والاعتبار في ذلك أن العبد لا ينبغي له أن يكون مقصراً في الدعاء عند الطاعات والاضطرار، فيكون أعجز من هذه النملة، وإذا كان الله تعالى يجيب النملة ونحوها لدعائها فكيف بالقلوب المتوجهات إلى الله تعالى الناشئ توجهها إليه عن معرفته ومطالعة آياته بالعقول الصافية.
وروى الترمذي وصححه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان؛ أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلَ الأَرْضِ حَتَّىْ النَّمْلَةَ فِيْ جُحْرِهَا وَحَتَّىْ الْحُوْتَ فِيْ الْبَحْرِ لَيُصَلُّوْنَ عَلَىْ مُعَلِّمِيْ النَّاسِ الْخَيْرَ" (١).
والاعتبار في ذلك أن العبد ينبغي له أن يعرف للعالم حقه ويصلي عليه؛ أي: يدعو له معظماً لشأنه؛ لأن الصلاة: الدعاء بالرحمة مقرونة بالتعظيم، ولا يكون أعجز من النمل والحوت.
- ومن ذلك: الحوت، والسمك وهو ما لا يعيش إلا في الماء .
وروى أبو نعيم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: لما
стр. 6337
أهبط آدم ﵇ إلى الأرض كان فيها نسر وحوت في البحر، ولم يكن في الأرض غيرهما، فلما رأى النسر آدم وكان يأوي إلى الحوت ويبيت عنده كل ليلة، قال: يا حوت! لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه.
فقال له الحوت: لئن كنت صادقاً ما لي منه في البحر منجى ولا لك في البر [منه مَهْرب] (١).
وهذا بإلهام من الله تعالى لهما.
والاعتبار في ذلك أنَّ ابن آدم كذلك ألوف يألف إلى جنسه، فيجتمعان ويتشاكيان، ويتحاكيان، فينبغي أن لا تكون شكايته وحكايته إلا في خير وفيما ينفع.
وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "عُلَمَاءُ هَذهِ الأُمَّةِ رَجُلانِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعًا وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا فَذَلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيْتَانُ الْبَحْرِ وَدَوَابُّ الْبَرِّ وَالطَّيْرُ فِيْ جَوِّ السَّمَاءِ، وَيَقْدُمُ عَلَىْ اللهِ تَعَالَىْ سَيِّدًا شَرِيْفًا حَتَّىْ يُرَافِقَ الْمُرْسَلِيْنَ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا وَشَرَىْ فِيْهِ ثَمَنًا فَذَلِكَ يُلْجَمُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُنَادِيْ مُنَادٍ: هَذَا الَّذِيْ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعًا وَاشْتَرَىْ بِهِ ثَمَنًا
стр. 6338
وَكَذَلِكَ حَتَّىْ يَفْرُغَ مِنَ الْحِسَابِ" (١).
والاعتبار في ذلك أن الإنسان ينبغي له أن يحب العلماء العاملين المخلصين، ويدعو لهم، ويتجنب علماء السوء، ويعْرِض عنهم؛ فإن قربهم فتنة.
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي عمران الجوني عن هَرِم بن حيان رحمه الله تعالى أنه قال: إياكم والعالمَ الفاسق.
فبلغ عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه وأشفق منها: ما العالم الفاسق؟
فكتب إليه هرم: والله يا أمير المؤمنين ما أردت به إلا الخير؛ يكون إمام يتكلم بالعلم ويعمل بالفسق، فيشبِّه على الناس، فيضِلُّون (٢).
وعن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى قال: قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فاحتبسني عنده حولاً، ثم قال: يا أحنف! إني قد بلوتك وخبرتك، فوجدت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، وإنا كنا لنتحدث أن مما يهلك
стр. 6339
هذه الأمة كل منافق عليم.
ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن أَدْنِ الأحنف منك، واسمع منه، وشاوره (١).
وفي رواية عن الأحنف: وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: كنت عنده جالساً فقال: إن هلكة هذه الأمة على يدي كل منافق عليم، وقد رمقتك فلم أر منك إلا خيراً، فارجع إلى قومك؛ فإنهم لا يستغنون عن رأيك (٢).
وروى الإمام أحمد في "المسند" عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَىْ أُمَّتِيْ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيْمِ اللِّسَانِ" (٣).
وأقول: [من الوافر]
عَلَيْكَ بِصُحْبَةِ العُلَماءِ إِذْ هُمُ ... هُداةُ النَّاسِ فِي ظُلَمِ الزَّمانِ
عَنَيْتُ العامِلِينَ وَلَسْتُ أَعْنِي ... مِنَ العُلَماءِ عَلاَّمَ اللِّسانِ
يُنافِقُ مَنْ يَراهُ لأَجْلِ دُنْيا ... ويمْعِنُ فِي التَّفَصُّحِ وَالبَيانِ
стр. 6340
فَإِنْ فَتَّشْتَ عَنْ أَعْمالِهِ لا ... تَجِدْهُ أخاً لأَعْمالٍ حِسانِ
رآهُ النَّاسُ فَافْتُتِنُوا بِما قَدْ ... رَأَوْا مِنْهُ أَشَدَّ الافْتِتانِ
وقرأت في بعض المجاميع حديثاً: "الْمُؤْمِنُ فِي الْمَسْجِدِ كَالسَّمَكِ فِيْ الْمَاءِ، وَالمُنَافِقُ فِيْ الْمَسْجِدِ كَالطَّيْرِ فِيْ الْقَفَصِ" (١).
ولم أجده في كتب الحديث مع التطلُّب، ولكن معناه صحيح يشهد له الحديث المتقدم: "إِذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإيْمَانِ" (٢).
وفي كتاب الله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨].
- ومن ذلك: الإبل .
وهي توصف بالحنين، وهو الشوق وتوقان النفس، وهي تحن إلى أوطانها، وتشتاق إلى معاطنها حتى قالوا في المثل: لا أفعله ما حنت الإبل.
وقالوا: ما حنت النيب، وهي جمع ناب، وهي المسنة من النوق (٣).
