ولذلك قال الأستاذ أبو الحسن بن سمعون رحمه الله تعالى: الربيع أرضه حرير، وأنفاسه عبير، وأوقاته كلها أوقات وعظ وتذكير، والذكر والفكر من أفضل العبادات.
ولقد سمَّى الله تعالى الجامعين بينهما أولي الألباب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].
وروى ابن حيان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادةِ سِتِّيْنَ سَنَةٍ" (١).
ورواه الديلمي من حديث أنس بلفظ: "ثَمَانِيْنَ سَنَةٍ" (٢).
فإذا خرجْتَ أيام الربيع إلى الصحاري والروابي كان مجالك في الذكر والفكر فيها أوسع منه في غيرها؛ فإنك تنظر في ألوان الربيع المختلفة خضرة، وحمرة، وصفرة، وزرقة، وبياضاً وسواداً، مع أنها تُسقى بماءٍ واحدٍ، وتنظر إلى نضارته واخضراره وريعانه، ثم إلى ما يعود إليه من اليَبَس والقحول، فتعتبر به حال الدنيا وفنائها كما قال الله
стр. 6267
تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].
وفي هذه الآية زيادة على ما في الآية السالفة الإشارة إلى أن الدنيا على أن مصيرها إلى الفناء والزوال، وقد تفجأ صاحبها المَنِيَّة قبل بلوغ الأمنية كالزروع التي تجتاحها الآفة وقد قارب حصادها، وآن جذاذها وتوقع صاحبها أن يبلغ مُراده منها.
وقرأ الآية أُبي بن كعب ﵁: فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها كذلك نفصل الآيات. رواه ابن جرير، وابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي ﵁ (١).
وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [الحديد: ٢٠].
وتنظر إلى بهجة ما طلع في الأغصان من الورق والزهر والثمر
стр. 6268
بعدما كان ذلك داوياً (١)، فتعتبر بذلك البعث والنشور بعد الموت والفناء كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧].
وروى الإمام أحمد، وغيره عن أبي رزين رضي الله تعالى عنه: أنه قال للنبي ﷺ : كيف يُحيى الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟
قال: "هَلْ مَرَرْتَ بِوَادٍ أُهْلِكَ مَحْلاً ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَز خُضْرًا".
قال: نعم.
قال: "كَذَلِكَ يُخْرِجُ اللهُ الْمَوْتَىْ، وَذَلِكَ آيَتُهُ فِيْ خَلْقِه" (٢).
وكذلك تعتبر حال الإنسان إذا يُولد غضًّا طرياً ناعماً، ثم يتكامل في صباه وشبابه، ثم يشيخ، ثم يَهْرَم، ثم يموت، ثم يبعثه الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨].
وقيل: [من الطويل]
وَما الْمَرْءُ إِلَّا كَالنَّباتِ وَزَهْرهِ ... يَعُودُ رُفاتاً بَعْدَما كانَ ناضِرا
ولنا في هذا المعنى وهو من نظم الصبا: [من مخلَّع البسيط]
وحكى ابن قتيبة عن بعضهم أن واحده: درُّوج؛ كفرُّوج.
وهو طائر أسود باطن الجناحين، أغبر ظاهرهما على خلقة القطا إلا أنه ألطف من القطا، وهو من جملة الطير المبشرة بالربيع.
ذكر الدميري، والسيوطي أنه يقول في تصويته: بالشُّكر تدوم النعم، وصوته على وزن هذه الكلمات.
والاعتبار في ذلك أن يتلقى العبد نعمة الربيع وكل نعم الله تعالى المسبغة عليه بالشكر.
- وكذلك الطير المعروف في بلاد الشام والروم بدائم اشكر ، وهو من أنواع الحمام شبيه بالقمري؛ فإنه سمي بذلك لأن صياحه على مثل هذا الوزان: الدائم اشكر؛ أي: اشكر الدائم؛ بذلك تعرفه عوام الناس، ويعرفون القمري بالكريم لأن صياحه على وزن: يا كريم.
والاعتبار في ذلك أن يكون مستديم الشكر كما أن الله تعالى يتداومه بالنعم ويتداركه بها، فالشكر يحصل بالطاعات، وأظهرها فيه اللسان، والحمد أظهر ما ينطق به اللسان فيه، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "رَأْسُ الشُّكْرِ الْحَمْدُ لله" (١).
- ومن ذلك: القطا: وهو جمع قطاة، ويُجمع على قَطَوات، وقَطَيات كما قاله الجوهري (٢)، وهي نوعان: كدرية، وجونية.
стр. 6271
فالكدرية: غبر اللون، رقش البطون والظهور، صغار الحلوق، قصار الأذناب، وهي ألطف من الجونية.
والجونية: سود بطون الأجنحة والقوادم، وظهرها أغبر أرقط يعلوه صفرة، وهي أكبر من الكدرية.
والكدرية فصيحة تنادي باسمها: قطا قطا مفسرة.
والجونية تغرغر بذلك من حلقها؛ ولهذا سميت جوني.
والقطا شديدة الطيران، وتوصف بالهداية لأنها تبيض في القفر، وتستقي من بعيد بحيث إنها تقطع من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبع مراحل حتى تقع على الماء، فتستقي وتأتي به في حواصلها لفراخها، وتعود في الظلمة، فإذا كانت حيال أولادها صاحت: قطا قطا، وبه سميت، فتجيبها أولادها فلا تخطئ مكانها بلا عَلَم ولا شجر ولا إشارة، ومن هنا ضُرب بها المثل في الهداية.
وربما طلبت الماء من مسيرة عشرين ليلة وأكثر وأقل، وتعود من ليلتها، ولذلك اختار العباس بن الأحنف التمثيل بالقطا في قوله: [من الطويل]
أَسِرْبَ القَطا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَناحَهُ ... لَعَلِّي إِلَى مَنْ قَد هَوِيْتُ أَطِيرُ
فَجَاوَبْنَنِي مِنْ فَوْقِ غُصْنِ أَراكَةٍ ... أَلا كُلُّنا يا مُسْتَعِيرُ يُعِيرُ
وَكُلُّ قَطاةٍ لَمْ تُعِرْكَ جَناحَها ... تَعِيشُ بِذُلٍّ وَالْجَناحُ كَسِيرُ
وقال مزاحم العقيلي في القطا وفرخها: [من الطويل]
стр. 6272
وَلَمَّا دَعَتْهُ بِالقَطاةِ أَجابَها ... بِمِثْلِ الَّذِي قالَتْ بِهِ لَمْ يُبدِّلِ
وتوصف بحُسن المشي، ويمثل مشي النساء الخَفِرات بمشيها كما قالت هند بنت عتبة يوم أُحد: [من المجتث]
نَحْنُ بَناتُ طارِق ... نَمْشِي عَلى النَّمارِق
مَشْيَ القَطا النَّقانِق (١)
أي: الكثيرات الأولاد.
