفرد"، والترمذي وحسنه، وابن ماجه عن عبيد الله بن محصن رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِيْ سِرْبِهِ، مُعَافَى فِيْ جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوْتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيْزَتْ لَهُ الدُّنْيَا" (٤).
وأنشدوا: [من الهَزَج]
إِذا القُوتُ تَأتَّى لـ ... ـكَ وَالصِّحَّةُ وَالأَمْنُ
وَأَصْبَحْتَ أَخا حُزْنٍ ... فَلا فارَقَكَ الْحُزْنُ (٥)
стр. 6246
- ومن طباع العصفور: سرعة الحركة والتقلب .
روى الحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ مِثْلُ الْعُصْفُوْرِ، يَتَقَلَّبُ فِيْ الْيَوْمِ سَبع مَرَّاتٍ" (١).
والمراد: يتقلب في كل ساعة، وهي تبين ما أشرت إليه، وحيث كان قلب ابن آدم كالعصفور في التقلب، فينبغي أن يكون تقلبه مع الحق يدور معه كيف دار.
كما قال بعض العارفين: المنافق يدوم على عمل يستحسن منه، والمؤمن يكون في كل عمل يخلص فيه، وكل عمل بعد تأدية فرض الوقت يصلح فيه قلبه مع الله تعالى أقبل عليه.
- ومن لطائف العصفور: ما رواه أبو الشيخ في "العظمة" عن عمرو بن قيس المُلائي رحمه الله تعالى قال: مرَّ سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعصفور وهو يَسْفِد أنثاه، وهو يصيح ذلك الصياح؛ قال: أتدرون ما يقول هذا العصفور لأنثاه؟
قالوا: لا يا نبي الله.
قال: يقول: تابعيني على ما أريد، فوالله ما أريد تلذذاً، وما أريد إلا أن يخلق الله تعالى بيننا خلقاً يُسبحه (٢).
стр. 6247
وقال الشيرازي في "الألقاب": حدثنا الفضل العطار، ثنا أبو جعفر الخالدي، ثنا الجنيد، ثنا السري السقطي، ثنا معروف الكرخي قال: سمعت جعفر الصَّادق ﵃ يقول: كان سليمان ﵊ قاعداً على سرير ملكه وبين يديه عصفورتان تلعبان، فضحك، فقيل له: يا نبي الله! لماذا ضحكت من العصفورتين؟
قال: قال الذكر للأنثى: إني لا أُجامعك لحظِّ نفسي، بل أُجامعك ليكون بيننا ولد يُسبح الله ويذكره.
ثم حلف وقال: والذي رفع السماء وبسط الأرض! إني لا أريد أن تلدي ولداً لا يُسبحه ولي ملكُ فرعون، دان ولدت ولدًا يُسبحه كان أحبَّ إليَّ من ملك سليمان الذي هو قاعدٌ هنا.
فلا ينبغي أن يكون العصفور أكْيَسَ من العبد المؤمن، فيأتي أهله غافلاً عن ذكر ربه ولا بغير نية صالحة، بل لمجرد قضاء الوطر، بل ينوي بالجماع حصولَ ولد يطيع الله، ويكاثر به النبيُّ ﷺ يوم القيامة؛ فإنه يُكاثر الأمم يومئذٍ بأمته، كما رويناه: أن عمر ﵁ كان يقول: والله إني لآتي أهلي وما بي حاجةٌ إلى النكاح إلا ليولد لي من يُكاثر به النبي ﷺ يوم القيامة (١).
وقد تقدم أن سليمان ﵇ قال للحراث الذي استعظم ملكه: لَتسبيحةٌ تُسبحها خيرٌ من ملك آل داود (٢).