ومما يمدح به الإنسان حنينه إلى الأوطان حتى قيل: حب الوطن من الإيمان؛ وليس بحديث.
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه.
وقال أيضاً: قالت حكماء الهند: ثلاثة أصناف من الحيوان تحن إلى الأوطان: الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بها بعيداً، والطير إلى وَكْره وإن كان موضعه مجدباً، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر له نفعاً، رواهما الدينوري في "المجالسة" (١).
وروى ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]: إلى مكة (٢).
وروى البخاري، والنسائي، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]؛ قال: إلى مكة كما أخرجك منها (٣).
وروى الخطابي في "الغريب" عن الزهري قال: قدم أُصَيل
стр. 6343
- بالتصغير - الغفاري على رسول الله ﷺ من مكة قبل أن يضرب الحجاب، فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها: كيف تركت مكة؟
قال: اخضرت جنباتها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وانتشر سلمها ... الحديث.
فقال له رسول الله ﷺ : "حَسْبُكَ يَا أُصَيْلُ! لا تَحْزُنِّيْ" (١).
وروى ابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن" عن الأصمعي، عن أبي بكر الهذلي، عن رجال من قومه: أن أصيل الهذلي قدم على رسول الله ﷺ من مكة، فقال له: يا أصيل! كيف تركت مكة؟
قال: يا رسول الله! تركتها وقد ابيضت بطائحها، واخضرت مسيلاتها، وأمشر سلمها، وأغدق إذخرها، وأحجن ثمامها.
فقال: "يَا أُصَيْلُ! دعِ الْقُلُوْبَ تَقِرُّ، لا تُشَوِّقْهُمْ إِلَىْ مَكَّةَ" (٢).
والمسيلات: جمع مسيل، وهي الشعاب.
والأشار: خروج ورق الشجر وأغصانها، أو إمشار المسلم: إثماره ثمراً أحمر.
وإغداق الإذخر: اجتماع أصوله.
وإحجان الثمام: تعقفه؛ يقال: أحجن الثمام: إذا خرجت
стр. 6344
حجنته، وهي خوصه.
- ومن الإبل: الجمل الأنوف ، ويقال له: الآنف - بالمد، وبالقصر - وهو الذلول، أو المخزوم الذي لا يمتنع على قائده، بل ينقاد للولد الصغير؛ وأصله من: أنف - كعَلِمَ - إذا اشتكى أنفه من البرة، فهو أنف - كتَعِب -؛ عن ابن السكيت (١).
وكذلك ينبغي للمؤمن أن يكون منقاداً لطاعة الله وأوامره.
وفي حديث العرباض بن سارية المتقدم ﵁: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ... الحديث.
[وفي رواية]: "وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ كَالْجَمَلِ الآنِفِ حَيْثُ قِيْدَ انْقَادَ، وَإِنَّ أُنِيخَ عَلَىْ صَخْرَةِ اسْتنَاخَ". رواه أبو داود، وغيره (٢).
وروى الإمام عبد الله بن المبارك عن مكحول مرسلاً، والعقيلي، والبيهقي في "الشعب"، والديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُؤْمِنُوْنَ هَيِّنُوْنَ لَيِّنُوْنَ كَالْجَمَلِ الآنِفِ؛ إِنْ قِيْدَ انْقَادَ، وَإِنْ أُنِيْخَ عَلَىْ صَخْرَةِ اسْتَنَاخَ" (٣).
стр. 6345
* تنبِيهٌ:
الجمل الذكر، والناقة الأنثى، والبعير يقال لكل منهما.
قال أبو عبيد: وسُمع: صرعتني بعيري، وشربت من لبن بعيري، وإنما يقال له: بعير إذا أجدع (١).
وإنما وقع تمثيل المؤمن بالجمل الأنف لأن الجمل الذكر إذا كان ينقاد فكيف بالناقة، فالتمثيل بالجمل أبلغ.
وفي المثل: لكل أناس في بعيرهم خبر؛ أي: كل قوم يعلمون من صاحبهم ما لا يعلمه منه الغرباء.
وقال الزمخشري: قاله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في العلباء بن الهيثم السدوسي وقد وفد عليه في هيئة رَثَّة، وكان دميماً أعور، فلما كلمه أعجبه بجودة لسانه وحسن بيانه؛ أراد أن قومه لم يسودوه إلا لمعرفتهم به (٢).
وفي المثل أيضاً: القرم من الأفيل، والأفيل يجمع على إفال - كجمال - وأفايل، وهي صغار الإبل بنات المخاض ونحوها.
стр. 6346
والقرم، ويقال له: مقرم - ككرم -: هو البعير لا يحمل عليه ولا يذلل، وإنما هو للفحلة.
قال في "الصحاح": ومنه قيل للسيد: قَرْمٌ مُقْرَم تشبيهاً به، انتهى (١).
- ومن أخلاق الإبل: أنها تميل إلى السماع ميلاً كليا بحيث تكتفي به عن الطعام والشراب، وتتأثر منه تأثراً تستخف منه الأعمال الثقيلة، وتستقصر لقوة نشاطها في السماع المسافات الطويلة بحيث تسكر من السماع، وتتوله منه عن المشقات الهائلة بحيث تمد أعناقها، وتسرع في السير سراعاً حثيثاً إذا سمعت صوت الحادي.
قال جحظة البرمكي في ذلك: [من مجزوء الكامل المرفّل]
إِنْ كُنْتَ تُنْكِرُ أَنَّ فِي الأَلْـ ... ـحانِ فائِدَةً وَنَفْعاً
فَانْظُرْ إِلَى الإِبِلِ اللَّوا ... تِي هُنَّ أَغْلَظُ مِنْكَ طَبْعاً
تُصْغِي إِلَى صَوْتِ الْحُدا ... ةِ فَتَقْطَعُ الفَلَواتِ قَطْعاً
مَعْ أَنهمْ يُظْمُونهَا ... عَنْ مائِها خَمْساً وَرَبْعاً
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في "رسالته": واستلذاذ القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة، وارتياحها إليها ما لا يمكن جحوده؛ فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب، والجمل يقاسي
стр. 6347
تعب السفر ومشقة الحمولة، فيهون عليه بالحداء.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧].
