بَيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُوْنَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُوْنَ، وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِيْنَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).
فالمطلوب من العبد المؤمن الرحمة والشفقة على إخوانه من الإنس، وعلى سائر الخلق خصوصاً الضعيف من المخلوقات، وهي صفة المؤمن؛ وقسوة القلب صفة المنافق.
وفي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خِيَارُ أُمَّتِيْ عُلَمَاؤُهَا وَخِيَارُ عُلَمَائِهَا رُحَمَاؤُهَا، أَلا وَإِنَّ اللهَ لَيَغْفِرُ لِلْعَالِمِ أَرْبَعِيْنَ ذَنْبًا قَبْلَ أَنْ يَغْفِرَ لِلْجَاهِلِ ذَنْبًا وَاحِدًا، أَلا وَإِنَّ الْعَالِمَ الرَّحِيْمَ يَجِيْءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ نُوْرَهُ قَدْ أَضَاءَ يَمْشِيْ بِهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَمَا يُضِيْءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ". رواه أبو نعيم، والخطيب وقال: منكر، وابن عساكر (٢).
وهذا الحديث - وإن كان منكر الإسناد - فإنَّ معناه صحيح (٣).
روى الشيخان عن جرير بن عبد الله ﵁ قال رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لا يَرْحَمِ النَّاسَ لا يَرْحَمُهُ اللهُ تَعَالَىْ" (٤).
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاء أعرابي إلى
стр. 6302
رسول الله ﷺ فقال: إنكم تقبلون الصبيان ولا نقبلهم.
فقال رسول الله ﷺ : "أَوَ أَمْلِكَ لَكَ أَنْ نزَعَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ" (١).
وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "الرَّاحِمُوْنَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ تَعَالَىْ، اِرْحَمُوْا مَنْ فِيْ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِيْ السَّمَاءِ" (٢).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله الصادقَ الصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ يقول: "لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ".
هذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن، وفي بعض نسخه: حسن صحيح (٣).
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، والأصبهاني - واللفظ له - عن معاوية بن قرة [عن أبيه] رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني آخذ شاة وأريد أن أذبحها فأرحمها.
قال رسول الله ﷺ : "وَالشَّاةَ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ الله" (٤).
стр. 6303
وروى ابن ماجه عن تميم الداري رضي الله تعالى عنه قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أَيُّهَا الْبَعِيْرُ! اسْكُنْ؛ فَإِنْ تَكُ صَادِقًا فَلَكَ صِدْقُكَ، وَإِنْ تَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْكَ كَذِبُكَ؛ مَعَ أَنَّ اللهَ تَعَالَىْ قَدْ آمَنَ عَائِذَناَ وَلَيْسَ بِخَائِبٍ لائِذُنَا".
فقلنا: يا رسول الله! ما يقول هذا البعير؟
فقال: "هَذَا بَعِيْرٌ قَدْ هَمَّ أَهْلُهُ بِنَحْرِهِ وَأَكْلِ لَحْمِهِ فَاسْتَغَاثَ بِنَبِيِّكُمْ".
قال: فبينا نحن كذلك إذ أقبل أصحابه يتعادون، فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول الله ﷺ فلاذ بها، فقالوا: يا رسول الله! هذا بعيرنا هرب منذ ثلاثة أيام، فلم نلقه إلا بين يديك.
فقال رسول الله ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ يَشْكُوْ لِيْ فَبِئْسَتِ الشِّكَايَةُ".
فقالوا: يا رسول الله! ما يقول؟
قال: "إِنَّهُ يَقُوْلُ: إِنَّهُ رُبِّيَ فِيْ أَمْنِكُمْ أَحْوَالاً، وَكُنتمْ تَحْمِلُوْنَ عَلَيْهِ فِيْ الصَّيْفِ إِلَىْ مَوْضعِ الْكَلأِ، فَإِذَا كَانَ الشِّتَاءُ رَحَلْتُمْ إِلَىْ مَوْضعِ الدِّفْءِ، فَلَمَّا كَبُرَ اسْتَفْحَلْتُمُوْهُ فَرَزَقَكُمْ اللهُ مِنْهُ إِبِلاً سَائِمَةً، فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ هَذهِ السَّنَةُ الْخَصْبَةُ هَمَمْتُمْ بِنَحْرِهِ وَأَكْلِ لَحْمِهِ".
فقالوا: قد والله كان ذلك يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ : "مَا هَذَا جَزَاءُ الْمَمْلُوْكِ الصَّالِحِ مِنْ مَوَالِيْهِ".
стр. 6304
قالوا: يا رسول الله! فإنا لا نبيعه ولا ننحره.
فقال ﷺ : "كَذَبْتُم، قَدْ اسْتَغَاثَ بِكُم فَلَم تَغِيْثُوْه، وَأَنَا أَوْلَى بِالرَّحْمَةِ مِنْكُمْ، فَإِنَّ اللهَ نزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوْبِ الْمُنَافِقِيْنَ، وَأَسْكَنَهَا فِيْ قُلُوْبِ الْمُؤْمِنِيْنَ".
فاشتراه النبي ﷺ منهم بمئة درهم، وقال: "أَيُّهَا الْبَعِيْرُ! اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَىْ".
فرغا على هامة رسول الله ﷺ ، فقال: "آمِيْنَ"، ثم رغا فقال: "آمِيْنَ"، ثم رغا، فقال: "آمِيْنَ"، ثم رغا الرابعة، فبكى رسول الله ﷺ فقلنا: يارسول الله! ما يقول هذا البعير؟
قال: "قَالَ: جَزَاكَ اللهُ أَيُّهَا النَّبِيُّ عَن الإِسْلامِ وَالْقُرْآنِ خَيْرًا، فَقُلْتُ: آمِيْنَ، ثُمَّ قَالَ: سَكَّنَ اللهُ رُعْبَ أُمَّتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا سَكَّنْتَ رُعْبِيْ، فَقُلْتُ: آمِيْنَ، ثُمَّ قَالَ: حَقنَ اللهُ دِمَاءَ أُمَّتِكَ مِنْ أَعْدَائِهَا - يَعْنِيْ: مِنْ الْكُفَّارِ - كَمَا حَقَنْتَ دَمِي، فَقُلْتُ: آمِيْنَ، ثُمَّ قَالَ: لا جَعَلَ اللهُ بَأْسَ أُمَّتِكَ بَيْنَهَا، فَبَكَيْتُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ سَأَلتُ رَبِّي فَأْعْطَانِيْهَا، وَمَنَعَنِيْ هَذِهِ، وَأَخْبَرَنِيْ جِبْرِيْلُ ﵇ عَن اللهِ تَعَالَىْ أَنَّ فَنَاءَ أُمَّتِيْ بِالسَّيْفِ، جَرىْ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ" (١).
وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، [عن رسول الله ﷺ ] قال: "دَنَا رجُلٌ إلى بئرٍ، فنزَلَ فشَرِبَ منها،
стр. 6305
وعلى البئرِ كلبٌ يَلْهَثُ، فرَحِمَهُ، فَنَزَعَ أحدَ خُفَّيهِ فَسَقَاهُ، فَشَكَرَ اللهُ له، فأدخلَهُ الجنَّةَ" (١).
وهو عند مالك في "الموطأ"، والشيخين، وأبي داود أبسط من هذا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِيْ بِطَرِيْقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيْهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَىْ مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الَّذِيْ بَلَغَ مِنِّيْ فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَ بِفِيْهِ حَتَّىْ رَقِيَ فَسَقَىْ الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللهَ لَه".
فقالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! إِنَّ لَنَا فِيْ الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟
فقال: "فِيْ كُلِّ كَبْدٍ حَرَّى رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (٢).
وروى الطبراني في "الأوسط"، وأبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يُصْغي للهرة الإناء فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها (٣).
ولا شك أنَّ هذا من الرحمة.
وروى أبو داود الطيالسي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان
стр. 6306
رسول الله ﷺ رحيمًا بالعيال (١).
وأخرجه ابن عساكر، وقال: كان أرحم الناس بالصبيان والعيال (٢).
وروى البخاري في "الأدب المفرد"، وعنه قال: كان رسول الله ﷺ رحيماً، وكان لا يأتيه أحد إلا وعده وأنجز له إن كان عنده (٣).
ويكفي في وصفه بالرأفة والرحمة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وكذلك ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك متخلقاً بهذه الأخلاق الكريمة، ولا تتم له إلا بالعلم، فمن جمع بين العلم والرحمة، وأجراهما مجراهما، فهو أفضل الناس اتباعاً للنبي ﷺ ، ولذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أرحم الأمة بالأمة؛ أي: بعد رسول الله ﷺ .
وروى ابن جرير عن أبي صالح الحنفي رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ رَحِيْمٌ يُحِبُّ الرَّحِيْمَ، يَضَعُ رَحْمَتَهُ عَلَى كُلِّ رَحِيْمٍ".
قالوا: يا رسول الله! إنَّا لنرحم أنفسنا وأموالنا وأزواجنا.
стр. 6307
قال: "لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ كُوْنُوْا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَىْ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] " (١).
وقلت: [من الخفيف]
أَرْحَمُ النَّاسِ بِالأَنامِ نَبِيٌّ ... وَصَفَ اللهُ بِالرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ
وَالَّذِي يَقْتَدِي بِهِ فِي هُداهُ ... فَهْوَ أَوْلَى الوَرَى بِوَصْفِ العَلِيمِ
كُنْ رَؤُوفاً بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ... تَلْقَ رُحْمَى مِنَ الرَّحِيمِ العَظِيمِ
وَقُساةُ القُلُوبِ أَحْرى مِنَ اللـ ... ـه بِبُعْدٍ عَنِ الْمَقامِ الكَرِيمِ
وَذَوو الرَّحْمَةِ الكِرامُ حَرِيُّو ... نَ بِها وَهْيَ عَيْنُ دارِ النَّعِيمِ
ومن شأن الطير اللازم لها ما وقعت الإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩].
قوله: ﴿صَافَّاتٍ﴾؛ أي: أجنحتهن يبسطنها مصفوفة.
﴿وَيَقْبِضْنَ﴾؛ أي: يضربن بأجنحتهن بسطاً وقبضاً، وبذلك يتيسر لها الطيران كما قال تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
والتشبه بالطير، والطيران على وجهين:
الأول: أن يكون بالهمة وطلب المعالي والمعارف كما قال
стр. 6308
الشيخ نجم الدين المعروف بالكبري: المريد سيار، والعارف طيار.
والثاني: أن يكون على الحقيقة، وذلك لا يتهيأ إلا لبعض أولياء الله تعالى على وجه الكرامة وخرق العادة، ولا يكون ذلك بالتعمل، وإنما يكون إكراما من الله تعالى لمن شاء من عباده من أهل اليقين.
وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال في عيسى ﵇ وقد ذكر أنه كان يمشي على الماء - قال: "لَو ازْدادَ يَقِيْناً لَمَشى فِيْ الْهَوَاءِ" (١).
قال أبو علي الدقاق: أشار النبي ﷺ بذلك إلى مقام نفسه ليلة المعراج؛ أشار إليه الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" في باب اليقين.
وقال في باب الكرامات: وحكيَ عن أبي عمران الواسطي قال: انكسرت بنا السفينة، وبقيت أنا وامرأتي على لوح، وقد ولدت في تلك الحالة صبية فصاحت بي، وقالت: يقتلني العطش.
فقلت: هو ذا تَرَينَ حالنا.
فرفعت رأسي فإذا رجل جالس في الهواء وفي يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت أحمر، وقال: هاك اشربا.
قال: فأخذت الكوز، وشربنا منه، فإذا هو أطيب من المسك، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، فقلت: مَنْ أنت يرحمك الله تعالى؟
стр. 6309
فقال: عبد لمولاك.
فقلت: بم وصلت إلى هذا؟
فقال: تركت هواي لمرضاته، فأجلسني في الهواء، ثم غاب عني فلم أره.
قال: وقيل: كان لإبراهيم بن أدهم صاحب يقال له: يحيى، يتعبد في غرفة ليس لها سلم ولا درج، فكان إذا أراد أن يتطهر يحرك باب الغرفة، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويمر في الهواء كأنه طائر ثم يتطهر، فإذا فرغ يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويعود إلى غرفته.
وقد تقدم أن هذه الكلمة هي التي تقولها الملائكة ﵈ إذا أراد الواحد منهم هبوطاً أو صعوداً، وبها أقلت حملة العرش العرش بعد أن لم يقدروا عليه، ولهذه الكلمة سر عظيم، وهي من كنوز العرش، وقد سبق فضلها.
ثم إن الكرامة بالمشي على الماء أو في الهواء لا ينبغي أن يتعجب من وقوعهما لبعض أولياء الله تعالى بعد أن تيسر ذلك للحوت والطير.
وقد يتفق مثل هذا الخارق لغير ولي؛ إما على سبيل الاستدراج، وإما من باب السيمياء والإيهامات، وذلك لا فضلية فيه بخلاف ما كان على وجه الكرامة.
стр. 6310
قال القشيري: قيل لأبي يزيد - يعني: البسطامي -[فلان] يمشي ليلاً إلى مكة؟
فقال: الشيطان يمشي في ساعة من المشرق إلى المغرب.