стр. 6248
وقلت: [من السريع]
لَوْ كانَ لِي مِنْ بَعْضِ مَوْجُودِي ... مُلْكُ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدِ
لَمْ يُغْنِنِي عَنْ حُسْنِ ظَنِّي بِمَوْ ... لايَ وَلا عَنْ ذِكْرِ مَعْبُودِي
فَإِنَّ كَنْزِي حُسْنُ ظَنِّي بِهِ ... أُكْفَى بِهِ عَنْ كُلِّ مَفْقُودِ
وَذِكْرُهُ حِرْزِي وَمالِي وَلِي ... مِنْ شُرْبِهِ أَعْذَبُ مَوْرُودِ
لِلّهِ تَسْبِيحِي وَتَحْمِيدِي ... لِلَّهِ تَكْبِيرِي وَتَوْحِيدِي
وَالذِّكْرُ بابُ اللهِ مَنْ يَأْتِهِ ... فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَرْدُودِ
- ومن لطائف العصفور: ما رواه أبو الشيخ في "العظمة" عن معقل قال: بنى سليمان ﵇ قبة أربعين في أربعين، وقعد فيها مع أصحابه وأظلته الطير، فراود عصفور عصفورة فقالت: أما تستحي تراودني وسليمان يسمعنا؟
فقال: لي تقولين ذاك؟ ولو أمرتني أن أقتلع القبة من أسفلها لاقتلعتها.
فسمع سليمان ﵇ كلامهما، فدعا بهما، فقال: من القائل منكما كذا وكذا؟
قال: أنا.
قال: وما حملك على ذلك؟
قال: إن المحبَّ لا يُلام.
стр. 6249
فخلَّى سبيلهما (١).
قلت: يُشير قوله: إن المحب لا يُلام إلى حالة شريفة تكلم عليها الصوفية وهي حال الغلبة، ويكون سببها إما فرط المحبة، وإما فرط الغضب.
فأما الأول: فإنَّ المحبة تغلب على المحب حتى يتكلم بما لا يكون، ومن هنا جاء الحديث: "لا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إِلاَّ فِيْ ثَلاثٍ: الْحَرْبِ، وَالرَّجُلِ يُصْلِحُ بَيْنَ اثْنَيْنَ، وَالرَّجُلِ يُكَلِّمُ زَوْجَتَهُ" (٢).
وقلت: [من المتقارب]
إِذا وَثَبَ الْحُبُّ يَوْماً عَلى ... فُؤادِ الْمُتَيَّمِ حَتَّى غَلَبْ
فَلا عَتبٌ عِنْد أَهْلِ الْهَوى ... عَلَيْهِ إِذا اخْتَلَّ شَرْطُ الأَدَبْ
وأما الثاني: فإذا كان الغضب في حق الله تعالى وغلب على العبد حتى صار منه ما لا يحسن في غير تلك الحالة كما روي أن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ لرداء النبي ﷺ حين أراد أن يُصلي على عبد الله ابن أُبي بن سلول، وقال له: يا رسول الله! لا تصلِّ على هذا المنافق، ونزلت الآية على وفق كلامه (٣).
تَابِع
(٨) بَابُ النَّهْي عَنِ التَّشَبُّهِ بِالبَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَالهَوَام
- ومن ذلك: الحُمَّرة - بضم الحاء المهملة، وفتح الميم المشددة وقد تخفف -: وهي طائر كالعصفور.
روى أبو داود الطيالسي، والحاكم وصححه، وأبو الشيخ في "العظمة" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في سفر، فدخل رجل غيضة، فأَخرج منها بيض حُمَّرة - وفي رواية: أو فرخي حمرة - فجاءت الحمرة ترفُّ على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أيُّكُمْ فَجعَ هَذه؟ ".
فقال رجل: يا رسول الله! أنا أخذت بيضها، ولفظ الحاكم: فَرْخيها.
فقال رسول الله ﷺ : "رُدَّهُ رُدَّهُ رَحْمَةً لَهَا" (١).
قيل: كانوا محرمين، فأمر بردها لذلك، وإلا فهي حلال في الأشهر، كما قاله الرافعي.
стр. 6256
وقيل: لمَّا استجارت به أَجَارها، وهذا أقرب، وهو مفهوم من رَفِّها على النبي ﷺ دون غيره، أو فهم هو ﷺ ذلك بالوحي.
والحديث داخل في معجزات النبي ﷺ .
والتشبه بها في ذلك يكون بالتوسل بالنبي ﷺ ، وهو حسنٌ مقبول، وقد تقدم بيانه في التشبه بالأنبياء ﵈.