ثم قال: أنا أبو حاتم السجستاني، أنا عبد الله بن علي السراج، قال: حكى محمد بن داود الدينوري الرقي قال: كنت في البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب، فأضافني رجل منهم، فرأيت غلاماً أسود مقيداً هناك، ورأيت جمالاً ماتت بفناء البيت، فقال لي الغلام: أنت الليلة ضيف، وأنت على مولاي كريم، فتشفع لي؛ فإنه لا يردك.
فقلت لصاحب البيت: لا آكل طعامك حتى تخلي هذا العبد.
فقال: هذا الغلام قد أفقرني وأتلف مالي.
فقلت: ما فعل؟
فقال: له صوت طيب، وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال، فحملها أحمالاً ثقيلة، وحدا لها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم واحد، فلما وصلت ماتت كلها.
ولكن قد وهبته لك، وحل عن العبد.
فلما أصبحت اشتهيت أن أسمع صوته، وسألته ذلك، فأمر الغلام أن يحدو على جمل كان هناك على بئر يستقي عليه، فحدا، فهام الجمل على وجهه، وقطع حباله، ولم أظن أني سمعت صوتاً أطيب منه، ووقعت على وجهي حتى أشار إليه بالسكوت.
وأجاد الشيخ عمر بن الفارض رحمه الله تعالى في شرح ما أشار
كَما يَجِدُ الْمَكْرُوبُ فِي نَزْعِ نَفْسِهِ ... إِذا ما لَهُ رُسْلُ الْمَنايا تَوَفَّتِ
فَواجِدُ كَرْبٍ فِي سِياقٍ لِفُرْقَةٍ ... كَمَكْرُوبِ وَجْدٍ لاشْتِياقٍ لِرِفْقَةِ
فَذا نَفْسُهُ رَقَّتْ إِلَى ما بَدَتْ بِهِ ... وَرُوحِي تَرَقَّتْ لِلْمُبادِي الْعَلِيَّةِ
وذكر ابن قتيبة في "عيون الأخبار": أن الفهد يصاد بضروب؛ منها الصوت الحسن؛ فإنَّه يصغي إليه إصغاءً شديداً (١).
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب "الأغاني": أن مخارق المغني خرج يوماً يتنزه مع إخوانه وفي يد أحدهم قوس مذهبة، فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنيت صوتاً فعطفت عليه هذه الظباء، أتدفع إلي القوس؟
فقال: نعم.
فاندفع يغني: [من المجتث]
ماذا تَقُولُ الظِّباءُ ... أَفُرْقَةٌ أَمْ لِقاءُ
أَمْ عَهْدُها بِسُلَيْمَى ... وَفِي البَيانِ شِفاءُ
مَرَّتْ بِنا سانِحاتٍ ... وَقَدْ دَنا الإِمْساءُ
стр. 6350
فَما أَحارَتْ جَواباً ... وَطالَ مِنَّا العَناءُ
قال: فعطفت الظباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه مصغية إلى صوته، فتعجب مَنْ حَضَرَ من رجوعها ووقوفها، وأخذ القوس (١).
قلت: وأنا لقد اتفق لي مرة أني كنت ومعي جماعة من إخواني الفقراء إلى الله تعالى في بعض بساتين الربوة بدمشق، ومعنا رجل حسن الصوت، مشهور بمعرفة الألحان والأنغام، أستاذ في بابه، وكان يتغنى وينشد من كلام القوم، فإذا أخذ في ألحانه أصغت إليه جميع الأطيار في ذلك البستان كأنها تستمع إليه، فإذا فرغ من نوبته أخذت سواجعها في نوبتها تغرد ما شاء الله تعالى، فلما أفقت عليها، وتعرفت أمرها بإصغائي إليها نبهت أصحابي، فاقبلوا على تبين ذلك، فاستبان لهم لا يشكون فيه، وقلنا للمنشد: أنشد، فلما أنشد سكت السواجع، وأصغت إليه سوامع، فما زال هذا ديدنها وديدننا حتى فرغ ذلك النهار، وكان هذا من عجيب الاتفاق.
فلا بأس أن يصغي الإنسان إلى السماع الطيب الذي لا يحرم ولا يكره، ولا يكون أعجز من الإبل والظباء، والفهود والأطيار، والبهائم؛ فإن العرب قد أحدثت لها أسماء أصوات تُفهمها ما تريده منها من سير أو شرب، أو وقوف أو تحول من طريق إلى طريق، أو انزجار عن شيء إلى غير ذلك.
стр. 6351
قال في "الإحياء": ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظة الطبع على الجمال والطيور، بل على سائر البهائم؛ فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة، ولذلك كانت الطير تقف على رأس داود ﵇ لاستماع صوته (١).
وقال الشيخ شمس الدين بن الجزري في "النشر": أخبرني جماعة من شيوخي، وغيرهم إخباراً بلغ التواتر عن شيخهم الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الصائغ المصري - وكان أستاذاً في التجويد - أنه قرأ يوماً في صلاة الصبح: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]، وكرر هذه الآية، فنزل طائر على رأس الشيخ يسمع قراءته حتى أكملها، فنظروا إليه فإذا هو هدهد (٢).
قلت: وحدثنا شيخنا فسح الله تعالى في مدته عن والده الشيخ الإمام العلامة يونس بن عبد الوهاب العيثاوي: أنه كان إذا قرأ القرآن في داره تبادر لسماع قراءته ديك كان عندهم، فيأتي حتى يقف أمام الشيخ منصتاً للقراءة، يرفع رجلاً ويضع أخرى، ولا يمل - وإن طالت القراءة وامتدت - حتى يتم الشيخ القراءة، فيضرب بجناحيه، ويصقع، ثم ينصرف.