وقالوا في المثل: أصدق من القطا، وأنسب من القطا؛ فإنها إذا صوتت تنسب باسم نفسها، فصدقت لما سبق أنها تقول: قطا قطا.
والاعتبار في التشبه بالقطا بالصدق وحسن الرعاية، والفطنة والهداية، والهوينا في المشي مع علو الهمة، وحسن التشبه بالآباء في المكارم والمناقب ومحاسن الأخلاق والآداب.
وقالوا في المثل: ليس قطا مثل قطي؛ يُضرب في قصور الأصاغر عن بلوغ مراتب الأكابر في الإغناء في الأمور المهمة (٢).
ونظيره قول بعض العلماء في حق بعض الظلمة وقد تصدى لما لم تبلغه حاله وعلمه: فلان فروج، لكنه يتدايك.
وقالوا في المثل: لو ترك القطا ليلاً لنام؛ يُضرب لمن لم يتهيج
стр. 6273
حتى هيج كما قال الشاعر: [من الوافر]
أَلا يا قَوْمَنا ارْتَحِلوا وَسِيروا ... فَلَو تَرَكَ القَطا لَيْلاً لَناما
قالته امرأة لقومها ولهم عدو يريدهم، وقد ساروا عنه يوماً وليلة، فنزلوا وهم يظنون أن العدو بعيدٌ عنهم، فهم نيام والقطا تنفر، فقالت لقومها: ارتحلوا؛ فإني رأيت القطا تنفر من أوكارها، فلولا أثارها مثير لَمَا ثارت، لو ترك القطا ليلًا لنام القطا (١).
وقال آخر: [من الطويل]
وَإِنِّي وإِيَّاكُمْ كَمَنْ نبَّهَ القَطا ... وَلَوْ لَمْ تُنبِّهْ باتَتِ الطَّيْر لا تَسْرِي (٢)
ويضرب أيضا لمن حُمِل على مكروه بغير إرادته، ولو لم يبدأ بالشر ويلجأ لم يرده.
- ومن ذلك: الدرة: وهي البَبْغَاء - بموحدتين؛ الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة - كذا ضبطها ابن السمعاني في "الأنساب".
وضبطها غيره بفتح الثانية مشددة.
وجعله في "القاموس" قليلاً (٣).
وهي طائر أخضر معروف، وقد يكون أحمر وأصفر وأبيض، له منقار كبير، ولسان كذلك، تسمع كلام الناس وتحكيه بأي لغة كان.
стр. 6274
والذي يحسن من التشبه بها إعادة المتعلم ما يُمْلِيْه العالم عليه مما يتعلق بالألفاظ وغيرها، والإخبار في تعلم العلم معروفة، وقد تقدمت في محالِّها.
وهي من الطير التي تُحبس لسماع أصواتها ولا يسعها إلا الصبر.
كذلك ينبغي للإنسان إذا ابتُلِيَ بحبسٍ أو غيره من مصائب الدنيا أن يصبر ويطلب الفرج والتيسير من الله تعالى، ولْيَسَل نفسه بأن البلاء ولع بالأكابر، وأشد الناس بلاءً الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم الأمثل فالأمثل.
ومن لطائف القاضي الأرجاني: [من السريع]
تَقْصِدُ أَهْلَ الفَضْلِ دُونَ الوَرَى ... مَصائِبُ الدُّنْيا وَآفاتُها
كَالطَّيْرِ لا يُحْبَسُ مِنْ دُونها ... إِلَّا الَّتِي تُطْرِبُ أَصْواتُها (١)
- ومن ذلك: فاقد إلفه: روى ابن خميس في "مناقب الأبرار" عن السري السقطي قال: بتُّ في بعض قرى الشام، فسمعت طول الليل طيراً يصيح ويقول: أخطأت لا أعود، فلما أصبحت سألت أهل القرية: إيش اسم هذا الطير؟
فقالوا: فاقد إلفه (٢).
وذكر اليافعي في "روض الرياحين" هذه الحكاية عن السري
стр. 6275
رحمه الله تعالى قال: كنت ليلةً في قريةٍ من قرى الشام، فإذا بصوب فصيح: أسأت فلا أعود، فلما أصبحتُ سألتُ عن الصوت، فقيل لي: إنه طائر.
فقلت: ما يقال له؟
فقيل: فاقد إلفه.
قال: ثم سمعت في الوقت صوتاً ولا أرى شخصاً، وهو ينشد ويقول: [من البسيط]
طَيْرٌ نَحِيلٌ بِأَرْضِ الشَّامِ أَقْلَقَه ... ذِكْرُ الْحَبِيبِ لَهُ نُطْقٌ بِإِضْمارِ
يَقُولُ أَخْطَأْتُ حِينَ الصُّبْحُ يُسْعِدُهُ ... صَوْتٌ شَجِي يُبَكِّي وَقْتَ إسْحارِ
قلت: كثيراً ما يُسمع بالشام الآن طائران بالليل يصيحان، أحدهما صياحه على وزان حق، والآخر صياحه على وزان يعقوب، والعوام يقولون: هما طائران فقد كلُّ واحد منهما رفيقه ولا يجتمعان، أحدهما اسمه إسحاق، والآخر يعقوب، فالثاني يصيح: إسحاق، والأول يصيح: يعقوب.
والناس ينزلون أصوات الطير كل منهم على ما يليق بحاله، ولعل الطائر الذي سمعه السري يقول: أخطأت لا أعود هو الذي يحسب العوام أنه يقول يعقوب.
стр. 6276
والاعتبار بفاقد إلفه: أن ينوح الإنسان على ما فاته من الخير بسبب خطيئته.
كما روى ابن أبي الدنيا في "البكاء" عن ابن عباس قال: نزل آدم بالحجر - يعني: الأسود - يمسح به دموعه حين أُهبط من الجنة، ولم ترقا عينُ آدم تبكي منذ خرج من الجنة حتى رجع إليها (١).
قلت: ومن هنا جاء في الحديث: أن النبي ﷺ قال عند الحجر الأسود: "هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ" (٢).
فبكاء آدم ﵇ كان لفقد مألوفه في جوار الله تعالى من الملائكة، وما في الجنة من النعيم والأنس بسبب أكل الشجرة حيث أُخرج من الجنة فهو يُريد العود إليها، فينبغي للعبد أن يبكي لفقد مألوفاته إذا عوقب بفقدها على خطيئة فعلها، وينبغي أن يتوب ولا يعود.