وقيل له: فلان يمشي على الماء؟
فقال: الطير يطير في الهواء، والحوت يمر على الماء.
- ومن أحوال الطير أو أكثرها: المزاوجة .
فكل طائر ذكر وله أنثى يعطف عليها وتعطف عليه بخلاف غيرها من البهائم؛ فإن الذكر منها يأتي كل أنثى، والأنثى منها تقبل كل ذكر، وممَّا شذ من الطير في ذلك الديك؛ فإنهم عدُّوا من خصاله التي لا تحمد أنه لا يحنو على ولده، ولا يألف زوجة واحدة، وهو أبله الطبع.
ومن لطائف بعض الأدباء: [من السريع]
قَدْ ماتَ دِيكٌ عِنْدَ جارٍ لَنا ... صاحَتْ دَجاجاتٌ عَلى قَبْرِهِ
أَذانُه طَوَّلَ مِنْ عُمْرِهِ ... وَفِسْقُهُ قَصَّرَ مِنْ عُمْرِهِ
وكذلك ينبغي للإنسان أن تكون شهوته مقصورة على حليلته، ولا يفضي بها إلى كل أنثى [ ... ] (١) كما تقدم.
ثم ينبغي له أن يعطف على أهله ويستوصي بها، وللمرأة أن تعطف على بعلها، وتقوم بخدمته ورعايته.
стр. 6311
وفي الحديث المتقدم "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ" (١).
وروى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَسَاءِ مَنْ تَسُرُّكَ إِذَا أَبْصَرْتَ، وَتُطِيْعُكَ إِذَا أَمَرْتَ، وَتَحْفَظُ غَيْبَكَ فِيْ نَفْسِهَا وَمَالِكَ" (٢).
وروى الإمام أحمد، والنسائي بسند صحيح، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ النّسَاءِ الَّتِيْ تُسِرُّ زَوْجَهَا إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيْعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلا تُخَالِفُهُ فِيْ نَفْسِهَا وَلا مَالِهَا بِمَا يَكْرَه".
وفي رواية: "وَتَحْفَظُهُ فِيْ نَفْسِهَا وَمَالِهِ" (٣).
وروى أبو داود نحوه - بسند صحيح - عن ابن عباس ﵄ (٤).
وروى ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "النِّسَاءُ امْرَأَةٌ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وإَذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِيْ مَالِهَا وَنَفْسِهَا" (٥).
стр. 6312
- ومن أحوال الطير - خصوصاً أشرافها -: علو الهمة، وبلوغ المآرب بالطيران .
وكذلك ينبغي للمؤمن أن تعلو همته وتتشوَّف بها إلى بلوغ مآربه من مرضاة الله بطاعته، فلا يرضى بمنزلة دون الجنة كما قيل لبعض العارفين: فلان يعبد الله؛ قال: إذاَ لا يرضى بمنزلة دون الجنة.
وإلى قضاء حوائج إخوانه، ونفع ذويه بجاهه وماله، وطلب الإخوان في الله تعالى، وزيارتهم، وعيادة مرضى المسلمين، وتشييع جنائزهم، وتهنئتهم وتعزيتهم، وغير ذلك مما تبلغه همم الرجال.
ولير نفسه إذا قصر عن بلوغ المآرب الأخروية والدنيوية بالهمة كأنه مقصوص الجناحين.
ومن لطائف القاضي عياض ما أنشده له ابن خلكان:
اللهُ يَعْلَمُ أَني حِينَ لَمْ أَرَكُمْ ... كَطائِرٍ خانَهُ رِيشُ الْجَناحَيْنِ
فَلَوْ قَدِرْتُ رَكِبْتُ البَحْرَ نَحْوَكُمُ ... فَإِنَّ بُعْدَكُمْ عَني جَنَى حِينِي (١)
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي علي الروذباري رحمه الله تعالى قال: الخوف والرجاء كجناحي الطائر؛ إذا استويا استوى الطائر وتم طيرانه، وإذا انتقص واحد منهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا جميعاً صار الطائر في حد الموت، ولذلك قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا (٢).
стр. 6313
وقلت: [من مجزوء الرمل]
إِنَّ خَوْفِي وَرَجائِي ... كَجَناحَيْنِ لِطَيْر
بِهِما أَظْفَرُ مَهْما اعْـ ... ـتَدَلا مِنِّي بِخَيْر
- ومن أحوال الطير والوحش: الإمساك يوم عاشوراء عن الطعام والشراب .
روى الأصبهاني في "الترغيب" عن قيس بن عباد رحمه الله تعالى قال: بلغني أن الوحش كانت تصوم يوم عاشوراء (١).
وروى ابن قانع في "معجمه" عن سلمة بن أمية قال: رآني رسول الله ﷺ وعلى يدي صرد فقال: "هَذَا أَوَّلُ طَيْرٍ صَامَ".
وفي رواية: "أَوَّلُ طَيْرٍ صَامَ يَوْمَ عَاشُوْرَاءَ" (٢).
قال الحاكم: هذا حديث باطل، انتهى (٣).
وممن خرجه أبو موسى المديني، والخطيب (٤).
وروى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: الصرد أول طير صام (٥).
стр. 6314
والصرد - بضم الصاد المهملة، وفتح الراء -: طائر فوق العصفور، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم الرأس والمنقار، عظيم الأصابع، ممتنع لا يقدر عليه أحد.
وروى الأصبهاني عن الفتح بن شخرف - وكان رحمه الله تعالى من الزهاد - قال: كنت أفُت للنمل خبزاً كل يوم، فلما كان يوم عاشوراء لم تأكل.
وروى أبو موسى المديني عن رجل أتى البادية في يوم عاشوراء، فرأى قومًا يذبحون ذبائح، فسألهم عن ذلك، فأخبروه أن الوحوش صائمة، وقالوا: اذهب بنا نرى، فذهبوا إلى روضة فأوقفوه، فلما كان بعد العصر جاءت الوحوش من كل وجه، فأحاطت بالروضة رافعة رؤوسها، ليس شيء منها يأكل حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعاً فأكلت.
قلت: لعل الحكمة في صوم الوحوش والطير يوم عاشوراء: أنَّ سفينة نوح ﵇ استوت على الجُودي يوم عاشوراء، فهي تصوم خصوصية لذلك اليوم.
كما روى الأصبهاني، وغيره عن أبي هريرة قال: إنَّ سفينة نوح ﵇ استوت على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح ﵇ ذلك اليوم، وصامته الحيوانات التي كانت معه في السفينة (١).