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته": وقيل: مات
стр. 6352
بعض ملوك العجم، وخلَّفَ ابناً صغيراً، فأرادوا أن يبايعوه، فقالوا: كيف نصل إلى عقله وذكائه؟ فتوافقوا على أن يأتوا بقوَّال يقول شيئاً، فإن أحسن الإصغاء عَلِموا كياسته، فأتوا بقوال، فلما قال القوال شيئاً ضحك الرضيع، فقبلوا الأرض بين يديه، وبايعوه.
وقال فيها أيضاً: حكى إسماعيل بن علية قال: كنت أمشي مع الشافعي رضي الله تعالى عنه وقت الهاجرة، فجُزنا بموضع يقول فيه واحد شيئاً، فقال: مِلْ بنا إليه.
ثم قال: أيطربك هذا؟
فقلت: لا.
فقال: ما لك حِسٌّ؛ أي: إحساس.
والمعروف أن القصة إنما وقعت لإبراهيم بن إسماعيل بن علية كما ذكره ابن السبكي في ترجمة المزني عنه (١).
ورواه أبو علي بن الحسن بن الحسين بن حمكان في "مناقب الشافعي" عن المزني قال: مررنا مع الشافعي ﵁ وإبراهيم بن إسماعيل بن علية على دار قوم وجارية تغنيهم: [من الطويل]
خَلِيلَيَّ ما بالُ الْمَطايا كَأَنَّنا ... نرَاها عَلى الأَعْقابِ بِالقَوْمِ تَنْكُصُ
стр. 6353
فقال الشافعي: ميلوا بنا نسمع.
فلما فرغت، قال الشافعي لإبراهيم بن علية: أيطربك هذا؟
قال: لا.
قال: فما لَكَ حس (١).
والمجال في هذا الباب متسع، وللهو فيه في السماع مشارب وموارد، وقد وفينا بجملة من ذلك في كتابنا "منبر التوحيد".
- ومن الإبل: البُزْل ، ويقال لها: البُزَّل - بالتشديد -.
والبوازل: جمع بازل، وهو البعير الذي فطر نابه؛ يضرب به المثل للقوي في شأنه (٢).
وحكي أن سفيان بن عيينة ذكر له مالك بن أنس، فقال: ما مثلنا ومثل مالك إلا كما قال القائل:
وَابْنُ اللَّبونِ إِذا ما لُزَّ فِي قَرَنٍ ... لَمْ يَسْتَطِعْ صولَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ (٣)
стр. 6354
وروى الخطابي في "الغريب" عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: رأيت علياً رضي الله تعالى عنه يؤم بدن، وهو يقول: [من الرجز]
يا بُزلَ عامَيْنِ حديثٌ سِنِّي
سَنَحْنَحُ اللَّيْلِ كَأَنِّى جِنِّي
لِمِثْلِ هَذا وَلَدَتْنِي أُمِّي
وفي رواية: سمعمع الليل (١).
وأراد علي رضي الله تعالى عنه أنه مستجمع الشباب، مستكمل القوة في الجهاد والطاعة كالبازل الذي تم له سن شبابه، وكملت قوته من الإبل.
قال في "القاموس": رجل سنحنح: لا ينام الليل (٢)، والسمعمع: الداهية، والخفيف السريع، ويوصف به الذئب (٣).
ومن ذلك الخيل: قال رسول الله ﷺ : "الْخَيْلُ مَعْقُوْدٌ فِيْ نَوَاصِيْهَا الْخَيْرُ إِلَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
رواه الإمامان مالك، وأحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن عروة البارقي رضي الله تعالى عنه (٤).
стр. 6355
زاد في حديث: قيل: يا رسول الله! وما ذاك؟
قال: "لِلْغَزْوِ وَالْغَنِيْمَةِ".
قال في "حياة الحيوان": الفرس أشبه الحيوان بالإنسان لما يوجد فيه من الكرم، وشرف النفس، وعلو الهمة.
ومن أخلاقه الدالة على شرف نفسه: أنه لا يأكل علف غيره، انتهى.
وكذلك ينبغي للإنسان أن ينزه نفسه إلى التطلع إلى ما في أيدي الناس، ولا يتعدى على مال غيره بالظلم والعدوان، بل يكتفي بما قُسم له.
روى الخطيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرَفُ الْمُؤْمِنِ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ" (١).
وللجوهري صاحب "الصحاح": [من السريع]
لَوْ كانَ لِي بُدٌّ مِنَ النَّاسِ ... قَطَعْتُ حَبْلَ النَّاسِ بِاليَاسِ
العِزُّ فِي العُزْلَةِ لَكِنَّهُ ... لابُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ النَّاسِ (٢)
ومن كرم الفرس: أنه يُعاتب فينجع فيه العتاب.
روى الطبراني في "الكبير"، والضياء المقدسي في "المختارة" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "عَاتِبُوْا الْخَيْل؛
стр. 6356
فَإِنَّهَا تُعْتَبُ" (١).
وهو بضم أوله؛ أي: ترجع إلى ما يرضي صاحبها؛ تقول: استعتبت فلاناً فأعتبني؛ أي: أرضاني، وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتك راجعاً عن الإساءة.
والتشبه في ذلك بأن يرجع الإنسان إلى مرضاة حميمه - أي: صديقه - إذا عاتبه على أمر كرهه منه.
قال في "الصحاح": قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة؛ يقال: عاتبه معاتبة.
قال الشاعر: [من الوافر]
أُعاتِبُ ذا الْمَوَدَّةِ مِنْ صَدِيقٍ ... إِذا ما رابَنِي مِنْهُ اجْتِنابُ
إِذا ذَهَبَ العِتابُ فَلَيْسَ وِدٌّ ... وَيَبْقَى الوِدُّ ما بَقِيَ العِتابُ
ويقال: إذا تعاتبوا أصلح بينهم العتاب (٢).