- ومن ذلك: الزرزور: طائر صغير كالعصفور، وهو نوع منه سمي بذلك لأنه يزرزر؛ أي: يصوت، ويقال له: الزرزر، كما في "القاموس" (١).
وكأن صوته زجل بتسبيح الله تعالى وذكره، فينبغي للعبد أن لا يكون أعجز منه، ولا يزال لسانه رطباً بذكر الله تعالى، وقد شُبهت به الطير التي فيها أرواح المؤمنين لما ذكر.
روى ابن أبي شيبة، والطبراني عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: أرواح المؤمنين في جوف طيرٍ أخضر كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة (٢).
وقلت في الحث على ذكر الله تعالى: [من السريع]
стр. 6257
زَرْزِرْ خَلِيلاً ثُمَّ زَرْزِرْ إِذا ... زُرْتَ بِذِكْرِ اللهِ كَالزَّرْزَرِ
وَأْنَسْ بِذِكْرِ اللهِ فِي لَيْلِهِ ... وَلا تَكُنْ أَعْجَزَ مِنْ صُرْصُرِ
والصرصر - كهُدهد، وفدفد - ويقال فيه: صرصر، وصرصار، وصرار الليل: هو الجدجد - بالضم - وهو طائر أكبر من الجندب، أكثر صياحه بالليل، والصرصر أشد الصوت، ومنه سمي.
وأكثر صياحه بالليل يصوت إلى الصباح، فإذا طلبه الطالب لم يره، ولذلك قالوا في المثل: أكن من جدجد (١).
- ومن ذلك: الصعو: وهو من صغار العصافير أحمر الرأس، والواحدة: صعوة؛ تقدم قول الأرجاني: [من الكامل]
كَالصعوِ يَرْتَعُ فِي الرَّياضِ وَإِنَّما ... حُبِسَ الْهزارُ لأَنَّهُ يَتَرَنَّمُ
والمعنى فيه: أن الصعو خامل متروك لا يلتفت إليه، فهو راتع لخموله في واسع الرياض، ويانع الغياض، وكذلك ينبغي للمؤمن في هذه الأزمنة أن يؤثر الخمول على الشهرة، والظهور متى استغنى.
- ومن ذلك: الوصع صغير العصافير ، من شأنه التضاؤل والتصاغر خصوصاً إذا رأى جوارح الطير.
كذلك ينبغي للمؤمن التضاؤل في هذه الأعصار الشديدة، بل ينبغي له في كل زمان وحال أن يكون متواضعاً في نفسه متصاغراً، وبذلك يرفعه الله تعالى، ويُعظم قدره.
стр. 6258
وقد روى الإمام عبد الله بن المبارك عن ابن شهاب هو الزهريّ رحمه الله تعالى: أن رسول الله ﷺ سأل جبريل ﵇ أن يتراءى له في صورته، فقال جبريل ﵇: إنك لن تطيق، فخرج رسول الله ﷺ إلى المصلى في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل ﵇ في صورته، فغشيَ على رسول الله ﷺ حين رآه، ثم أفاق وجبريل مسنده، وواضع إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال رسول الله ﷺ : "سُبْحَانَ اللهِ! مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ شَيْئاً مِنَ الْخَلْقِ هَكذَا".
فقال جبريل ﵇: فكيف لو رأيت إسرافيل ﵇؛ إنَّ له لاثني عشر جناحاً، جناح منها في المشرق وجناح في المغرب، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل الأحيان لعظمة الله حتى يصير مثل الوصع حتى ما يحمل عرشه إلا عظمته (١).
قال الجوهري: الوصع: طائر أصغر من العصفور، واستدل بالحديث (٢).
وقال صاحب "القاموس": الوَصْع، ويحرك: طائر أصغر من العصفور (٣).
ذكراه في مادة: (وص ع) بالصاد المهملة، وكذلك ضبطه
стр. 6259
المحدثون، وضبطه في "حياة الحيوان" بالضاد المعجمة، وذكر الحديث، ولعله ظنه من الصفة.
قلت: ولو قيل: إنه مقلوب الصعو لم يبعد.