стр. 6315
ولا يلزم أن تصوم عاشوراء سائر الحيوانات؛ فإنها غير مكلفة، وإنما يصومه منها الطير والوحش، أو شيء منها بإلهام من الله تعالى لتبقى آثار معجزة نوح ﵊ كما بقيت له آثار معجزة أخرى، وهي ما رواه الثعلبي بإسناده عن مالك بن سليمان الهروي: أن الحية والعقرب أتيا نوحاً ﵇، فقالتا: احملنا.
قال: إنكما سبب الضرر والبلايا والأوجاع، فلا أحملكما.
قالتا: احملنا؛ فإنَّا نضمن لك أن لا نضر أحداً ذَكَرَك، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٩ - ٨١] ما ضرتاه (١).
وروى ابن عبد البر في "التمهيد" عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: بلغني أن من قال حين يمسي: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]؛ لم يلدغه عقرب (٢).
وروى ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَالَ حِيْنَ يُمْسِي: صَلَّى اللهُ عَلَىْ نُوْحٍ وَعَلَىْ نُوْحٍ السَّلامُ، لَمْ يَلْدَغْهُ عَقْرَب تِلْكَ اللَّيْلَة" (٣).
وكما بقيت آثار آية الله تعالى في هلاك قوم هود ﵇
стр. 6316
بالريح العقيم في الأيام الثمانية والليالي السبع الحُسُوم في عجز الشتاء بحيث يظهر فيها في كل عام الرياح الباردة والتغيرات الظاهرة.
- ومن ذلك النحل؛ فإنَّ لها أخلاقاً مدحها الشرع، وأرشد الشارع ﷺ إليها؛ فينبغي للمؤمن أن يتخلق بها.
روى ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الكبير" عن أبي رزين ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّحْلَةِ لا تَأْكُلُ إِلا طَيِّبًا، وَلا تَضَعُ إِلا طَيِّبًا" (١).
وروى الرامهرمزي في "الأمثال"، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكْلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا، وَوَقَعَتْ فَلَمْ تُفْسِدْ وَلَمْ تكْسِرُ، وَمَثَلُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْقِطْعَةِ الْجَيِّدَةِ مِنَ الذهَبِ نَفَخَ عَلَيْهَا فَخَرَجَتْ طَيِّبَةً وَوزِنَتْ فَلَمْ تَنقُصْ" (٢).
ورواه البيهقي في "الشعب"، ولفظه: "مَثَلُ المْؤُمِنِ مَثَلُ النَّحْلَةِ إِنْ أَكَلَتْ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَإِنْ وَضَعَتْ وَضَعَتْ طَيِّبًا وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَىْ عُوْدٍ نَخْرٍ لَمْ تكْسِرْهُ" (٣).
стр. 6317
قوله: "إِنْ أَكَلَتْ أَكَلَتْ طَيِّبًا"؛ أي: وكذلك المؤمن لا يأكل إلا طيباً وهو الحلال، وما لا مِنَّة فيه لمخلوق.
"وإِذَا وَضَعَتْ وَضَعَتْ طَيِّبًا"؛ أي: وكذلك المؤمن لا يظهر من أقواله وأفعاله إلا الطيب، وهو الحسن المقبول عند الله تعالى وعند المؤمنين، لا يتكلم إلا بخير، ولا يتحرك إلا في خير، ولا يجد الناس منه إلا خيراً، ولا يقول في أحد إلا خيراً، ولا يظن في مؤمن إلا خيراً، ولا يضره قول المنافقين، ولا ذم من لا يذم بحق، أو من يتكلم بغرض النفس، أو من لا يعرف الحق من الباطل، كما لا يضر النحلة من يذمها باللسع ويعرض عن العسل، والنحلة لا تلسع أذية بل دفعاً للأذى عنها، وكذلك المؤمن لا يضره الانتصار بحق، والمؤمن لا ينوي إلا خيراً، ولا يريد بعمل ولا بقول إلا الخير، ولا يسلك إلا سبيل الخير، كما أن النحلة لا تخرج من بيتها إلا للاجتناء الطيب سالكة سبل ربها ذُلُلاً كما أمرها الله تعالى.
وقوله ﷺ : "وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَىْ عُوْدٍ نَخْرٍ لَمْ تكْسِرْهُ"؛ أي: وكذلك المؤمن لين العَرِيكة لا يصيب الناس منه أذى، وإن استضعفهم فمؤنته خفيفة وكُلفته لطيفة، وسيرته نظيفة، ونفسه كريمة عفيفة.
والمراد من الحديث: تهييج الأمة إلى التخلق بهذه الأخلاق التي لا يتحقق الإيمان إلا بها.
وقال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة حذق النحل وفطنته، وقلة أذاه وحقارته، ومنفعته وقنوعه، وسعيه في النهار، وتنزهه عن الأقذار، وطيب أكله؛ فإنه لا يأكل من كسب غيره، ونُحُولُه وطاعته
стр. 6318
لأميره، وأنَّ للنحل آفات تقطعه عن عمله؛ منها: الظلمة، والغيم، والريح، والدخان، والماء، والنار، وكذلك المؤمن له آفات تفتره عن عمله: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء السمعة، ونار الهوى، انتهى (١).
وروى أبو نعيم عن أشرس بن عبد الرحمن - وكان فاضلاً - عن وهب رحمه الله تعالى قال: مر عابد براهب، فأشرف عليه، فقال: منذ كم أنت بهذه الصومعة؟
قال: منذ ستين سنة.
قال: وكيف صبرت فيها ستين سنة؟
فقال: من آفات الدنيا.
ثم قال: يا راهب! كيف ذكرك للموت؟
قال: ما أحسب عبداً يعرف أنه لا يأتي عليه ساعة لا يذكر الموت فيها، وما أرفع قدماً إلا وأنا أظن أني لا أضعها حتى أموت، وما أضع قدماً إلا وأنا أظن أني لا أرفعها حتى أموت.
قال: فجعل العابد يبكي، فقال له الراهب: هذا بكاؤك في العلانية، فكيف أنت إذا خلوت؟
فقال العابد: إني لأبكي عند إفطاري فأشرب شرابي بدموعي، وآكل طعامي بدموعي، ويصرعني النوم فأبل مضاجعي بدموعي.
стр. 6319
قال له: إنك أن تضحك وأنت معترف لله بذنبك خير لك من أن تبكي وأنت تمن على الله بذلك.
قال: فأوصني بوصية.
قال: كن في الدنيا بمنزلة النحلة؛ إن أكلت أكلت طيباً، وإن وضعت وضعت طيباً، وإن سقطت على شيء لم تضرَّه ولم تكسره، ولا تكن في الدنيا بمنزلة الحمار؛ إنما همته أن يشبع ثم يرمي نفسه في التراب، وانصح لله نصح الكلب لأهله؛ فإنهم يجيعونه ويطردونه وهو يحرسهم.