стр. 6357
ومن لطائف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي: [من مخلَّع البسيط]
إِذا تَخَلَّفْتَ عَنْ صَدِيقِ ... وَلَمْ يُعاتِبْكَ فِي التَّخَلُّفْ
فَلا تَعُدْ بَعْدَها إِلَيْهِ ... فَإِنَّما وِدُّهُ تَكَلُّفْ (١)
وروى الإمام عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء في "المختارة" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالإِيْمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِيْ آخِيَّتِهِ يَجُوْلُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَىْ آخِيَّتِهِ، وَإِنْ الْمُؤْمِنَ يَسْهُوْ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَىْ الإِيْمَانِ؛ فَأَطْعِمُوْا طَعَامَكُمْ الأَتْقِيَاءَ، وَأَدْلُوْا مَعْرُوْفَكُمْ الْمُؤْمِنِيْنَ" (٢).
وروى الرامهرمزي بسند صحيح، عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالإِيْمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِيْ آخِيَّتِهِ يَجُوْلُ مَا يَجُوْلُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَىْ آخِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَقْرِفُ مَا يَقْرِفُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَىْ الإِيْمَانِ، فَأَطْعِمُوْا طَعَامَكُمْ الأَبْرَارَ وَأَدْلُوْا مَعْرُوْفَكُمْ الْمُؤْمِنِيْنَ" (٣).
стр. 6358
والآخية - ويمد، ويخفف -: عود في حائط، أو في حبل يدفن طرفاه في الأرض، ويبرز طرفه كالحلقة تشد فيها الدابة، وجمع: أخايا، وأخاي؛ قاله في "القاموس" (١).
والمعنى في الحديث: أن المؤمن يبعد عن ربه تعالى بالذنوب والإيمان ثابت في قلبه، كما أن الفرس يبعد عن آخيته ما طال رَسَنُه، ثم يعود إلى آخيته الثابتة.
- ومن أحوال الخيل: أن تنقسم انقسام الإنسان من حيث النسب، وتعتبر بأنسابها.
قال أهل اللغة: إذا كان الفرس كريم الأصل رائع الخلق، مستعداً للجري فهو عتيق وجواد، فإذا استوفى أقسام الكرم وحسن المنظر والمخبر، فهو طرف - بالكسر - وبذلك يوصف الإنسان.
قال في "الصحاح": والطرف أيضاً: الكريم من الفتيان (٢).
والذي تلخص من "القاموس": أن الطرف - بالفتح مع إسكان الثاني، وفتحه - بمعنى الكريم، وبالكسر: الكريم الطرفين (٣).
قال في "الصحاح": ويقال: فلان كريم الطرفين؛ يراد به نسبُ أبيه ونسب أمه، انتهى (٤).
стр. 6359
وإذا اختلف أبواه فهو إما هجين، وإما مقرف.
قال في "الصحاح": والهُجنة في الناس وفي الخيل إنما تكون من قبل الأم، فإذا كان الأب عتيقاً والأم ليست كذلك كان الولد هجيناً.
قال الراجز: [من الرجز]
ثَلاثَةٌ أَيُّهُمْ تلتمسُ ... العَبْدُ وَالْهَجِينُ وَالفَلَنْقَسُ
قال: والإقراف من قبل الأم.
قالت هند:
فَإِنْ نُتِجتْ حُرًّا كَرِيْماً فَبِالْحرى ... وإنْ يَكُ إقرافٌ فَمِنْ قِبَلِ الفَحْلِ (١)
وقال في باب السين: الفلنقس: الذي أبوه مولى وأمه عربية، وأنشد:
العَبْدُ وَالْهَجِينُ والفلنقسُ ... ثَلاثَةٌ فَأَيُّهُمْ تَلْتَمِسُ
قال: وقال أبو الغوث: الفلنقس: الذي أبوه مولى وأمه مولاة.
والهجين: الذي أبوه عتيق وأمه مولاة.
والمقرف الذي أبوه مولى وأمه ليست كذلك، انتهى (٢).
وقال في "القاموس": الفلنقس - كسَمَنْدَل -: مَنْ أبوه مولى وأمه
стр. 6360
عربية، أو أبواه عربيان وجدتاه أَمَتان، أو أمه عربية لا أبوه، أو كلاهما مولى.
والبخيل الرديء كالفلنقس (١).
وقال في باب النون: الهجين: اللئيم، وعربي ولِدَ من أمة أو من أبوه خير من أمه، انتهى (٢).
ولا شك أنَّ من كرم طرفاه أفضل من غيره نسباً، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ بَيْنَ كَرِيْمَيْنِ" رواه الطبراني في "الكبير" عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه (٣).
أي: مؤمن أبواه مؤمنان، أو أبواه نسبيان، أو بين عملين صالحين لا يفرغ من أحدهما إلا نصب في الآخر، أو بين صاحبين صالحين؛ أي: لا يصحب طالحاً، أو أحدهما صالح لدينه والآخر لدنياه، أو حالين كريمين بين حركة في خير أو سكون عن شر.
وقد يكون الإنسان كريم النسب لكنه خبيث الطباع، وقد يكون خبيث النسب كريم الطباع، والله يفعل ما يشاء في عباده، ويطبع كل واحد منهم على مراده، والمرجع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
стр. 6361
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]؛ أي: أتقاكم في نفسه وإن اختلفت أنسابكم وبلادكم وأزمنتكم.
وقال أنس بن زنيم لعبد الله بن زياد: [من الرمل]
سَلْ أَمِيرِي ما الَّذِي غَيَّرَهْ ... عَنْ وِصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَّعَهْ
لا تُهِنِّي بَعْدَما أَكْرَمْتَنِي ... وَعَزِيزٌ عادَةٌ مُنْتَزَعَهْ
لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرقاً خُلَّباً ... إِنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الْماءُ مَعَهْ
كَمْ بِجُودٍ مقرفٌ نالَ العُلَى ... وَكَرِيمٍ بُخْلُهُ قَدْ وَضَعَهْ (١)
وفي المثل: استكرمت فاربط، أو فارتبط.
وربما قالوا: أكرمت فارتبط؛ أي: وجدت فرساً كريماً فاربطه، واستمسك به.
قال الزمخشري: يضرب في وجوب الاحتفاظ بالنفائس (٢).