وقلت: [من الرجز]
كُنْ خافِياً كَالوصعِ أَوْ كالصعوِ ... حَتَّى يَتِمَّ لَكَ وَصْفُ الصفوِ
إِنَّ الظُّهورَ لِلظُّهور قاصِمٌ ... وَالْخامِلُ الْخافِي حَراً بِالعفْوِ
- ومن ذلك: الفرفر - على أوزان هدهد، وزبرج، وعصفور -: وهو العصفور بعينه، أو نوع منه سمي بذلك لفرفرته؛ من: فرفرت الشيء: إذا حركته، وفرفر: تحرك لشدة حركته، وأكثر ما يكون العصفور فرفرةً إذا وقع في الشبك.
فكذلك ينبغي للمؤمن إذا وقع في قنص الخطايا وشبك الذنوب أن يحزن لذلك، ويضطرب له، ويَضرع إلى الله بالتوبة.
روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لنفس المؤمن أشد ارتكاضاً من الخطيئة من العصفور حين يغدف به (١)؛ أي: اضطراباً وفراراً.
ويقال: أغدف بالصيد: إذا ألقى عليه الشبكة؛ قاله الزمخشري في "الفائق" (٢).
стр. 6260
وفي "الصحاح" نحوه (١).
وأغدف: بمعجمتين بينهما مهملة.
وفي معناه قول النبي ﷺ : "مَنْ سَرّتْهُ حَسَنتهُ وَسَاءَتْهُ سيِّئتهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ". رواه الطبراني في "الكبير" من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (٢).
- ومن ذلك: البلبل: وهو نوع من العصافير حسن الصوت والتغريد.
قالت العرب: البلبل يعندل؛ أي: يصوت، وهو من الأمثال السائرة يُضرب لصاحب الفضيلة لا بد أن تظهر عليه، ولمن لا فضيلة له يدعيها فلا تظهر عليه شواهدها، فيفتضح ويظهر عليه؛ أي: لو كان بلبلاً لعندل.
وقلت: [من الرجز]
لا تَعْتَبِرْ مَنْ يدَّعي بَياناً ... حَتَّى تَرى شاهِدَهُ عياناً
فَإِنْ يَكُنْ لَهُ بَيانٌ بانا ... يُعَنْدِلُ البُلْبُلُ حَيْثُ كانا
وتقدم قول الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى: [من الكامل]
стр. 6261
أَنا بُلْبُلُ الأَفْراحِ أَمْلأُ دَوْحَها ... وَفِي العَلْياء بازٌ أَشْهبُ
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أن سليمان بن داود ﵉ مرَّ على بلبل على شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: إنه يقول: أكلتُ نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء (١)؛ أي: الدروس وذهاب الأثر.
وقيل: التراب.
والمؤمن أولى بالقناعة بالكفاف، والقدوة في ذلك بسيد المرسلين ﷺ الذي كان يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمّدٍ كَفَافًا".
وفي رواية "قُوتاً" كما تقدم (٢).
وذكر ابن عبد ربه في "العقد" أنه قيل لأبي نواس: قد أرسلوا وراء أبي عبيدة والأصمعي ليجمعوا بينهما.
فقال: أما أبو عبيدة فإن خلوه وسفَره قرأ عليهم أساطير الأولين، وأما الأصمعي فبلبلٌ في قفص، يطربهم بصفيره (٣).
وكذلك ينبغي لمن له حفظ إذا جلس بين قوم أن يفيض عليهم
стр. 6262
من فوائده وعلومه إلا أن لا يكونوا من أهلها، فينبغي أن يمسك.
- ومن ذلك: الهزار، والعندليب: وهما واحد، ويقال: عندليل، وجمعها عنادل.
وذكر في "القاموس": أن الهزار معرب، فارسيته: هذار دستان (١).
- ومن ذلك: الشحرور -كسحنون -: طائر أسود فوق العصفور يصوت أصواتاً، وهو والبلبل والهزار ألطف الطير أصواتًا، وأطيبها نغمة وتغريداً.