وقد قلت ملمحاً بقصة السري مع فاقد إلفه: [من الوافر]
أنُوحُ عَلى ذُنُوبِي كُلَّ وَقْتٍ ... كَفاقِدِ إِلْفِهِ وَأَنا وَحِيدُ
أقولُ كَما يَقُولُ: لَعَل رَبِّي ... . يسَيَغْفِرُ لِي أَسَأتُ فَلا أَعُودُ
وقلت: [من المجتث]
стр. 6277
يا رَبِّ يا مَجِيدُ ... يا بَرُّ يَا حَمِيدُ
انْظُرْ إِلَيَّ وَاعْطِفْ ... عَليَّ يا وَدُودُ
لَقَدْ عَصَيْتُ لَكِن ... العَفْو مِنْكَ جودُ
فتبْ عَليَّ حَتَّى ... أَتُوبَ يا مَجِيدُ
أقولُ فِي اعْتِرافِي ... وَلَيْسَ لِي جُحودُ
أَخْطَأتُ لا أَعُودُ ... أَخْطَأْتُ لا أَعُودُ
ومن ذلك الطير من حيث هو؛ فإنه يوصف بالتوكل، بل وكذلك سائر البهائم والوحوش وبقية الحيوانات؛ فإنها لا توسع الحيلة في الطلب ولا تهتدي لذلك.
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى بن مريم ﵉: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح، لا تحرث ولا تحصد، الله يرزقها، فإن قلتم: نحن أعظم بطوناً من الطير، فانظروا إلى هذه الأباقر من الوحش والحمر تغدو وتروح، لا تحرث ولا تحصد، الله يرزقها، اتقوا فضول الدنيا؛ فإن فضول الدنيا رجس (١).
وروى الترمذي - وقال: حسن صحيح - وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ
стр. 6278
قال: "لَوْ أنَّكمْ تتَوَكَّلُوْنَ عَلَىْ اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُوْ خِمَاصًا وَتَرُوْحُ بِطَاناً" (١).
وهذا الحديث ليس فيه رفض الأسباب بالكلية نوبة واحدة، ألا ترى أن الطير تغدو وتروح، وهذا سبب، لكنها لما لم تقصد موضعًا معينا وصفت بالتوكل؟
وروى الدينوري في "المجالسة" قال: حدثنا أبو القاسم بن الحنبلي قال: سألت أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فقلت: ما تقول في رجلٍ جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟
فقال أحمد: هذا رجلٌ قد جهل العلم، أما سمعت قول النبي ﷺ : "جَعَلَ اللهُ رِزْقِيْ تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِيْ" (٢).
وحديثه الآخر حين ذكر الطير فقال: "تَغْدُوْ خِمَاصًا وَتَرُوْحُ بِطَاناً".
فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق.
وقال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]
стр. 6279
وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتَّجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم (١).
وروى الإمام أحمد، والبزار - وسنده جيد - عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، والطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" - ورواته ثقات - عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سُئل رسول الله ﷺ : أي الكسب أفضل؟ - وقال رافع: قيل: يا رسول الله! أي الكسب أطيب؟ - ثم اتفقا، قال: "عَمَلُ الرَّجُلِ بِيدهِ، وَكُلُّ بَيع مَبْرُوْر" (٢).
وروى هؤلاء عن جميع بن عمير، عن خاله - يعني: بردة بن نيار - رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الكسب، فقال: "بَيعٌ مَبْرُوْرٌ، وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيدهِ" (٣).
стр. 6280
وروى الحاكم - وصححه - عن سعيد بن عمير، عن عمه قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الكسب أطيب؟
قال: "عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدهِ، وَكُلُّ كَسْبٍ مَبْرُوْرٍ".
قال يحيى بن معين: عم سعيد هو البراء ﵁ (١).
نعم، ينبغي للعبد إذا كسب أن يكون ثقته في كسبه بربه لا بسبب، وأن يُجْمِل في الطلب ولا يتهالك فيه، وأن يفضل من كسبه على من يليه، فبذلك يتم له العمل بالسنة.
روى ابن أبي الدنيا في "القناعة" - واللفظ له - والحاكم عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إِنِّيْ لا أَعْلَمُ شَيْئاً يُقرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ويبْعِدُكُمْ عَنِ النَّارِ إِلَّا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلا أَعْلَمُ شَيْئاً يُبْعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ويقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا نهيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوْحَ الأَمِيْنَ ﵇ نَفَثَ فِيْ رُوْعِيْ أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوْتَ حَتَّىْ تَسْتَوْفيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوْا اللهَ وَأَجْمِلُوْا فِيْ الطَّلْبِ، وَلا يَحْمِلنَّكُمْ اسْتِبْطَاءُ شَيْءٍ مِنَ الزِّزْقِ عَلَىْ أَنْ تَطْلُبُوْهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ بِمَعْصِيَةٍ (٢).
وروى ابن ماجه - واللفظ له - والحاكم - وصححه - عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّهَا الناسُ! اتَّقُوْا اللهَ
стр. 6281
وَأَجْمِلُوْا فِيْ الطَّلَبْ؛ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوْتَ حَتَّىْ تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوْا اللهَ وَأَجْمِلُوْا فِيْ الطَّلَبِ، خُذُوْا مَا حَلَّ وَدَعُوْا مَا حَرَّمَ" (١).
وعن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "أَجْمِلُوْا فِيْ طَلَبِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ كُلاَّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ".
ولفظ الحاكم وصححه: "فَإِنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنْهَا".
وبهذا اللفظ أخرجه أبو الشيخ في "الثواب" (٢).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن خلف بن تميم قال: التقى إبراهيم بن أدهم وشقيق بمكة، فقال ابراهيم لشقيق: ما بدو أمرك الذي بلغك هذا؟
فقال: سِرْتُ في بعض الفَلَوات، فرأيتُ طيراً مكسور الجناحين في فلاةِ من الأرض، فقلت: انظر من أين يرزق هذا؟ فقعدتُ حذاءه، فإذا أنا بطائرٍ قد أَقْبل في منقاره جرادة وضعها في منقار الطير المكسور الجناح، فقلت لنفسي: يا نفس! الذي قيض هذا الطير الصحيح لهذا الطير المكسور الجناحين في فلاةٍ من الأرض هو قادرٌ أن يرزقني حيثما كنت، فتركتُ الكسب واشتغلتُ بالعبادة.
فقال له إبراهيم: يا شقيق! ولم لا تكون أنت الطير الصحيح الذي أطعم العليل فتكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبي ﷺ "الْيَدُ
стр. 6282
الْعُلْيَا خَيْر مِنَ الْيَدِ السُّفْلَىْ"؟
ومن علامة المؤمن أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلها حتى يبلغ منازل الأبرار.