والمعنى في ذلك: أنَّ الإنسان إذا وجد رفيقاً رفيقاً، أو صديقاً صدوقاً، أو شيئاً موافقاً فليستمسك به؛ فإنه عزيز.
وقد قلت: [من البسيط]
стр. 6362
احْرِصْ عَلى وِدِّ خِلٍّ طابَ عُنْصُرُهُ ... وَقَدْ صَفا لَكَ مِنْهُ الوِدُّ وَالوَمَقُ
مِنَ السَّعادَةِ أَنْ تَلْقَى أَخا ثِقَةٍ ... فَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِهِ إِنْ كانَ يتفقُ
وَمَنْ يُفارِقْ خَلِيلاً كَيْ يُوافِقَ مَنْ ... يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُ خانَهُ الحمقُ
وَمَنْ يَعزهُ أَخو صِدْقٍ فَلَمْ يَرَهُ ... فِي النَّاسِ وَالآنَ ما فِي قَولهم ألَقْ
فَلْيَرْضَ بِاللهِ مِنْ كُلِّ الوَرى عِوَضاً ... كَفَى بِهِ آنِساً إِنْ مَسَّهُ الفَرَقُ
رَأَيْتُ عُزْلَةَ قَلْبِيَ الآنَ أَفْضَلَ ما ... يَرْجُوهُ ذُو اللُّبِّ مِنْ أَمْرٍ بِهِ يَثقُ
قَلقتُ مِنْ فَعَلاتِ الدَّهْرِ فِي زَمَنٍ ... حَتَّى عَرَفْتُ فَزالَ الْهَمُّ وَالقَلَقُ
وفي المثل: الخيل أعرف بفرسانها.
قال أبو عبيد: يعني: إنها اختبرت ركبانها، فهي تعرف الأكفاء من أهل الفروسية؛ يضرب لمن يستعين بالأكفاء، وربما يضرب لمن يخبر للصاحب بما هو عليه فينزله بمنزلته (١).
стр. 6363
وكذلك ينبغي للإنسان أن يكون عارفاً بمن له غناء ممن لا غناء فيه، فينزل الناس منازلهم، ويعرف الصديق من العدو.
وفي أمثال العوام: فلان ما يعرف صديقه من عدوه.
وفي معناه أيضاً قولهم في المثل الآخر: وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.
وقولهم: أنا أخبر بشمس بلادي.
وقولهم: المربي أخبر من الشاري.
وفي المثل: هما كفرَسَيْ رهان؛ يضرب للمتسابقين إلى غاية في خير أو شر (١).
والاعتبار فيه أنَّ الإنسان ينبغي له المسابقة إلى الخيرات كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨].
وكثيراً ما يضرب المثل بالسوابق من الخيل في الاستباق إلى خير، فيمثلون السابق والتالي بالسابق من الخيل، ثم بالمصلي، ثم المسلي، ويقال: القفي، ثم التالي، ثم المرتاح، ثم العاطف، ثم الحظي، ثم المؤمل، ثم اللطيم، ثم السكيت.
وقال الجاحظ: كانت العرب تعد السوابق ثمانية، ولا يعد ما جاء بعدها حظاً، وجعل اللطيم ثامناً.
стр. 6364
قال: وكانت العرب تلطم وجه الأخير وإن كان له حظ.
ويقال لمن جاء بعد العشرة: المقروح، والفسكل، والقاشور؛ والثلاثة بمعنى واحد.
والفسكل فيه لغات: كقنفذ، وزبرج، وزنبور، وبرذون.
ويقال للقاشور: القاشر، ويضرب المثل بها للمقصر في الأمر (١).
والأناسي كالخيل في الاستباق، فالسابقون كالسوابق، والمتأخرون عن الخير والسبق فيه كالمتأخرات.
وفي المعنى يقال في المثل: ولكن جئت في الزمن الأخير.
ويقال: ليس السابق كاللاحق.
وقالوا: ليس قطاً كمثل قطي.
ويقال: فرُّوج تدايك.
وقال كشاجم: [من مجزوء الكامل المرفّل]
وَتَسابَقَتْ عُرْجُ الْحَمِيـ ... ـرِ فَقُلْتُ مِنْ عَدَمِ السَّوابِقْ
وقلت: [من المجتث]
ما فِي الزَّمانِ سَبُوقٌ ... وَلا سَبُوحٌ مُصْلِّيْ
وَلا مُسلٍّ إِذا كا ... نَ لِلقُلُوبِ يُسلِّي
بَلِ البطالَةُ صارَتْ ... لِلنَّاسِ أَفْضَلَ شُغْلِ
стр. 6365
وَلَيْتَهُمْ بَعْدَ هَذا ... لَمْ يَزْعُموا كُلَّ فَضْلِ
تَساوَتِ النَّاسُ حَتَّى ... لَمْ يُحْسِبُوا رَبَّ أَصْلِ
وَإِنْ تَرُمْ سَيِّدَ النَّا ... سِ لا تَجِدْ غَيْرَ فسلِ
فَما البُكاءُ بِمُجْدٍ ... لِذاتِ حُزْنٍ وَثُكلِ
تُرِيدُ إِقْبالَ خَيْرٍ ... عَلى الزَّمانِ الْمُوَلِّي
لا يَنْفَعُ الْمَرْءَ إِلاَّ ... أَداءُ فَرْضٍ وَنَفْلِ
وفي المثل: جري المذكي حسرت عنه الحمر؛ أي: كلت وأعيت (١).
والمذكي فاعل من التذكية: هو الفرس إذا أتى عليه بعد القروح سنة أو سنتان، وهو أقوى ما يكون فيه الفرس من السن؛ يضرب في تبريز الرجل على أقرانه.
وفي المثل: مذكية تقاس بالجذاع.
المذكية: الفرس المسنة، والجذاع: الصغار؛ يضرب لمن يقيس الصغير بالكبير (٢).
والاعتبار في ذلك أن يكون الإنسان قوياً في دينه، لا يلحق شَأْوه في العلم والعبادة والفضائل.
стр. 6366
روى الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيٌّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلِّ خَيْرٌ.
احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْء فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ" (١).
وفي المثل: يجري بُليق ويُذم.
قال في "الصحاح": وهو اسم فرس كان يسبق الخيل، وهو مع ذلك يعاب (٢).
وكذلك قال الزمخشري، وقال: يضرب لذم المحسن (٣).
ومثله: الشعير يؤكل ويذم؛ يضرب في ذم المحسن (٤).
قلت: وقد يضربان في شكاية سوء حظ بعض المحسنين.
وفي المثل: أحشُّك وتروثني؛ يضرب لمن يسيء إليك وأنت تحسن إليه.
стр. 6367
وأول من قاله رجل كان يعلف فرساً له، فراث عليه، فقال ذلك مخاطباً للفرس (١).
ولا يقال ذلك للعتيق؛ فإنه لا يكون منه ذلك.
ثم صار مثلاً لكل من قابل الإحسان بالإساءة، وهو غير لائق.
وفي هذا المعنى قيل: [من الوافر]
أُعَلِّمُهُ الرِّمايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... فَلَمَّا اسْتَدَّ ساعِدُهُ رَمانِي
وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوافِي ... فَلَمَّا قالَ قافِيةً هَجانِي (٢)
والحق الذي لا شبهة فيه قول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
وفي المعنى قالوا: ما جزاء من أحب إلا أن يُحب.
نعم، الإحسان إلى المسيء أعلى رتبة من الإحسان إلى المحسن، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ أَخْلاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ". رواه البيهقي (٣).
стр. 6368
وقال ﷺ : "لَنْ يَنَالَ عَبْدٌ صَرِيْحَ الإِيْمَانِ حَتَّىْ يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَيَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَغْفِرَ لِمَنْ شَتَمَهُ، ويحْسِنَ إِلَىْ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ". رواه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (١).
وتقدم لنا في ذلك كلام مستوفى في القسم الأول من الكتاب.
- ومن أوصاف الخيل المحمودة التي يتيمن بها: الغرة: وهو بياض في الناصية.
والتحجيل: وهو بياض في الأطراف.
وكذلك هذه الأمة يكونون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وبذلك وصفوا في بعض الكتب المتقدمة.
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أُمَّتِيْ يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقَيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ مِنْ آثَارِ الْوضُوْءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيْلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" (٢).
* لَطِيفَةٌ:
في الحديث إشارة إلى أن الغرة والتحجيل ممكنا الحصول للإنسان بالتكسب مع التوفيق بخلافهما من الفرس؛ فإنهما فيها لمجرد الخلقة.
- ومن لطائف الخيل: ما رواه الحاكم وصححه، عن أبي ذر ﵁،
стр. 6369
عن النبي ﷺ أنه قال: "مَا مِنْ فَرَس عَرَبِىٍّ إِلاَّ يُؤْذَنُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ بِدَعْوَتَيْنِ يَقُوْلُ: اللَّهُمَّ كَمَا خَوَّلْتَنِيْ مَنْ خَوَّلْتَنِيْ فَاجْعَلْنِيْ مِنْ أَحَبِّ مَالِهِ وَأَهْلِهِ إِلَيهِ" (١).
وفي لفظ: "مَا مِنْ فَرَسٍ عَرَبِىٍّ إِلاَّ يُؤْذَنُ لَهُ عِنْدَ سَحَرِ كُلِّ يَوْمٍ بِدَعْوَتَيْنِ: اللَّهُمَّ كَمَا خَوَّلْتَنِيْ مَنْ خَوَّلْتَنِيْ مِنْ بَنِيْ آدَمَ فَاجْعَلْنِيْ مِنْ أَحَبّ مَالِهِ وَأَهْلِهِ إِلَيْهِ" (٢).
وفي قوله: "وَأَهْلِهِ" إشارة إلى أن الفرس تقوم مقام الأهل من حيث إنه يرتفق به صاحبه، ويأنس به، ويوصله إلا ما لا يصل إليه دونه.
ومن هنا كان للفارس ضعف ما للراجل في الغنائم.
وعن عبد الله بن وهب مر رجل راكب على فرس بالنبي ﷺ فسلم، فقال النبي ﷺ : "وَعَلَيْكُمَا السَّلامُ" كما نقله السيوطي في "ديوان الحيوان" عن "تذكرة" الشيخ تاج الدين بن مكتوم عن تعليق لأبي علي الآمدي بخطه.
- ومن ذلك: الشاة: واحدة الشاء، والغنم: الذكر والأنثى من الضأن، أو المعز.
جاء في الخبر تمثيل المؤمن بالشاة، وكذلك تمثيل المنافق بالشاة العائر بين الغنمين، وقد سبق هذا.
стр. 6370
وأمَّا تشبيه المؤمن بالشاة فمن حيث ضعفها ولينها وعدم صيالها، وكذلك المؤمن هين لين، كما تقدم.
روى عبد بن حميد في "مسنده" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: افتخر أهل الإبل وأهل الغنم عند رسول الله ﷺ ، فقال: "السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ فِيْ أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِيْ أَهْلِ الإِبِلِ" (١).
وروى ابن ماجه عن عروة البارقي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الإِبِلُ عِزٌّ لأَهْلِهَا، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ، وَالْخَيْرُ مَعْقُوْدٌ فِيْ نَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَىْ يَوْمِ الْقَيَامَةِ" (٢).
وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْبَرَكَةُ فِيْ الْغَنَمِ، وَالْجَمَالُ فِيْ الإِبِلِ" (٣).
وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الشَّاةُ فِىْ الْبَيْتِ بَرَكَةٌ، وَالشَّاتَانِ بَرَكتَانِ، وَالثلاثُ ثَلاثُ بَرَكَاتِ" (٤).
стр. 6371
وروى ابن سعد في "طبقاته" عن أبي الهيثم بن التيهان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ عِنْدَهُمْ شَاةٌ إِلاَّ وَفِيْ بَيْتِهِمْ بَرَكَةٌ" (١).