قال الشيخ علاء الدين الباجي: [من الرجز]
بِالبُلْبُلِ وَالْهَزارِ وَالشحْرُورِ ... يَسْبِي طَرباً قَلْبَ الشَّجِيْ الْمَهْجُورِ
فَانْهَضْ عَجِلاً وَانْهَبْ مِنَ اللَّذَّةِ ما ... جاءَتْ كَرماً بِهِ يَدُ الْمَقْدُورِ (٢)
فينبغي التشبه بهذه الأطيار في حسن الصوت بالقرآن، وإملاء العلم من غير تصنع ولا تشقيق ولا تمطيط، ولا تغيير لألفاظ القرآن والذكر، ولا تغيير لأجل الألحان والأنغام، بل على طبعه الذي أوتيه من غير تصنع؛ فإن ألحان هذه السواجع كذلك.
- ومن طباع هذه السواجع وكثير من الطير: ارتياحها في زمن الربيع، والإكثار فيه من التغريد والترجيع.
стр. 6263
قال الشيخ عبد الله بن محمد بن إبراهيم الأرموي: [من البسيط]
وافَى الرَّبِيعُ فَعادَ الرَّوْضُ مُبْتَسِماً ... وَطالَما انتُحَبَتْ فِيهِ سَحائِبُهُ
وَالغُصْنُ مِنْ فَوْقِهِ الشُّحْرُورُ تَحْسِبُهُ ... يِتْلُو الزَّبورَ بِأَعْلى الدَّيْرِ راهِبُه
وَشاطِئُ النَّهْرِ قَدْ دبَّتْ عَوارِضُهُ ... وَافْتَرَّ مَبْسَمُهُ وَاخْضَرَّ عارِضُه
وَصَفَّقَ الدَّوْحُ لَمَّا أَنْ رَأى عجباً ... مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَدْ شابَتْ ذَوائِبُهُ
وقال بعضهم في الهزار: [من الطويل]
وَخَرساءَ إِلاَّ فِي الرَّبِيعِ فَإِنَّها ... نَظِيرَةُ قِسٍّ فِي العُصُورِ الذَّواهِبِ
أتَتْ تَمْدَحُ النَّوَّارَ فَوْقَ غُصونِها ... كَما تَمْدَحُ العُشَّاقُ حُسْنَ الْحَبائِبِ
تُبَدِّلُ ألْحاناً إِذا قِيلَ بَدِّلِي ... كَما بَدَّلَتْ ضَرْبًا أَكَفُّ الضَّوارِبِ
إِذْ غَرَّدَ الشَّحرُورُ وَالورْقُ فِي الـ ... . ـأَوْراقِ بِاللَّحْنِ العَجِيبِ البَدِيعْ
وَصَفَّقَ النَّهْرُ لَها إِذْ شَدَتْ ... كَيْفَ تَرى ما صَنَعَتْ بِالسَّمِيعْ
وَاسْتَرْقَصَ الغُصْنَ نَسِيمُ الصَّبا ... كَأَنَّهُ فِي الرَّوْضِ صَبٌّ خَلِيعْ
ما شِئْتَ أَنْ تُبْصِرَ ما راعَ مِنْ ... شَيْءٍ تَرى فِي كُلِّ وادٍ وَرَيْعْ
تُسْقَى بِماءٍ واحدٍ وَهْيَ فِي ... ألْوانِها شَتَّى بَراها البَدِيعْ
يا مَنْ قَدِ ارْتاحَ لِما قَدْ رَأى ... وَاشْتَمَّ أَنْفاسَ عَبِيرِ الرَّبِيعْ
لَوْلا تَذَكَّرْتَ بِهِ جَنَّةَ الـ ... ـمَأْوَى الَّتِي قَدْ أُزْلِفَتْ لِلْمُطِيع
وينبغي للمؤمن أن يكون في زمان الربيع أكثر طاعة لله منه في غيره؛ فإنه فصل تعتدل فيه الأبدان لاعتدال الأخلاط فيه.
ومن الطاعات التي تكون أقرب إلى القابلية فيه التذكر والتفكر: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩].
стр. 6266
ولذلك قال الأستاذ أبو الحسن بن سمعون رحمه الله تعالى: الربيع أرضه حرير، وأنفاسه عبير، وأوقاته كلها أوقات وعظ وتذكير، والذكر والفكر من أفضل العبادات.
ولقد سمَّى الله تعالى الجامعين بينهما أولي الألباب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].