فأخذ يد إبراهيم فقبلها، وقال له: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق (١).
وفي هذه القصة إشارة إلى أنَّ من الطير من يفضل على غيره، ويكون في معونته وحاجته، فلا ينبغي للمؤمن أن يكون أعجز من الطير في ذلك.
وروى أبو داود في "مراسيله" عن أبي قلابة رحمه الله تعالى: أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قدموا يثنون على صاحبٍ لهم خيراً، قالوا: ما رأينا مثل هذا قط، ما كان في مسير إلا كان فى قراءة، ولا نزلنا منزلاً إلا كان في صلاة.
قال رسول الله ﷺ : "فَمَنْ كَانَ يَكْفِيْهِ ضَيْعَتُهُ حَتَّىْ ذَكَرَ مَنْ كَانَ يَعْلِفُ جَمَلَهُ أَوْ دَابَّتهُ.
قالوا: نحن.
قال: "فَكُلُّكُمْ خَيْرٌ مِنهُ" (٢).
وروى الطبراني بإسناد صحيح، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ اللهُ فِيْ حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا دامَ الْعَبْدُ فِيْ حَاجَةِ أَخِيْهِ" (٣).
стр. 6283
ورواه مسلم، وغيره (١).
وللشيخ العلامة أحمد بن أحمد بن أحمد الطيبي الشافعي رحمه الله تعالى، وسمعته منه: [من الطويل]
وَخَيْرُ عِبادِ اللهِ أَنْفَعُهُمْ لَهُمْ ... رَواهُ عَنِ الأَثْباتِ كُلُّ نبِيهِ
وإنَّ إِلَهَ العَرْشِ ﷻ ... يُعِينُ الفَتَى ما دامَ عَوْنَ أَخِيهِ
وقلت: [من مجزوء الرجز]
أَعِنْ أَخاكَ فِي الَّذِي ... لَيْسَ يَكُونُ الإِثْمُ فِيهِ
فَاللهُ فِي عَوْنِ الفَتَى ... ما كانَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ
- ومن أحوال الطير: التبكير بالطاعة والذكر، وطلب الرزق .
روى الخطيب عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الطَّيْرَ إِذَا أَصْبَحَتْ سَبَّحَتْ رَبَّهَا وَسَألتْ قُوْتَ يَوْمِهَا" (٢).
وتقدم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه: إِنَّ الْعَصَافِيْرَ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ تُسَبِّحُ رَبَّهَا وَتَسْأَلُ قُوْتَ يَوْمِهَا (٣).
وكذلك ينبغي للمؤمن أن يُباكر ذكر الله تعالى وطاعته؛ فقد امتنَّ الله تعالى على المستغفرين بالأسحار، وأرشد إلى التَّسبيح بالعشي والإبكار.
стр. 6284
ثم ينبغي له أن يُبكر في طلب الرزق بعد الفراغ من وظيفة الصلاة والذكر بعدها.
روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، عن صخر بن رفاعة الغامدي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لأمَّتِيْ فِيْ بُكُوْرِهَا".
وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار.
وكان صخر تاجراً، وكان يبعث بتجارته من أول النهار؛ فأثرى وكثر ماله (١).
وفي رواية أشار إليها ابن عبد البر: "بُوْرِكَ لأُمَّتِيْ فِيْ بُكُوْرِهَا" (٢).
وروي هذا الحديث عن جماعة منهم علي، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن سلام، والنواس ابن سمعان، وعمران بن الحصين، وجابر، ونبيط بن شريط، وبريدة، وأوس بن عبد الله، وعائشة، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم.
وقد جمعها الحافظ عبد العظيم المنذري في جزء، وأشار إليها في "الترغيب" (٣).
стр. 6285
وروى البزار، والطبراني في "الأوسط" بإسناد ضعيف، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "بَاكِرُوْا فِيْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَالْحَوَائِجِ، فَإِنَّ الْغُدُوَّ بَرَكَةٌ وَنَجَاحٌ".
ولا ينبغي له التبكير إلى غير الطاعة كالذين يبكرون إلى بيوت القهوة قبل المسجد، فيتعوضون بالغناء واللهو عن الذكر والصلاة، فيكونون ممن اشتروا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة.
وإذا بكر في طلب الخير وابتغاء الرزق فليكن تبكيره بالنية الصالحة والإخلاص في العمل؛ فربَّ مُبكر في الخير صورةً ونيته غير ممدوحة ولا مشكورة.
وقد روى الطبراني في "معاجمة" الثلاثة - وقوَّاه المنذري، وضعفه العراقي، وهو صحيح المعنى يشهد له الكتاب والسنة - عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ جالساً مع أصحابه ذات يوم، فنظر إلى شاب ذي جَلَد وقوة وقد بكر يسعى، فقالوا: ويح هذا لو كان جَلَده وشبابه في سبيل الله! فقال النبي ﷺ : "لا تَقُوْلُوْا هَذَا؛ فَإنَّه إِنْ كَانَ يَسْعَىْ عَلَىْ نَفْسِهِ لِيَكُفَّهَا عَنِ الْمَسْأَلَةِ ويغْنِيهَا عَنِ النَّاسِ فَهُوَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وإِنْ كَانَ يَسْعَىْ عَلَىْ أَبَوَيْنِ ضَعِيْفَيْنِ أَوْ ذُرَّيَةٍ ضِعَافٍ لِيُغْنِيهِم وَيَكْفِيَهُمْ فَهُوَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وإِنْ كَانَ يَسْعَىْ تَفَاخُرًا وَتَكَاثُرًا فَهُوَ فِي سَبِيْلِ الشَّيْطَانِ" (١).
стр. 6286
- ومن أحوال الطير: استئناسه بجنسه ونفوره عن غير جنسه .
والمطلوب من العبد أن يأنس بأهل الذِّكر والطاعة، ويفر من أهل الغفلة والمعصية.
كما روى أبو نعيم عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: أن عبد الملك بن مروان قدم المدينة، فبعث حاجبه إلى سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى فقال: أجب أمير المؤمنين.
قال: وما حاجته؟
قال: لتتحدث معه.
فقال: لست من حدَّاثه.
فرجع الحاجب إليه، فأخبره، فقال: دعه (١).
وروى ابن جهضم في "بهجة الأسرار": أن بشر بن الحارث ذكر أن الأوزاعي كتب إلى إبراهيم ابن أدهم: إني أحب أن أصحبك.
فكتب إليه إبراهيم: إن الطير إذا طار مع غير شكله من الطير طار وتركه.