قال أبو عبد الرحمن الشرس: وكان طاوس رحمه الله تعالى إذا ذكر هذا الحديث بكى، ثم قال: عز علينا أن تكون الكلاب أنصح لأهلها منا لمولانا (١).
وفي هذا المعنى قال الشاطبي رحمه الله تعالى: [من الطويل]
وَقَدْ قِيلَ: كُنْ كَالْكَلْبِ يُقْصِيهِ أَهْلُهُ ... وَلا يَأْتَلِي فِي نُصْحِهِمْ مُتَبَذِّلاً (٢) ومما يناسب هذا ما رُوي عن بعض أهل الغلم: أن في الكلب عشر خصال ينبغي لكل مؤمن أن تكون فيه:
- إن الكلب في الغالب جائع.
стр. 6320
- وليس له مكان معروف.
- ولا ينام من الليل إلا قليلاً.
- ويرضى من الأرض بأردأ الأماكن.
- وإذا غُلِب على مكانه تركه وانصرف إلى غيره.
- وإذا رحل من مكان لا يلتفت إليه.
- وليس له ميراث.
- ولا يترك صاحبه وإن جفاه.
- وإذا ضرب وطرد ثم ألقي عليه كسرة أجاب ولم يحقد على ما مضى.
- وإذا حضر الطعام جلس بعيداً عن الأكل (١).
وكذلك ينبغي للمؤمن أن يكون مُؤثراً للجوع، غريباً عن الناس، متواضعاً، محتملاً للأذى، غير متأسف على شيء من الدنيا، مكثراً من قيام الليل في طاعة الله تعالى، فقيراً، ودوداً، ذليل النفس، عفواً، غير حقود ولا شره.
وقال بعضهم: [من المتقارب]
تَعَلَّمْتُ أَخْلاقَ هَذِي الكِلابِ ... وَمَنْ لِي بِأَمْثالِها فِي صِحابِي
وَفاءٌ وَصَبْرٌ وَحِفْظُ الذمامِ ... وَذَبٌّ عَنِ الْخيلِ عِنْدَ الضِّرابِ
стр. 6321
وَيَسْهَرُ إِنْ نِمْتُ فِي قَفْرَةٍ ... وَيَحْفَظُنِي مِنْ ضَوارِي الذِّئابِ
كِلابٌ وَلَكِنَّها فُضِّلَتْ ... عَلى بَعْضِ قَوْمٍ مَشَوْا فِي الثِّيابِ
وقال ابن عبد ربه في "العقد": أهدى علي بن الجهم كلباً وكتب: [من المنسرح]
اسْتَوْصِ خَيْراً بِهِ فَإِنَّ لَهُ ... عِنْدِي يَداً لا أَزالُ أَحْمَدُها
يَدُلُّ ضَيْفِيَ عَلَيَّ فِي غَسَقِ اللَّـ ... ـيْلِ إِذا النَّارُ نامَ مَوْقِدُها (١)
وأنشد غيره للشريف الموسوي: [من الكامل]
أَنا كَالْكَلْبِ الَّذِي إِنْ تُوْلهِ ... شُكْرَ الْجَمِيلِ غَدا لِبِرِّكَ شاكِراً
وَإِذا تَكَرَّرَ ذاكَ مِنْكَ إِلَيْهِ أَضْـ ... ـحَى عَنْكَ للأَعْداءِ سَيْفاً باتِراً
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن جعفر بن سليمان قال: رأيت مع مالك بن دينار كلباً، فقلت: ما تصنع بهذا؟
قال: هذا خير من جليس السوء (٢).
وروى القاسم بن سلمة - بإسناده - عن علقمة بن عبد الله قال: أول شيء اتخذ الكلب للحراسة نوح ﵇؛ قال: يا رب! أمرتني أن أصنع الفلك وأنا في صناعته، أصنع أياماً فيجيئون في الليل فيفسدون كل ما عملت، فمتى يلتئم لي ما أمرتني به؟ قد طال علي أمري.
стр. 6322
فأوحى الله تعالى إليه: يا نوح! اتخذ كلباً يحرسك.
فاتخذ نوح ﵇ كلباً، وكان يعمل بالنهار وينام بالليل، فإذا جاء قومه ليفسدوا بالليل نبحهم الكلب، فينتبه نوح ﵇، فيأخذ الهراوة، ويثب لهم فينهزمون، والتأم له ما أراد (١).
والحراسة مطلوبة لأمور الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١].
وهذا منه، وأفضلها الحراسة في سبيل الله.
وروى الترمذي وحسَّنه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ : "عَيْنَانِ لا تَمَسَّهُمَا النَّارُ؛ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ" (٢).
وروى الطبراني في "الكبير" بسند جيد، عن معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثة لا تَرَى أَعْيُنَهُم النَّارَ؛ عَيْنٌ حَرَسَتْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ غَضَّت عَنْ مَحَارِمِ اللهِ" (٣).
стр. 6323
ومن لطائف الشريف أبي المختار أحمد بن محمد العلوي ما كتبه إلى بعض الأمراء: [من الوافر]
مَرَرْتُ عَلى كِلابِ الصَّيْدِ يَوماً ... وَقَدْ أَلْقى الغُلامُ لَها سِخالاً
فَلَوْ أَنِّي وَمَنْ يَحْوِيهِ دارِي ... كِلابُكَ لَمْ نَجِدْ أَبَداً هُزالاً
فَقُلْ ما شِئْتَ فِي رَجُلٍ شَرِيفٍ ... يَكُونُ الكَلْبُ أَحْسَنَ مِنْهُ حالاً (١)
وهذا الذي قاله حال كثير من الأمراء والأجناد الآن؛ يتعانون الصيد فيتخذون لها الكلاب، فربما أطعموها اللحوم والنفائس، وجلَّلوها بالجِلال، واستخدموا لها الرجال، وأعرضوا عن الأكباد الجائعة من الأناسي حتى أخص الناس بهم.
وهذا من الغفلة التي أشار إليها رسول الله ﷺ بقوله: "مَن اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ" (٢).
بل منهم من يخرج إلى الصحراء أياماً وليالي للصيد، ثم يبيتون في بعض القرى، فيكلفون أهلها أضعاف أضعافِ ما صادوه، وهذا ضلال مبين وظلم عظيم.
وفي المثل: كلب أعتس خير من أسد ربض.
وربما قالوا: كلب أعتس خير من أسد أندس.
وربما قالوا: كلب عس.
стр. 6324
وربما قالوا: كلب عائر خير من أسد رابض.
والعائر: المتردد.
قال الزمخشري: والعامة تقول: كلب طوَّاف خير من أسد رابض؛ يضرب في تفضيل الضعيف إذا تصرف في الكسب على القوي إذا تقاعس (١).