وعن خالد بن يزيد المزني رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَرُوْحُ عَلَيْهِمْ ثَلاثة مِنَ الْغَنَمِ إِلا بَاتَتْ الملائِكَةُ ﵈ تُصَلّيْ عَلَيْهِمْ حَتَّىْ يَصْحُوا" (٢).
وأخرجه أبو نعيم - بسند واه - وقال: "إِلاَّ صَلَّتْ عَلَيْهِمْ الملائِكَةُ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتِهِمْ حَتَّىْ يُصْبِحُوْا" (٣).
وروى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "الشَّاةُ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ" (٤).
قلت: ومن شواهده ما رُوِيَ أن الكبش الذي فُدِيَ به إسماعيل ﵇ أتى به جبريل ﵇ من الجنة (٥).
وإنما كانت الشاء بهذه المثابة لما يغلب عليها من الطاعة والانقياد
стр. 6372
لرعاتها، ولطف إمرتها وعدم سطاها، فلا تحتاج رعاتها إلى كثير نَصَب، ولا شدة وزع وقوة منع.
ومن هنا كانت السكينة والوقار يغلبان على أهلها كما وقعت الإشارة إلى ذلك في الحديث المذكور بخلاف الإبل؛ فإنها تنفر وتند، وتهدر، وربما حقدت وسمخت، وأبت ونفرت عن أهلها، ومن هنا غلب على أهلها الفخر والخيلاء.
وفي الحديث: "أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِيْنِ" (١)، "وأَنَّ عَلَىْ سِنَامِ كُلِّ بَعِيْرٍ شَيْطَانٌ" (٢).
ومن ثم شبه إباء الخارج عن الطاعة بشرادها فيما رواه الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ أُمَّتِيْ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَىْ وَشَردَ شُرُودَ الْبَعِيْرِ عَنْ أَهْلِهِ" (٣).
وأخرجه البخاري مقتصراً على قوله: "إِلَّا مَنْ أَبَى".
زاد: قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟
стр. 6373
قال: "مَنْ أَطَاعَنِيْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِيْ فَقَدْ أَبَىْ" (١).
* فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ:
الغالب من حال أهل القرى دون المدائن الفلاحة، فيقتنون بها البقر، ويقتنون الغنم ضأنها ومعزها للذر والنسل، وقد يقتنون البقر لذلك، وقد علمت ما في الغنم من البركة وصلاة الملائكة على أهلها، ولعلها هي سبب البركة، وجاء في بقر الحراثة أنَّها سبب ذل صاحبها.
روى الطبراني في "الكبير" عن أبي أُمَامة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَغْدُوْ عَلَيْهِمْ فَدَّانٌ إِلاَّ ذُلُّوْا" (٢).
والفدان - بالتخفيف، والتشديد - كما في "القاموس": الثور، أو الثوران يقرن للحرث بينهما، ولا يقال للواحد فدان، أو هو آلة الثور (٣).
والمراد في الحديث المعنى الثاني.
ويحتمل الثالث؛ ففي "الصحيح": أنه ﷺ نظر إلى آلة حرث فقال: "مَا دَخَلَتْ هَذهِ دَارَ قَوْمِ إِلاَّ ذُلُّوا" (٤).
والحكمة في ذلك أن الله تعالى لما حكم على أهل الحراثة بالذل
стр. 6374
عوضهم ببركات المواشي ليتماسكوا بذلك عن ترك الحراثة، ومع ذلك فقد حبب الله إليهم الحرث حتى يحلف أحدهم الأيمان عند شيء ينوبه وشدة تلحقه على تركها، فإذا جاء إبانها كفَّرَ عن يمينه، وخلص منه، وعاد إليها ليكون ذلك سببا لعمارة البلاد والرفق بالعباد.
وهنا فائدة مهمة ينبغي التنبيه عليها:
روى أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْناَبَ الْبَقَرِ، وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُم الْجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ حَتَّىْ تَرْجِعُوْا إِلَىْ دِيْنكُمْ" (١).
فتبين من ذلك معجزة ظهرت للنبي ﷺ في صدق ما بينه، وذلك أنَّ العساكر إنما فرضت لهم الأعطية من بيت المال ليكونوا رصداً للجهاد، فآثروا الدنيا على ما أرصدوا له، وأقبلوا على تحصيلها ببيع العينة، بل بالربا المحض أضعافاً مضاعفة، وتعاطي الحرث والزروع، ومزاحمة الفلاحين في شأنهم، حتى إن الجندي منهم لا يزال بالفلاح حتى يأخذ داره وأرضه بأي طريق كان، ويشق عليهم مفارقة أموالهم ونعمهم، فأعرضوا عن الجهاد، فأصابهم الذل بعدم إغنائهم في الغزو وإخفاقهم، وتسلط الأعداء عليهم، بل سلَّط الله بعضهم على بعض
стр. 6375
حتى استذلت كبارهم صغارهم، واستطالت صغارهم على كبارهم، وهم لا يراجعون دينهم، ولا يرجعون إلى سبيلهم الذي أرصدوا له، فبقوا على زللهم وفتنتهم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْغَنَمُ أَمْوَالُ الأَنْبِيَاءِ ﵈ " (١).
وروى ابن ماجه بسند ضعيف، عنه: أنَّ رسول الله ﷺ أمر الأنبياء باتخاذ الغنم، وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج، وقال: "عِنْدَ اتِّخَاذِ الأَغْنِيَاءِ الدَّجَاجَ يَأْذَنُ اللهُ بِإِهْلاكِ الْقُرَى" (٢).
قال الشيخ موفق الدين عبد اللطيف البغدادي: أمر كلاًّ بالكسب بحسب مقدرتهم لأنَّ به عمارة الدنيا وحصول التعفف.
ومعنى آخر الحديث: أن الأغنياء إذا ضيقوا على الفقراء في مكاسبهم وشاركوهم في معايشهم تعطل الفقراء، ومن ذلك يكون هلاك القرى (٣).
وفي الحديث: "الْمُؤْمِنُ كَالشَّاةِ الْمَأْبُوْرَةِ". أورده صاحب "النهاية"،