والمعنى في ذلك: أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى خرج عن الدنيا، وأقبل على الاشتغال بالله تعالى، والعمل له على وجه دقيق
стр. 6287
الورع واجتناب خفي الشبه، والأوزاعي رحمه الله تعالى - وإن كان من زهاد العلماء ونقاد الحكماء - إلا أنه لم يكن من شكل إبراهيم، ولا إبراهيم من شكله، وكفاك لذلك نظيراً قصة موسى والخضر ﵉، وقول الخضر لموسى ﵉: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: الناس أشكال كأجناس الطير؛ الحمام مع الحمام، والبط مع البط، والصعو مع الصعو، والغراب مع الغراب، وكل إنسان مع شكله (١).
وحُكِيَ أنه كان يتَكلم قبل ذلك، فبينما هو كذلك إذ نظر إلى حمامةٍ تمشي مع غراب، فعجب من ذلك، وقال: اتفقا وليسا من جنس واحد، فلما طارا إذا هما أعرجان؛ قال: لذلك اتفقا.
والإشارة بذلك إلى أن الإنسان - وإن كان جنسه واحداً - فإن النوع يكون مع مثله من ذلك النوع كالعربي مع العربي، والفارسي مع الفارسي، والرومي مع الرومي، وكالعالِم مع العالِم، والتاجر مع التاجر، والعامي مع العامي، فإذا اتفق واحد من هذا النوع مع آخر من غير ذلك النوع فإنهما يتفقان لمعنى فيهما، إذا فتشت عنه رأيته.
- ومن أحوال الطير: خلو قلوبها لأمثالها من أجناسها من الحقد
стр. 6288
والغل إلا ما كان من الديكة والكباش، ونحوهما في بعض الأحيان.
وسبب ذلك: أن الطير لمَّا كان مسيرها في الهواء ومَرَاحها في الفضاء اتسعت أخلاقها، وسلمت قلوبها.
وكذلك ينبغي للعبد أن يكون واسع الأخلاق دمثها، سليم القلب من الغل والحقد والحسد، والشقاق والنفاق.
قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧].
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ" (١)؛ أي: فارغة من كل شيء سوى ذكر الله تعالى، وطلب ما يعنيها.
- ومن أحوال كثير من الطير: الاستئناس بالله تعالى والانفراد عن الخلق .
وذلك مطلوب من الآدمي في محله على ما سبق بيانه.
وروى الدينوري عن وهب قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إن أردتَ أن تسكن معي غداً حظيرة القدس فكن في الدنيا وحيداً فريداً مهموماً محزوناً كالطائر الوحداني، يطير في رياض الفلا، وَيرِدُ ماء العيون، يأكل أطراف الشجر، فإذا جَنَّ عليه الليل آوى وحده استيحاشاً من الطير، واستئناساً بربه (٢).
стр. 6289
وروى الحارث بن أبي أسامة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَأْتِيْ عَلَىْ النَّاسِ زَمَانٌ لا يَسْلَمُ لِذِيْ دِينٍ دِيْنُهُ إِلاَّ مَنْ فَرَّ بِدِيْنِهِ مِنْ شَاهِقٍ إِلَىْ شَاهِقٍ، وَمِنْ جُحْرٍ إِلَىْ جُحْرٍ كَالطَّيْرِ بِأَفْرَاخِهِ، وَكَالثَّعْلَبِ بِأَشْبَالِهِ" (١).
ومن شواهده حديث الأئمة مالك، وأحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وأبي داود، والنسائي عن أبي سعيد ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "يُوْشِكُ أَنْ يَكُوْنَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا، يَتَتَبَّعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِيْنِهِ مِنَ الْفِتَنِ" (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "يُوْشِكُ أَنْ يَكُوْنَ خَيْرَ النَّاسِ رَجُلٌ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ، يُجَاهِدُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَيعْتَزِلُ شِرَارَ النَّاسِ، وَرَجُلٌ بَادٍ فِيْ نَعْمٍ لَهُ يُؤَدِّيْ حَقَّهَا وَيُقرِيْ الضَّيْفَ" (٣).
ومن الطير ما يأنس بالناس كاليمام، وهي التي تألف البيوت من الحمام كما قال الكسائي (٤).
والفواخت والعصافير؛ فإنها إذا خلت مدينة من أهلها ذهبت معها العصافير، فإن عادوا إليها عادَتْ كما تقدم.
стр. 6290
والخطاف؛ روى الثعلبي، وغيره: أن آدم ﵇ لمَّا أُخرج من الجنة شكا إلى الله الوحشة، فآتاه الخطاف، فأسكنها البيوت، وألزمها إياه، فهي لا تفارق بني آدم أُنساً بهم (١).
وكذلك شأن المؤمن التآلف، وفي حديث عامر المتقدم: "الْمُؤْمِنُ يَألَفُ ويُؤْلَفُ، وَلا خَيْرَ فِيْمَنْ لا يَألَفُ وَلا يُؤْلَفُ" (٢).
وروى الإمام أحمد، ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِيْنَ فِيْ تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتكَىْ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّىْ" (٣).
ويجمع بين هذا الخُلق والذي قبله بأن ألفة المؤمن بالمؤمن محلها إذا كانت للإفادة والاستفادة، والنفع والانتفاع في غير إثم ولا إرادة [غير] وجه الله تعالى.
وفرار المؤمن من الناس حين لا يجد في الاجتماع فائدة أُخروية، وحين يكون الاجتماع شاغلاً للقلب عن الطاعة، أو سبباً للوقوع في المعصية.
وفي مثل ذلك قال إبراهيم بن أدهم وغيره:
стр. 6291
اتَّخِذِ اللهَ صاحِباً ... وَكُنْ مِنَ النَّاسِ جانِبا (١)
ومن لطائف الخطاف ما ذكره الدميري، والسيوطي أنه من الطير القواطع إلى الناس، تقطع من البلاد البعيدة إليهم رغبةً في القرب منهم، ثم إنَّ الخطاطيف تبني بيوتها في أبعد المواضع عن الوصول إليها، وتُعرف عند الناس بعصفور الجنة لأنه زهد فيما في أيديهم من الأقوات، وإنما تَقْتَاتُ بالبعوض والذباب، ولا يرى واقفاً على شيء يأكله أبداً.
وفي المعنى قيل: [من الكامل]
كُنْ زاهِداً فِيما حَوَتْهُ يَدُ الوَرَى ... تَضْحَى إِلَى كُلِّ الأَنامِ حَبِيبا
أَوَ ما تَرى الْخَطَّافَ حَرَّمَ زادَهُمْ ... فَغَدا مُقِيماً فِي البِلادِ رَبِيبا
قلت: وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ فيما رواه ابن ماجه عن سهل بن سعد ﵄، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! دُلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس.