ولاشك أنَّ الحركة في طلب الرزق مع الاعتماد على فضل الله والثقة به أولى بالمؤمن من أن يكون بطالاً؛ لا سيما إذا لم يشتغل بالعبادة.
وفي المثل: كل طائر يصيد قدره.
قال الزمخشري: يضرب في إقدام المرء على ما يقدر عليه (٢).
قلت: وأبلغ منه قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وهذا استطراد حسن، ولنعد إلى ما يتعلق بالنحل.
- ومن أوصاف النحل: ما أشار إليه سيدنا علي رضي الله تعالى عنه فيما رواه الدينوري عنه قال: كونوا في الناس كالنحل في الطير؛ إنه ليس شيء في الطير إلا وهو يستضعفها، ولو تعلم الطير ما في أجوافها لم يفعلوا ذلك بها.
стр. 6325
وخالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم؛ فإن للمرء ما كسب، وهو يوم القيامة مع من أحب (١).
وقد اشتمل هذا الكلام إلى إرشاد العبد إلى أن يكون في الظاهر مستضعفاً، مَهيناً لا يؤبه به، وفي باطن أمره يكون مقبلاً على أعمال الخير متعبداً بها، مخلصاً فيها صادقاً في كل أحواله وأنفاسه.
روى الإمام أحمد، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوْعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَىْ اللهِ لأَبَرَّهُ" (٢).
ورواه الحاكم وصححه، وأبو نعيم، ولفظه: "رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِيْ طِمْرَيْنِ تَنْبُوْ عَنْهُ أَعْيُنُ النَّاسِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىْ اللهِ لأَبَرَّهُ" (٣).
وروى البزار عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "رُبَّ ذِيْ طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ بِهِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَىْ اللهِ لأَبَرَّهُ" (٤).
- ومن أوصاف النحل: الدوي في ذكر الله تعالى ، وهو تسبيحها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
стр. 6326
وقد أثنى الله تعالى على هذه الأمة بأن دويهم في مساجدهم كدوي النحل.
روى الطبراني، وابن سعد، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه سأل كعب الأحبار: كيف تجد نعت رسول الله ﷺ في التوراة؟
فقال كعب: نجده: محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومهاجره إلى طابة، ويكون ملكه في الشام، وليس بفحاش، ولا سخاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمَّادون يحمدون الله في كل سراء وضراء، ويكبرون الله على كل نجد، يوضؤون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصُفُّون في صلاتهم كما تصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء (١).
- ومن خصال النحل: أنها لا ترعى إلا الطيِّب .
فالتشبه بها في ذلك يحصل بأكل الحلال.
روى مسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمْرَ بِهِ الْمُرْسَلِيْنَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ
стр. 6327
وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَىْ السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبُسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" (١).
ولطف بعضهم في قوله: [من مجزوء الكامل]
رِزْقُ الضَّعِيفِ بِعَجْزِهِ ... فاقَ القَوِيَّ الأَغْلَبا
كَالنَّسْرِ يَأْكُلُ جِيفَةً ... والنَّحْلُ يَأْكُلُ طَيِّباً
- ومن خصال النحل: ما أشار إليه بعض حكماء اليونان فقال لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا.
قالوا: وكيف يكون النحل؟
قال: إنها لا تترك عندها بطالاً إلا أبعدته وأقصته لأنه يضيق المكان، ويفني العسل، ويعلِّم النشيطَ الكسلَ.
قال في "حياة الحيوان": والنحل تجتمع فتقتسم الأعمال؛ بعضها يعمل الشمع، وبعضها يعمل العسل، وبعضها يستقي، وبعضها يعمل البيوت، انتهى.
فينبغي للإخوان أن يكونوا كذلك متعاونين على الخير كما قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
стр. 6328
ومن اللطائف: ما رواه الدينوري في "المجالسة" عن الربيع بن نافع قال: سمعت من يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى حرفاً في الورع ما سمعت أحسن منه.
قلت له يوماً وقد اتخذ كوائر نحل: يا أبا محمد! لو اتخذت حماماً؟
فقال: النحل أحب إلي من الحمام؛ الحمام تدخل الغريب، والنحل لا تداع الغريب يدخل فيها، فمن هنا اتخذت النحل (١).
- ومن النحل اليعسوب: وهو كبير النحل ورئيسها الذي لا يتم أمرها إلا به، وكذلك المؤمنون لا بد لهم من إمام يقوم بمصالحهم، ويسد ثغورهم، ويدفع أعداءهم ومضارهم، وعليهم طاعته.
روى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: إن لكل شيء سيداً، حتى إنَّ للنحل سيداً (٢).
وفي المثل: صار الأمر إلى النزعة؛ أي: أصحاب الأناة مع وازع؛ ذكره في "الصحاح"، وتبعه في "القاموس" (٣).
وهذا المثل يضرب لاستقامة الأمر، ورده إلى من له أناة وتروٍ في
стр. 6329
الأمور؛ لأن من كان كذلك كان له حسن تدبير.
وأورد الزمخشري في "المستقصى" المثل: صار الأمر إلى الوزعة؛ أي: الذي يكفون الجهلاء؛ يضرب في وقوع الأمر إلى من يضبطه (١).
وقال في "القاموس": الوزعة - محرك -: جمع وازع، وهم الولاة المانعون من محارم الله، والوازع: الكلب، والزاجر، ومن يدبر أمور الجيش، ويرد من شذ منهم (٢).
قال في "الصحاح": وقال الحسن: لا بد للناس من وازع - أي: من سلطان - يكفهم؛ يقال: وزعت الجيش: إذا حبست أولهم على آخرهم.
قال الله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧].
وإنما سموا الكلب وازعاً؛ لأنه يكف الذئب عن الغنم، انتهى (٣).
قلت: وهذه من خصال الكلب المحمودة منه.
وقال الزبر قان كما تقدم: [من البسيط]
стр. 6330
تَعْدُو الذِّئابُ عَلى مَنْ لا كِلابَ لَهُ ... وَتتَّقِي صَوْلَةَ الْمُسْتَأْسِدِ الضَّارِي
* لَطِيفَةٌ:
روى الطبراني عن أبي ذر، وسلمان، والديلمىُّ عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "عَلِيٌّ يَعْسُوْبُ الْمُؤْمِنِيْنَ" (١).
وهذا الحديث مما تمسك به الشيعة في تقديم علي ﷺ بالخلافة، ولا دليل فيه إن صح؛ إذ المراد منه أن يكون علي رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين حين لا يكون أولى منه بولاية أمرهم، وإلا لكان أميرهم في حياة النبي ﷺ ، وهم لا يقولون بذلك إلا من زاغ من غُلاتهم.