وروى ابن حيان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادةِ سِتِّيْنَ سَنَةٍ" (١).
ورواه الديلمي من حديث أنس بلفظ: "ثَمَانِيْنَ سَنَةٍ" (٢).
فإذا خرجْتَ أيام الربيع إلى الصحاري والروابي كان مجالك في الذكر والفكر فيها أوسع منه في غيرها؛ فإنك تنظر في ألوان الربيع المختلفة خضرة، وحمرة، وصفرة، وزرقة، وبياضاً وسواداً، مع أنها تُسقى بماءٍ واحدٍ، وتنظر إلى نضارته واخضراره وريعانه، ثم إلى ما يعود إليه من اليَبَس والقحول، فتعتبر به حال الدنيا وفنائها كما قال الله
стр. 6267
تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].
وفي هذه الآية زيادة على ما في الآية السالفة الإشارة إلى أن الدنيا على أن مصيرها إلى الفناء والزوال، وقد تفجأ صاحبها المَنِيَّة قبل بلوغ الأمنية كالزروع التي تجتاحها الآفة وقد قارب حصادها، وآن جذاذها وتوقع صاحبها أن يبلغ مُراده منها.
وقرأ الآية أُبي بن كعب ﵁: فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها كذلك نفصل الآيات. رواه ابن جرير، وابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي ﵁ (١).
وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [الحديد: ٢٠].
وتنظر إلى بهجة ما طلع في الأغصان من الورق والزهر والثمر
стр. 6268
بعدما كان ذلك داوياً (١)، فتعتبر بذلك البعث والنشور بعد الموت والفناء كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧].
وروى الإمام أحمد، وغيره عن أبي رزين رضي الله تعالى عنه: أنه قال للنبي ﷺ : كيف يُحيى الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟
قال: "هَلْ مَرَرْتَ بِوَادٍ أُهْلِكَ مَحْلاً ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَز خُضْرًا".
قال: نعم.
قال: "كَذَلِكَ يُخْرِجُ اللهُ الْمَوْتَىْ، وَذَلِكَ آيَتُهُ فِيْ خَلْقِه" (٢).
وكذلك تعتبر حال الإنسان إذا يُولد غضًّا طرياً ناعماً، ثم يتكامل في صباه وشبابه، ثم يشيخ، ثم يَهْرَم، ثم يموت، ثم يبعثه الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨].
وقيل: [من الطويل]
وَما الْمَرْءُ إِلَّا كَالنَّباتِ وَزَهْرهِ ... يَعُودُ رُفاتاً بَعْدَما كانَ ناضِرا
ولنا في هذا المعنى وهو من نظم الصبا: [من مخلَّع البسيط]
وحكى ابن قتيبة عن بعضهم أن واحده: درُّوج؛ كفرُّوج.
وهو طائر أسود باطن الجناحين، أغبر ظاهرهما على خلقة القطا إلا أنه ألطف من القطا، وهو من جملة الطير المبشرة بالربيع.
ذكر الدميري، والسيوطي أنه يقول في تصويته: بالشُّكر تدوم النعم، وصوته على وزن هذه الكلمات.
والاعتبار في ذلك أن يتلقى العبد نعمة الربيع وكل نعم الله تعالى المسبغة عليه بالشكر.
- وكذلك الطير المعروف في بلاد الشام والروم بدائم اشكر ، وهو من أنواع الحمام شبيه بالقمري؛ فإنه سمي بذلك لأن صياحه على مثل هذا الوزان: الدائم اشكر؛ أي: اشكر الدائم؛ بذلك تعرفه عوام الناس، ويعرفون القمري بالكريم لأن صياحه على وزن: يا كريم.
والاعتبار في ذلك أن يكون مستديم الشكر كما أن الله تعالى يتداومه بالنعم ويتداركه بها، فالشكر يحصل بالطاعات، وأظهرها فيه اللسان، والحمد أظهر ما ينطق به اللسان فيه، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "رَأْسُ الشُّكْرِ الْحَمْدُ لله" (١).
- ومن ذلك: القطا: وهو جمع قطاة، ويُجمع على قَطَوات، وقَطَيات كما قاله الجوهري (٢)، وهي نوعان: كدرية، وجونية.