فقال: "ازْهَدْ فِيْ الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيْمَا فِيْ أَيْدِيْ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ" (٢).
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي: [من البسيط]
стр. 6292
إِنَّ القُلُوبَ إِلَى الْخَطَّافِ مائِلَة ... طَيْرٌ بِتَرْكِ طَعامِ النَّاسِ مَنْعُوتُ
وَالنَّاسُ يَهْوَوْنَ مَنْ خَفَّتْ مَؤُونَتُهُ ... وَمَنْ يُشارِكُهُمْ فِي القُوتِ مَنْعُوتُ
وقلت: [من البسيط]
لا تَزْحَمِ النَّاسَ فِي شَيْءٍ يَخُصُّهُمُ ... فَيَجْعَلُونَكَ مِنْ أَعْدى أَعادِيهِمْ
وَيَلْحَظُونَكَ كَالثِّيْرانِ مِنْ حَرَدٍ ... وَلَسْتَ تَأمَنُ مِنْهُمْ فِي نَوادِيْهِمْ
تَرى الْخَطاطِيفَ فِي البُلْدانِ آمِنةً ... لأنَّها زَهِدَتْ فِيما بِأَيْدِيهِمْ
وهنا فوائد تتعلق بالخطاف:
الأولى: أن الخطاطيف تسمى زوار الصيف لأنَّها تشتي في بلاد الهند لحرارتها، وتصيف في بلاد الشام.
قال أبو إسحاق الصابي يصف الخطاف:
وَهِنْدَيَّةِ الأَوْطانِ زُنْجِيَّةِ الْخَلْقِ ... مُسْوَدَّةِ الأَلْوانِ مُحْمَرَّةِ الْحَدَقْ
стр. 6293
كَأَنَّ بِها حُزْناً وَقَدْ لَبِسَتْ لَهُ ... حِداداً فَأَذْرَتْ مِنْ مَدامِعِها العَلقْ
إِذا صَرْصَرَتْ صَوْتاً تَأَخَّرَ صَوْتُها ... كَما صَرَّ ملوي العُودِ بِالوترِ الْحذَقْ
تَصِيفُ لَدَيْنا ثُمَّ تَشْتُو بِأَرْضِنا ... فَفِي كُلِّ عامٍ نَلْتَقِي ثُمَّ نَفْتَرِقْ (١)
والاعتبار في ذلك أنَّ الإنسان ينبغي له أن يرتاد لصيفه مكاناً يليق بالصيف، ولشتائه مكاناً يليق بالشتاء، وكذلك يتخذ لكل ما يليق به من الثياب صيانة لجسده الحامل لروحه ليكون ذلك عوناً له على طاعة الله تعالى.
ولقد امتَنَّ الله تعالى بالرحلتين على قريش في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
قال ابن زيد رحمه الله تعالى: كانت لهم رحلتان؛ الصيف إلى الشام، والشّتاء إلى اليمن في التجارة. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
стр. 6294
وقال أبو مالك: كانوا يتجرون في الشتاء والصيف، فيأخذون في الشتاء على طريق البحر وأيلة إلى فلسطين يلتمسون الرخاء، وأما الصيف فيأخذون قبل بصرى وأذرعات يلتمسون البرد. رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر (١).
ولا شك أن الإنسان متى كان في أرض تلائمه وتوافق مزاجه كان أصفى قلباً، وأفرغ لأموره.
فلذلك امتنَّ الله تعالى عليهم بالرحلتين الموافقتين، وطالبهم بالشكر على ذلك، فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ٣، ٤].
وكذلك النعمة على العباد ما كان لهم مصيف ومشتى من أرض، أو بيت أو ثوب.
وروى الخطيب، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ إذا جاء الشتاء دخل البيت ليلة الجمعة، وإذا جاء الصيف خرج ليلة الجمعة، وإذا لبس ثوباً جديداً حمد الله تعالى وصلَّى ركعتين، وكسا الخلق (٢).
الثانية: تقدم عن الثعلبي أن آدم ﵇ لمَّا شكا إلى الله
стр. 6295
الوحشة آنسه بالخطاف، فلذلك لا تفارق الخطاطيف بني آدم، وفيه إشارة إلى حفظ مودَّة الآباء وتوارث الحب.
روى الطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، عن عفير رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْودُّ يُتَوَارَثُ، وَالْبُغْضُ يُتَوَارَثُ" (١).
قلت: شاهد الأول ألفة الخطاف بني آدم، وشاهد الثاني عداوة الحية بني آدم كما علمت فيما تقدم.
الثالثة: روى البيهقي عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية التابعي - مرسلاً -: أن النبي ﷺ نهى عن قتل الخطاطيف، وقال: "لا تَقْتُلُوْا هَذهِ الْعُوَّذَ؛ فَإِنَّهَا تَعُوْذُ بِكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ" (٢).
الاعتبار في ذلك أنَّها لمَّا كانت عائذة بالناس نهى النبي ﷺ عن قتلها؛ فإنَّ من حق العوذ بنا أن تأمن من غيرنا، فكيف لا تأمن منا؛ فكيف إذا عاذ المؤمن بالله واستجار به!
قال ﷺ : "مَنْ عَاذَ بِاللهِ فَقَدْ عَاذَ بِمَعَاذٍ". رَواه الترمذي، وغيره، وتقدم في التشبه ببني إسرائيل (٣).
стр. 6296
الرابعة: روى البيهقي - وقال: إسناده صحيح - عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما - موقوفاً عليه - أنَّه قال: لا تقتلوا الضفادع؛ فإنَّ نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخطاطيف؛ فإنَّه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب! سلطني على البحر حتى أعرفهم (١).
قلت: شكر الله تعالى ذلك للخطاف حيث حملته الغيرة لله، وبغض أعدائه على طلب ما لا يليق بحقارته وصغره من تغريقهم، فآمنه الله تعالى من القتل، وأسكنه البيوت، وحفظ على الوزغ عداوته لإبراهيم ﵇، فأباح قتله في الحل والحرم كما فهمت.
والاعتبار في ذلك أن العبد ينبغي له إذا عجز عن إنكار المنكر، وتغييره بيده أو بلسانه أن ينكره بقلبه، ويغضب على مرتكبه، ويبغضه طلباً لمرضاة الله تعالى.