ثم لما مات رسول الله ﷺ كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه أولى من غيره، فقدم، ثم قدم أبو بكر عمر ﵁ لأنه أولى من غيره، ثم قدم أهل الشورى عثمان رضي الله تعالى عنه وعنهم؛ لأنه أولى من علي ﵁، ثم لم يكن بعد عثمان أولى من علي رضي الله تعالى عنه، فصار يعسوب
стр. 6331
المؤمنين حينئذ.
ومما يؤيد ذلك ما رواه الخطابي في "الغريب" بإسناده عن أسيد ابن صفوان قال: لما مات أبو بكر رضي الله تعالى عنه قام علي ﵁ على باب البيت الذي هو مسجى فيه، فقال: كنت والله للدين يعسوباً؛ أولاً حين نفر الناس عنه، وآخراً حين فيلوا، طرت بعبائها، وفزت بحبائها، وذهبت بفضائلها، كنت كالجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف.
قال الخطابي: اليعسوب: فحل النحل وسيدها؛ ضربه مثلاً لسبقه إلى الأحلام، ومبادرة الناس إلى قبوله، فصار الناس بعد تبعاً له كاليعسوب يتقدم النحل إذا طارت، فتتبعه طرائق مطردة.
قال: وقوله: حين فيلوا؛ أي: حين فال رأيهم فلم يستبينوا الحق في قتال مانعي الزكاة، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فلمَّا رأوا منه الجد تابعوه.
يقال: فال الرأي، وفيل: إذا لم يصب فيه، انتهى (١).
وقوله: فيلوا، وفال، وفيل؛ الكل بالفاء.
فانظر كيف وصف علي أبا بكر رضي الله تعالى عنهما بأنه كان يعسوباً أولاً بالسبق إلى الإيمان، وثانياً بالتثبث في الرأي حين رأى قتال مانعي الزكاة، فرأى بعض الصحابة خلاف رأيه، ثم رجعوا كلهم
стр. 6332
إلى قوله، وتبعوه فيه حتى عليُّ ﵁، كما تتبع النحل يعسوبها، وذلك إجماع منهم على طاعته، وإذعان منهم لخلافته.
* تَنْبِيهٌ:
يناسب ما سبق أن لا بد للناس من إمام يسوسهم، ويقوم بمصالحهم: أن النبي ﷺ شبه الإمام وكل قائم على قوم بالراعي لما كان في الناس من النسبة الحيوانية، فقال ﷺ : "كُلُكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُوْلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" الحديث.
وقال فيه: "وَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُوْلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (١)، فشبه الإمام بالراعي والرعية بما يرعى من الأنعام ونحوها.
وكما أن في الأنعام ما له كمال الانقياد لراعيه، ومنها ما لا ينقاد له ولا يسمع زجره كذلك الناس.
قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
فالرعية مطالبون بالطاعة لوالي أمرهم وراعيهم، والإمام ومَنْ يقوم مقامَه مُطالبٌ بالإحسان إليهم والنصيحة لهم.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عطية بن قيس: أنَّ أبا مسلم الخولاني أتى معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم، فقام بين السماطين، فقال: السلام عليك أيها الأجير!
стр. 6333
فقال من عنده: صه.
فقال: السلام عليك أيها الأجير!
فقال معاوية: دعوا أبا مسلم؛ فإنه أعرف بما يريد.
قال: فتقدم، فقال: السلام عليك أيها الأجير!
فقال معاوية: وعليك السلام يا أبا مسلم.
فقال: اعلم أنه ليس من راع استرعي رعية إلا وبأجره سائله عنها؛ فإن كان داوى مرضاها، وهَنأَ جرباها، وجبر كسراها، ورَدَّ أولاها على أخراها، ووضعها في أنف من الكلأ وصفوة من الماء، وفَّاه الله أجره، وإن كان لم يداو مرضاها، ولم يهنأ جرباها، ولم يجبر كسراها، ولم يرد أولاها على أخراها، ولم يضعها في أنف من الكلأ وصفوة من الماء، لم يوفه أجره؛ فانظر مَنْ أنت مِنْ ذلك يا معاوية.
فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: يرحمك الله يا أبا مسلم! يرحمك الله يا أبا مسلم! يرحمك الله يا أبا مسلم (١)!
* فائِدَةٌ زائِدَةٌ:
كما ورد تمثيل المؤمنين بالنحلة - بالمهملة - ورد تمثيله بالنخلة - بالمعجمة -، وهي مصحفها.
روى الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي عن ابن عمر ﵄: أن
стр. 6334
النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ؛ فَحَدِّثُوْنِيْ مَا هِيَ؟ ".
ثم قال: "هِيَ النخْلَةُ" (١).
ووجه التمثيل: أن المسلم لا يتعرى من جماله وكسوته؛ أعني: من أعماله الصالحة، ولا من أخلاقه الجميلة، ولا من آدابه الحسنة، كما لا تتعرى النخلة من أوراقها صيفاً ولا شتاءاً.
وأيضاً فإنه ليس في النخلة شيء إلا ينفع؛ ثمرها، وجريدها، وكربها، وليفها، وقلبها.
وكذلك المؤمن لا يكون منه إلا نفع كما روى الرامهرمزي - بسند جيد - عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلَ النَّخْلَةِ؛ إِنْ شَاوَرْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ سَاكَنْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ شَارَكْتَهُ نَفَعَكَ" (٢).
- ومن ذلك النمل: وإنما ذكرته مع الطير لأنه يطير آخر عمره كما تقدم.
стр. 6335
وفيه من الخصال المحمودة أنه ضعيف حتى يضرب به المثل، فيقال: أضعف من نملة.
ومع ذلك لا يدع الحركة فيما ينفعه، ولذلك سمي نملاً لتنمله، وهو كثرة حركته.
وله حيلة في طلب الرزق، فإذا وجد شيئاً أنذر إخوانه لتأتيه، ويقال: إنما يفعل ذلك رؤساؤها.