الخامسة: روى أبو الشيخ في "العظمة" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "بَيْنَمَا سُلَيْمَانُ ﵊ يَسِيْرُ فِيْ الْمَوْكِبِ إِذْ عَرَضَ فِيْ الضِّيَاءِ فَيْء، فَعَدَلَ عَنِ الطَّرِيْق، فلمَّا أَنْ نزَلَ مَنْزِلَهُ جَاءَتْ خُطَّافَةٌ فِيْ مِنْقَارِهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ فَرَشَّتْ بِهِ مَكَانهُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵊: أتَدْرُوْنَ لِمَ عَدَلْتُ بِكُم؟
قَالُوْا: لا. قَالَ: جَاءَتْنِيْ هَذهِ فَأَخْبَرَتْنِيْ أَنَّهَا قَدْ فَرَّخَتْ فُرُوْخَهَا وَهُنَّ وَقع عَلَىْ الطَّرِيْق وَإِنَّكَ إِنْ أَخَذْتَ الطَّرِيْقَ حَطَّمْتَهُنَّ
стр. 6297
فَجَاءَتْ فَرَشَّتْ هَذَا الْمَكَانَ شُكْرًا لِمَا كَانَ" (١).
قلت: والاعتبار فيه أنَّه ينبغي مكافأة الإنسان على الإحسان بقدر الإمكان، وينبغي الجود جهد المقل.
قال النبي ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُوْلُ". رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وفي رواية قلت: يا رسول الله! أي الصدقة أفضل؟
قال: "جُهْدُ الْمُقِلِّ" (٢).
وقال ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ سِرٌّ إِلَىْ فَقِيْرٍ، وَجُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ". رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (٣).
- ومن أوصاف الطير: كثرة الاستيقاظ بالليل حذراً من الجوارح ، والاشتغال كلما استيقظ بالهدير بذكر الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
стр. 6298
وكذلك ينبغي للمؤمن أن يكون كثير الاستيقاظ للعبادة كلما استيقظ ذكر الله تعالى خائفاً من البَيَات.
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّه كان له مِهْراس فيه ماء، فيصلي ما قُدِّر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفى إغفاء الطير، ثم يقوم فيتوضأ، ثم يصلي، ثم يرجع إلى فراشه، فيغفى إغفاء الطير، ثم يثب فيتوضأ، ثم يصلي؛ يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمس مرات (١).
وقوله: إغفاء الطير؛ يعني: إنَّه كان لا يدوم نومه وغفلته، بل ينام كأنه مذعور يخاف البيات، كما أن الطير لا ينام نومة واحدة، بل تغفي وتهب خوفاً من الجوارح.
وفي كتاب الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩].
- ومن أوصاف طير الليل كالبوم، والهام، والخفاش: الاختفاء نهاراً خوفاً من كواسر الطير، وسكنى الخراب، والانفراد في الأماكن الخالية.
ومنها ما لا يبني له وَكْنة ولا عُشاً.
стр. 6299
وقد يستحسن من العبد مثل ذلك حيث كان فيه صلاح حاله، وخلوص قلبه، كما أنَّ عيسى بن مريم ﵉ لم يتخذ داراً ولا عقاراً.
وقد روى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعنده كعب الأحبار رحمه الله تعالى، فقال كعب: يا أمير المؤمنين! ألا أخبرك بأغرب شيء قرأته في كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: إن هامة جاءت إلى سليمان ﵇، فقالت: السلام عليك يا نبي الله.
قال: وعليك السلام يا هامة؛ أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع.
قالت: يا نبي الله! إنَّ آدم ﵇ أخرج من الجنة بسببه.
قال: وكيف لا تشربين الماء؟
قالت: لأنه غرق فيه قوم نوح ﵇، فلذلك لا أشربه.
قال لها سليمان: كيف تركت العمران ونزلت الخراب؟
قالت: لأن الخراب ميراث الله؛ فأنا أسكن ميراث الله.
قال سليمان: فما صياحك في الدور إذا مررت عليها؟
قال: أقول: ويل لبني آدم! كيف ينامون وأمامهم الشدائد.
قال: فما لك لا تخرجين بالنهار؟
قالت: من كثرة ظلم بني آدم لأنفسهم.
стр. 6300
قال: فأخبريني ما تقولين في صياحك؟
قالت: أقول: تذكروا يا غافلين، وتهيؤوا لسفركم؛ سبحان خالق النور!
فقال سليمان ﵇: ليس طير من الطير أنصح لبني آدم، وأشفق من الهامة، وما في قلوب الجهال أبغض منها (١).
يشير إلى أن الجهال لا يحبون الناصحين.
- ومن أوصاف الطير، وسائر البهائم والسباع والهوام: التراحم الذي يكون بين الجنس منها، أو بين النوع والتعاطف إلا ما شذ كمناقرة بعض الديوك، ومناطحة بعض الكباش، وإحالة الذئاب على الذئب إذا دَمِي كما قَدَّمناه، وأخص من ذلك عطف سائر الحيوانات على أولادها ورحمتها لها، وشفقتها عليها إلا ما شذ من ذلك كالهرة التي تأكل أولادها كما قال الشاعر: [من السريع]
أَما تَرى الدَّهْرَ وَهذا الوَرى ... كَهِرَّةٍ تَأكلُ أَوْلادَها (٢)
والأناسي أخص المخلوقات بهذه الرحمة؛ ولاسيما الشفقة على أطفالهم، وأطفال غيرهم، وعلى ضعفائهم.
روى مسلم عن أبي هريرة، وسلمان رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ للهِ تَعَالَىْ مِائَةُ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً
стр. 6301
بَيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُوْنَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُوْنَ، وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِيْنَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).
فالمطلوب من العبد المؤمن الرحمة والشفقة على إخوانه من الإنس، وعلى سائر الخلق خصوصاً الضعيف من المخلوقات، وهي صفة المؤمن؛ وقسوة القلب صفة المنافق.
وفي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خِيَارُ أُمَّتِيْ عُلَمَاؤُهَا وَخِيَارُ عُلَمَائِهَا رُحَمَاؤُهَا، أَلا وَإِنَّ اللهَ لَيَغْفِرُ لِلْعَالِمِ أَرْبَعِيْنَ ذَنْبًا قَبْلَ أَنْ يَغْفِرَ لِلْجَاهِلِ ذَنْبًا وَاحِدًا، أَلا وَإِنَّ الْعَالِمَ الرَّحِيْمَ يَجِيْءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ نُوْرَهُ قَدْ أَضَاءَ يَمْشِيْ بِهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَمَا يُضِيْءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ". رواه أبو نعيم، والخطيب وقال: منكر، وابن عساكر (٢).
وهذا الحديث - وإن كان منكر الإسناد - فإنَّ معناه صحيح (٣).