والاعتبار في ذلك أن المؤمن ينبغي له أن يتحرك في نفع نفسه ومن يعوله على قدر حاله، ولا يكون كَلًّا على الناس، ولا يستبعد على نفسه الوصول إلى مطلوبه لضعفه كما قيل: [من السريع]
اقْنَعْ فَلا تَبْقَى بِلا بلغَة ... فَلَيْسَ يَنْسَى رَبُّكَ النَّمْلَةْ
إِنْ أَقْبَلَ الدَّهْرُ فَقُمْ قائِماً ... وَإِنْ تَوَلَّى مُدْبِراً نَمْ لَهْ
وروى الدارقطني، والحاكم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا تَقْتُلُوْا النَّمْلَ؛ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ يَسْتَسْقِيْ فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَىْ قَفَاهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا تَقُوْلُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لا غِنَىْ لَهُ عَنْ فَضْلِكَ، اللَّهُمَّ لا تُؤَاخِذْنَا بِذِنُوْبِ عِبَادِكَ الْخَاطِئِيْنَ، وَاسْقِنَا مَطَرًا تُنْبِتْ لَنَا بِهِ شَجَرًا وَأَطْعِمْنَا ثَمَرًا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵇: ارْحَلُوْا فَقَدْ كُفِيْنَا وَسُقِيْتُمْ بِغَيْرِكُمْ" (١).
стр. 6336
والاعتبار في ذلك أن العبد لا ينبغي له أن يكون مقصراً في الدعاء عند الطاعات والاضطرار، فيكون أعجز من هذه النملة، وإذا كان الله تعالى يجيب النملة ونحوها لدعائها فكيف بالقلوب المتوجهات إلى الله تعالى الناشئ توجهها إليه عن معرفته ومطالعة آياته بالعقول الصافية.
وروى الترمذي وصححه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان؛ أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلَ الأَرْضِ حَتَّىْ النَّمْلَةَ فِيْ جُحْرِهَا وَحَتَّىْ الْحُوْتَ فِيْ الْبَحْرِ لَيُصَلُّوْنَ عَلَىْ مُعَلِّمِيْ النَّاسِ الْخَيْرَ" (١).
والاعتبار في ذلك أن العبد ينبغي له أن يعرف للعالم حقه ويصلي عليه؛ أي: يدعو له معظماً لشأنه؛ لأن الصلاة: الدعاء بالرحمة مقرونة بالتعظيم، ولا يكون أعجز من النمل والحوت.
- ومن ذلك: الحوت، والسمك وهو ما لا يعيش إلا في الماء .
وروى أبو نعيم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: لما
стр. 6337
أهبط آدم ﵇ إلى الأرض كان فيها نسر وحوت في البحر، ولم يكن في الأرض غيرهما، فلما رأى النسر آدم وكان يأوي إلى الحوت ويبيت عنده كل ليلة، قال: يا حوت! لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه.
فقال له الحوت: لئن كنت صادقاً ما لي منه في البحر منجى ولا لك في البر [منه مَهْرب] (١).
وهذا بإلهام من الله تعالى لهما.
والاعتبار في ذلك أنَّ ابن آدم كذلك ألوف يألف إلى جنسه، فيجتمعان ويتشاكيان، ويتحاكيان، فينبغي أن لا تكون شكايته وحكايته إلا في خير وفيما ينفع.
وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "عُلَمَاءُ هَذهِ الأُمَّةِ رَجُلانِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا فَذَلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيْتَانُ الْبَحْرِ وَدَوَابُّ الْبَرِّ وَالطَّيْرُ فِيْ جَوِّ السَّمَاءِ، وَيَقْدُمُ عَلَىْ اللهِ تَعَالَىْ سَيِّدًا شَرِيْفًا حَتَّىْ يُرَافِقَ الْمُرْسَلِيْنَ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا وَشَرَىْ فِيْهِ ثَمَنًا فَذَلِكَ يُلْجَمُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُنَادِيْ مُنَادٍ: هَذَا الَّذِيْ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا وَاشْتَرَىْ بِهِ ثَمَنًا
стр. 6338
وَكَذَلِكَ حَتَّىْ يَفْرُغَ مِنَ الْحِسَابِ" (١).
والاعتبار في ذلك أن الإنسان ينبغي له أن يحب العلماء العاملين المخلصين، ويدعو لهم، ويتجنب علماء السوء، ويعْرِض عنهم؛ فإن قربهم فتنة.
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي عمران الجوني عن هَرِم بن حيان رحمه الله تعالى أنه قال: إياكم والعالمَ الفاسق.
فبلغ عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه وأشفق منها: ما العالم الفاسق؟
فكتب إليه هرم: والله يا أمير المؤمنين ما أردت به إلا الخير؛ يكون إمام يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق، فيشبِّه على الناس، فيضِلُّون (٢).
وعن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى قال: قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فاحتبسني عنده حولاً، ثم قال: يا أحنف! إني قد بلوتك وخبرتك، فوجدت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، وإنا كنا لنتحدث أن مما يهلك
стр. 6339
هذه الأمة كل منافق عليم.
ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن أَدْنِ الأحنف منك، واسمع منه، وشاوره (١).
وفي رواية عن الأحنف: وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: كنت عنده جالساً فقال: إن هلكة هذه الأمة على يدي كل منافق عليم، وقد رمقتك فلم أر منك إلا خيراً، فارجع إلى قومك؛ فإنهم لا يستغنون عن رأيك (٢).
وروى الإمام أحمد في "المسند" عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَىْ أُمَّتِيْ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيْمِ اللِّسَانِ" (٣).
وأقول: [من الوافر]
عَلَيْكَ بِصُحْبَةِ العُلَماءِ إِذْ هُمُ ... هُداةُ النَّاسِ فِي ظُلَمِ الزَّمانِ
عَنَيْتُ العامِلِينَ وَلَسْتُ أَعْنِي ... مِنَ العُلَماءِ عَلاَّمَ اللِّسانِ
يُنافِقُ مَنْ يَراهُ لأَجْلِ دُنْيا ... ويمْعِنُ فِي التَّفَصُّحِ وَالبَيانِ
стр. 6340
فَإِنْ فَتَّشْتَ عَنْ أَعْمالِهِ لا ... تَجِدْهُ أخاً لأَعْمالٍ حِسانِ
رآهُ النَّاسُ فَافْتُتِنُوا بِما قَدْ ... رَأَوْا مِنْهُ أَشَدَّ الافْتِتانِ
وقرأت في بعض المجاميع حديثاً: "الْمُؤْمِنُ فِي الْمَسْجِدِ كَالسَّمَكِ فِيْ الْمَاءِ، وَالمُنَافِقُ فِيْ الْمَسْجِدِ كَالطَّيْرِ فِيْ الْقَفَصِ" (١).
ولم أجده في كتب الحديث مع التطلُّب، ولكن معناه صحيح يشهد له الحديث المتقدم: "إِذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإيْمَانِ" (٢).
وفي كتاب الله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨].
- ومن ذلك: الإبل .
وهي توصف بالحنين، وهو الشوق وتوقان النفس، وهي تحن إلى أوطانها، وتشتاق إلى معاطنها حتى قالوا في المثل: لا أفعله ما حنت الإبل.
وقالوا: ما حنت النيب، وهي جمع ناب، وهي المسنة من النوق (٣).