روى الشيخان عن جرير بن عبد الله ﵁ قال رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لا يَرْحَمِ النَّاسَ لا يَرْحَمُهُ اللهُ تَعَالَىْ" (٤).
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاء أعرابي إلى
стр. 6302
رسول الله ﷺ فقال: إنكم تقبلون الصبيان ولا نقبلهم.
فقال رسول الله ﷺ : "أَوَ أَمْلِكَ لَكَ أَنْ نزَعَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ" (١).
وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "الرَّاحِمُوْنَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ تَعَالَىْ، اِرْحَمُوْا مَنْ فِيْ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِيْ السَّمَاءِ" (٢).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله الصادقَ الصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ يقول: "لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ".
هذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن، وفي بعض نسخه: حسن صحيح (٣).
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، والأصبهاني - واللفظ له - عن معاوية بن قرة [عن أبيه] رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني آخذ شاة وأريد أن أذبحها فأرحمها.
قال رسول الله ﷺ : "وَالشَّاةَ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ الله" (٤).
стр. 6303
وروى ابن ماجه عن تميم الداري رضي الله تعالى عنه قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أَيُّهَا الْبَعِيْرُ! اسْكُنْ؛ فَإِنْ تَكُ صَادِقًا فَلَكَ صِدْقُكَ، وَإِنْ تَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْكَ كَذِبُكَ؛ مَعَ أَنَّ اللهَ تَعَالَىْ قَدْ آمَنَ عَائِذَناَ وَلَيْسَ بِخَائِبٍ لائِذُنَا".
فقلنا: يا رسول الله! ما يقول هذا البعير؟
فقال: "هَذَا بَعِيْرٌ قَدْ هَمَّ أَهْلُهُ بِنَحْرِهِ وَأَكْلِ لَحْمِهِ فَاسْتَغَاثَ بِنَبِيِّكُمْ".
قال: فبينا نحن كذلك إذ أقبل أصحابه يتعادون، فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول الله ﷺ فلاذ بها، فقالوا: يا رسول الله! هذا بعيرنا هرب منذ ثلاثة أيام، فلم نلقه إلا بين يديك.
فقال رسول الله ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ يَشْكُوْ لِيْ فَبِئْسَتِ الشِّكَايَةُ".
فقالوا: يا رسول الله! ما يقول؟
قال: "إِنَّهُ يَقُوْلُ: إِنَّهُ رُبِّيَ فِيْ أَمْنِكُمْ أَحْوَالاً، وَكُنتمْ تَحْمِلُوْنَ عَلَيْهِ فِيْ الصَّيْفِ إِلَىْ مَوْضعِ الْكَلأِ، فَإِذَا كَانَ الشِّتَاءُ رَحَلْتُمْ إِلَىْ مَوْضعِ الدِّفْءِ، فَلَمَّا كَبُرَ اسْتَفْحَلْتُمُوْهُ فَرَزَقَكُمْ اللهُ مِنْهُ إِبِلاً سَائِمَةً، فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ هَذهِ السَّنَةُ الْخَصْبَةُ هَمَمْتُمْ بِنَحْرِهِ وَأَكْلِ لَحْمِهِ".
فقالوا: قد والله كان ذلك يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ : "مَا هَذَا جَزَاءُ الْمَمْلُوْكِ الصَّالِحِ مِنْ مَوَالِيْهِ".
стр. 6304
قالوا: يا رسول الله! فإنا لا نبيعه ولا ننحره.
فقال ﷺ : "كَذَبْتُم، قَدْ اسْتَغَاثَ بِكُم فَلَم تَغِيْثُوْه، وَأَنَا أَوْلَى بِالرَّحْمَةِ مِنْكُمْ، فَإِنَّ اللهَ نزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوْبِ الْمُنَافِقِيْنَ، وَأَسْكَنَهَا فِيْ قُلُوْبِ الْمُؤْمِنِيْنَ".
فاشتراه النبي ﷺ منهم بمئة درهم، وقال: "أَيُّهَا الْبَعِيْرُ! اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَىْ".
فرغا على هامة رسول الله ﷺ ، فقال: "آمِيْنَ"، ثم رغا فقال: "آمِيْنَ"، ثم رغا، فقال: "آمِيْنَ"، ثم رغا الرابعة، فبكى رسول الله ﷺ فقلنا: يارسول الله! ما يقول هذا البعير؟
قال: "قَالَ: جَزَاكَ اللهُ أَيُّهَا النَّبِيُّ عَن الإِسْلامِ وَالْقُرْآنِ خَيْرًا، فَقُلْتُ: آمِيْنَ، ثُمَّ قَالَ: سَكَّنَ اللهُ رُعْبَ أُمَّتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا سَكَّنْتَ رُعْبِيْ، فَقُلْتُ: آمِيْنَ، ثُمَّ قَالَ: حَقنَ اللهُ دِمَاءَ أُمَّتِكَ مِنْ أَعْدَائِهَا - يَعْنِيْ: مِنْ الْكُفَّارِ - كَمَا حَقَنْتَ دَمِي، فَقُلْتُ: آمِيْنَ، ثُمَّ قَالَ: لا جَعَلَ اللهُ بَأْسَ أُمَّتِكَ بَيْنَهَا، فَبَكَيْتُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ سَأَلتُ رَبِّي فَأْعْطَانِيْهَا، وَمَنَعَنِيْ هَذِهِ، وَأَخْبَرَنِيْ جِبْرِيْلُ ﵇ عَن اللهِ تَعَالَىْ أَنَّ فَنَاءَ أُمَّتِيْ بِالسَّيْفِ، جَرىْ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ" (١).
وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، [عن رسول الله ﷺ ] قال: "دَنَا رجُلٌ إلى بئرٍ، فنزَلَ فشَرِبَ منها،
стр. 6305
وعلى البئرِ كلبٌ يَلْهَثُ، فرَحِمَهُ، فَنَزَعَ أحدَ خُفَّيهِ فَسَقَاهُ، فَشَكَرَ اللهُ له، فأدخلَهُ الجنَّةَ" (١).
وهو عند مالك في "الموطأ"، والشيخين، وأبي داود أبسط من هذا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِيْ بِطَرِيْقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيْهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَىْ مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الَّذِيْ بَلَغَ مِنِّيْ فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَ بِفِيْهِ حَتَّىْ رَقِيَ فَسَقَىْ الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللهَ لَه".
فقالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! إِنَّ لَنَا فِيْ الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟
فقال: "فِيْ كُلِّ كَبْدٍ حَرَّى رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (٢).
وروى الطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يُصْغي للهرة الإناء فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها (٣).
ولا شك أنَّ هذا من الرحمة.
وروى أبو داود الطيالسي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان